الرئيسة من صفحات التاريخعام 2010سقوط الدولة العامرية بداية النهاية
 
الأحد 26 سبتمبر 2010
معركة الطواحين

سقوط الدولة العامرية بداية النهاية

المكان/ 18 جمادى الآخرة – 399 هـ

المكان/ قرطبة – الأندلس المفقود

الموضوع / انهيار دولة الوزراء العامريين أقوى من حكم الأندلس

الأحداث /

لقد مرت الأندلس خلال فترة الحكم الإسلامي عليها بمراحل مختلفة تتراوح بين قوة وضعف وتجمع وتفرق وقيادة وتبعية وطلب ودفاع وصل عددها إلى عشر مراحل لا يعلم كثير من المسلمين شيئاً عن تاريخ هذه المراحل ونظراً لأن بعض هذه المراحل مجهولة تماماً رغم أنها تعد أعظم المراحل التي عاشها المسلمون في الأندلس .

هي المرحلة الخامسة من تاريخ الأندلس المفقود وتسمى بعصر سيطرة الوزراء العامريين وذلك ابتداءاً من سنة 366 هـ عندما تولى الأمر هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الملقب بهشام المؤيد وكان طفلاً صغيراً وانقسم الناس بشأنه فقسم العسكر يرى في هشام طفلاً لا يصلح للإمارة ويرشحون عمه 'المغيرة بن عبد الرحمن الناصر' مكانه ,وقسم الوزير المصحفي ورجال الحكم المدنيين يرون استبقاء هشام المؤيد في الحكم تقويد لنفوذهم واستئثاراً بالسلطة وهذا الفريق بادر بمؤامرة قتل بها المغيرة عم هشام , وفي تلك الأثناء ظهرت شخصية فتية قوية على الساحة كان لها أعظم الأثر بعد ذلك وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري القحطاني وهو شاب صغير أصله من الجزيرة الخضراء من الأندلس قد نزح أباؤه من قبل إلى الأندلس مع الجيوش الفاتحة أيام طارق بن زياد وكان أجداده ذوي وجاهة في الجند , وجاء محمد هذا قرطبة وهو شاب فطلب العلم والآداب وسمع الحديث في جامعها وكانت له همة عالية وعزيمة تناطح السحاب .

بدأ نبوغ هذا الرجل يظهر منذ عهد الحكم والد هشام المؤيد حيث بدأ بعد التعلم في جوامع قرطبة بمزاولة عمل بسيط حيث افتتح دكاناً بجوار قصر الخلافة يكتب للناس فيه شكاوهم فاستهوى بشخصيته المتميزة جمهور الأندلس وخاص ة من اتصل به من خدم القصر وغلمانه فهيئوا له الاتصال بالسيدة 'صبح' زوجة  الحكم وأم هشام المؤيد والتي أعجبت بذكائه ونبوغه فوكلت إليه النظر في شئون أموالها وضياعها فبانت كفايته وهمته العالية ورضيت عنه السيدة صبح فنبهت إليه الخليفة الحكم فولاه القضاء في بعض النواحي ومازال محمد يرتقي حتى وصل إلى مرتبة تكافئ الوزراء في آخر أيام الحكم ولما مات الحكم سنحت الفرصة لابن أبي عامر للاستيلاء على النفوذ المطلق .

كان ابن أبي العامر حريصاً على أن يكون له النفوذ المطلق واستطاع بدهائه وذكائه الفذ أن يزيح كل من وقف في طريقه حتى تم له الأمر كله وبالغ في خدمة المسلمين حتى لم يعرف في التاريخ الإسلامي من كان أدأب على العمل به فقد كان يعمل عشرين ساعة في اليوم في خدمة الناس وتفقد الأمر بنفسه وسمى نفسه 'المنصور' ووكل أمور الدولة لرجال يثق فيهم وراح يراقب أعمالهم بنفسه وبث عيونه في كل ناحية ليطلع على كل كبيرة وصغيرة وكان شديداً في النظام حتى أن الجيش إذا كان يمر عليه المنصور عند العرض يصمت تماماً حتى الخيل نفسه يصمت عندما يمر عليه المنصور من شدة حزمه وضبطه[1] .

على الطرف الآخر كان هشام المؤيد منغمساً في لهوه ولعبه مع الجواري في القصر وكان معروفاً ببلاهته وأنه أخرق له الكثيرمن الأفعال والأقوال المضحكة التي تدل على سفاهته وعدم صلاحيته لهذا الأمر العظيم لذلك فإن المنصور قد حجبه عن الناس تماماً حتى لا يستخف أحد بالخلافة وهذا الحجب أغضب السيدة صبح أم هشام المؤيد فسعت لعزل المنصور والقضاء على نفوذه ولكن دهائه وذكائه حال دون محاولات صبح لإقصائه ومن هذه المحاولات :

- حاولت صبح الاستعانة بقوة خارجية من مراكش واتصلت ببعض الزعماء هناك ليأتي بقوة تقص المنصور وطلب هؤلاء الزعماء مالاً فأرسلت إليهم على شكل هدايا ولكن المنصور اكتشف الأمر واستولى على الهدايا والأموال وفشلت المؤامرة .

- أوعزت صبح للفقهاء بأن المنصور يستبد بالأمر على الخليفة الشرعي وتحركت الألسنة في قرطبة بهذا ولكن المنصور كان داهية فقابله الخليفة وقدم له فروض الطاعة والولاء وكان هشام فاقد الإرادة فأقنعه المنصور بالخروج معه في شوارع قرطبة ليراه الناس ويكذبوا الإشاعات عليه .

- أرادت صبح أن تأخذ طريقاً آخر فأشاعت بين الناس أن المنصور زنديق وهي تهمة كفيلة بقتله ولكن الداهية تخلص من هذه التهمة بحيلة بارعة حيث استدعي الفقهاء وطلب منهم أن يحصوا الكتب التي لا تتمشى مع الدين في مكتبة الحكم وكانت تلك المكتبة من أضخم مكتبات العالم ثم يخرجوها ويحرقوها بمحضر عام فنال الفلاسفة من ذلك ضرر كبير وارتفعت مكانته عند الفقهاء والعلماء وعامة الناس والواقع أن المنصور كان يكره الحكم لميله للفلاسفة وعلوم الأوائل ولكن المنصور من رواة الحديث فكان يكره الفلاسفة .

استقرت الأمور للمنصور وصار هو رائد الدولة العامرية فنظم الأمور ورتب البلاد وبنى مدينة 'الزاهرة' وشحنها بالسلاح والعتاد والمؤن ونقل إليها دواوين الحكم واستطاع المنصور أن يقضى على أخطر آفة كانت تعصف بالأندلس وسبب كل بلية كانت في الأندلس ألا وهي القبلية والعصبية القومية التي كانت ماثلة أمام عين المنصور ورأى ضرورة القضاء عليها وذلك عن طريق خلط القبائل العربية مع بعضها البعض في الجيش فمثلاً الكتيبة في الجيش قديماً كانت تضم قبيلة معينة بالذات جميع أفرادها من نفس القبيلة وهذا جعل الجيوش الإسلامية تتصارع فيما بينها كثيرا لإنقسام الجيش على نفسه , فجاء المنصور فجعل الكتيبة تضم داخلها أفراد من جميع القبائل العربية فذابت العصبية القبلية منهم وكان ذلك من أفضل أعمال المنصور[2] .

أما أعظم أعمال المنصور على الإطلاق هو الجهاد في سبيل الله , فلقد كان المنصور لديه حباً فطرياً للجهاد في سبيل الله حيث كان يغزو الصليبيين في كل عام مرتين في الربيع والخريف وذلك طوال حياته حتى أنه خرج لاثنين وخمسين غزوة والعجيب أنه لم يهزم قط ولا مرة فقد كان ميمون الراية لم تنكس له راية حتى في أحلك المواقف عندما انهزم المسلمون في إحدى الغزوات ثبت هو وحده ومعه والداه وقاضي قرطبة وأبرز خيمته للعدو وللمسلمين أيضا فعاد المنهزمون للقتال مرة أخرى , وغزا المنصور أعظم مدن الصليبيين وهي المقدسة عندهم وحاصرهم ولم يرجع عنها حتى أخذ ابنة أكبر ملوكهم وكانت أجمل نساء الأرض من نسل هرقل فرفضوا بشدة إعطائها له في البداية وتحت ضغط الحصار وافقوا وكانت هذه المقولة العجيبة عندما قالوا لها 'اجعلى المنصور يستوصي بنا خيراً .. فقالت لهم 'إن العز لا ينال باتخاذ النساء ولكن بالسيوف والرماح يا أيها الجبناء' .

وبلغت الأندلس في عصره أوج قوتها وأقصى اتساع لها وانقمع الصليبيون جداً وذلك وحقروا حتى أنهم كانوا مجرد أن يسمعوا ذكر قدومه يفرون هاربين قبل القتال أو يتصالحوا معه وكان من شدة حبه للجهاد ربما كان يصلى العيد في مصلاه ثم يخرج من الصلاة إلى الجهاد مباشرة ثم يتلاحق به الناس , وعاد مرة من الجهاد والغزو فاعترضت طريقه إمرأة عجوز فقالت : يا أيها الأمير كل الاس مسرور إلا أنا .. فقال لها : لما يا أمة الله .. قالت له : إن ابني أسراً عند الفرنج في بلد كذا , فلوى عنق فرسه وخرج للجهاد من فوره لتلك الناحية حتى أعاد لها ولدها .

ضرب لنا المنصور مثلاً رائعاً في الاستعلاء بالدين على روابط البشر فلقد خرج عليه ابن له وهرب والتحق بملك الصليبيين في مدينة سمورة فجهز المنصور حملة قادها بنفسه وحاصر تلك المدينة حتى فتحها وأخذ هذا الولد الخائن الموالي للكافرين وقتله بيديه[3].

ثم حانت نهاية هذا الرجل الفذ الذي لم تنجب الأندلس مثله وذلك في سنة 392هـ وهو في الغزو والجهاد في سبيل الله عندما كان غازياً لمدينة سالم أقصى مدينة في الأندلس وكان موته مبطوناً فكان شهيداً وإن لم يقتل في غزواته الكثيرة وتنفس نصارى الشمال الصعداء لموته[4].

وقد جمع المنصور من غزواته الكثيرة الغبار الذي يون على سلاحه وترسه من الجهاد والطعن والضرب وأمر أن يكون هذا الغبار معه في كفنه ليشهد عليه يوم القيامة بجهاده في سبيل الله .

بعد موت المنصور تولى مكانه ولده الأكبر المظفر بن أبي عامر وذلك في حياة هشام المؤيد أيضاً وسار المظفر سيرة أبيه وكان مثله في الجهاد والغزو والعمارة والنظام وكانت أيامه كلها رخاء وهدوء داخلي ولكنه لم يلبث أن مات بعد سبع سنين من موت أبيه .

تولى مكان المظفر أخو عبد الرحمن وهو ابن بنت ملك الصليبيين السابق ذكرها وكان كما يقولون عرقه دساس لأخواله فنشأ في لهو وخلاعة واستهتار محباً للشهوات وطع في من لم يكن يطمع في أبيه وأخيه وأغروه بالقيام بعمل شرير ألا وهو خلعه لهشام المؤيد وتولية نفسه مكانه وتلقب بالناصر وأشاع بين الناس وفاة هشام المؤيد وهذا الأمر أثار عشيرة الأمويين في الأندلس فثاروا عليه وانبعثت العصبية العربية من جديد بين المضريين 'عشيرة الأمويين' والقحطانيين 'عشيرة العامريين' وانفكت عرى الدولة الثابتة الراسخة واقتتل الناس فيما بينهم وعادت الشرور والآثام وقتل عبد الرحمن في النهاية على يد الأمويين وأعلن سقوط الدولة العامرية التي كانت أزهى الدول التي حكمت الأندلس والتي اتسع ملكها لأقصى حد وذلك في يوم 18 جمادى الآخرة سنة 399هـ وسبحان من يدوم ملكه ولا يزول .

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 سقوط الدولة العامرية بداية النهاية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7