الرئيسة قراءة في كتابقضية المرأة بين التحريروالتمركز حول الأنثى
 
الإثنين 8 نوفمبر 2010

 

عنوان الكتاب: قضية المرأة بين التحريروالتمركز حول الأنثى

اسم المؤلف  : د. عبد الوهاب المسيري

الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

تاريخ النشر: يونيو 1999م

 

تقديم:

تمثل المراجعات النقدية للفكر الغربي جانبا من جوانب الفكر العربي الإسلامي قديما وحديثا، ويعد ابن تيمية الرائد الأول على الإطلاق في إخضاع فكر الآخر للنقد والتشريح من خلال نقده ونقضه الشامل للمنطق الأرسطي  وقد سبق في ذلك فلاسفة أوربا المحدثين بعدة قرون، ويبرز اليوم في هذا المجال حسن حنفي وعبد الوهاب المسيري. وفي إطارمراجعاته النقدية للفكر الغربي الحداثي وما بعد الحداثي أفرد المسيري- رحمة الله عليه- مجالا للفكر النسوي الغربي، وأحسب أن هذا من علامات عبقريته وأيضا من دلائل تفرده كمفكر إسلامي حر يعي مسئوليته تجاه مجتمعه وأمته. وربما لا يدرك القارئ غير المتخصص أو العجول قيمة ما نقوله عن المسيري في هذا الجانب وربما ظن البعض أن مسألة الاهتمام بالفكر النسوي الغربي من قبيل الترف الفكري، أما الحقيقة فإن هذا الفكر وامتداد تأثيره إلينا يعد من أهم معاول الهدم الآن في قلب مجتمعاتنا الإسلامية، والتغريب ومحاولات اقتلاعنا من جذورنا وتمييع الإسلام وإفقاده وظائفه الحيوية يتم من خلال تبني الأجندة المتطرفة للفكر النسوي الغربي، ومحاولات تطبيقها في مجالات الأسرة والعلاقات الاجتماعية وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الجسد وحقوق الشواذ .. وكل ما يمكن من خلاله تسريب القيم الغربية المتطرفة وتشريب الأجيال الجديدة بها. إن كتابة المسيري لكتابه المتفرد " قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى" يعكس الوعي العميق عنده بأن الصراع بين الغرب العنصري في جوهره وقالبه والإسلام الحضاري قد وصل إلى المناطق الأشد خصوصية والأعنف صراعا.

                                                        *  *  *  *

كتاب " قضية المرأة بين التحريروالتمركز حول الأنثى" كتاب صغير لا يتجاوز 52 صفحة من القطع الصغير ولكنه أشبه بالكنز الثمين الذي يفتح عالما يؤثر فينا بشدة ولكن أغلب القراء لا يعرفون عنه إلا قليلا، بالإضافة إلى أنه كتاب " رؤية" وليس كتاب معلومات أي أنه من الكتب القليلة التي تسهم في تطوير وعي قارئها وتغييره بعمق. ولقراءة الكتاب سنبدأ بتفسير أولي لعنوان الكتاب- ومع توالي القراءة سيزيد التفسير وضوحا- والعنوان يقوم على المقابلة بين أمرين: التحرير والتمركز حول الأنثى، ويقصد المسيري بالتحرير الحركات النسائية التي قامت في البلاد الغربية ثم انتقلت إلى باقي العالم  بقصد حصول المرأة على حقوق اجتماعية واقتصادية وسياسية كانت محرومة منها فيما قبل، أما مصطلح " التمركز حول الأنثى" فهي ترجمة اصطلاحية يقصد بها المسيري الفكر النسوي الغربي في العقود الاخيرة وهو الفكر الذي أعلن عداء النساء للرجال واعتبر أن النساء والرجال جنسين متصارعين لا يمكن لهما العيش معا، وقد انتهى هذا الفكر إلى وقوع رائداته في الشذوذ والسحاق.

                                                   *  *  *  *

ينقسم الكتاب إلى تسعة أجزاء، وفي الجزء الأول تحت عنوان " بين الإنسان والإنسان الطبيعي" يحدد المسيري أمورا هامة تنبني عليها دراسته، ويمكن لنا تلخيص ذلك في أمرين أساسيين:

الأول: غياب النقد عنا في استقبالنا لكل ما يصدر عن الغرب وهو ما يرفضه المسيري " من الأمور المألوفة في الوقت الحاضر أن نتلقى معظم- إن لم يكن كل- ما يأتينا من اهل الغرب بكفاءة منقطعة النظير دون أن نحاول أن نحلله أو نفسره ودون أن ندرك أن ما يأتينا منهم يعكس منظورهم وتحيزاتهم " ويرفض المسيري الترجمة الحرفية لمصطلح غربي هوFEMINISM   وهي النسوية أو النسوانية أو الأنثوية، ويرى أن هذه الترجمة الحرفية تعكس غياب هذا البعد النقدي في استقبال المفاهيم والمصطلحات الغربية بينما الترجمة الصائبة لهذا المصطلح يجب أن تكون ترجمة معبرة عن مفهومه وذلك  بربطه بنظرية الحقوق الجديدة في الحضارة الغربية في عصرنا الحالي عصر ما بعد الحداثة.

الثاني: تقوم منظومة العلمنة والتحديث الغربية على مبدأ عام هو أن المبدأ الواحد المنظم للكون ليس مفارقا عنه أو متجاوزا له، بل هو مبدأ كامن فيه، وقد تقلبت الحضارة الغربية في الأطوار التالية منذ عصر الحداثة بناءا على هذا المبدأ الكامن:

1-الواحدية الإنسانية: مع بداية التحديث والعلمنة، فالإنسان يعلن أنه سيد الكون ومرجعية ذاته، ويفرض ذاته على الطبيعة.

2-الواحدية الإمبريالية: وتعني سيادة الإنسان الفرد وليس الإنسان الاجتماعي، ويشير الإنسان إلى ذاته بصفته الفردية ولا يفكر إلا في مصلحته ولذته.. ويصبح إنسانا عنصريا يحاول استعباد الآخرين وتوظيفهم وتوظيف الطبيعة نفسها لحسابه.

3-ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة: يكتشف الإنسان أن الطبيعة/ المادة أيضا هى مرجعية ذاتها ومكتفية بذاتها فتظهرازدواجية صلبة أخرى؛ ازدواجية الإنسان المتمركز حول ذاته والطبيعة التي تشغل مركز الكون.

4-الواحدية الصلبة: تنحل هذه الازدواجية ويبدأ الجوهر الإنساني في الغياب ويحل الطبيعي محل الإنساني، ويذوب الإنسان في الطبيعة ذوبان الجزء في الكل. ويظهر الإنسان الطبيعي المادي والذي يفقد جوهره الإنساني.

5-الواحدية السائلة: تتصاعد معدلات التفكيك والحلول، ويصبح التغير والصيرورة هو نقطة الثبات الوحيدة، ويغيب كل يقين وتسيطر النسبية تماما ويصير الأمر إلى عالم مفكك لا مركز له، عالم لا قمة فيه ولا قاع، لا يمين أو يسار، لا ذكر أو أنثى، وتصبح كلمة إنسان بلا مدلول أو متعددة الدلالات.

                                                 *  *  *  *

في إطار التقسيمات السابقة لأطوار الحضارة الغربية والتي وصلت الآن إلى مرحلة التفكيك  واللامركزية يقدم المسيري رؤيته للفكر النسوي الغربي المعاصر، ويبدأ بطرح ترجمته الخاصة لمصطلح الفيمنيزم  وهي  " التمركز حول الأنثى " ويقارن بينه وبين حركات تحريرالمرأة السابقة، فالثانية كانت ضمن حركات التحرر القديمة تنطلق من الواحدية الإنسانية والإيمان بتميز الإنسان، وكانت هذه الحركات تطالب بالتسوية بين البشر داخل هذا الإطار، أما حركات التحرر الجديدة ومنها الحركات الغربية للتمركز حول الأنثى فتنطلق من فكرة الصراع بشكل متطرف ومن فكرة مساواة الإنسان بكائنات الطبيعة، فالإنسان كائن مادي طبيعي وترفض بعده الروحاني القيمي وترفض مفاهيم الإنسانية المشتركة والتاريخ المشترك، وتخضع هذه الجماعات الجديدة كل شئ للتجريب، تجريب في المفاهيم وتجريب في الواقع. ونرى مظاهر هذه الجماعات في الدفاع عن كل شئ، الدفاع عن الفقراء وعن السود وعن الحيوانات وعن الشواذ جنسيا وعن الأطفال وعن العراة وعن المخدرات وعن حق الانتحار... ويتجلى فكرهم في انتشار الديانات الطبيعية والعبادات الجديدة بما فيها عبادة الشيطان فالطبيعة في نظرهم تسبق الإنسان. ودفاعهم الشرس عن الشواذ جنسيا ليس من قبيل التسامح وتقبل المختلف وإنما من قبيل جعل المختلف وغير الطبيعي مقبولا وطبيعيا. ومع هذه الجماعات يأخذ مفهوم الأقلية أبعادا جديدة فليس هناك مفهوما عاما للإنسانية، ليس هناك إنسانية مشتركة، بل كل ما هنالك أقليات، فالجماعات الدينية أقلية والجماعات العرقية اقلية والمعوقون أقلية والمسنون أقلية والنساء أقلية والأطفال أقلية، لا يوجد معيارية ولا ثوابت، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية متساوية وتسود الفوضى المعرفية والأخلاقية.  

                                              *  *  *  *

في إطار كل الأفكار السابقة تدور حركات الفيمنيزم المعاصرة في الغرب وبذلك تختلف عن حركات تحرير المرأة القديمة والتي كانت تسعى للحصول على حقوق  المرأة السياسية والاقتصادية والإجتماعية  في إطار إنساني شامل وكانت تؤمن بالدور الإجتماعي للمرأة، لكن مع تراجع البعد الإنساني وسيادة البعد المادي الطبيعي برزت حركة الفيمنزم " التمركز حول الأنثى" ورؤيتها الأساسية تترجم إلى مرحلتين: مرحلة انقسام العالم إلى ذكور متمركزين حول ذواتهم يحاولون أن يصرعوا النساء ويتغلبون عليهن، وإناث متمركزات حول أنفسهن يحاولن الهيمنة على الرجال. وينتهي الأمر بمرحلة سائلة لا تعرف الفرق بين ذكر وأنثى فلا صراع  فيه بينهما وإنما يذوب الجميع في كيان سديمي هلامي لا معالم له ولا قسمات.

ويقوم هذا الفكر المتمركز حو ل الأنثى بإعادة كتابة التاريخ البشري من جديد وبناءا على فكرة الصراع بين الذكور والإناث، وقد بدأ التاريخ- حسب ما يقلن- بسيطرة الإناث فالمجتمعات كانت أمومية والآلهة كانت إناثا وكان التنظيم الاجتماعي يقوم على الوئام والرقة والاستدارة. ثم سيطر الرجال وأسسوا المجتمعات الأبوية القائمة على الصراع والسلاح.. لكن الرجال كتبوا تاريخ البشرية من منطلق ذكوري وأغفلوا دور الإناث وعليه يجب تفكيك هذا العالم الذكوري وإعادة تأليف وتركيب كل شئ وفق روح التجريب الجديدة في التاريخ واللغة والفن والرموز، وإذا كان التاريخ بالإنجليزية   Historyفالبعض رأوا أنه يعني his story  أي قصته لذا تقرر تغييره إلى  her  story ليصبح قصتها. وفي اللغة يعاد كتابة كلمة نساء  women  على نحو جديد  womyn حتى لا تحتوي على كلمة men رجال، بل تعدى الأمر إلى الكلمات المستخدمة للإشارة إلى الذات الإلهية فيجب الابتعاد عن الكلمات الي تشير إلى الإله باعتباره ذكرا، بل يجب الإشارة إليه باعتباره ذكرا وأنثى معا فيقال مثلا إن الخالق هو الذي/ هي التي ، ويشار إليه أحيانا بملكة الدنيا أو سيدة الكون. وتصل هذه الرؤية إلى قمتها أو هوتها بأن تعلن المرأة استقلالها النهائي وانعزالها الكامل عن الرجل ويصبح السحاق في النهاية هو التعبير النهائي عن هذه الواحدية الأنثوية، وحسب تعبير إحدى رائدات هذا الفكر " إذا كان الفيمنيزم هو النظرية فالسحاق هو التطبيق". لكن هذه الواحدية الأنثوية الصلبة تتطور فيما بعد إلى واحدية سائلة تجمع بين الرجل والأنثى وكلاهما كائن مادي طبيعي ولا تفرق بينهما ذكورة ولا أنوثة، وليس هناك مجال للروحاني والقيمي إنما خضوع لقانون طبيعي مادي لا يعترف بالخصوصية ولا الثنائيات ومن ثم يظهر الجنس الواحد أو الجنس المتوسطunisex   ، فالذكر مثل الأنثى والأنثى مثل الذكر كلاهما كائن طبيعي مادي لا خصوصية له، وبسقوط المرأة الأنثى تتهاوى الأسرة وتتراجع الإنسانية المشتركة ويصبح كل إنسان مجرد فرد طبيعي مادي له مصلحته الخاصة وقصته الصغرى، ويتصادم أفراد البشر مثل تصادم الذرات المادية، وتتم الإشارة إلى الإله في هذه المرحلة السائلة باعتباره ذكرا وأنثى وشيئا، وقد ورد في إحدى ترجمات الإنجيل الأخيرة أن الإله هو he/ she/ it

                                                  *  *  *  *

تنتهي حركة التمركز حول الأنثى إلى التفكيك الكامل لكل ثوابت اللغة والتاريخ والمجتمعات، وتهدم العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة فالرجل عدو والهوة بينه وبين المرأة سحيقة لا يمكن عبورها لذا يجب الانفصال التام، ويستطيع كل جنس أن يصبح أباءا وأمهات في نفس الوقت، فالرجال الشواذ بإمكانهم أن يكونوا أباء وأمهات لأطفال في نفس الوقت، والنساء السحاقيات بإمكانهن نفس الأمر، وتقنيات العلم الحديث تساعد في ذلك. ولا تقدم هذه الحركة برنامجا إصلاحيا بل تقدم برنامجا يهدف إلى رفع كفاءة المرأة في صراعها مع الرجل ويهدف إلى تغيير الطبيعة البشرية ذاتها وتغيير التاريخ والرموز واللغات.

                                                 *  *  *  *

بعد الانتهاء من المقارنة بين حركات تحرير المرأة وحركة التمركز حول الأنثى يقوم المسيري بمقارنة أخرى بين حركة التمركز حول الأنثى والصهيونية لأن هناك نقاط تشابه واضحة بينهما فالصهيونية تقسم البشر بصرامة إلى يهود وأغيار، وكل الأغيار يحملون وزر اضطهاد اليهود على مدى التاريخ، ويواجه اليهود العالم بفرادتهم وبراءتهم ومعاناتهم التي لا يشاركهم فيها أحد، وهم شعب مختار له سماته الخاصة وحقوقه المطلقة ورسالته الخالدة وعذابه الخاص.. ولا يمكن أن يعيش هذا الشعب إلا في أرض أسلافه في فلسطين، وتعمل الصهيونية على تكريس شعور اليهود في بلادهم الأصلية بالشعور بالاضطهاد والعزلة والانفصال لدفعهم جميعا للعودة إلى أرض الميعاد، فالصهيونية توجه جهودها لتعميق الهوة بين اليهود والأغيار لتحسين أداء اليهودي في عملية الصراع لكي يهجر مجتمع الأغيار ويعود إلى فلسطين بلده الأصلي بعد غياب ألفى عام. لكن الدولة التي أسستها الصهيونية في فلسطين اعتمدت بالكامل على الأغيار وخاصة الأغيار الأمريكيين، وهذا ما حدث في حركة التمركز حول الأنثى حيث تحول الانفصال الكامل للمرأة عن الرجل إلى وقوعها في الذوبان الكامل فيه وظهور ما يسمى الجنس الواحد أو المتوسط  unisex

والعالم الغربي هو الذي  يساند الدولة الصهيونية بغرض تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسيا وحضاريا، وهو أيضا يساند بقوة نشاط حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا بغرض تحطيم نظامنا الأسري و تفكيك مجتمعاتنا ، ويذكر المسيري أن نشاط السفارة الهولندية في القاهرة واضح في هذا المضمار.

                                              *  *  *  *

  في النهاية يقدم المسيري رؤيته للبديل المطروح لهذا الفكر النسوي الغربي الهدام ويقدم أجندة واضحة وأفكارا محددة فيرى أننا يجب أن نبحث عن حلول لمشاكلنا في داخل نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية وايماننا بالإنسانية المشتركة، وبالنسبة لقضية المرأة والحديث عن  حقوق المرأة والآن حديث جديد عن حقوق الطفل يدعو المسيري إلى التحدث عن " حقوق الأسرة" كنقطة بدء ثم يتفرع عنها حقوق الأفراد الذين ينتمون إليها. كما يجب النظر إلى قضية المرأة في إطار ارتباطها  بقضية أعم  وهي مسألة تحول العالم  إلى النمط الحركي الاستهلاكي السريع وبدلا من أن نطالب بتحريرالمرأة كي نقذف بها في ذلك الخضم الاستهلاكي المتسارع مثل الرجل علينا أن نطالب بإبطاء حركة الرجل قليلا وتقليل الإيقاع الاستهلاكي السريع المتواتر للعالم، وإفساح المجال للرجل كي بعيش حياة أكثر هدوءا وإنسانية في إطار الأسرة مع المرأة، ويكون ذلك بإعادة تعليم الرجل وإكسابه خبرات ومهارات الأبوة والعيش داخل الأسرة والجماعة. أيضا يطالب المسيري بإعادة تعريف العمل فبدلا من تعريف العمل بأنه العمل الذي ينتج سلعا وخدمات نعرفه بالعمل المنتج إنسانيا وبذلك يصبح عمل المرأة كأم هو أهم الأعمال، وهذا يحقق الاحترام لعمل المرأة المنزلي، احترامها هي نفسها لعملها ذلك واحترام الرجل أيضا له وبذلك يكف الجميع عن القول إن ربة البيت لا تعمل. أيضا يدعو المسيري إلى فكرة عمل تقسيمات زمنية ليوم العمل تتناسب مع المرأة العاملة الزوجة والأم، ويدعو إلى بعث ما يسمى الاقتصاد العائلي والذي أثبت كفاءته واستمراريته في مجتمعات حديثة مثل اليابان والولايات المتحدة. وإذا كانت هذه أفكارا عملية لمساعدة المرأة للحفاظ على دورها كزوجة وأم ودورها كعاملة خارج المنزل فإن المسيري أيضا يطالب باستمرار الدراسات النظرية حول قضية المرأة مثل إجراء  دراسات حول تآكل الأسرة في الغرب والتكلفة الاجتماعية الاقتصادية لذلك وتأثير ذلك على الأجيال الناشئة، ومثل عمل  دراسات حول إنتاجية المجتمع ككل في إطار خروج المرأة للعمل العام، ومثل إجراء دراسات حول التغيرات النفسية الحادثة للمرأة العاملة وأيضا التغيرات الجسدية مثلما يحدث مع البطلات الرياضيات، ويشير المسيري إلى دراسة غربية أثبتت أن البطلات الرياضيات المحترفات لا يستطعن الحمل إلا بعد التوقف عن الرياضة لسنوات طويلة، ورغم أن الدراسة أولية ولا تقدم نتائج حاسمة فإن حركات التمركز حول الأنثى اعترضن عليها وحاولن منع نشرها مع دراسات أخرى لا تتفق مع توجههن. ثم يناقش المسيري ما تفعله الإمبريالية النفسية بالإنسان المعاصر وبخاصة المرأة فهى توسع شهوة الإنسان للاستهلاك وتولد بداخله عدم الإحساس بالقناعة والرضا عن النفس، وقد نشأت صناعات ضخمة على هذا الغزو النفسي للمرأة وإشباعها بالإحساس بعدم الرضا عن شكلها وجسدها وهي صناعات التجميل والأزياء، والمرأة ليست مستهلكة فقط لهذه الصناعات بل يتم أيضا حوسلتها أو استخدامها كوسيلة في الترويج لهذه المستهلكات، وتأتي صناعة السينما في هوليود لتكون ضمن الصناعات والمؤسسات المنتجة لصورة المرأة الجديدة؛ المرأة المتعرية من ملابسها ومن إنسانيتها ومن خصوصيتها الثقافية والاجتماعية. ويشير المسيري إلى مسألة داخلية وهي تزايد الإتجاه في الصحافة المصرية إلى تناول قصص الفضائح الجنسية وقصص الفنانين والراقصات واستخدام العامية، ويأتي كل ذلك في التواءم مع الإتجاه العالمي في نزع القيمة والعظمة عن الإنسان وتحويله إلى مجرد كائن طبيعي مادي بسيط لا هويه له ولا خصوصية ولا تاريخ ولا قيم، ويأتي أيضا في الانسياق مع المحاولات المستمرة لإفقادنا هويتنا الحضارية وخصوصيتنا الثقافية. وبعد انتهاء المسيري من عرض أفكاره ورؤيته يلخص رسالته المتضمنة في كتابه هذا بالعبارة التالية المفعمة بالدلالات والمعاني " إن حركة التمركز حول الأنثى هي جزء من هذه الهجمة الشاملة ضد قيمنا وذاكرتنا ووعينا وخصوصيتنا ويجب أن ندرك هذا ونعيه حتى لا تكون معركتنا جزئية وغير واعية بذاتها".

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 قضية المرأة بين التحريروالتمركز حول الأنثى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7