سأتحدث فى هذا الفصل عن موضوع جم وخطير يكشف مدى تناقض البابا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وزعيم طائفة الأقباط الأرثوذكس فى مصر والذى يعتبره الأقباط المصريون بمثابة خليفة المسيح فى الأرض, وذلك فى أمر يمس عصب عقيدتهم التى تخالف عقيدة الكاثوليك والبروتوستانت فيما يتعلق بطبيعة المسيح .. كيف ذلك ..؟؟
فالسبب الرئيسى للخلاف الشديد بين الكنيسة القبطية المصرية التى يتزعمها البابا شنودة فى مصر من جهة, وبين باقى الكنائس الأخرى والتى تشمل باقي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (أنطاكيا والقسطنطينية والأرمينية والروسية ... إلخ باستثناء الكنيسة السريانية والحبشية) , بالإضافة إلى الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية واليونانية هو اختلافهم فى مفهوم فلسفة طبيعة المسيح, حيث تعتقد هذه الكنائس بوجود طبيعتين للمسيح (لاهوتية وناسوتية), وتعتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بزعامة البابا شنودة ـ والمنشقة عن كنيسة الإسكندرية منذ عهد دسقورس ومجمع خلقيدونية 451 م - بوجود طبيعة واحدة للمسيح (لاهوتية وناسوتية معاً) ..!!
وأرجو من القارئ الكريم أن يسع صدره لقراءة تلك التناقضات التالى ذكرها البابا . فيقول البابا شنودة فى كتابه بعنوان (طبيعة المسيح) بالصفحة السابعة ما يلى:
"السيد المسيح هو الإله الكلمة المتجسد, له لاهوت كامل, وناسوت كامل, ولاهوته متحد بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير, اتحاداً كاملاً أقنومياً جوهرياً, تعجز اللغة أن تعبر عنه " (انتهى).
ويضيف البابا شنودة فيما يتعلق بالتأكيد على القول بطبيعة واحدة للمسيح فى الصفحة التاسعة ما نصه: "والقديس كيرلس الكبير علمنا أن لا نتحدث عن طبيعتين بعد الاتحاد. فيمكن أن نقول أن الطبيعة اللاهوتية اتحدت أقنومياً بالطبيعة البشرية داخل رحم القديسة العذراء, ولكن بعد هذا الاتحاد لا نعود مطلقاً نتكلم عن طبيعتين فى المسيح".
وأرجو من الإخوة القراء ملاحظة التعبير الذى شدد عليه البابا شنودة فى الجملة الأخيرة بقوله: "ولكن بعد هذا الاتحاد لا نعود مطلقاً نتكلم عن طبيعتين في المسيح" . ويؤكد البابا شنودة هذه المقولة ويبررها فى الجملة التالية بقوله بالنص: "فتعبير الطبيعتين يوحى بالانفصال والافتراق" .
وأنا لن أناقش تلك الفلسفة التى تقول بطبيعة واحدة أو طبيعتين للمسيح . ولكنى سأناقش نقطة هامة وهى: هل سيصدق البابا شنودة فيما قاله ولن يعود للحديث مرة أخرى عن طبيعتين للمسيح ..؟؟ أم أنه سيراوغ ويعود مرة ثانية للحديث عن طبيعة ناسوتية ولاهوتية متجاهلاً تلك الفلسفة التى ذكرها وشدد عليها ..؟؟
وأنا أدعو كافة الإخوة الكرام فى رحلة أخرى فى كتاب آخر للأنبا شنودة بعنوان (سنوات مع أسئلة الناس) عندما اضطر البابا شنودة إلى محاولة البحث عن إجابة لسؤال أثاره المسلمون الذين يندهشون لذلك الاعتقاد الغريب, وطرحوه على طائفة الأرثوذكس التى تعتقد بطبيعة واحدة فقط تجمع بين اللاهوت والناسوت. فجاء نص السؤال بالصفحة رقم 87 فى هذا الكتاب كما يلى نصه:
"سؤال: ألسنا نقول أنَّ لاهوت المسيح لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين؟؟ .. كيف إذاً مات ..!؟؟ " (انتهى).
وسأدرج للإخوة القراء نص إجابة البابا شنودة بالنص .. ثم أقوم بالتعليق عليها بالتفصيل والتحليل .
فقد جاءت نص إجابة البابا شنودة كما يلى نصه:
"الجواب: موت المسيح معناه انفصال روحه عن جسده وليس معناه انفصال لاهوته عن ناسوته . الموت خاص بالناسوت فقط . إنه انفصال بين شقى الناسوت الروح والجسد دون أن ينفصل اللاهوت عن الناسوت".
وها هنا يعود البابا شنودة مرة أخرى للحديث عن الناسوت دون اللاهوت عندما ذكر أنَّ الموت خاص بالناسوت فقط, على الرغم من تحذيراته المتكررة السابقة بعدم التحدث عن طبيعتين بعد الاتحاد, ها هو البابا شنودة يناقض نفسه ثانيةً.
ويستطرد البابا شنودة محاولاً تبرير موت الناسوت دون انفصاله عن اللاهوت بقوله: "انفصلت الروح البشرية عن الجسد البشرى, ولكن اللاهوت لم ينفصل عن أى أحد منهما, وإنما بقى متحداً بهما كما كان قبل الموت".!!!
وقبل أن أكمل باقى هذا الكلام الغريب, أرجو ملاحظة أنَّ البابا شنودة ذكر شىء عجيب وهو أنه على الرغم من انقسام الناسوت إلى شقين مختلفين ومتباعدين وهما (الروح ـ الجسد) إلا أنَّ اللاهوت لم يفارقهما أبداً وبقى متحداً بهما .. كيف ذلك ..!؟؟
ويستكمل البابا شنودة الشرح والتفسير (ببساطة) شديدة قائلاً:
"وكل ما فى الأمر أنه قبل الموت كان اللاهوت متحداً بروح المسيح وجسده وهما (أى الروح والجسد) متحدان ببعضهما . أمَّا فى حالة الموت فكان اللاهوت متحداً بهما وهما منفصلان عن بعضهما البعض, أى صار متحداً بالروح البشرية على حدة , ومتحداً بالجسد على حدة " ..!!!
وهنا نجد أيها الإخوة الأعزاء أنَّ البابا شنودة الذى شدد على عدم التحدث عن طبيعتين للمسيح , نجده هنا وقد قام بتقطيع المسيح u بعد الموت إلى جزأين اثنين , بل ويتكون كل جزء منهما من طبيعة معقدة مركبة . فالجزء الأول من المسيح: يتمثل فى الجزء المادى المدفون فى القبر, وهو يتركب من اللاهوت متحداً مع الجسد . والجزء الثانى من المسيح: يتمثل فى الجزء المعنوى الروحانى وهو يتركب من اللاهوت متحداً مع الروح .
هل نسي البابا ما قاله في كتاب آخر له بعنوان طبيعة المسيح عندما قال:
"ولكن بعد هذا الاتحاد لا نعود مطلقاً نتكلم عن طبيعتين في المسيح " . ألم يقل بالنص: " فتعبير الطبيعتين يوحي بالانفصال والافتراق " .
المشكلة تعقدت أكثر لأنَّ الحديث لم يعد عن طبيعتين بسيطتين بل طبيعتين معقدتين ومركبتين , فالبابا شنودة لم يقم بالفصل بين الناسوت واللاهوت فحسب . بل بعد أن فصل بينهما قام بالفصل بين شقى الناسوت وهما الروح والجسد , ثم قام بإعادة تركيب شقى الناسوت المنفصلين مرة أخرى مع اللاهوت كل على حدة ..!!
وكأنه بهذه الطريقة حافظ على الاتحاد ولم يحدث تفرقة بين الطبيعتين.!!!
وكأنه بهذه الطريقة لم يحدث انفصال ولا تفرقة كما كان ينادى من قبل ..!!!
والمثير للدهشة أنَّ البابا شنودة لم يتوقف عند تقسيم الجانب الناسوتى فى المسيح إلى جسد وروح . بل قام بتقسيم الجانب اللاهوتى هو أيضاً إلى شقين وهما: الشق الأول من الجانب اللاهوتى: وهو الذى اتحد مع الجسد وظل مدفون معه فى القبر لمدة ثلاثة أيام ..!! والشق الثانى من الجانب اللاهوتى: وهو الذى اتحد مع الروح وظل مرافقاً لها عندما ذهبت لتخليص الراقدين فى الجحيم من العذاب ..!!
ولا أعلم حقيقة ما نوع تقسيم الجانب اللاهوتى بالضبط ..؟؟
هل انقسم الجانب اللاهوتى إلى أقنومين آخرين غير الأقانيم الثلاثة الأخرى (الآب ــ الابن ــ الروح القدس) بحيث اتحد كل أقنوم من هذين الأقنومين مع نصف الجانب الناسوتى للأقنوم الثانى (الابن) المتمثل فى جسد المسيح تارة وروحه تارة أخرى ..!!؟؟
ويحاول البابا شنودة أن يسوق الدلائل على صحة هذه التقسيمة فيقول:
"والدليل على اتحاد اللاهوت بروح المسيح البشرية أثناء موته , أنَّ روح المسيح المتحدة بلاهوته استطاعت أن تذهب إلى الجحيم وتطلق منه كل الذين كانوا راقدين فيه". (وكأن اللاهوت لم يكن يستطع وحده منفرداً القيام بهذا العمل إلا برفقة روح المسيح ..!!).
ويستطرد البابا شنودة دلائله ويقول:
"والدليل على اتحاد اللاهوت بجسد المسيح أثناء موته, أنَّ هذا الجسد بقى سليماً تماماً, واستطاع أن يقوم فى اليوم الثالث, ويخرج من القبر المغلق".
يا الله ...!!!
وكأن وظيفة الجانب اللاهوتى هى حفظ الجسد الميت من التعفن ..!!!
إن أى ثلاجة يمكنها أن تفعل ذلك, فهل كانت ثلاجات حفظ الموتى بها جانب لاهوتى هى الأخرى ..!!؟؟
وهل كان الجانب اللاهوتى مضطراً إلى البقاء فى القبر تحت التراب لمدة ثلاثة أيام لحفظ الجسد الميت ..!!؟؟
ألم يكن الجانب اللاهوتى له القدرة على أن يحفظ الجسد الميت دون أن يضطر إلى الاتحاد به لمدة ثلاثة أيام فى القبر ..!!؟؟
هل كان الجانب اللاهوتى يلعب دور الفورمالين الذى يستعمل لحفظ أجساد الموتى من التعفن ..!!؟؟
والأكثر غرابة هى التى ذكرها البابا شنودة فى نهاية حديثه عندما قال:
"أمَّا الذى حدث فى القيامة أنَّ روح المسيح البشرية المتحدة باللاهوت, أتت واتحدت بجسده المتحد باللاهوت, ولم يحدث أنَّ اللاهوت فارق الناسوت, لا قبل الموت ولا أثناءه ولا بعده". (انتهى).
وهذا يعنى أنَّ الجانب اللاهوتى الذى كان متحداً بالجسد الميت اقتصرت وظيفته على حفظ الجسد من التعفن, ولم تكن لديه القدرة على بعث الحياة مرة أخرى فيه, فى انتظار عودة الروح المخلوقة له .
أى أن الروح المخلوقة هى التى أعادت الحياة مرة أخرى إلى الجسد الميت والذى لم يستطع فعله الجانب اللاهوتى ..!!
الإخوة الكرام
إذا ما قمنا بتلخيص كل ما ذكره البابا شنودة بطريقة مبسطة وسهلة سنجد ما يلى:
أولاً: ذكر البابا شنودة أنه لا ينبغى لنا أن نتحدث عن طبيعتين للمسيح بعد الاتحاد بتاتاً حيث أنَّ: المسيح = طبيعة واحدة نتجت من اتحاد الجانب اللاهوتى مع الناسوتى دون انفصال .
ثانياً: ناقض البابا شنودة كلامه عندما حاول تفسير موت المسيح فأعاد مرة ثانية التحدث عن طبيعتين لا عن طبيعة واحدة عندما قال: المسيح (قبل الموت) = طبيعة ناسوتية + طبيعة لاهوتية، والطبيعة الناسوتية = روح + جسد .
المسيح (بعد الموت) = (طبيعة لاهوتية + روح) التى خلصت الأرواح من الجحيم + (طبيعة لا هوتية + جسد) المدفونة فى القبر .
المسيح (بعد القيامة) = لاهوت متحد بالجسد + جسد + لاهوت متحد بالروح + روح . = عدد اثنين لاهوت + روح + جسد .
والطبيعة الناسوتية = الجسد + الروح .
وحيث أن اللاهوت المتحد بالجسد واللاهوت المتحد بالروح هو اللاهوت الأصلى واحد فى اثنين واثنين فى واحد ..
فيكون:
المسيح (بعد القيامة) = طبيعة لاهوتية + طبيعة ناسوتية
= (لاهوت 1 ولاهوت 2) + (روح وجسد)
وحيث إننا لا يجب أن نتحدث عن طبيعتين بعد الاتحاد، فبالتالى هو طبيعة واحدة !!
انتهى الحديث ..