ذكر البابا شنودة الثالث بالصفحة رقم 7 تحت عنوان (عقيدة كنيستنا) في أول كتابه (طبيعة المسيح) والذى قامت بنشره الكلية الإكليركية للأقباط الأرثوذكس, وقامت بطبعه مطبعة البابا رويس الأوفست بالعباسية تحت رقم إيداع 5007/ 1991 م ما يلى نصه:
"السيد المسيح هو الإله الكلمة المتجسد , له لاهوت كامل وناسوت كامل , ولاهوته متحد بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير , اتحادا كاملا أقنوميا جوهريا , تعجز اللغة أن تعبر عنه ..!! حتى قيل عنه إنه سر عظيم (عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد) " (انتهى).
وأرجو من الإخوة القراء ملاحظة جملة (تعجز اللغة أن تعبر عنه) التى ذكرها البابا شنودة فى حديثه، حيث أنَّ تعبير (اللغة العاجزة) قد دأب كثير من المسيحيين على استخدامه للهرب من عجزهم على تفسير عقيدة التثليث , وطبيعة المسيح .
ويبدو أنَّ البابا شنودة قد اختلط عليه الفارق بين الفكرة المراد التعبير عنها من ناحية, والشخص الذى يريد أن يعبر عن هذه الفكرة من ناحية ثانية, وبين أداة أو وسيلة التعبير التى يستخدمها ذلك الشخص للتعبير عن هذه الفكرة من ناحية ثالثة. فهناك فرق كبير وهام يتعلق بفلسفة المسيحيين فى فهم عقيدتهم .
وقبل التعليق على تعبير (اللغة العاجزة) الذى ذكره البابا شنودة الثالث أود أولا أن أقوم بشرح بعض المفردات الهامة, والتى يمكن من خلالها الشرح والإيضاح .
أولا: الفكرة ..
وهى تأتى فى البداية. والمراد بها هو كل ما هو مختمر فى عقل الإنسان ومفهوم ويريد أن يعبر عنه. فالفكرة قد تكون تفسيرا لظواهر طبيعية موجودة فى حياتنا. مثل ظاهرة الكهرباء والمغناطيسية والجاذبية الأرضية. فكل القوانين التى تفسر الكهرباء والمغناطيسية وغيرها من النظريات العلمية ما هى إلا أفكار علمية مبنية على أسس علمية وفنية وثبت نجاحها وسلامتها ومطابقة قوانينها للواقع. كما أنَّ كل الفلسفات التى تبرر وتفسر أسرار النفس البشرية وعلم النفس وغيرها, هى أيضا أفكار مبنية على أبحاث وفكر وعلم، كما أنها قد تحتمل الخطأ والصواب .
ثانيا: وسيلة التعبير ..
وهى تأتى فى المرحلة الثانية . فالإنسان حتى يعبر عن الفكرة الموجودة بعقله لمن حوله , لابد وأن يستخدم وسيلة للتعبير .
ووسائل التعبير متعددة: فهى إمَّا عن طريق الرسم والتوضيح , كمن يقوم برسم تفصيلى لبناء مطلوب إنشاءه . فالرسم هنا لغة عالمية مفهومة للكل ولا تحتاج أن يكون الشخص ملما بلغة معينة . وإمَّا عن طريق عمل نموذج حىّ كمن يقوم بعمل نموذج فعلى لماكينة أو جهاز يقوم بوظيفة معينة . فالنموذج الحىّ أيضا لا يحتاج أن يكون الشخص ملما بلغة معينة حتى يفهمه . وإمَّا عن طريق التخاطب بالإشارة. مثل طريقة التخاطب للصم والبكم, أو طريقة التخاطب بين اثنين يتحدث كل منهما لغة تختلف عن الآخر .
وفى النهاية .. إمَّا عن طريق التخاطب باستخدام اللغة . أرجو من الإخوة القراء وقفة قصيرة هنا، فهناك مفهوم خاطئ لدى كثير من الناس يظنون من خلاله أن هناك لغات عاجزة عن التعبير . والواقع أنه لا يوجد شىء اسمه لغة عاجزة عن التعبير. ولكن توجد لغة أسهل فى التعبير وأقدر عليه من لغة أخرى.
فقدرة اللغة على التعبير تقاس بقدرة اللغة على التعبير عن موضوع معين بأقل عدد من الكلمات والجمل . فاللغة العربية على سبيل المثال تعد من أقدر لغات العالم على التعبير عن المراد بأقل عدد من الكلمات والضمائر . حيث أننا لو عقدنا مقارنة بين اللغة العربية والإنجليزية على سبيل المثال فسنجد ما يلى: ضمائر المخاطب فى اللغة العربية هى: أنتَ (بفتح التاء للمذكر) , أنتِ (بكسر التاء للمؤنث) أنتما (للمثنى) أنتن (لجمع الإناث) أنتم (للجمع عموما) . وهذه الضمائر الخمسة للمخاطب يقابلها فى اللغة الإنجليزية ضمير واحد فقط هو (You) أى أنت .
فالذى يسمع أحدا يخاطب آخر بالإنجليزية ويقول له (You ) لا يعلم ما إذا كان المخاطب مفرد مذكر أو مفرد مؤنث أو مثنى أو جمع إناث أو جمع ذكور. بخلاف اللغة العربية القادرة على وصف المخاطب بدقة فى ضمير واحد.
ولكن .. ليس معنى هذا أنَّ اللغة الإنجليزية عاجزة عن التعبير . فلو أراد المتحدث بالإنجليزية أن يوضح العدد والنوع بالنسبة للمخاطب فلن يعجز فى التدليل على نوع المخاطب وعدده بما يدل عليه بالاسم أو التعريف .
ولذلك فبرغم أنَّ اللغة الإنجليزية أقل قدرة فى التعبير عن اللغة العربية . إلا أننا لا يمكن أن نسميها عاجزة أبداً . فلا يوجد شىء اسمه لغة عاجزة . وهذا الكلام ينطبق على كل اللغات .
ثالثاً: الشخص المستخدم للغة ..
فلكى يعبر الشخص عما يدور فى ذهنه من تفسير أو فكرة معينة فلابد وأن يكون متوافراً به شرطين أساسيين وهما: أن يكون مستوعباً وفاهماً وملماً بالفكرة الموجودة برأسه , فمن الطبيعى جداً ألاّ يستطيع أى أحد أن يقوم بشرح شىء يكون هو نفسه عاجز عن فهمه . وإلا سيكون الشرح عبارة عن محض هراء وتناقضات لا يقبلها عقل . وأن يكون الشخص ملماً بقواعد ومفردات اللغة التى سيستخدمها فى التعبير عن فكرته . فمن الطبيعى أنه لا يمكن لأى أحد أن يعبر عن فكرته بلغة لا يعرفها .
وفى النهاية نعود مرة أخرى إلى حديث البابا شنودة الثالث ولغته العاجزة:
فقد ذكرت من خلال توضيحى لمعنى اللغة من قبل أنه لا يوجد شىء اسمه لغة عاجزة عن التعبير . فهذا كلام غريب وتحجج بعجز اللغة , فالعاجز هو الشخص الذى يستخدم اللغة , وليست اللغة ..!!
أمَّا بخصوص البابا شنودة فعجزه عن التعبير هو لواحد من السببين الآتيين:
إمَّا أن يكون عاجزاً عن استعمال اللغة العربية (لغته الأم) , وبالطبع هذا غير صحيح وغير معقول . وإمَّا أن يكون البابا شنودة نفسه عاجزا عن فهم نظرية طبيعة المسيح التى يريد أن يعبر عنها , وهذا هو الواقع .
أمَّا إذا كان البابا شنودة يقصد من تعبيره باللغة العاجزة هو تصوير جمالى يسمى فى اللغة العربية المجاز العقلى (والله أعلم) , حيث أنَّ المجاز العقلى تعريفه هو إسناد الفعل أو ما فى معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من الإسناد الحقيقى . ففى هذه الحالة يكون البابا شنودة مقراً ومعترفًا أنه هو العاجز الحقيقى وليس اللغة , ولكنه لجأ إلى هذا الأسلوب الجمالى للتشبيه حيث أنه أسند فعل العجز إلى غير فاعله الحقيقى (اللغة) , ويسمى هذا المجاز مجاز عقلى . ولكن للأسف فإنَّ أتباع كنيسته الذين يقرؤون له لا يفقهون معنى المجاز العقلى وإنما يقصدون به المعنى الحقيقى .
والواقع هو أنَّ البابا شنودة ـ وبالتالى كل أتباع كنيسته ـ غير قادر على تصور وتخيل طبيعة المسيح اللاهوتية والناسوتية التى يدعيها والتى لا يمكن أن يقبلها عقل أو منطق سليم . وبالتالى فعجزه عن فهم طبيعة المسيح بالشكل الذى يتحدث عنه كان ظاهرا بشكل واضح فى تخبطه فى شرح طبيعة المسيح طوال صفحات كتابه بصورة واضحة , فنراه يناقض نفسه حينا , ثم يقوم بوضع مسلمات غير منطقية حينا آخر كى يفسر بها كلامه الذى لا يقبله العقل الإنسانى الطبيعى . وكى يهرب البابا شنودة من الأسئلة المحرجة حول مفهومه وشرحه لعقيدته وضع حلا مريحاً وسهلاً .
هذا الحل كان التمحك فى (اللغة العاجزة) ..!!!
فالرسالة التى أود أن أبعث بها إلى كل ذوى العقول المفكرة هى أنه إذا كان البابا شنودة ذات نفسه يقر فى كلامه أنه غير فاهم ومستوعب لطبيعة المسيح اللاهوتية والناسوتية التى يتحدث عنها , والتى هى عصب وأساس ونخاع العقيدة المسيحية . فكيف يسمح غير الفاهم لنفسه أن يقنع غيره بما هو ليس بفاهمه ..!!