قراءة في كتاب حرتان في القول لتسليمة نسرين وكارولين فوريست

هل ما زال الغرب ملجأ آمنا للإلحاد؟

عرض : الحسن سرات

   هل وصلت تسليمة نسرين إلى الباب المسدود في مغامرتها المجنونة ضد الإسلام والتطرف الإسلامي؟ هل أدركت نهاية النفق فأبصرت التوظيف السياسي والإعلامي للمتنفذين في الغرب لحالتها وحالة أشباهها ممن هرولوا إلى العواصم الغربية خوفا من "القواصم" الإسلامية؟ وهل يراودها شعور داخلي بالندم ورغبة في العودة إلى أهلها وديارها وثقافتها التي حاربتها ردحا من الزمن؟ أسئلة لا يمكن تغاضيها وهي تقف في وجه من ينهي صفحات الكتاب الذي وضعته وشاركتها فيه كارولين فوريست بعنوان "حرتان في القول" والصادر في مارس 2010.

كاتبتان نسويتان

تسلمية نسرين Taslima Nasreenكاتبة بنغالية معروفة، ولدت العام 1962 لأسرة مسلمة وتخرجت من كلية الطب العام 1984، إلا أنها اشتهرت كقاصة وشاعرة وقد نشرت أولى مجموعاتها الشعرية العام 1986 وتوالت أعمالها بعد ذلك وحققت نجاحًا كبيرًا،  ومن أشهر أعمالها "حياة أخرى"، "طفولتي" و"ريح شعواء"، وقد حصدت عددا من الجوائز العالمية من بينها جائزة اليونسكو للتسامح واللاعنف العام 2004 وجائزة سيمون دي بوفوار الفرنسية 2008.

  تقيم نسرين خارج بنغلاديش، حيث تعيش متنقلة بين دول أوروبية عدة واستقرت لبعض الوقت في السويد وفي الهند - ووفقا لرواية تسليمة- فإنها أجبرت على الرحيل عن بلادها([1])، وذلك بعدما صدرت فى بلادها فتوى تهدر دمها بسبب مؤلفاتها المسيئة للإسلام، وكانت محكمة بنغلاديشية قد قضت بسجن الكاتبة الفارة تسليمة نسرين العام 2002 بسبب إساءتها للإسلام والمسلمين في كتاباتها وبخاصة روايتها (Lajja) أو"العار" التي تم حظرها وألقي القبض عليها ثم أفرج عنها بكفالة إلا أنها استغلت فرصة الإفراج المؤقت ففرت من البلاد. ومنذ ذلك الحين تعيش تسليمة نسرين في المنفى كلاجئة سياسية تحت حماية أمنية مشددة، وقد منحت لها صفة "مواطنة شرف" في العاصمة الفرنسية باريس، وباتت تُعرف في الغرب بأنها من الوجوه العالمية في مكافحة التطرف.

أما كارولين فوريست  Caroline Fourestفكاتبة فرنسية([2]) في جريدة "لوموند"، و"فرانس كولتور"، وتدير مجلة ProChoix "بروشوا"، النسوية التي تدافع عن الحرية الجنسية للرجال والنساء، بما فيها المثلية الجنسية. نشرت كتباً عدة نالت عنها العديد من الجوائز، مثل كتاب"الأخ طارق" وهو كتاب ينتقد أطروحات طارق رمضان الفكرية، وكتاب "القابلية للظلاميّة" الذي هاجمتمن خلاله اليسار المدافع عن الحضور الإسلامي في الغرب، تعرف على أنها وجه من وجوه القضية النسائية والعلمانية في فرنسا، وساهمت في مجلة "شارلي إيبدو" أيام أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة.

ودفاعا عن صديقتها، وجهت كارولين فوريست وآخرون، رسالة مفتوحة في يونيو الماضي، إلى السلطات الهندية تناشدها عدم الخضوع للضغوط، وتجديد التأشيرة لتسليمة قبيل انتهائها في 17 أغسطس 2010 وكانت السلطات الهندية قد سربت أنباء عن أن التأشيرة لن يجري تجديدها، ومن الأسماء الموقعة على الرسالة جميلة بلحبيب وهي صحافية من أصل جزائري فرت إلى كندا، وألفت كتابا ضد الإسلاميين بعنوان "حياتي ضد القرآن"، وسعيد سعدي البرلماني الجزائري المعروف بمعاداته للإسلاميين ودفاعه عن كيان أمازيغي بالجزائر، وإيزابيت بادينتير الوجه النسائي الفرنسي المتشدد، وبرنارد دولانوي عمدة باريس المعروف بدفاعه عن الشذوذ الجنسي، وغيرهم.

المشتركات الفكرية

منذ البداية، وفي مقدمة الكتاب تكشف كارولين فوريست عن الانتماءات الفكرية والعقدية التي تجمعها بتسليمة، إذ التقت الكاتبتان لأول مرة بباريس سنة 2004 في مؤتمر نظمه الملحدون المنحدرون من الثقافة الإسلامية ثم تقول "كان لنا أصدقاء مشتركون فضلاً عن المعارك المشتركة" ففي مارس 2006 بعد قضية الرسوم الكاريكاتورية، وقعنا معا بيانًا نطالب فيه بحرية التعبير([3])، وهذا هو سلاحنا الوحيد أمام الخطر الشمولي الذي تمثله الحركات الإسلامية"، ولإضفاء مزيد من القيمة والخطورة تحكي فوريست أن اسميهما صارا منذ ذلك الحين ضمن لائحة الاثني عشر كاتبا المحكوم عليهم بالقتل حسب موقع جهادي تحتضنه لندن. وقد صار هذا التهديد أمرا مألوفا ومتكررا في حياة تسليمة، ولكنه يعد الثاني في حياتي بعد أن تلقيت من قبل تهديدا من موقع فرنسي غداة صدور كتابي "الأخ طارق".

وللمرء أن يتساءل عن ماهية هذه المواقع ومن يقف وراءها، إذ يتشكك البعض في أنها قد تكون لعبة استخباراتية لتشويه صورة المسلمين عموما، والأقليات المسلمة في الغرب على الخصوص. وهو شك عززته تحقيقات مضادة عدة قام بها خبراء غربيون مستقلون.

وتحكي كارولين قصة هذا الكتاب، الذي ولدت فكرته بعد لقاء طلبته تسليمة للتحدث عن وضعها في المنفى بقولها "تبين لنا، أنه لا بد أن نصدر كتابا نستعرض فيه تجاربنا وقضايا النساء وحرية التعبير والدين والتطرف، وكانت معظم المحادثات تتم في بيتي". وتردف: في آخر لقاءاتنا، أخذت تسليمة سيارة أجرة، وفي الغد، أرسلت بريدا إلكترونيا تقول فيه "في طريق العودة سألني السائق الذي يبدو من هيئته أنه مسلم من أصول مغاربية إن كنت أنا تسليمة الكاتبة البنغالية، شعرت بالخوف من سلوكه لأنه بدأ يصرخ في وجهي باللغة الفرنسية، وظننت أنه كان يتهمني بالكذابة. كان غاضبا جدا، أوقفته في منتصف الطريق، كنت خائفة من أن يتعرف على مكان إقامتي رغم أني أخبرته بوجهتي عند الركوب، هذا يقع لي كثيرا في بلدان متعددة، فعندما يتعرف علي السائقون يغلظون لي القول".

الراجح أن كارولين تحاول أن تجعل من صديقتها امرأة مضطهدة لمجرد أن مسلمين قد ينتقدونها ويعبرون لها عن رفضهم لما تكتب ، فهي تكتب "لا تستطيع تسليمة الركوب في وسائل النقل العمومية، كالمترو، أو أن تمشي على قدميها طويلا مخافة المجازفة بحياتها. هذا حال امرأة لا تستطيع العيش في سلام أينما حلت وارتحلت. إذا زارها أحد مهما كانت زيارته خفيفة، فلابد من حراسة أمنية مشددة، وإذا قالت قولا مهما كان صغيرا، وتلقفته الصحافة وحرفته عن سياقه، فإن أفواجا من الغاضبين المستعدين لتكسير كل شيء يخرجون في مظاهرات ضدها، لم كل هذا؟ هل لأنها جرؤت على التحدث بحرية. تسليمة لم تتراجع عن حريتها أبدا سواء أمام عنف التهديدات أو أمام الرقابة التي تحرس التابوهات، والأحاديث المتبادلة بيننا في هذا الكتاب لا تخرج عن هذا الإطار"الحرية في القول".

اليسار يتخلى عن دعمه

لنترك البدايات إلى حين، ولنتوقف عند النهايات، فالعبرة في الأعمال والأعمال بالخواتيم، وكثيرا ما لا يسترجع الإنسان وعيه ويدرك خطورة ما أقدم عليه إلا بعد مرور زمن معين، والاقتراب من آخر العمر.

إن أهم ما يستلفت نظر قارئ هذا الكتاب، هو الحالة النفسية للكاتبة التي حاربت دينها وثقافتها وقومها في عقر دارها ومن وراء البحار، إذ تبدو نسرين حزينة كئيبة تعيسة حائرة، فتقول "أعيش وضعا مزريا، أنا في ترحال دائم وقلق مستمر، أكافح في الوقت الحالي من أجل البقاء والعيش في الغرب، إن هذا لأمر محزن حقا. لقد أديت الثمن غاليا، الثمن هو الابتعاد عن بلدي ومنزلي ومجتمعي ولغتي وأصدقائي وكل شيء".

فهل هي لحظة ضعف انتابت المرأة بعد معاناة طويلة، أم هي مؤشر على أن الكاتبة بصدد مراجعة الذات والوقوف على باب الندم ؟ هذا ما لا نستطيع أن نجزم به لكن المؤكد في جميع الحالات أن هناك حالة من التمزق النفسي والاكتئاب تصاحب أي إنسان يهجر وطنه وأهله ويعيش مغتربا في الغرب تحت حراسة أمنية مشددة.

يزيد الأمر صعوبة أن تسليمة تدرك أن الذين آووها ونصروها من اليساريين في بلادها أو حتى في الغرب، تبدلت مواقفهم، وهو الأمر الذي تعتبره فسادا وخيانة. تقول "اليسار فسدت أيديولوجيته وانحرفت وجهته، واليمين لا أمل فيه، فلم يبق لنا إلا آخر أصدقائنا الحقيقيين، إنهم العلمانيون والإنسانيون أيا كانت انتماءاتهم".

وتزيد في موضع آخر " لا أريد العيش في الغرب، ولكن ليس لي خيار آخر. عندما تطرد من بلد مسلم يشعر زملاؤك أنهم معنيون، ويكتب الجميع حول الموضوع، وعندما تطرد من ديمقراطية تزعم أنها علمانية، كالهند، لا يصبح الأمر مهما، لقد شعرت أن الدفاع عني قد خفت وضعف".

وتؤيدها كارولين فوريست في انتقاد اليسار متسائلة "ما موقع اليسار من كل هذا؟ وتجيب بقولها"إنه يوجد في اليسار حلفاء للمتطرفين، خاصة اليسار المتطرف المناهض للعولمة والرأسمالية والإمبريالية، عندما كنت أنتقد الكاثوليكية واليمين الديني الأميركي كنت مفضلة لدى اليسار، وكانت صحف مثل "بوليتيس" تشيد بكتبي وتنعتني بأني خبيرة في التطرف، لكن عندما بدأت أنتقد الأصولية الإسلامية، خاصة طارق رمضان، تغير كل شيء، صارت الصحيفة ذاتها تسخر من خبرتي في التطرف، وخسرت كثيرا من الأصدقاء والحلفاء".

أما تسليمة فتذهب إلى أبعد من هذا فتكشف عن المعايير المزدوجة للغرب في التعامل معها حين تنتقد الديانات، وتقول "عندما كنت أنتقد الهندوسية لم يعترض سبيلي أحد، وكذلك الأمر عندما كنت أنتقد المسيحية واليهودية، وكذلك عندما كنت أنتقد الإسلاميين. ولكن عندما تحدثت عن الإسلام متهمة إياه بإهانة النساء وقلت إن رسول الإسلام تزوج قاصرة واغتصب النساء ونهب ممتلكات اليهود، قامت الدنيا في وجهي ولم تقعد".

وتضيف أيضا "عندما أنتقد الإسلام تنهال علي التهاني والتحيات، لكن ذلك لا يحدث عندما أنتقد اليهودية والمسيحية والديانات الأخرى، كأنهم يقولون لي لقد ولدت في بلد مسلم ولا يحق لك سوى أن تنتقدي الإسلام، فانتقديه أقصى ما تستطيعين".

دور مسلمي الغرب

لم تعد الجبهة موحدة على حرب الإسلام كما كانت في الماضي، وهو أمر لم يكن يخطر ببال تسلمية وكارولين ومن يناصرهما، فما هو السبب وراء ذلك إنه ببساطة الحضور الإسلامي المتعاظم في الغرب ذلك ما توصلت إليه كارولين وتسليمة من خلال دراستهما حالة "أيان هيرسي علي" اللاجئة الصومالية التي تنحدر من أصول إسلامية والتي سقطت في أحضان اليمين الأميركي المحافظ.

وكانت هيرسي قد فرت إلى هولندا وقطعت علاقاتها مع أسرتها، وتحايلت على السلطات للحصول على اللجوء السياسي. وبدأت معاركها السياسية مع الحزب العمالي اليساري الهولندي الذي أفسح لها مجالا لتترشح ضمن لوائحه وتصبح نائبة برلمانية. لكن الحسابات السياسية والانتخابية عصفت بها، فالكتلة الناخبة من المهاجرين المسلمين ذات ثقل، وقد أخذها الحزب بعين الاعتبار فتخلى عنها اليسار، فانتقلت إلى الحزب الليبرالي واضطرت لأن تهاجر إلى الولايات المتحدة وقبلها أجرت اتصالات عدة بعدد من الهيئات والمراكز البحثية ذات اليمين وذات الشمال، فلم يقبلها سوى المعهد اليميني المحافظ المقرب من الرئيس السابق بوش. 

حالتها جديرة بالدراسة كما ترى كارولين، لأن الوضع الحرج الذي يجد فيه المنحدرون من الإسلام أنفسهم فيه، هو الوضع ذاته الذي وجد فيه المنتقدون للشيوعية أنفسهم فيه عندما هربوا منها ولجأوا إلى الغرب مثل الكاتب الروسيالكسندر سولجنستين. فالاحتضان السياسي لا يقدم لك الرعاية الدائمة، مثل الاحتضان الرياضي، إذ سرعان ما تلفظ عندما يستنفد الأغراض منك.

المحميون الجدد

تدرك كارولين أن السياسة ليست قارة، وأن المصالح الانتخابية والاقتصادية أشد تأثيرا من المعارك الفكرية والإيديولوجية حتى لو كانت حربا ضد الإسلام، ولذلك فإنه مما يؤرقها مع زميلتها نسرين هو مصير اللاجئين الفكريين الرافضين للإسلام في أوروبا، وتقر كارولين في البداية أن "حماية اللاجئين السياسيين والفارين القادمين من بلدان إسلامية ليست محل إجماع في دول الاتحاد الأوروبي. فهذا رهان لأوروبا وسياستها لأن هؤلاء اللاجئين ينبغي أن يظلوا أحرارا في التنقل والسفر، ثم إن هذا الأمر باهظ من الناحية المالية، وأخيرا هذا يؤدي إلى اعتماد تام من اللاجئ على الدولة"، ومن جانبها ترى أن الحل هو إيجاد مؤسسة أوروبية لحماية كل شخص يتهدده الموت بسبب حرية التعبير، وهذه الحماية ينبغي أن تشمل كذلك مناهضي التطرف ومنتقدي المافيا.

بين التطرف الإسلامي والمسيحي

لقد اشتغلت كارولين فوريست حوالي سبع سنوات على التطرف المسيحي الكاثوليكي قبل حوادث الحادي عشر من سبتمبر، ولكنها بعد هذا التاريخ، فكرت مع صديقتها في المعاشرة السحاقية فياميتا فينيت، في توسيع الدراسة والاهتمام بالتطرفين اليهودي والإسلامي، فوضعتا كتابا هو "قذائف متقاطعة" يقارن بين أنواع التطرف الديني المتعلق بقضايا النساء وحرية التعبير، والسياسة والعنف. وقد توصلتا إلى أن أشكال التطرف الديني متقاربة في بعض الأمور، ورغم هذا تركز كارولين على التطرف الإسلامي وتحاول أن تضفي عليه مزيدا من الخطورة بقولها "عندما كافحت التطرف المسيحي لم أجد المخاطر ذاتها التي واجهتني وأنا أكافح التطرف الإسلامي".

عقب صدور الكتاب تلقت صديقتها تهديدات من الجبهة الوطنية الفرنسية، فضلا عن أن كثير من الجرائد اليمينية نشرت عنوانهما لكل راغب في تلقينهما درسا لا ينسى، وبالفعل وصلتهما عشرات من رسائل القذف والشتم وتهديدات من المتطرفين المسيحيين. وسرعان ما تغفل كارولين عن هذه الحقيقة وتقع في تناقض صارخ عندما تقول إن تهديدات المتطرفين المسيحيين "ربما كانت أكثر عنفا من تلك التي وصلتني عقب صدور كتابي الأخ طارق"، وهذا يتناقض مع ما قالته من قبل عن المخاطر التي تلقتها وهي تكافح التطرفين المسيحي والإسلامي.

وتمارس كارولين لعبة أخرى على القراء عندما تضع جميع الإسلاميين في سلة التطرف، بمن فيهم المشهورون باعتدالهم مثل المفكر طارق رمضان وتياره، والجمعيات الإسلامية التي تمثل مسلمي فرنسا. كاشفة بذلك عن أن المستهدف هو الوجود الإسلامي بالغرب الذي صار مزعجا مقلقا للدوائر الرافضة له.

ظلال الطفولة

وبالعودة إلى البدايات، تسرد تسليمة نسرين كثيرا من التفاصيل عن طفولتها وأسرتها التي نشأت فيها، لم يكن الدين حاضرا في أسرتها منذ البداية، لكن أزمة الخيانة الزوجية للأب دفعت الأم إلى التدين على طريقة الجماعات الإسلامية المنتشرة في الهند وباكستان. فأكرهتها أمها على حفظ القرآن الكريم رغم أنها لا تعرف من اللغة العربية شيئا. ترفض تسليمة رفضا قويا وينتهي الإكراه إلى معاداة الدين وتبني الإلحاد. إلحاد تشترك معها فيه كارولين فوريست بسبب تربية كاثوليكية متزمتة وهشة.

ورغم ما فعله أبوها بأمها من خيانة وسوء معاملة، ورغم أنه بدوره أكرهها على تغيير تخصصها الدراسي مرتين، إلا أن تسليمة تغدق على أبيها الثناء والإعجاب، لتحرره من القيود الدينية والأخلاقية، وتتهجم على أمها لجهلها وتدينها رغم أن أمها وفق التعبيرات النسوية هي ضحية للاستبداد الذكوري الواقع عليها.

الحرية لا تتجزأ

يحار المرء من موقف الكاتبتين من الحرية التي تحلمان بها، فهما تريدان حرية انتقاد الإسلام والثقافة الإسلامية وسائر المتدينين من دون أن يحتج عليهما أحد، يريدان حرية بلا حدود ولا ثمن، في حين أن للحرية حدودا وثمنا. فكارولين ترى أن "الحد الوحيد الذي تؤمن به في حرية التعبير هو ألا تحرض على الإهانة أو تشجع على القتل"، بينما لا تؤمن تسليمة "بأي حد لحرية التعبير، إنها مطلقة بلا حدود".

ومن الموضوعية والإنصاف أن نرفض في مواجهة هذه الحرية الفوضوية أسلوب الفتاوى وإهدار دماء المنتقدين للإسلام والمستهزئين بمقدساته، فتلك طريقة غير مجدية، وضررها أكثر من نفعها، وهذا رأي جمهور العلماء الراسخين في العلم، لكن يظل حق الاحتجاج مشروعا في مقابل حرية الانتقاد، فهل تريد تسليمة وكارولين أن تقولا وتكتبا ما تريدان وتسخرا كيفما تشاءان من دون أن يكون لمن توجه إليهم الانتقادات والاستهزاءات الحرية نفسها.

وشبيه بهذا ما تشرعه كارولين لنفسها ولأشباهها حول الشذوذ الجنسي، إذ أن انتقاد الإسلام في نظرها أمر مشروع، لكن انتقاد المثلية الجنسية ورفضها ليس كذلك، تقول بالحرف الواحد "الشذوذ الجنسي اختيار جنسي، وأن تكون ضد المثلية الجنسية معناه أنك ترفض المثليين كما هم، أما أن تقول إن الإسلام يجب أن يتطور أو تنتقد هذه القضية أو تلك فهذا نقاش فكري ينبغي أن يكون دون أن يوصم الناقد بكونه عنصريا".

ورغم هذا فإن السلوك الأمثل في مواجهة أمثال هؤلاء الكتاب والكاتبات، هو استخدام السلاح نفسه، ألا وهو المجادلة بالتي هي أحسن، والاحتجاج بالتي هي أقوم، فالاحتجاج في الشارع له وظيفته ولا ينبغي أن يبخس حقه، واحتجاج سائقي سيارات الأجرة- إن صحت روايته - له وزنه، شريطة أن يتسم بالحكمة والهدوء وعدم العنف فيظل بمنأى عن المتطرفين والدخلاء المتربصين.

 وهناك تطور آخر إيجابي ستشهده الأيام القادمة، ألا وهو التحول النوعي للأقليات المسلمة في الغرب وزيادة وزنها السياسي والديني والفكري في الغرب خصوصا، والعالم عموما، وهذا ما يضاعف المسؤولية على المفكرين في تأطير المسلمين ورفع مستواهم الفكري والروحي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنوان الكتاب: حرتان في القول                                                     

المؤلفتان: تسليمة نسرين وكارولين فوريست                                                

دار النشر: فلاماريون- فرنسا  

الطبعة الأولى 2010                                                                

عدد الصفحات 320

[1] انظر السيرة الذاتية لتسليمة على موقعها

[2] انظر مدونة كارولين فوريست

http://carolinefourest.wordpress.com/

[3]اشترك في توقيع البيان اثنا عشر كاتبا معظمهم ينتمي إلى أصول إسلامية ويقيمون في الغرب منذ فترة طويلة مثل سلمان رشدي وإرشاد منجي وإيان هيرسي علي.