الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2009موقف الآخر من سماحة الإسلام بين الإنصـاف والإجحـاف
 
السبت 12 ديسمبر 2009

يلغط الكثير من المعادين للإسلام بأن الإسلام لم ينتشر ويبلغ ما بلغ في فترة وجيزة إلا بالعنف والإكراه ، ويموه الكثير منهم ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وقد يُرَدُّ على هذه الادعاءات بادعاءات أخرى من مسلمين جهلة فينكرون من الإسلام أحكاما معلومة من الدين بالضرورة مثل تشريع الجهاد ، أو إنكار بعض الأحاديث ، أو تأويل بعض الآيات تأويلا غير صحيح ، أو إنكار بعض الأحداث التاريخية كبعض الغزوات .

 والحقيقة أن إدراك مدى سماحة الإسلام لا يكون إلا بالمقارنة بينه وبين الأديان و النظم التشريعية الأخرى ، و بتلك المقارنة نعرف الحقيقة .

 أولا : الإسلام والقتال يعتمد الكثير من الطاعنين في سماحة الإسلام في طعونهم على ما ورد في الإسلام بخصوص القتال والجهاد ، وكأن هذا الأمر لا يوجد إلا في الإسلام ، بينما الحقيقة تشير إلى أن قتال الظالمين أمر مشروع في جميع الأديان والقوانين ، وذلك ما نراه في التوراة والأناجيل على حد سواء ، وأيضا في التشريعات الوضعية المختلفة ، وإليك نماذج من ذلك

  1 – القتال في اليهودية ورد في الباب العشرين من سفر التثنية ما نصه : (وإذا دنوت من قرية لتقاتلها ادعهم أولا إلى الصلح ، فإن قبلت وفتحت لك الأبواب فكل الشعب الذي بها يخلص ويكونون لك عبيدا يعطونك الجزية ، وإن لم ترد تعمل معك عهدا وتبتديء بالقتال معك فقاتلها أنت ، وإذا سلمها الرب إلهك بيدك اقتل جميع من بها من جنس الذكر بفم السيف ، دون النساء والأطفال والدواب وما كان في القرية غيرهم ، واقسم للعسكر الغنيمة بأسرها وكل من سلب أعدائك الذي يعطيك الرب إلهك ، وهكذا فافعل بكل القرى البعيدة منك جدا وليست من هذه القرى التي ستأخذها ميراثا ، فأما القرى التي تُعطى أنت إياها فلا تستحي منها نفسا البتة ، ولكن اهلكهم إهلاكا كلهم بحد السيف الحيثي والأموري والكنعاني والفرزي والحوايي واليابوسي كما أوصاك الرب إلهك )

 فظهر من هذه العبارة أن الله أمر في حق القبائل الست ، أعني الحيثانيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوايين واليابوسيين أن يُقتل بحد السيف كل ذي حياة منهم ذكورهم وإناثهم وأطفالهم ، وأمر فيما عداهم أن يُدعوا أولا إلى الصلح فإن رضوا به وقبلوا الإطاعة وأداء الجزية فبها ، وإن لم يرضوا يُحاربوا ، فإذا حصل الظفر عليهم يُقتل كل ذكر منهم بالسيف وتُسبى نساؤهم وأطفالهم ، وتنهب دوابهم وأموالهم ، وتقسم على المجاهدين ، وهكذا يُفعل بكل القرى التي هي بعيدة من قرى الأمم الست .

ومما ورد في التوراة أيضا الدعوة إلى قتل النّساء والأطفال والبهائم كما هو الحال في سفر حزقيال 9: 5) اعبروا في المدينة وراءه (أي يهوذا) واضربوا. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا: الشّيخ والشّابّ والعذراء والطّفل والنّساء: اقتلوا للهلاك... نجّسوا البيت واملأوا الدّور قتلى ...

 وورد في سفر العدد 31: 1: وكلّم الرّبّ موسى قائلاً: " انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين. فتجند بنو إسرائيل على مديان كما قال الرّبّ: وقتلوا كلّ ذَكَر وسبَوْا نساء مديَن وأطفالهم. ونهبوا جميع مواشيهم وكلّ أملاكهم. وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنّار . فخرج موشى وألعازار الكاهن وكلّ رؤساء الجماعة لاستقبالهم إلى خارج المحلّة. فسخط موسى على وكلاء الجيش. وقال لهم: هل أبقيتم كلّ أنثى حيّة؟ إن هؤلاء كُنّ في بني إسرائيل سبب خيانة للرّبّ. فكان الوبأ في جماعة الرّبّ. فالآن اقتلوا كلّ ذكر من الأطفال. وكلّ امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها. لكن جميع الأطفال من النّساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر: أبقوهنّ لكم حيّات.

 وورد في يشوع 6: 16: قال يشوع لبني إسرائيل: اهتفوا لأنّ الرّبّ أعطاكم المدينة. فتكون المدينة وكلّ ما فيها مُحرّمًا للرّبّ... كلّ الذّهب والفضّة وآنية النّحاس والحديد تكون قدسًا وتدخل في خزانة الرّبّ... وحرّموا كلّ ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ: حتى البقر والغنم والحمير بحدّ السّيف.

 وورد في أرميا 51: 2) أنت لي فأس وأدوات حرب... فأسحق بك الأمم وأهلك بك المماليك وأسحق بك الرّجل والمرأة. وأسحق بك الشّيخ والفتى، وأسحق بك الغلام والعذراء، وأسحق بك الرّاعب وقطيعه. وورد في صموئيل الثاني (8: 1) وضرب داود المؤابيين وقاسهم بالحبل. أضجعهم على الأرض. فقاس بحبلين للقتل وبحبل للاستحياء. وصار الآراميون عبيدًا لداود.

 ونجد في نفس السفر( 4: 12) وأمر داود الغلمان فقتلوهما وقطّعوا أيديهما وأرجلهما وعلّقوهما.

 ومما نجده في سفر القضاة (21: 10) فاتّفق بنو إسرائيل في عهد بنيامين بعدما قدّموا قرابين إلى الله أن: اذهبوا إلى سكّان يابيش جلعاد واضربوا بحدّ السّيف. النّساء والأطفال تحرمون (أي تقتلون) كلّ ذكر وامرأة عرفت اضطجاع ذكر. فوجدوا من سكان يابيش جلعاد أربع مائة فتاة عذارى لم يعرفن رجلاً بالاضطجاع مع ذكر. فرجع بنيامين في ذلك الوقت فأعطوهم النّساء اللّواتي استحيوهن من نساء يابيش جلعاد.

 ونجد في السفر ذاته 21: 20) ثمّ أوصوا بنيامين قائلين: امضوا واكمنوا في الكروم وانظروا: فإذا خرجت بنات شيلوه ليدرن في الرّقص فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كلّ واحد امرأته من بنات شيلوه. ففعل هكذا بنو بنيامين. واتّخذوا نساء حسب عددهم من الرّاقصات اللّواتي اختطفوهنّ. اقتلهم واسلب أموالهم !!

 وفي أستير 8: 11: وأعطى مردخاي - ملك اليهود - إذنًا لهم أن يهلكوا ويقتلوا ويبيدوا قوّة كلّ شعب: حتى الأطفال والنّساء وأن يسلبوا غنيمتهم. لينتقم اليهود من أعدائهم. فكثير من شعوب الأرض تهوّدوا لأنّ رعب اليهود وقع عليهم.

 وورد في سفر التثنية( 20: 10) حين تقرّب مدينة لكي تحاربهم: استدعها إلى الصّلح. فإن أجابتك إلى الصّلح وفتحت لك: فكلّ الشّعب الموجود فيها يكون لك للتّسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك. بل عملت معك حربًا فحاصرها. وإذا دفعها الرّبّ إلهك إلى يدك: فاضرب جميع ذكورها بحدّ السّيف. وأمّا النّساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة: كلّ غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرّبّ إلهك .

 ولقد أصبحت المكايد اليهودية للآخرين وللمسيحيين سُـنَّة متبعة سار عليها اليهود في الأجيال اللاحقة ، والأمثلة لما فعلوه أكثر من أن يحصيها كتاب، ففي سنة 155 م قتل الإمبراطور الروماني الكثير من اليهود الذين كانوا يسكنون روما ، بناء على إشارة من أحد الحاجامات الذي أسر إلى الملك بأن النصارى هم سبب وجود الأمراض المعدية ، وفي سنة 214 م قتل اليهود مائة ألف مسيحي في روما وكل نصارى قبرص ، وذلك في عهد الإمبراطور"مارك أوريل" .

 2 – في المسيحية يعتقد الكثير من السذج أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه ، وتمقت الحرب ، وتدعو إلى السلام ، بينما نجد من الكلام المنسوب إلى السيد المسيح نفسه أنه قال : " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض ، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً ، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه ، والابنة ضد أمها ، والكنة ضد حماتها ، وأعداء الإنسان أهل بيته . من أحب أبا أو أماً أكثر مني فلا يستحقني ، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني ، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني ، من وجد حياته يضيعها ، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها "

فما رأي المبشرين والمستشرقين والطاعنين في الجهاد في هذا ؟

 وورد في رؤيا يوحنا(21-8) ما نصه :( وأما الجبانون والكفار والمرذولون والقتلة والزناة والسحرة وعبدة الأوثان ، وكل الكذابين يكون نصيبهم في البحيرة الموقدة بالنار والكبريت)

. وورد في إنجيل لوقا19 :27 " أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي "

 وضع اليهود إبان الحكم المسيحي والكنسي

: ولم يكتف المسيحيون بالنصوص الواردة في أناجيلهم بل طبقوها على الأمم التي قهروها ، فقد لاقى اليهود من المسيحيين أيام خضوعهم لسلطانهم ما لم يلاقوه مع أمة أخرى من الأمم التي خضعوا إليها ، ففي 30 مارس 1492 صدر أمر كنسي بأن كل يهودي لم يقبل المعمودية في أي سن كان وعلى أي حال كان ، يجب أن يترك بلاد اسبانيا قبل شهر يوليو (تموز) ومن رجع منهم إلى هذه البلاد عوقب بالقتل و أبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون من عقار و منقول بشرط أن لا يأخذوا في الثمن ذهبا و لافضة ، و إنما يأخذون الأثمان عروضا و حوالات ، و من ذا الذي يشتري اليوم بثمن ما يأخذه بعد ثلاثة أشهر بلا ثمن ؟ ( يعني أن أموال اليهود تكون مباحة بعد جلائهم الذي تم في يوليو ) و صدر أمر ( توركماندو ) أن لا يساعدهم أحد من سكان اسبانيا في أمر من أمورهم . و هكذا خرج اليهود ، تاركين كل ما يملكون بأرواحهم على أنه لا نجاة لكثير منها ، فقد اغتالها الجوع و مشقة السفر مع العدم و الفقر .

 3 - المدنيات الحديثة لم تختلف معاملة المدنيات الحديثة للمغلوبين عما رأيناه في النصوص الدينية السالفة ، واليوم كلنا يشاهد ما يُفعل بالشعوب في العراق وأفغانستان والصومال وغيرها من البلدان من أجل فرض رؤية الأقوياء للأمور ، ولا نشاهد بجانب ذلك إلا انتقادات محتشمة .وحتى القوانين والتشريعات الممجدة لحقوق الإنسان فليس لها حظ معتبر من الاحترام ، فإذا تعارضت مقتضياتها مع مصلحة القوي تم التخلي عنها بحجة أو بأخرى .

4 – الإسلام أما موضوع الجهاد في الإسلام فهو أمر آخر يختلف كلية عما ورد في اليهودية والمسيحية ، فالمتأمل فى جميع الآيات القرآنية التى تحدثت عن القتال – سواء عن الإذن به، أو الوجوب له، أو التحريض عليه كان التشريع والشرعية للقتال خاصاً بمن يفتن المسلمين فى دينهم- والفتنة أكبر من القتل- وبمن يخرج المسلمين من ديارهم [أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله]- الحج: 39،40-

.. [كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهو شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل] – البقرة: 216 – 217.

وإذا كان الإسلام قد نحا منحى الأديان السابقة في تشريع القتال ، فإنه لم يتركه مطلقا يستعمل كيف ما كان بل وضع الإسلام للحرب آدابًا ومعايير، منها أن يكون رد العدوان بمثل ما حدث به العدوان، وذلك حتى لا يستبيح الناس فى الحرب غير المباح، ولأن الحرب – فى الرؤية الإسلامية – هى جراحات استثنائية، يجب الوقوف فى آلياتها ومقاصدها ونطاقها عند المداواة للداء الذى فرضها، دون الآليات والمقاصد التى توسع أبوابها فتحول الداء إلى أدواء.. ولذلك، جاء فى القرآن الكريم عن هذه الضوابط [الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين] البقرة: 194. والأصل فى القتال هو مقاتلة المقاتلين من الأعداء المعتدين، وليس قتال ولا قتل النساء والأطفال وعموم غير المقاتلين. وعن هذه الشمائل للفروسية الإسلامية تحدثت وصايا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووصايا الخلفاء الراشدين للجيوش والسرايا والبعوث القتالية ، وإن المتأمل في وصية أول خليفة للمسلمين (أبوبكر) لأول جيش إسلامي يخرج بعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – يلمس التسامخ المحض في كل عبارة من عبارات الوصية ، فهو يقول : يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني ، لا تخونوا ولا تُغِلوا ، ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة ، وسوف تمرون بأقوام فرغوا أنفسهم في الصوامع ، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام ، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها ، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا ، اندفعوا باسم الله ..

ويكفي للرد عن الادعاء بأن الإسلام انتشر بحد السيف أن نعرف أن عدد القتلى من المسلمين والذين وقعت معهم حروب طيلة حياة النبي _ صلى الله عليه وسلم – في ثمان وعشرين غزوة ، يكفي أن نعلم أن العدد لم يجاوز الألف وثمانين شخصا ، والجهاد في الإسلام له أسبابه ، والنصوص الواردة في القرآن أو في السنة حول الجهاد يجب أن تُفهم في سياقها ، فليس صحيحا أن يُقاتَل الناس من أجل أن يدخلوا في الإسلام لأن ذلك يتعارض مع نص القرآن الكريم ( لا إكراه في الدين) البقرة : 256 

 وإنما شُرِّع الجهاد في الإسلام في أحوال معينة ، وسيبقى الجهاد مشروعا ما وجدت هذه الأحوال وما يقوله بعض الجهلة بأن الجهاد كان مشروعا في وقت مضى واليوم ليس كذلك ، فهو كلام ساقط عار من الصحة ، والأحوال التي يُشرع فيها الجهـاد هي :

 أ – الدفاع عن النفس والمال والدين ضد الغزاة والمنتهكين والسالبين ، والمتأمل في أسباب غزوات النبي – صلى الله عليه وسلم – يعي ذلك جيدا ، فغزوة بدر على سبيل المثال ، إنما كان بداية أسبابها الخروج لاعتراض قافلة تجارية لقريش لغرض التعويض عما سلبتهم قريش في مكة حين الهجرة ، ولما فاتت القافلة همَّ المسلمون بالرجوع لولا علمهم بقدوم قريش لمحاربتهم رغم نجاة القافلة ، فكان قتالهم دفاعا محضا عن أنفسهم ، ونفس الأمر حدث في غزوة أحد القريبة من المدينة ، ويكفي أن تعرف مكان الغزوة حتى تعرف المهاجم والمدافع . وكل ما فعله المسلمون مع النبي لا يعدو إلا أن يكون ردود أفعال لاعتداءات سابقة

 . ب – الاقتصاص من العدو ، وهو المبرر الثاني وهو كما ترى لا يكاد يختلف عن الأول ، وذلك ما نلاحظه في إجلاء النبي لليهود الذين أعانوا عليه أعداءه ودبروا له المكائد ، وهو سبب فتح مكة حين نكثت قريش بالعهد الذي أبرمته في صلح الحديبية ، وهو سبب حرب المسلمين للروم الذين قتلوا بعض المسلمين .

 ج – تمكين الناس من سماع الدعوة إلى الإسلام ، حيث يوجد الكثير من الحكام والملوك الذين رفضوا تمكين شعوبهم من سماع الدعوة ، والقتال هنا لم يأت لإكراه الناس على الدخول في الإسلام وإنما من أجل تمكينهم من سماع الدعوة ، وهم بعد ذلك أحرار في الدخول إلى الإسلام أو البقاء على الشرك . فالأصل إذن في العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم هي السلم ، والجهاد استثناء يتكرر وجوبه كلما تكررت أسبابه إلى يوم القيامة ، فلو كانت العلاقة قائمة بين المسلمين وغيرهم قائمة على العدل والاحترام ، والسماح بنشر الدين لما كان هناك جهاد ، ولكن هيهات أن يتحقق هذا . والجهاد الذي يشرعه الإسلام ليس خاصا بالمخالفين ، وإنما هو عام لكل فساد سواء كان من المخالفين أو من المسلمين ، فيمكن أن يكون الجهاد ضد الحكام المسلمين الظالمين ، وفي الحديث : (خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ، كما يمكن أن يكون جهاد للنفس والشيطان ، وهو الذي يسميه الإسلام الجهاد الأكبر ، وبتعبير آخر فإن حقيقة الجهاد هي مكافحة كل فساد واعوجاج بالنفس والمال والكلمة 

 أما حرية التدين فهي مسألة مكفولة بنص الدستور القرآني . ومما يدل على أن الجهاد لم ينتشر بالسيف حال المسلمين اليوم ، فالمتأمل في الدول الإسلامية المختلفة من جاكرتا بالمحيط الهادي إلى أغادير يالمحيط الأطلسي يجد أن أكثر المسلمين يتركزون في بلاد لم يصلها الإسلام إلا بطرق التجارة والدعوة ، فلم تصل الجيوش الإسلامية المقاتلة لا إلى أندونيسيا أكبر البلاد الإسلامية سكانا ، ولا إلى ماليزيا ، ولا إلى بنغلاداش ، ولا إلى نيجيريا ، ثم إن الفاتحين من المسلمين الأوائل لم يخيروا أهالي البلاد التي فتحوها بين الإسلام والسيف 

 وإنما بين الإسلام والجزية من أجل الحماية ، وشتان بين الأمرين ، وقد تنبه إلى ذلك الكثير من الغربيين على غرار شيخ المؤرخين المعاصرين أرنولد توينبي الذي يقول : "من الميسورأن تسقط الدعوى التي شاعت بين جوانب العالم المسيحي غلوا في تجسيم أثر الإكراه في الدعوة الاسلامية إذ لم يكن التخيير ببلاد الروم والفرس بين الإسلام والسيف وإنما كان تخييرا بين الإسلام والجزية وهي الخطة التي استحقت الثناء لاستنارتها حين اتبعت بعد ذلك في البلاد الانجليزية في عهد الملكة اليزابيت "

وما فعلته الملكة المذكورة إنما كان استثناء من القاعدة العامة التي كانت متبعة وسائدة في نشر المسيحية ، سواء كان ذلك مع اليهود والمسلمين والمخالفين الآخرين ، أو كان فيما بين المسيحيين ، خصوصا ما وقع بين الكاثوليك والبروتستانت ، ويكفي أن نعلم بأن سكان أمريكا من البروتستانت إنما هاجروا من أوربا بسبب الاضطهادات الكاثوليكية لهم .

وقال ميشود : إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى ، وهو قد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب .

 وقال روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكان" : إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو أتباع الأديان الأخرى الذين غلبوهم وتركوهم أحرارا في إقامة شعائرهم الدينية .

وقالت الباحثة الإنجليزية المختصة في مقارنة الأديان كارين أرمسترونج بعد دراسة لها للسيرة النبوية من وجهة نظر غربية في آخر كتابها عن النبي محمد – صلى الله عليه وسلم - :وقد أسس دينا وموروثا حضاريا لم يكن السيف دعامته – برغم الأسطورة الغربية – ودينا اسمه الإسلام ، ذلك اللفظ ذو الدلالة على السلام والوفاق .

 ثانيا : معاملة الآخر في الإسلام لو تأملنا النصوص الموجودة بين أيدي اليهود والنصارى ، والنصوص التي تحتكم إليها المدنيات الحديثة فإننا نجد انحيازا سافرا إلى أتباع تلك الأديان والمدنيات ، ونوعا من التعسف في المعاملة بخلاف ما عليه الحال في الإسلام فقي التوراة يورد كاتب سفر التثنية 5 : 20 قول موسى عليه السلام لقومه : " ولا تشهد على قريبك شهادة زور " بمعنى أن شهادة الزور ممنوعة ضد القريب فقط وكأنه يسمح بها ضد البعيد. هذه الصياغة تثير ريبة حول مصدر هذا القول ، لأنه يفتقر إلى دقة التعبير التي يتصف بها الأنبياء حيث أنهم يتكلمون بوحي من الله سبحانه وتعالى ،كما يناقض هذا القول الفضيلة والعدالة التي يُفترض أن تكون في كل تشريع 

 ونجد أيضا في سفر التثنية 23 : 19 يقول الرب : " للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك " هذا النص يحث اليهودي على عدم التعامل بالربا مع اليهود ولكن يجوز له أن يقرض بربا لغير اليهودي !!

وأما التلمود فهو مليء بالنصوص الدالة على التمييز والتفضيل . ومن ذلك ماورد في كلام الرباني "راب"عندما يحتاج النصراني إلى دراهمَ، فعلى اليهودي أن يضيف الربا الفاحش إلى الربا الفاحش؛ حتى يرهقه، ويعجز عن الوفاء إلا بالتخلي عن أملاكه، وعندئذٍ يستولي عليها اليهودي بمعاونة المحاكم. أما المسيحية فإننا وإن لم نجد في الأناجيل ما يدل على ذلك التفضيل فقد تم الاستعاضة عنه بالممارسات الكنسية المقدسة ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن غفران الذنوب والتجاوز عن الجرائم لا تكون للجميع ولو كانوا مسيحيين ، وإنما تكون لمن يلجأ إلى الكنيسة وتقبل الكنيسة لجوءه .

 أما في الإسلام فهناك نصوص كثيرة تنبض بالتسامح تجاه الآخرين ، والدعوة إلى معاملتهم بالحسنى ومن تلك النصوص قوله تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين( الممتحنة 08) ، فالآية كما هو ظاهر تأمر المسلمين أن يكونوا مقسطين مع غيرهم من الذين لم يقاتلوهم ولم يكونوا مساهمين في إخراجهم من ديارهم ، وتخبرهم بأن الله يحب منهم ذلك ، وقوله أيضا (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى (المائدة08)، وفي هذه الآية ينهى الله تعالى المسلمين عن يؤثر فيهم بغض بعض المخالفين ، فيتركون العدل ، ويعاملونهم بالجور على سبيل الانتقام .

 وقد خص الإسلام المخالفين الذين يعيشون في ربوعه باسم خاص هو أهل العهد والذمة ، وهما كلمتان تحملان الكثير من معاني العدل والوفاء ، ووردت فيهم مجموعة من النصوص تؤكد حقوقهم ، وترهب من الاعتداء عليهم ، ومن تلك النصوص قوله – صلى الله عليه وسلم - :من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا ، او كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة ، وورد في البخاري : من قتل معاهدا لم يُرح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما .

 وقد كانت معاملة النبي – صلى الله عليه وسلم – لغير المسلمين في عهده قمة في التسامح ، فلم يُسمع عن محمد أنه قتل نصرانيا لأنه لم يسلم ، أو أنه عذبه أو سجنه أو منعه من التعبد على طريقته ، ولم يُنقل عن محمد قط أنه هدم كنيسة أو بيعة ، ولقد صالح محمد نصارى نجران ، فوجدنا في عهده إليهم هذه الكلمات " ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم ، وأنفسهم وملتهم ، وبيعهم ، وغائبهم ، وشاهدهم ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، لا يغير أسقف من أسقفيته ، ولا راهب من رهبانيته ، ولا كاهن من كهانته ، زلا يحشرون ، ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش"

 . وأما ما خص به الإسلام أتباعه من الحقوق فهو في نظير واجبات يقومون بها لم تُفرض على المعاهدين فلم يكن من المناسب أن يأخذوا نفس الحقوق وهم لم يقوموا بنفس الواجبات التي لا تتوافق مع طبيعة علاقتهم بالمسلمين ، وقد أدرك معقولية هذه الحقيقة حتى بعض المنصفين من المسيحيين على غرار الأستاذ فارس الخوري ، رحمه الله ، في مقدمته على كتاب المرحوم الدكتور نجيب الأرمنازي "الشرع الدولي في الإسلام" : (ليس من المنتطر أن يجعل المسلمون لغير المسلمين في بلاد الإسلام نفس الحقوق التي للمسلمين في كل شيء ، فهذه الدول الحديثة في عصر الحضارة الباهر الذي نحن فيه لا تمنح الأجانب النازلين في بلادها حق المساواة مع أبناء البلاد ، فليس لهم حق التوظف ولا حق الانتخاب ، ولا حق احتراف بعض الحرف المخصوصة ولا حق التنقل الحر ولا حق التمتع المطلق بحماية القوانين واستثمار الحرية مثل الرعايا المحليين ، وأنت تعلم أن اختلاف الدين في دولة الإسلام هو مثل اختلاف الجنسية في هذا العصر ، والإسلام جنسية عامة لكل المسلمين في دار الإسلام ، وقد بنيت الدعوة الإسلامية على وحدة الدولة كما بنيت علة وحدانية الله ، ولذلك لم يقرر في الشرع وجود دول إسلامية متعددة لكل واحدة ما للأخرى من الحقوق والاستقلال) .

ــــــــــــــ

قائمة المراجع 1 - رحمة الله الهندي – إظهار الحق – المكتبة التوفيقية – القاهرة ج2

2 - عبد الله التل – الإسلام في قفص الاتهام –

 3 - محمد عبده – الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية – المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر 1988

 4 - ميشود – تاريخ الحروب الصليبية – ترجمة أحمد فتحي زغلول

 5- شوقي أبو خليل – الإسلام في قفص الاتهام – دار الفكر الجزائر-دار الفكر سورية 1992

 6- كارين أرمسترونج – محمد – ترجمة فاطمة نصر ومحمد عناني – دار سطور الطبعة الثانية 1998 7

 - ابن الأثير – الكامل في التاريخ – دار الكتاب العربي – الطبعة الخامسة 1985

8- منير العجلاني – عبقرية الإسلام في أصول الحكم – دار النفائس ، بيروت – الطبعة الأولى

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 موقف الآخر من سماحة الإسلام بين الإنصـاف والإجحـاف

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7