الرئيسة دورات علميةدورات عام 2011الداعية وإدارة الذات .. قلب يطل على أفكاره(6)
 
الإثنين 17 يناير 2011
للدعاة فقط
الداعية وإدارة الذات .. قلب يطل على أفكاره(6)

فريد مناع

Faridabuzahraa@hotmail.com

       (من للإسلام إن لم نكن نحن)، كلمات تقطر نورًا تفوه بها السلطان المظفر قطز، يوم أن داهم التتر ديار المسلمين، وأرسلوا إليه يهددونه بغزو مصر، فرأى ـ رحمه الله ـ من أمراء المماليك تقاعسًا وإخلادًا إلى الأرض، فصاح فيهم بتلك الزفرة الإيمانية الصادقة، التي رافقتها دموع الحرص على دين الله، فكان أن أحيا الله تعالى بها هممًا، فكانت بعدها عين جالوت، حين أعز الله جنده، ونصر عبده، وهزم أحزاب التتر وحده.

ولا زالت أجيال دعاة المؤمنين تتواصي بأمثال تلك الكلمات القطزية، وعنهم أخذناها لنرسلها لك يا داعية اليوم، لنهمس في أذن قلبك: (من للإسلام والمسلمين إن لم تكن أنت)، لتجيب بعدها بعزم وحزم، وتدق صدرك قائلًا: (أنا لدعوة الإسلام إن شاء الله).

لكن عهدنا بك أيها الهمام أنك لست برجل كلمات فحسب، إنما كأي داعية صادق، يسبق فعلُه قولَه، وتترجم إنجازاته كلماته، لذا ندعوك معنا أن تخطو خطوة كبيرة نحو حيازة الشخصية الدعوية الفعالة، التي تعيش لهذا الدين حياة ملؤها النجاح والإنجاز لدعوته، ولا يكون ذلك حتى تحوز ذلك القلب المطل على أفكاره، فتحصل العادة الثانية من عادات الفاعلية: تحديد الهدف، تلك التي بدأنا معك في الحديث عنها منذ حلقات عدة.

ولقد  بسطنا القول في الحلقات السابقة في كيفية وضع الداعية لأهدافه في الجانب الإيماني ثم الجانب الدعوي، وبقي أن نكمل الحديث عن بقية جوانب الحياة الفعالة (المادي، الاجتماعي، التطويري)، التي لا بد لكل داعية أن يضع له فيها أهدافًا تتناسب مع رسالته ورؤيته، حتى يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت لواء: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

واليوم نشرع بحمد الله في تفصيل أهداف الجانب المادي في حياة الداعية الهمام، فلننطلق سويًُّا في رحلة الفاعلية على بركة الله.

أهداف الجانب المادي:

       إن الجانب المادي هو ثالث الجوانب التي ينبغي أن يضع الداعية له فيها أهدافًا واضحة، حتى تكتمل لديه وثيقة الأهداف الدعوية، التي من خلالها يحيا حياة متوازنة، ملؤها الإنجاز لدعوة الله تبارك وتعالى.

       ولربما يخطئ كثير من الدعاة المتحمسين، في التعامل مع هذا الجانب من حياة الداعية، على أساس أنه مرتبط بذم الدنيا الغرورة، إلا أن الداعية الواعي ليعلم أن هذا الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا إنما هو لما يفعل فيها مما يغضب الله تعالى، وما يحصل عليها من الالتهاء بها عن ما أوجبه الله على عبده، أو ما هو أنفع له في دينه ومعاده، وأما الدنيا ذاتها، فهي كما قال عنها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم، فيها مساجد الله عز وجل، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه) [عدة الصابرين وذخيرة السائرين، ابن القيم، (1/70)].

       وإنما نعني بالجانب المادي ثلاثة أمور لا بد للداعية أن يحصل فيها قدرًا متوازنًا حتى تكتمل له منظومة أهدافه، وهي: الاستقرار المادي، والنجاح الوظفيفي، والصحة البدنية، ولعلنا نتناول اليوم أول أركان الجانب المادي في حياة الداعية الفعال، ألا وهو:

أولًا: الاستقرار المادي:

فالمال عصب الدعوات، وهو كذلك عصب استقرار الحياة الدعوية، به يحصر الداعية همه في دعوته، بعد أن صان نفسه عن اللهاث خلف الدنيا، وكان الإمام أبو الزناد رحمه الله حصيفًا حكيمًا في رده، لما قيل له: (لِمَ تحب الدراهم، وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: لأنها وإن أدنتني منها، فقد صانتني عنها)، وأما سعيد بن المسيب رحمه الله فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فقال: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس)[سير أعلام النبلاء، الذهبي،(4/238)].

ويختلف القدر المناسب من المال الذي ينبغي على الداعية أن يسعى لتحصيله، بحسب حاجاته الأسرية، ومستواه الاجتماعي، ومهامه الدعوية، لكن الضابط العام لذلك، هو حدوث الاستقرار المادي، الذي به يزول هم الحاجة إلى المال من قلب الداعية، ويكف نفسه عن سؤال الناس، ويخرج به من حيز الضيق إلى حيز العيش المستقر، بحيث لا يكون في غنى مطغٍ، ولا فقر معوز، مع وجود قدر معقول من الادخار لنوائب الأيام التي يبتلى بها دعاة الإسلام في كل مكان، وكل ذلك بالطبع ما لم يتعارض هذا مع حاجات دعوته، ومتطلبات قضيته التي من أجلها باع نفسه وماله لله رب العالمين، الذي وصف صفوة المؤمنين بقوله: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، فلئن طرق نداء الدعوة سمع الداعية الهمام، فلا عليه أن يخمص بطنه، ويرق عيشه فداء لدعوة الله تبارك وتعالى.

ولتحصيل الاستقرار المادي، فهناك سبيلان أمام الداعية، لا بد أن يجمع بينهما، حتى يحقق أهدافه المالية:

1-اكتساب وظيفة جيدة، تدر دخلًا مناسبًا:

وهذا هو السبيل الأول لتحقيق الاستقرار المادي، وسنرجئ الكلام عليه عند الحديث عن النجاح الوظيفي الذي يمثل الدعامة الثانية لأهداف الداعية المالية.

2-تبني القناعات المالية الصحيحة:

وهي التي تقي الداعية شر التبذير والإسراف، وسوء الإنفاق المالي، فإن الدخل المناسب وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار المادي ما لم تسانده قناعات مالية صحيحة،  (ففي إحصاء نشرته إحدى الصحف تبين أن 70% من مشاكل الناس وقلقهم سببه المال، بل ويظن البعض أن الحل في زيادة الدخل فقط، ولكن ليس ذلك بالصحيح، فقد توصل "جورج جالوب" في هذا البحث: أن معظم الناس يظنون أن زيادة دخلهم بنسبة 10% ستحل كل مشاكلهم، لكن هذا غير صحيح في معظم الحالات؛ لأن كل زيادة في الدخل يقابلها زيادة في الإنفاق أكبر، وعودة القلق والمشاكل من جديد)[ دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي، ص(235)].

إذًا؛ فالحل ليس فقط في زيادة الدخل، ولكن في تغيير القناعات المالية للداعية، واكتسابه قناعات مالية عملية، وإذا أردت ذلك أيها الهمام فاحرص على ما يلي:

اصنع سجلًّا لنفقاتك:

هل تعرف "جون د. روكفلر"؟ إنه ببساطة أحد أكثر رجال الأعمال ثراءً في القرن العشرين، هل تعرف أيضًا أنه كان يحتفظ بسجل نفقاته حتى بعد أن حاز من المال الكثير؟ حتى إنه كان يعرف مصير كل سِنْتٍ أنفقه كل يوم، وهذه قناعتك الأولى نحو التحكم السليم والتوظيف الجيد لأموالك ومدخراتك، أن تعمل على ضبط ميزانيتك؛ حتى تتعرف على المواطن التي تنفق فيها من مالك.

اشترِ ما تحتاجه فقط:

هل تذكر يا أخي يومًا ذهبت فيه إلى المتجر وقمت بشراء منتجٍ استخدمته لأيام ثم لم تستخدمه مرة أخرى؟ إنها تلك القصة المتكررة، وهي أننا ننفق الكثير من المال في شراء أشياء لسنا في حاجة إليها، وتلك هي القناعة الثانية التي يجب أن ترسخ في ذهن الداعية المتوازن، فأنت في حاجةٍ ماسةٍ إلى أن تعيد التفكير في عاداتك الشرائية، فلست في حاجة أن تشتري ما لا تحتاجه لمجرد رغبتك في تملكه!

احذر من الاستدانة:

ربما يذكر كثير منا آباءه وأجداده، يوم لم يكن هناك أنظمة تقسيطٍ أو بطاقات ائتمان، حيث كانوا يتبنون نظرية مفادها: أن الدْين من أبرز أسباب الإجهاد العاطفي والنفسي في حياة الإنسان، ولكن حينما صار شعار كثير من الناس: (اشتر الآن، وادفع فيما بعد)، ومع إغراءات السلع والمشتريات، أثقلت تلك الديون كاهل كثير من الدعاة؛ حتى صارت حملًا تنوء من حمله الجبال، فإن الدَّين همٌّ بالليل وذل بالنهار.

وهذه هي القناعة المالية الثالثة التي يجب أن يحرص الداعية عليها، وهي السعي الدائم للتحكم في الديون، وأن تجعل شعارك الدائم: (أنا إن غلا عليَّ شيء تركته)، فإن لم تستطع ضبط ميزانيتك أو تغيير عاداتك الشرائية؛ فلا أقل من أن تمنع تراكم الديون عليك.

اقتطع جزءًا من دخلك الشهري:

والآن، دعني أضرب لك مثالًا، لو أن عندك سلة فواكه سعتها 10 تفاحات، وفي صباح كل يوم تملأ السلة بتلك التفاحات العشرة، ثم تأخذ منها في كل مساء تسع تفاحات، فكم تفاحة ستتبقى بعد عشرة أيام؟ ستتبقى عشر تفاحات، أي أن السلة ستكون ممتلئة تمامًا بالتفاحات العشرة.

وهكذا تكون محفظة الداعية حين يقتطع من ميزانيته الشهرية 10% كل شهر، فيحصل سنويًّا على مدخرات أكثر من ميزانية شهر كامل، وبهذا تكون قد أضفت إلى قناعاتك المالية القناعة الرابعة، ادخر 10% من ميزانيتك الشهرية كل شهر.

وفي الحلقة القادمة، نتناول مع أخينا الداعية قواعد تحقيق الدعامة الثانية من دعامات أهدافه المادية، والتي هي النجاح الوظيفي بإذن الله تعالى.

أهم المصادر:

1- دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي.

2- التنازع  والتوازن في حياة المسلم، محمد بن حسن بن عقيل موسي.

3- عدة الصابرين وذخيرة السائرين، ابن القيم.

4- سير أعلام النبلاء، الذهبي. 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الداعية وإدارة الذات .. قلب يطل على أفكاره(6)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7