الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010واجبات الدولة الإسلامية نحو الأقليات المسلمة2-3
 
الثلاثاء 28 سبتمبر 2010
New Page 1

واجبات الدولة الإسلامية نحو الأقليات المسلمة2-3

سليمان محمد توبولياك

نفهم مما سبق أن على الدولة الإسلامية أن تنصر هؤلاء المسلمين، في حالة عدم وجود العهد بينها وبين الدولة التي يقيمون فيها بشروط:

1.   أن يطلب المسلمون المعتدى عليهم النصرة من الدولة الإسلامية؛ لأنهم أقدر على تقدير الظروف، وخطورة ما يقع عليهم من ظلم واعتداء، وعلى الدولة الإسلامية أن تضغط على تلك الدولة بكل الوسائل لترفع الظلم والمعاناة عن هؤلاء المسلمين.

2.   أن يكون الموضوع الذي طلبوا نصرتهم فيه موضوعاً دينياً؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} [الأنفال:72]، وهنا تظهر الحكمة الإلهية حيث لا يضطهد المسلمون في كل العالم، إلا لأجل دينهم، وحيث يعطى لهم حرية دينية هم يكونون قد حصلوا على كل شيء؛ لأن الدين عندنا يشمل جميع نواحي الحياة.

أما إذا استنصروا الدولة الإسلامية، لأجل أمور غير دينية كالأمور المحرمة، فلا يجوز نصرتهم على ذلك، من مثل افتتاح محلات الخمر، أو النوادي الرقصية والموسيقية، ونحو ذلك.

3.   وأن لا يكون بين الدولة الإسلامية وغير الإسلامية التي اعتدت على المسلمين فيها معاهدة سلمية، توجب الكف عن القتال.

4.   أن لا تكون مصلحة ترك نصرة المسلمين في دار الكفر أرجح من مصلحة نصرة المسلمين في ديار الإسلام نفسها، والدليل على ذلك صلح الحديبية، الذي ترتب عليه ترك نصرة المستضعفين في مكة، حسب النظرة الأولى، ولكن الرسول كان يهدف من وراء ذلك الصلح إلى أن يحيد مكة في الصراع الدائر بين دار الإسلام وبين المشركين الآخرين، ويهود الجزيرة العربية، حتى إذا انتهى معهم التفت حينئذ إلى مكة التي تبقى في هذه الحالة وحيدة في هذا الصراع مع الإسلام[1].  

الفرع الثاني: نصرة الأقليات المسلمة في حال وجود معاهدة مع الدولة الكافرة:

هذه الحالة هي عندما يعتدي المعتدي على هؤلاء المسلمين، ويوجد العهد بينه وبين الدولة الإسلامية، فعند هذه الحالة يقول تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ}[الأنفال:72].

من هذه الآية نفهم أن على المسلمين الذين يعيشون داخل الدولة الإسلامية واجب نصرة إخوانهم خارج الدولة الإسلامية، إلا إذا كان هناك عهد بين هذه الدولة والدولة الإسلامية، وحينئذ لا يجوز للدولة الإسلامية أن تنصر مواطني تلك الدولة من المسلمين كي لا ينقض العهد؛ لما للمعاهدات في الإسلام من القداسة حتى مع الأعداء؛ لقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:91].

وعن أبي طفيل –رضي الله عنه- قال: حدثنا حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيك، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذا منا عهد الله وميثاقه: لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا نفِ لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"[2].   

وهذا يعني أنه لا يجوز أن تنصر الدولة الإسلامية المسلمين إذا كان هذا العهد بينها وبين هذه الدولة قائماً، ولكن لكي لا تأخذ الدولة غير الإسلامية هذه العهود وسيلة لإبادة المسلمين، إذا هي عرفت أن الدولة الإسلامية لن تتدخل لإنقاذ المسلمين مع وجود العهد، فلا بد لها أن تشترط في العهد أن أي مساس بهؤلاء المسلمين يعتبر نقضاً للعهد[3]؛ لأنه من المعروف أن المسلمين اليوم منتشرون في جميع أرجاء العالم، على خلاف ما كان عليه المسلمون في بداية عهد الإسلام.

فإذا اعتدت هذه الدولة في هذه الحالة على المسلمين، يعتبر العهد منقوضاً، وعلى الدولة الإسلامية أن تنصر المسلمين[4].

أما إذا عقدت الدولة الإسلامية عهداً مع الدولة غير الإسلامية، ولم تشترط هذا الشرط، فعليها أن تفي بالعهد بعدم قتال تلك الدولة، ولكن على الدولة الإسلامية أن تضغط على هذه الدولة بجميع الوسائل السلمية المتاحة لديها، خارجية وداخلية؛ لكي ترفع الظلم عن المسلمين إذا اعتدي عليهم من قبل هذه الدولة.

جاء في تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: "{وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} على عدوهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق فلا تعينوهم عليهم ولكن أًصلحوا بينهم"[5].

ولكن هناك معاهدة بين الدولة الإسلامية وغيرها من دن شروط، وتبين لدى الدولة الإسلامية أن هذه الدولة الكافرة تستغل هذه المعاهدة لإيقاع السوء بالمسلمين الموجودين فيها، وحينئذ يجوز للدولة الإسلامية أن تنبذ هذه المعاهدة، وهذا ما حدث في يوغسلافيا سابقاً، وفي روسيا، حيث دبر للمسلمين الإبادة والقتل من قبل هذه الدول، ولكن الدول الإسلامية ما زالت معها على العهد والصداقة، على الرغم من معرفتها بهذا، فحدث ما حدث.

والدليل على النبذ هو قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58].

وجاء في أحكام القرآن: "{وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} يريد إن دَعَوا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك عليكم فرض، إلا على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تقاتلوهم عليهم، يريد حتى يتم العهد أو ينبذ على سواء"[6].

ومما سبق نرى أن على الدولة الإسلامية أن تنصر المسلمين الذين يعيشون في الدولة غير الإسلامية، في حالة وجود العد بينها وبين هذه الدولة في الحالات التالية:

1.   إذا انتهى العهد بانقضاء مدته.

2.   إذا نقضت هذه الدولة العهد، أي: إذا لم تفِ بشروط العهد[7].

3.   إذا أحست الدولة الإسلامية خيانة ومكراً من هذه الدولة تجاه هؤلاء المسلمين، فعليها أن تنقض العهد، وأن تحمي هؤلاء المسلمين.

ويجب على المسلمين أن ينصروا إخوانهم في أي بقعة من بقاع الأرض كانوا فيها مستضعفين، وإن لم يفعلوا ذلك يتجرأ الكفار على إبادتهم، وقتلهم، وتشريدهم، وتهجيرهم، كما يفعلون اليوم في كل بقاع العالم، من الصين إلى البوسنة والهرسك.

ولذلك قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73].

أي أن الكفار أولياء يناصر بعضهم بعضاً، وإذا أنتم أيها المسلمون لم تفعلوا ذلك فيما بينكم، يكن فتنة في الأرض وفساد كبير، حيث يتجرأ عليكم الكفار، ويفتنونكم في كل شيء؛ لأنكم مسلمون، وأينما تكونوا فعدوكم واحد، على اختلاف مللهم وأوطانهم ومبادئهم.

قال سيد قطب: "المسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد، والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله –فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها- تبعة هذا الفساد الكبير"[8].

يقول ابن العربي: قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، فيتناصرون بدينهم، ويتعاملون باعتقادهم"[9].

ويقول البوطي تعقيباً على هذا القول: "ولا ريب في أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية هو أساس نصرة المسلمين، في كل عصر وزمن، كما أن إهمالهم وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم، وتآلب أعدائهم عليهم من كل حدب وصوب"[10].  

المصدر: الأحكام السياسية للأقليات المسلمة في الفقه الإسلامي ص 164 ص169

 _______________ 
 

[1]  انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/204، والجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1/682- 684.

[2]  رواه مسلم، صحيح مسلم 3/1414، ح1787.

[3]  انظر روضة الطالبين، 10/ 345.

[4]  انظر تفسير المنار، 15/159.

[5]  أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي الشافعي، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، المطبوع مع مجموعة التفاسير، الطبعة الأولى، المطبعة العامرة، استانبول، 1317هـ 3/74.

[6]  أحكام القرآن، لابن العربي، 2/887.

[7]  انظر تفسير المنار، 15/159.

[8]  في ظلال القرآن، 3/1559.

[9]  أحكام القرآن 2/876.

[10]   محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، الطبعة الحادية عشرة، دار الفكر، دمشق، 1991م، ص131.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 واجبات الدولة الإسلامية نحو الأقليات المسلمة2-3

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7