الأربعاء 12 يناير 2011
للدعاة فقط
إدارة دعوية..2

اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كبد جائعة وبدن عار، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس لي شيء من الدنيا إلا ما على ظهري.

مفكرة الإسلام : إنها كلمات تحيي القلوب، خرجت على لسان سيد التابعين أويس القرني ـ رحمه الله ـ يناجي ربه تعالى معتذرًا له، شاكيًا إليه عجزه عن عون إخوان العقيدة الذين لذعهم البرد وأضناهم الجوع، وإنها لكلمات تعلم دعاة الإسلام كيف تفعل حرارة الإيمان إذا أضرمت في قلب الداعية الصادق، إنه:

 

 'يصير كأن لا نفس له ولا طبع ولا هوى، ينسى طعامه وشرابه ولباسه، يصير ناسيًا لنفسه، ذاكرًا لخلق ربه عز وجل'.

 

 كذا فعلت بعبد القادر الكيلاني ـ رحمه الله ـ، فانبرى تبلغنا تجربته عبر هذه الكلمات، ولئن كانت فاقة أويس قد أعجزته عن مواساة إخوانه بماله، فبذل لهم من قلبه ومشاعره، فإن الداعية الهمام يملك الكثير ليقدمه إلى المعرضين عن طريق الهدى، وكما كان إخوان أويس يحتاجون إلى زاد من طعام يسدون به رمقهم، وكساء من قماش يتقون به بردًا لذع أجسادهم، فإن جموع المسلمين اليوم لتحتاج إلى زاد أعظم، وكساء أهم ألا وهما تقوى الله العظيم وخشيته {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر} [الأعراف: 26].


 

ولعمري إن هذا هو الدور الحقيقي الذي يتعين على الداعية أن يقوم به في هذه الأيام، أن يمضي إلى الغافلين الذين فتت الجوع إلى خشية الله أكبادهم، ولذع برد المعاصي قلوبهم، فيلبسهم كساء التقوى عبر كلماته القلبية المشفقة، ويطعمهم زاد الخشية خلال مجالسه الإيمانية الصادقة، فيُعذر بذلك عند رب جليل يقول في محكم التنزيل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 92 ـ 94].


 

ولكن إلقاء الكلمات القلبية عبر المجالس الإيمانية، فن لا يتقنه إلا كل موفق قد امتلأ قلبه بخشية ربه حتى فاضت منه على غيره، ثم عرف كيف يورد الإبل ومن أين تؤكل الكتف، فأحسن عرض بضاعة التقوى على كل سادر في فيه، يجذبه إليها، ويحببه فيها حتى يصير من أهلها بتوفيق الهادي إلى سواء السبيل، ومن أجل إعانة الدعاة على إتقان هذا الفن كانت هذه المواعظ في فقه الدعوة، والتي بدأنا أولى مجموعاتها معهم في الحلقة السابقة حول فن الدعوة الفردية، حاولنا فيها إقناع فرسان الدعوة بضرورة إتقانهم لهذا الفن عبر ذكر أصوله الشرعية ثم مبرراته الواقعية، ونستكمل جزءًا آخر من هذه المحاولة الإقناعية في هذه الحلقة، بذكر بعض الثمرات اليانعة التي نجنيها من الدعوة الفردية، فأعيرونا يا دعاة الإسلام منكم القلوب والأبصار.

الشجرة الطيبة:

 

مثل كلمة طيبة يلقيها داعية الإسلام في قلوب الناس خلال الدعوة الفردية كشجرة طيبة أصلها ثابت في جذر قلبه وفرعها في سماء الدعوة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، كذلك نضرب الأمثال لدعاة الإسلام لعلهم يتذكرون، وهذه الثمار اليانعة للدعوة الفردية منها ما يجنيه الداعية، ومنها ما يحوزها المدعو، منها ما تفوز بها الدعوة، وفي كلٍ خير عظيم، فمن الأُكُل التي يظفر بها الداعية:

1ـ متوالية الأجر الهندسية:


 

يروي لنا خبرها أبو هريرة رضي الله عنه محدثًا عن سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم عندما قال: 'من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا'.


 

ولو تفكرت أيها الهمام لحظة، إلى من يرجع ثواب هدايتك إلى الإسلام؟


 

لا شك أنه يرجع إلى صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الغر الميامين الذين فتح الله بدعوتهم أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا, وقلوبًا غلفًا، فأخرجنا جميعًا بهم من الظلمات إلى النور، فكل ما نعمله نحن وذرارينا يُكتب في ميزان حسناتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن قبل ذلك في ميزان ينبوع الهداية وفيض الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلله درّه ودرّهم، ماتوا وقُبرت أجسادهم ولا زال ملك حسناتهم يُسجل ما لا يُحصى من الأجر إلى يوم يبعثون، فلا عجب إذن أن حازوا الفراديس العلا من جنات النعيم، وعلى دربهم لابد أن تسير أيها الهمام، تبذر حب الإيمان في قلب كل غافل، فتنبت لك من سنابل الأجر أضعافًا مضاعفة جزءًا من ربك عطاء حسابًا من الكريم الذي يضاعف لمن يشاء وهو الواسع العليم.


 

 


 

2ـ ولتصنع على عين الدعوة الفردية:


 

والدعوة الفردية من أعظم وسائل صناعة الداعية الرباني، إذ تدفع بالداعية دفعًا إلى أن يكون قدوة صالحة لمن يدعوه، بحيث يتمثل بكل كلمة يقولها للمدعو، فيسبق فعله قوله, ويترجم حاله مقاله, إذ أنه يعلم أن لسان الحال أبلغ أكثر من لسان المقال، وأن فعل رجل في ألف رجل، أقوى أثرًا من قول ألف رجل لرجل، أو كما في إحدى هبات عبد الوهاب عزام لدعاة الإسلام يقوي بها عزمهم إذ يذّكرهم أنه:


 

' كم من واعظ صقل بيانه، وأعقل جنانه، وكم من داعية ينصر قوله الفضائل ويعجب فعله الرذائل، فلا وربك حتى يكون الفعل على اللسان رقيبًا، والضمير على البيان حسبيًا، وحتى تظهر الجوارح ما تكن الجوانح، وحتى تكون عبادتك في قلبك ضياء وفي عزمك مضاءً, وفي كفك عملاً '.


 

فشرط نجاح الدعوة الفردية أن يتعامل المدعو مع الداعية مباشرة وعن قُرب، ولفترات طويلة، فيشعر بمدى صدقه والتزامه، في أقواله وأفعاله، في مشاعره وانفعالاته، وهذه المعايشة الدائمة لا تترك أي فرصة لتكلف أو تصّنع، وإنما الذي يؤثر في نفس المدعو حقيقة هو رصيد الداعية الحقيقي من التزامه بهذا الدين، وما تأثر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه ومواعظه إلا بعد أن كان أمامهم صلى الله عليه وسلم قرآنَ يمشي على الأرض، وما فتح الله عز وجل بهذه الثلة المؤمنة قلوب العباد قبل البلاد إلا بعد أن صنع منهم المربي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم تلك المصاحف البشرية التي يرى من خلالها منهج هذا الدين حيًا متمثلاً في واقع الأرض في أجلى وأروع صورة، وباستقرار هذه الحقيقة الضخمة في كيان الداعية، فإنه يكون دائمًا وأبدًا في حالة محاسبة مستمرة لنفسه على كل فجوة ـ ولو صغرت ـ تحدث بين قوله وفعله، ثم يكون منه استدراك فارتقاء، وبذلك تصبح الدعوة الفردية أبلغ وسيلة للتربية الذاتية يصنع من خلالها الداعية الرباني, الذي حكر الله ـ جل وعلا ـ عليه التوفيق في استنقاذ الغافلين والمعرضين من نار السعير.


 

 


 

3ـ التطوير ينطلق من المعاناة:


 

كما هو مذهب أستاذنا الراشد في منطلقه، فلا يمكن أن ينضج الداعية أبدًا، وأن تصقل شخصيته، وتتطور قدراته، إلا من خلال المعاناة اليومية التي يلقاها عبر احتكاكه المباشر بالناس في محاولة دائبة لاجتذابهم إلى طريق الهدى، وتكون هذه المعاناة على أشدها خلال ممارسة الدعوة الفردية، فينكسر بها حاجز الحياء والخوف من الناس لدى الداعية، بحيث تكون فيه جرأة تمكنه من المبادأة بالاتصال بالناس والتأثير فيهم، وتقفز به الدعوة الفردية قفزة تطويرية واسعة، فتصقل شخصيته بخبرات كثيرة، ما بين خبرة في أساليب التعرف على الناس وفنون التعامل مع نوعياتهم المختلفة، وخبرة ثانية في مخاطبة العقول والقدرة على الإقناع والتأثير، وخبرة ثالثة في فهم النفوس وفن التغلغل في خباياها ومسالكها وإتقان توجيهها، ثم خبرة في اكتشاف الطاقات والقدرات وحسن تنميتها والاستفادة منها، وخبرات غيرها في علاج المشاكل وإزالة العيوب وتهذيب الطبائع ثم خبرات في التعامل مع المواقف المختلفة وردود الأفعال الطارئة، وغير ذلك من الخبرات اللازمة لداعية الإسلام ليكون أهلاً لخوض الصراع مع الباطل في هذه الجولة الحرجة، وخبرات كهذه لا يمكن أن تحصل ولو ألقينا على مسامع الداعية أطنان الكلمات ما لم يكن له في ميدان الدعوة الفردية جولات وسياحات، يجعلها الله من نصيب كل موفق همام قد بليت كعوب أحذيته من طول سعيه في هداية الخلق، وأما القاعد المنزوي، والعاجز الكسلان، فتمر عليهما السنون تلو السنين، فلا يراوح أحدهما مكانه، ولا تتطور قدراته، فتحق عليه سنة الاستبدال فيقعد مع الخالفين.


 

 


 

4ـ من أنصاري إلى الله:


 

ولقد يشتكي أخونا الداعية من ثقل الأعباء وكثرة المسئوليات حتى أنه ليكاد يقف بإزائها يهتف بهتاف لوط عليه السلام: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80].


 

والدعوة الفردية إنما تمثل علاجًا ناجعًا لتلك الشكاية، إذ أن المدعو بعد انضمامه إلى ركب الهداية، وتحقق أهداف الدعوة الفردية معه يصبح عونًا للداعية إلى الله، فينضم جهده إلى جهده، فتتضاعف بذلك جهود الدعاة إلى الله ـ تعالى ـ ويخف العبء عن كاهل الداعية بتوزع الجهود على الفرسان الجدد في كتيبة البلاغ.


 

أيها الداعية الموفق، ولئن ضاق المقام هذه المرة عن إكمال باقي الثمرات فإن لنا في الحلقة القادمة متسع إن شاء الله أن يبقينا وإياك، وإلى أن نلقاك هناك فنستودع الله دينك وأمانتك وهمتك في هداية الحيارى والغافلين.

أهم المراجع:


 

1ـ الدعوة الفردية بين النظرية والتطبيق        عبد الحليم الكناني


 

2ـ صفقات رابحة                                 د/ خالد أبو شادي


 

3ـ المنطلق                                       محمد أحمد الراشد


 

4ـ معًا نتطور                                    محمد أحمد الراشد


 

5ـ سكب العبرات                                د/ سيد العفاني


 
 
 
   Bookmark and Share      
  
 إدارة دعوية..2

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7