الرئيسة قراءة في كتابالديني بين المسلمين وأهل الكتاب بالأندلس
 
الأحد 17 أكتوبر 2010

عنوان الكتاب: الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بالأندلس ( ابن حزم- الخزرجي)

اسم المؤلف: خالد عبد الحليم عبدالرحيم السيوطي

الناشر: دار قباءللطباعة والنشر والتوزيع- القاهرة

تاريخ النشر: 2001م

عدد الصفحات: 296

 

دامت الحضارة الإسلامية في الأندلس نحو ثمانية قرون منذ الفتح الإسلامي في ( 92هج/ 711م) إلى السقوط النهائي في ( 897 هج/ 1492م)، وقد تكونت المجتمعات  الأندلسية من عناصر وأجناس متباينة كما تعددت فيها الأديان، فنجد المسلمين ويتكونون من العرب والبربر والمولدين، وأهل الكتاب من النصارى واليهود ومنهم الصقالبة النصارى الذين وفدوا من الدول الأوربية وعاشوا في خدمة المسلمين. وقد عاشت جميع الطوائف الدينية في أمان وحرية كفلها لهم الإسلام، وأقبل غير المسلمين على النهل من مبادئ الثقافة العربية الإسلامية وعرفوا بالمستعربين. وفي ظلال الحرية الدينية نشأ جدل ديني بين المسلمين وغيرهم وتجلى في مظاهر المناظرات الشفوية والرسائل والكتب، ويعرض الكتاب لهذا الجدل الديني الأندلسي من خلال عدة محاور: فيتعرض لأهمية دراسة هذا الجدل وعلاقته بحياتنا المعاصرة، ثم يعرض لأسباب نشوء هذا الجدل، ويعرض لمظاهره والمجالات التي تمثل فيها، كما يبحث في الناحية العلمية لهذا الجدل حيث يعتبر أن المسلمين رواد في علم مقارنة الأديان وفي استخدام منهج النقد التاريخي للكتب المقدسة عند اليهود والنصارى. وينجز الكاتب المحاور السابقة من خلال نموذجين تطبيقيين هما : ابن حزم والخزرجي.

ابن حزم: ( 384: 456 هج) أحد أعلام الإسلام وواحد من عباقرة الحضارة الإسلامية، وقد صنف في الفقه وأصوله، وفي التاريخ والسيرة والأخلاق والنفس، ومقارنة الأديان وصنف فيها أشهر كتبه " الفصل في الملل والأهواء والنحل" والذي يعتبر موسوعة علمية تتميز بالشمول والدقة، وصنف أيضا " الرد على ابن النغريلة اليهودي" وكان هذا اليهودي قد صنف كتابا في الطعن على القرآن الكريم، كما ألف ابن حزم " إظهار تبديل اليهود والنصارى للكتابين:التوراة والإنجيل" وأيضا صنف " الأصول والفروع" وتعرض فيه لنقد بعض الملل.

الخزرجي: ( 519: 582 هج) هو أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة وينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الخزرجي. وللأسف أن المعلومات قليلة عن هذه الشخصية العظيمة، وقد عاش الخزرجي في فترة عصيبة في تاريخ الأندلس تميزت بكثرة الحروب بين المسلمين والنصارى، وكان من أسوأ وأخطر مظاهر هذه الفترة استعانة بعض الحكام المسلمين بأمراء النصارى لمغالبة إخوانهم المسلمين، وقد استعان ابن حمدين أمير قرطبة بالنصارى لمدافعة معارضيه، ودخل النصارى قرطبة في عام 540 هج وعاثوا فيها فسادا واستباحوا المسجد الجامع وربطوا فيه الخيول وحطموا الثريات ومزقوا المصاحف وأقاموا قداسا حافلا برئاسة أسقف طليطلة، واقتيد أسرى مسلمين إلى طليطلة ومنهم الخزرجي، وعمل الأساقفة هناك على تنصير الأسرى المسلمين وتصدى لهم الخزرجي الشاب الذي كان في بداية العشرينيات. وقد صنف الخزرجي في السيرة وعلم الكلام وعلوم القرآن والتاريخ، أما كتابه الأشهر في الجدل الديني فهو " مقامع هامات الصلبان ومراتع ياض الإيمان"

ويقدم المؤلف أسبابا وجيهة وكثيرة للاهتمام بدراسة الجدل الديني من علماء الإسلام لأهل الكتاب بالأندلس ومنها توضيح دور الجدل في الدعوة إلى الإسلام مصداقا لقوله تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، كما يعكس هذا الجدل احترام الإسلام للرأى المخالف وشمول الحضارة الإسلامية للتعددية العقائدية مصداقا لقوله تعالى " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"، كما يكشف هذا الجدل عن الاختلاف بين العقائد الإسلامية وغير الإسلامية ويكشف عن افتقاد عقائد أهل الكتاب للبرهان ومخالفتها للعقل، ويوضح مصادر انحراف عقائد اليهود والنصارى، كما يكشف عن الخدع والحيل التي لجأ إليها النصارى لتأييد عقائدهم عندما فقدوا الحجة العقلية السليمة فعمدوا إلى الزيف والأكاذيب والحيل لتأييدها، أيضا يكشف عن حركة التنصير في الأندلس والوسائل التي اتبعها القساوسة في نشاطهم التنصيري، كما أن دراسة الجدل الديني لأهل الكتاب يكشف عن مدى الحرية التي عاشها أهل الكتاب في الأندلس حتى أنهم ألفوا في الطعن على الإسلام وافتروا عليه الأكاذيب، والحق أن هذه ليست حرية دينية بل هي فوضى ترجع إلى ضعف الحكام المسلمين وتهاونهم في حماية دينهم.  

ويعدد الكاتب الأسباب التي دعت ابن حزم والخزرجي إلى الجدل الديني مع أهل الكتاب وأولها الاقتداء بهدى القرآن الكريم والسيرة النبوية في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام كما قال الله عز وجل " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا "، والاتصال المباشر بين المسلمين وأهل الكتاب في الحياة اليومية مما شجع الحوار العقائدي، والتصدي لتطاول اليهود على الإسلام والتصدي لحركات التنصير، وسنقف عند هذين السببين الأخيرين. قام علماء الإسلام في الأندلس برفع لواء الجدل الديني مع أهل الكتاب للدفاع عن الإسلام في وقت تهاون فيه الحكام المسلمين عن الذب عن دينهم واشتروا موالاة غير المسلمين فأخرج بعضهم ما في قلوبهم من غل وحقد على الإسلام في مظاهر سافرة ( ما أشبه اليوم بالبارحة). يقول ابن حزم " اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم وبجمع أموال ربما كانت سببا إلى انقراض أعمارهم وعونا لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك.." وقد عاش اليهود في حرية ونعيم في ظل الحضارة الإسلامية الأندلسية وهو الأمر الذي افتقدوه من قبل طوال تاريخهم ولكنهم كدأبهم لا يصدر عنهم إلا الشر والخيانة فيحذر ابن حزم  من التهاون معهم " إن كان العدو من عصابة لا تحسن إلا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المغتر إلى الضعف البادي وتحت ذاك الختل والختر والكيد والمكر كاليهود الذين لا يحسنون شيئا من الحيل ولا آتاهم الله شيئا من أسباب القوة وإنما شأنهم الغش والتخابث والسرقة على التطاول ..مع شدة العداوة لله تعالى ورسوله " وقد ألف اليهودي اسماعيل بن النغريلة وكان وزيرا لحاكم غرناطة كتابا في الطعن في القرآن زاعما أن القرآن فيه تناقض وقد رد عليه ابن حزم ردا شاملا مفحما، ولنقف عند قول ابن حزم والذي يحدد فيه أسباب تطاول هذه اليهودي على القرآن الكريم من اغتراره بماله واستخفافه بضعف أهل الرئاسة المسلمين" فإن بعض من تقلى قلبه للعداوة للإسلام وأهله وذوبت كبده ببغضه الرسول صلى الله عليه وسلم من متدهرة الزنادقة المستسرين بأذل الملل وأرذل النحل من اليهود.. أطلق الأشر لسانه وأرخى البطر عنانه واستشمخت لكثرة الأموال لديه نفسه المهينة وأطغى توافر الذهب والفضة عنده همته الحقيرة فألف كتابا قصد فيه بزعمه إلى إبانة تناقض كلام الله عز وجل اغترارا بالله تعالى ثم بملك ضعفه ثانيا، واستخفافا بأهل الدين بدءا ثم بأهل الرياسة في مجانة عودا ". وبعد وفاة ابن النغريلة الأب تولى ابنه يوسف الوزارة وقد استطال على المسلمين مما دفع علماء الإسلام إلى التصدي له وألف أبو إسحق الإلبيري قصيدة فجرت ثورة، وقد ندد فيها باختيار وزير يهودي وأثر هذا الاختيار على اليهود والمسلمين:

لقد زل سيدكم زلة                         تقر بها أعين الشامتين

تخير كاتبه كافرا                       ولو شاء كان من المسلمين

* * * *

فعز اليهود وانتخوا                     وتاهوا وكانوا من الأرذلين

 * * *

فصارت حوائجنا عنده                  ونحن على بابه قائمون

ويضحك منا ومن ديننا                    فإنا إلى ربنا منقلبون

وقد أثارت القصيدة حمية المسلمين فانقلبوا على اليهود ولاحقوا يوسف بن النغريلة الذي حاول الفرار وظفروا به وقتلوه وصلبوه على باب المدينة.

كذلك كان التنصير من أسباب اهتمام علماء الإسلام بالجدل الديني مع أهل الكتاب، وقد وصل الأمر بالنصارى إلى  دعوة الحكام  المسلمين علانية للتنصر مثل دعوة راهب فرنسي المقتدر بالله  حاكم سرقسطة ( ت 474 هج) للدخول في النصرانية " ونحن نضرع إلى سيدنا يسوع المسيح أن يتولى رعايتك  ويتكفل سلامتك ويهديك إلى دينه المقدس ويسعدنا بالإيمان الصحيح به "  وقد سمح المسلمون لأساقفة النصارى بعقد مؤتمراتهم الدينية كمؤتمر قرطبة 852 م، ومؤتمر إشبيلية 872 م، وكان يوجد أيضا أديرة من أهدافها ممارسة التنصير وكان بطرس الموقر ( 1094- 1156 م) رئيس رهبان كلوني يشرف على هذه الأديرة وقد اعترف بفشل التنصير في الأندلس فشلا ذريعا، وانتهى الأمر بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس في 897 هج- 1492 م بمحاولات التنصير الإجباري للمسلمين تحت وطأة التعذيب وأبشع صور الاضطهاد الديني.

أما تجليات الجدل الديني عند ابن حزم والخزرجي فتمثلت في جانبين: الأول نقد العقائد والكتب المقدسة لأهل الكتاب، والثاني رد المطاعن والشبهات عن الإسلام. في الجانب الأول نقد ابن حزم والخزرجي عقائد وكتب أهل الكتاب في أربعة أشياء: 1- نقدا  مفهوم الألوهية عند اليهود وهو المفهوم الذي يضفي صفات بشرية على الإله فالإله حسب توراتهم يتعب ويبكي ويئن ويكذب ويدعو بالويل على نفسه ويحزن ويندم، وفي المقابل تؤله التوراة الإنسان كما تعدد الإلهة في قولها " هذا آدم قد صار منا" فإذا كان هذا كلام الله فالإلهة متعددة وآدم إله، ونقدا عقيدة التثليث النصرانية وأثبتا مناقضتها للتوحيد الصحيح ونقدا  دعوى صلب المسيح بأدلة عقلية ونقلية. 2- التدليل على تحريف التوراة والإنجيل: وقدم ابن حزم نقد خارجي لهما أثبت فيه أن الإسلام اختص بثلاثة طرق للنقل والتواتر السليم، بينما تفتقد اليهودية والمسيحية هذه الطرق السليمة في التواتر ويضع قاعدة هامة " وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلها وكانا محظورين على من سواهما فالتبديل والتحريف مضمون فيهما " ثم يقوم بنقد داخلي يثبت فيه تناقض نصوص التوراة والإنجيل مع العقل واختلاف توراة اليهود مع توراة النصارى، وتناقض إصحاحات الإنجيل الواحد وتناقض النص بين الأناجيل المختلفة كما أثبت وجود أخطاء علمية: حسابية وتاريخية وجغرافية وفي علم المساحة وفي قوانين الطبيعة في التوراة. وينقد الخزرجي التوراة والإنجيل نقدا خارجيا ويقول إن اليهود أقروا باتفاق سبعين كاهنا على تبديل ثلاثة عشر حرفا من التوراة " ومن رضى تحريف موضع في كتاب الله فلا يؤمن منه تحريف الكثير" واختلاف التوراة بين طوائف اليهود، وبين اليهود والنصارى يثبت تحريف التوراة. أما النقد الداخلي فيرى الخزرجي تناقض التوراة مع العقل وتناقض النص بين إصحاحات الإنجيل الواحد، وأيضا بين الأناجيل المختلفة، كما يتناقض النص مع حقائق التاريخ. 3- أثبت ابن حزم والخزرجي أن القرآن الكريم ناسخ لأحكام التوراة والإنجيل. 4- أثبت ابن حزم والخزرجي أن التوراة والإنجيل قد بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد أوردا اثنا عشرة بشارة. أما جانب الرد على المطاعن في الإسلام فقد رد ابن حزم على مزاعم ابن النغريلة اليهودي في وجود تناقضات في القرآن في عدة شبهات منها على سبيل المثال زعمه وجود تناقض بين الآية " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله " والآية التي تليها " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " ، وقد رد الخزرجي على شبهات القسيس القوطي الذي حاول تنصيره ومنها زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه إنه لن يموت، ونفيهم لمعجزات الرسول وطعنهم في معجزته الكبرى وهو القرآن الكريم الذي نزل عليه، وإدعاؤهم أن لمسيلمة الكذاب كتابا لو رآه المسلمون لارتدوا عن الإسلام إعجابا بنظمه، وشبهة النصارى في نفي اللذات الحسية عن الجنة، وأيضا قول النصارى أن النصرانية انتشرت بدون سيف عكس الإسلام الذي انتشر بالسيف. ومن أهم النتائج التي ينتهي إليها الكتاب أن بعض النصوص التي استخدمها ابن حزم في نقد التوراة غير موجودة في التوراة الحديثة مما يثبت أن اليهود قد حذفوها تجنبا للنقد العقلاني المفحم الذي قدمه ابن حزم، وهكذا يستمر اليهود على مدى عصورهم في مسلسل تزييف وتزوير كتبهم المقدسة. ويختم الكاتب بعدة توصيات من أهمها ضرورة مواصلة البحث العلمي في تاريخ المسلمين في الأندلس وبخاصة تاريخ المورسكيين أو المسلمين المنصرين إجباريا بعد سقوط الحكم الإسلامي.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بالأندلس

muslim - Tha land of Allah الإثنين 18 أكتوبر 2010 18:38:42 بتوقيت مكة
   الكتاب من هنا
http://www.al-maktabeh.com/ar/open.php?cat=&book=377
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7