الأربعاء 9 ديسمبر 2009

إنَّ رجل الدين إذا تحدث فى قضيةٍ ما, فلا يجب أن يتعارض رأيه الشخصى فى تلك القضية مع ثوابت عقيدته, وإلا اعتبر ذلك انتهاكاً لعقيدته التى يؤمن بها لعدم اقتناعه بما ورد بها بشأن تلك القضية .

فيتحدث البابا شنودة الثالث ــ من وجهة نظره الشخصية وفلسفته الخاصة ــ عن أنواع العقل المنقاد المسير الذى يجعل الإنسان لا يتصرف بعقله كما ينبغى, وذلك فى كتابه (من هو الإنسان) بالصفحة رقم 44 فيقول فى مقدمة حديثه:

"المعروف عند جميع الناس أنَّ الإنسان مخلوق عاقل, وأنا أريد أن أناقش هذا الموضوع: إلى أى حد الإنسان مخلوق عاقل؟ هل الإنسان عقل خالص صرف؟ أم أنه يخضع لمؤثرات كثيرة تجعله أحيانا لا يتصرف بعقله كما ينبغى؟".

ثم يبدأ البابا يستعرض أنواع العقل المنقاد المسير الذى لا يمكن صاحبه أن يفكر بطريقة حيادية وسليمة تماما , فيتحدث فى نفس الكتاب بالصفحة رقم 46 عن نوع من أنواع العقل المنقاد تحت عنوان (نوع من العقل يسيره أب أو معلم) فيقول البابا شنودة الثالث:

"فهذا العقل منقاد إلى عقل آخر يسيره كيفما يشاء, سواء كان عقل أب بالجسد أو أب روحانى أو معلم أو مرشد . وليست لديه فرصة أن يتصرف أو حتى أن يفكر إلا داخل دائرة هذا المعلم وتفكيره وإرشاده , وتكاد شخصيته أن تكون مفقودة تماما وبخاصة لو كان هذا الأب أو المرشد شديدا فى سلطته, يتطلب لونا من الطاعة العمياء. ويزيد هذا الانقياد الكامل , إن كان عقل من يطيع مدفوعا بثقة كاملة فيمن يطيعه أو اعتقاده أنه سيهلك إن هو خرج عن حدود الطاعة أو اقتنع أن مجرد المناقشة أو الحوار مع من يرشده لون من الكبرياء . هنا عقله لا يعمل وإنما يطيع عقلا آخر" . انتهى كلام البابا فى كتابه (من هو الإنسان) .

ونلاحظ أنَّ البابا هنا ينتقد بشدة أولئك الذين يلغون عقولهم ويوقفونها عن التفكير ثم يجعلونها تابعة فى التفكير لعقل طرف آخر متسلط يطلب لونًا من الطاعة العمياء . ولكن حتى الآن لا نعلم ما إذا كان الكلام السابق ـ الجميل ـ ينبثق عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية التى يترأسها البابا شنودة أم أنه مجرد رأى البابا الشخصى ..!؟ وهل يتناقض ما سبق من كلام البابا مع عقيدة كنيسته أم يتفق معها؟؟

فالمشكلة ليست فى ذلك الكلام السابق ذكره على لسان البابا شنودة فى كتابه (من هو الإنسان) , ولكن المشكلة تكمن فيما ذكره البابا بعد ذلك فى كتاب آخر من مؤلفاته بعنوان (الخلاص فى المفهوم الأرثوذكسى) بالصفحة رقم 72 والذى يتحدث فيه عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية فى طريقة تعاملها مع العقل والذى يتناقض تمامًا وكليًا مع ما ذكره البابا من نقد واستنكار للعقل المنقاد .

وأرجو من القارئ الواعى الانتباه لما ذكره البابا فى كلامه الآتى من تناقض سافر لأقواله السابقة, حيث يتوجه لأتباع كنيسته بالأمر فى حالة إذا ما سألهم أحد عن أى موضوع يتعلق بعقيدتهم قائلاً: "لتكن إجابتكم من إيمان الكنيسة إن سئلتم سؤالا عقيديا..!! فلا تجيبوا مطلقًا بالاعتماد على تفكيركم الخاص أو فهمكم الخاص, فقد قال الكتاب على فهمك لا تعتمد أنت ابن الكنيسة الأرثوذكسية. جاوب إذًا بإيمان الكنيسة الأرثوذكسية. إيمانها كما يظهر في كتب الكنيسة المعترف بها, وكما يظهر فى أقوال آبائها وفى قوانينها وتقاليدها ..!! ".

شكراً.. انتهى كلام البابا فى كتابه (الخلاص فى المفهوم الأرثوذكسى). ونستطيع أن نلاحظ مدى التناقض الشديد بين ما ذكره البابا من انتقاد للعقل المنقاد التابع فى نطاق دائرة شخص معين من جهة, وبين عقيدة كنيسته الأرثوذكسية من جهة أخرى وذلك فى قوله: "فهذا العقل منقاد إلى عقل آخر يسيره كيفما يشاء سواء كان عقل أب بالجسد أو أب روحانى أو معلم أو مرشد. وليست لديه فرصة أن يتصرف أو حتى أن يفكر, إلا داخل دائرة هذا المعلم وتفكيره وإرشاده, وتكاد شخصيته أن تكون مفقودة تمامًا, وبخاصة لو كان هذا الأب أو المرشد شديدًا فى سلطته, يتطلب لونًا من الطاعة العمياء ".

ثم نجد أنَّ كلام البابا شنودة نفسه السابق يتناقض تماماً مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية التى يرأسها والتى تلعب دور العقل المتسلط الديكتاتور الذى لا يعطى فرصة للعقل التابع له للتفكير إلا فى نطاق دائرته فقط , والذى يطلب الطاعة العمياء دون أدنى تفكير وذلك فى قوله: " لتكن إجابتكم من إيمان الكنيسة إن سئلتم سؤالاً عقيديًا ..!! فلا تجيبوا مطلقا بالاعتماد على تفكيركم الخاص أو فهمكم الخاص أنت ابن الكنيسة الأرثوذكسية , جاوب إذا بإيمان الكنيسة الأرثوذكسية " .

ومن الواضح هنا أنَّ البابا يناقض نفسه, ففى نفس الوقت الذى ينقض فيه سلوك أصحاب العقل المنقاد التابع الذى وصف أصحابه أن شخصيتهم تكاد تكون مفقودة تمامًا كما قال بالنص, وسلوك أصحاب العقول المسيطرة المتسلطة فى أحد كتبه, نجده فى كتاب آخر يشرح عقيدة كنيسته الأرثوذكسية التى تمثل دور العقل المتسلط الديكتاتور, ويحث أتباع كنسيته على عدم التفكر والاعتماد على الفهم والانقياد الكامل لأفكار آباء الكنيسة ومعتقداتها دون أى تفكير ..!!

وأنا أدعو القارئ أن يعقد مقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم من الحث على ضرورة استعمال المنهج العقلانى للتوصل إلى الحقيقة والذى يتجلى فى آيات الله الكريمة ومنها: ] ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) [ (164/ البقرة) .

]وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ  [ (170/ البقرة) .

]وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ  [ (58/ المائدة) .

] ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? [(103/ المائدة) .

] ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [ (22/ الأنفال) .

] ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  [ (176/ الأعراف) .

] ) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ (24/ يونس) .

] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  [ (4/ الرعد) .

فالقرآن الكريم تمتلئ آياته بأدوات الفهم وأفعاله مثل: (يعقلون؛ يتفكرون؛ يفقهون؛ يعلمون؛ يتدبرون؛ يبصرون؛ يسمعون) والتى جعلها القرآن الكريم وسيلة للاهتداء إلى الحق واتباع النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل .. ولا يوجد كهنوت ولا دعوة للإيمان المبنى على عدم الفهم والانقياد بدون عقل ولا تدبر ولا فقه ولا علم لرجل الدين .

فرجل الدين فى عقيدة المسلم هو فى النهاية إنسان ليس معصوماً من الخطأ واحترامه وهيبته يكتسبها من تبعيته للدين واحترامه له وقدرته على إقناع العوام بكلامه ونصائحه من خلال العلم والعقل والمنطق والثوابت , وليس اعتماداً على درجته الدينية .


 
 
   Bookmark and Share      
  
 العقل المنقاد .. ينسى البابا نفسه

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7