الرئيسة دورات علميةدورات عام 2011الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (5)
 
الأحد 16 يناير 2011
للدعاة فقط
الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (5)

فريد مناع

Faridabuzahraa@hotmail.com

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].

عن ابن عباس أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المهاجرين؛ فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الآية) [تفسير الألوسي، (20/326)].

وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الآية إلا أربع سنين) [تفسير ابن كثير، (8/19)].

بهذا العتاب الرباني لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاة الإسلام الأول حازت بحوث فقه الدعوة مبررًا تربويًّا كيما تهتف في أذن كل داعية، تعاتبه وتهيب به أن ينفض عن قلبه غبار غفلة لعلها تسربت إليه في زحمة انشغاله بهمومه الدعوية، فأعقبته فتورًا إيمانيًّا، وفقرًا في حياة القلب.

لكن عتابنا لداعية اليوم لا يتمثل في مجرد وعظ أو تذكير، إنما يتخطى ذلك إلى وضع أهداف واضحة في الجانب الإيماني، تشكل في مجموعها ملامح السمت الرباني الفذ اللازم لكمال الشخصية الدعوية الإيمانية التي يناط بها مهمة العودة بهذه الأمة إلى سابق مجدها وعزها من جديد.

ويتعاضد هذا الجانب الإيماني مع غيره من الجوانب الأخرى: الدعوي والمادي والاجتماعي والتطويري، كيما يكمل أركان لوحة الفاعلية الرائعة، لتترجم رسالة الداعية ورؤيته إلى واقع حي ملؤه النجاح والإنجاز لدعوة الله تعالى، وبذلك يحوز الداعية الرباني مقعد صدق في صفوف الدعاة الناجحين، ويكون من أصحاب العادة الثالثة من عادات الفاعلية، والتي هي صناعة الهدف، أو حيازة قلب يطل على أفكاره.

ولقد مضينا مع الداعية في المقال السابق مع وثيقة الأهداف الدعوية، وتعرفنا معه على معنى الرسالة والرؤية والأهداف، وفصلنا له القول في أهداف الجانب الإيماني، ونشرع هذه المرة في استكمال بقية الجوانب إن شاء الله.

أهداف الجانب الدعوي:

والجانب الدعوي هو قطب الرحى لحياة الداعية الصادق الذي قرر أن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، إذ هو يمثل منزلة العبودية العالية التي يسرها الله تعالى لعبده الداعية؛ ليحجز من خلالها مقعدًا له بجوار الحبيب صلى الله عليه وسلم في أعالى الفراديس.

من أجل ذلك كان لزامًا على الداعية الهمام أن ترتسم أهدافه الدعوية بين ناظريه، حتى يستطيع أن ينفق ذخائر عمره النفيس في تحصيل تلك المنقبة الرفيعة، والمنزلية العالية التي لا ينالها إلا أماجد المؤمنين، ولعل هذه الأهداف يمكن تحديدها في جوانب ثلاثة:

1-تنمية روح البذل والفداء:  

إن هذه الروح هي وقود السير في درب الدعوة، وبدونها يموت قلب الداعية، وتموت معه همته، ويغدو سيره على الطريق روتينيًّا رتيبًا، لا أثر فيه لحرارة الإيمان.

وتذكو هذه الروح في النفس بصدق العاطفة الإيمانية تجاه دعوة الله تعالى، تلك التي وصفها داعية الباكستان، أبو الأعلى المودودي رحمه الله في تذكرته لدعاة الإسلام، حين خاطبهم قائلًا: (إنه من الواجب أن تكون في قلوبنا نار متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب, أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده ولا تزال تقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي.

إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم، وتعمر قلوبكم بالطمأنينة وتكسب عقولكم الإخلاص والتجرد والحنيفية، وتركز عليها جهودكم وأفكاركم؛ بحيث أن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم, فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين.

وعليكم بالسعي أن لا تنفقوا لمصالحكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم؛ فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة.

وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم ملتحمة مع أرواحكم، ومالم تكن آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم, فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكنًا بمجرد أقوالكم) [تذكرة دعاة الإسلام، أبو الأعلى المودودي، ص(24)].

إن داعية لا يدمن مطالعة سيرة سيد أولي العزم من الرسل، ولا يحني ظهره على سير أماجد السلف من دعاة الإسلام، ولا يجول بخواطره مع مواقف قادة الدعوات وأساتذة البذل في واقع الدعوة المعاصر، ولا يعكف قبل ذلك على تدبر آي الذكر الحكيم، ومجالس مدارسة حديث سيد المرسلين، فأنى له أن يواصل البذل لدعوة الله، وأنى له أن يعيش من أجل قضية الإسلام؟!

فكيف يكون حال داعية لم يعش مع قول ربه جل وعلا، وهو يبين له أركان عهد الدعوة فيقول سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

وكيف تكون همته وهو لم يتدبر قول عائشة رضي الله عنها لما سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وهو قاعد؟ فقالت: (نعم، بعدما حطمه الناس) [رواه النسائي، (1668)، وصححه الألباني في صحيح النسائي، (1657)].

وكيف يتسنى له أن يواصل مسيرته بنفس تواقة إلى ما عند الله وهو لم يتأمل خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما قدموا له الطعام، وكان صائمًا، فأطرق برأسه، ودمعت عينه وهو ينظر إلى طعامه، وقال كأنما يعاتب نفسه الزكية: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه ... ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا .. ثم بكى حتى ترك الطعام) [رواه البخاري، (4045)].

2-تحديد معالم التخصص الدعوي:

ولقد سبق لنا تفصيل القول في ذلك، وعلمنا أن هذا هو منهج رسول الله r في تربية أصحابه الغر الميامين، وعليه درج الصالحون والنابهون من دعاة الإسلام إلى يومنا هذا، وبدون ذلك يصبح تفوق الداعية ونبوغه أمرًا عسيرًا.

فلابد لكل داعية همام يريد أن يحوز قصبًا للسبق في مضمار السباق الدعوي أن يحدد نقطة انطلاقه الرئيسية في ميدان الدعوة، ويختار المجال الدعوي الذي يتناسب مع طاقاته وإمكانته، وميوله وهواياته، وحاجة ساحة العمل الدعوي، وذلك عبر استخارة الحكيم الخبير جل وعلا، ثم استشارة لمن يعرف من أساتذة الدعوة وخبراء التربية، كما سبق وأن بيَّنا.

لكن ذلك التحديد الذي نريد، لا يتمثل في مجرد اختيار لمجال بذل ينفق الداعية فيه عمره، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد لمعالمه، وتفصيل لها، حتى تشكل في مجموعها مراحل لمساره الدعوي؛ حتى يلقى الداعية ربه وقد مد نسبًا له مع إمام أهل السنة رحمه الله، حينما كان يقول لابنه في أثناء المحنة: ( يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي) [مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي، ص(339)].

فلابد أن يخط الداعية الوصف التفصيلي لتخصصه، ولا يكتفي بمجرد العناوين الكبيرة، حتى يغدو هدفه كأنه واقع معاش أمام ناظريه، فإن الأمر كما يصفه ستيفن كوفي في عاداته السبع: (كل الأشياء يجري صنعها مرتين, فهناك الخلق الذهني أو الشق الأول, وهناك الجانب المادي وهو الشق الثاني.

فعلى سبيل المثال، فأنت عندما تعتزم بناء منزل فإنك تقيمه في ذهنك بكل تفاصيله قبل أن تدق مسمارًا واحدًا في مكانه, كما أنك تحاول أن تصل إلى إحساس واضح بنوع المنزل الذي تريده, فإذا ما كنت في حاجة إلي منزل للعائلة فإنك تخطط لوجود غرفة تصلح مكانًا طبيعيًّا لجمع شمل الأسرة, كما أنك سوف تعمل على وجود أبواب متحركة وفناء خارجي للعب الأطفال, فأنت تعمل مع الأفكار, ويظل عقلك نشطًا حتي تصل إلى صورة واضحة لما تريد أن تقيمه.

وبعد ذلك تنتقل بالأمر إلى صورة التصميم المعماري وتطوير خطط البناء, ويتم كل ذلك قبل أن تمس سطح الأرض, ولو تجاوزت الشق الأول وتجاهلته وشرعت في العمل على الفور في الشق الثاني؛ فإن هذا الجانب المادي سوف يكلفك تعديلات عالية التكلفة قد تصل إلى ضعف قيمة المنزل الحقيقية)[العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي، ص(138)].

ولنفترض أن داعية قد حدد مجال تخصصه الدعوي بارتقاء المنابر الدعوية العامة، فيمكن له أن يحدد بعض معالم هذا التخصص الكبير على النحو التالي:

1- ممارسة الخطابة والتدريس من خلال المساجد.

2- تأليف الكتب الإسلامية لشباب الإسلام.

3- بث الوعي الإسلامي لعموم الأمة من خلال الفضائيات.

4- نشر الإنتاج الدعوي الشخصي من خلال شبكة الإنترنت.

وغير ذلك من معالم الخطاب الدعوي العام التي توفرها وسائل العصر الحديثة، والتي يمكن من خلالها تبليغ كلمة الدعوة إلى أمة الإسلام، وكلما كان تحديد تلك المعالم أوضح وأكثر تفصيلًا، فإن احتمالات النجاح فيه تكون أقوى وأعلى.

3-تحديد المهارات اللازمة لإتقان التخصص.

فإن ممارسة الداعية لتخصصه الدعوي تقتضي إتقانًا للمهارات التي تعينه على إتقان الأداء، وإحراز النجاح المتميز في خدمة دعوة الله تعالى من خلال تخصصه، وتلك المهارات هي ما سنتعرف عليها، عند تعرضنا للحديث عن أهداف الجانب التطويري من منظومة الأهداف الدعوية، بإذن العلي القدير.

 وسلام على كل داعية آمن بالله، ثم استقام على أهدافه واتقى.  

أهم المراجع:

1- العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي.

2- تفسير ابن كثير.

3- تفسير الألوسي.

4- تذكر دعاة الإسلام، أبو الأعلى المودودي.

5- الرقائق، محمد أحمد الراشد.

6- المسار، محمد أحمد الراشد.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (5)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7