الرئيسة دورات علميةدورات عام 2011الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (10)
 
الثلاثاء 18 يناير 2011
للدعاة فقط
الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (10)

فريد مناع

Faridabuzahraa@hotmail.com

        (تروى أحد الأساطير قصة مزارع فقير، اكتشف ذات يوم بيضة ذهبية متلألئة أسفل أوزته، حيث ظن لأول وهلة أنها مجرد خدعة، لكنه أدرك أنها فعلا بيضة من الذهب الخالص، وفي اليوم التالي كاد عقله يطير، حينما وجد المعجزة تتكرر، ويوما بعد يوم، كان يهرع فور استيقاظه من النوم إلى مربض الأوزة، ليجد بيضة أخرى ذهبية، وهكذا أصبح المزارع الفقير واسع الثراء، وكان الأمر كله يبدو مستعصيا على التصديق.

        غير أنه مع تزايد الثروة جاء في ركابها الطمع والتسرع، ومع فقدانه الصبر على الانتظار لجمع البيض الذهبي يوما بعد يوم، قرر المزارع ذبح الأوزة ليحصل على البيض الذهبي كله جملة واحدة، ولما فتح بطن الأوزة وجده خاليا، لم تكن هناك بيضة ذهبية واحدة، وهكذا استحال عليه أن يحصل على المزيد منه، لقد قضى المزارع على الأوزة التي كانت مصدر إنتاجه) [العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي، ص(73)، بتصرف].

        توضح تلك القصة الخيالية لكل داعية مبدأ عظيمًا من مبادئ الفاعلية، إنه مبدأ التوازن بين الإنتاج والقدرة على الإنتاج، والذي يمثل جوهر الفاعلية والإنجاز، فكثير من الدعاة يحذو مع نفسه حذو ذلك المزارع المتسرع، الذي ألهاه الإنتاج عن الاحتفاظ بالقدرة على الإنتاج، فترى هذا الداعية قد ألهته أعماله اليومية عن تطوره الشخصي، وتحصيل الإمكانات والقدرات التي تمكنه من الحفاظ على درجة إنتاجيته، ورفعها إلى آفاق أعلى.

        إن الحرص على التطوير الذاتي، بوضع أهداف تطويرية في شتى الجوانب التي يحتاجها الداعية في حياته ودعوته، هو ركن أساس به تتم صياغة وثيقة الأهداف الدعوية، بعض تحديد أخواتها من الأهداف في الجوانب الإيمانية والدعوية والمادية والاجتماعية، والتي مضى الحديث معها في الحلقات السابقة، وبذلك يتم للداعية اكتمال خطوته الثانية على درب الفاعلية، ممثلة في عادة صناعة الهدف، أو اكتساب القلب المطل على أفكاره، والذي يعيش صاحبه حياته كلها في سبيل دعوته وقضيته: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.

التطوير الذاتي، لماذا؟

1-   الاستفادة من المواهب:

فالموهبة التي تفتقر إلى التطوير تؤدي إلى انعدام الفاعلية، فليس هناك من يملك الموهبة التي تستمر إلى الأبد، فإن الموهبة تماما كعضلات الرياضي، إن أهمل تدريبها وتنميتها فإنها سرعان ما تضمر، ويصيبها الترهل والضعف، أما إذا كنت ممن يقيم وزنا للتطوير الذاتي، فستتناول مواهبك بالصقل والتنمية، مما يجعل تستفيد منها أقصى استفادة ممكنة في الحاضر والمستقبل.

2-   لا للركود الدعوي، والجري في المحل:

فإنه من لا يتقدم يتقادم، والداعية الذي يظل حبيس إمكاناته الحالية، ولا يتعهد نفسه بالتطوير والتنمية، فإنه سرعان ما يجد نفسه في آخر الركب، ولا يتمكن من القيام بأدوار كبيرة في دعوة الناس، أو تلبية احتياجاتهم الدعوية التي تتطور باستمرار، مما يجعله في النهاية يصاب بداء الركود الدعوي، فتمضي عليه السنوات وهو يجري في المحل، فلا يحقق إنجازات ضخمة لدعوته وقضيته، ويظل حبيس نفس المكان، قائما بنفس الأعمال، آملا نفس الآمال للأعوام القادمة، دون أن يكسب أرضا جديدة، أو يحقق مكاسب جديدة.

3-   تطوير مؤسستك الدعوية:

فإن تطورك الذاتي ينعكس ولا شك على تطور مؤسستك الدعوية، سواء كنت قائدا فيها أو عضوا في فريق العمل بها، وأول خطوة يجب أن تخطوها إذا أردت أن تطور من أداء مؤسستك هي تطوير نفسك، كما يقول جون ماكسويل: (لقد عكفت لسنوات على تلقين الناس الذي يودون تطوير مؤسساتهم أصول القيادة في المؤتمرات التي كنت أحضرها، واكتشفت أن العديد من القادة يبحثون عن حلول سريعة، لتحقيق التطور، ومن بين التعاليم التي لقنتها إياهم أنك إذا أردت أن تعمل على تطوير المؤسسة، يتحتم عليك تطوير القائد) [لليوم أهميته، جون ماكسويل، ص(279)].

جوانب التجديد:

        وجوانب التطوير التي ينبغي على كل داعية أن يضع له فيها أهدافا تطويرية هي بذاتها جوانب حياته كلها، حيث تشمل:

1-   الجانب الإيماني.

2-   الجانب الاجتماعي.

3-   الجانب المادي: ويشمل الاستقرار المادي، والنجاح الوظيفي، والصحة البدنية.

4- الجانب الدعوي: ويشمل المهارات اللازمة لإتقان التخصص الدعوي الذي حدده الداعية لنفسه لكي يبذل حياته فيه.

        ولقد مضينا في الحلقات السابقة على تفصيل تلك الأهداف التطويرية في الجانب الإيماني، والمادي، ونركز في هذه الحلقة على الجانب الاجتماعي والجانب الدعوي.

أولا: المهارات الاجتماعية:

وهي التي تكفل للداعية نجاحه مع زوجته وأولاده، وكذلك احتفاظه بعلاقات طيبة مع أفراد أسرته وأهله ومعارفه وأصدقائه، ثم نجاحه في إقامة جسور التواصل مع المجتمع من حوله، وأهم تلك المهارات هي:

1-   مهارات الاتصال الفعال، وفن إقامة العلاقات مع الآخرين: والتي من أمثلتها:

-         فن الإنصات والاستماع.

-         التعبير عن المشاعر، والتواصل العاطفي مع الآخرين.

-   اكتساب عادات الاتصال الفعال: من الحرص على المكسب المشترك، والتركيز على فهم الآخرين أولا، والتعاون الخلاق المثمر معهم.

-         مهارات التأثير والإقناع.

-         مهارات فهم الشخصيات، والتعامل مع أنماط الشخصيات الصعبة.

2-   مهارات تربية الأولاد، وتشمل:

-   فهم الخصائص النفسية للمرحلة العمرية التي يكون فيها الأولاد، سواء في مرحلة الطفولة أو في مرحلة المراهقة.

-         معرفة الحاجات النفسية والعاطفية لكل مرحلة من المراحل.

-         إتقان التعامل بوسائل التربية المختلفة، مثل القدوة، والقصة، والتشجيع والتحفيز، والثواب والعقاب.

3-   مهارات النجاح في الحياة الزوجية:

والتي تشمل:

-         فهم الفروق النفسية بين الرجل والمرأة، ومعرفة الحاجات النفسية للزوجة.

-         فن التعبير عن العواطف، والحرص على الذوق والجمال.

-         مهارة حل المشكلات الزوجية، والتعامل مع المواقف الصعبة.

ثانيًا: المهارات الدعوية:

وتنقسم المهارات التي يحتاجها الداعية للنجاح في تخصصه الدعوي إلى قسمين:

1-   مهارات عامة مشتركة:

فإن هناك قدر من المهارات العامة التي هي ضرورة من ضرورات نجاح أي داعية وتميزه، مهما كانت تخصصه الدعوي، ومن أمثلتها:

-   مهارات التعامل مع الحاسب الآلي: مثل التعامل مع أنظمة التشغيل، وبرامج الأوفيس، والتعامل مع شبكة الإنترنت، والطباعة باللمس.

-   مهارات إدارة الذات: مثل إدارة الوقت، والتخطيط للحياة، والذاكرة القوية، والتركيز، والتعامل مع الضغوط.

-         مهارة اللغة الإنجليزية.

-         تحصيل القدر المتوسط من العلم الشرعي.

-   الإلمام بجوانب الثقافة الشمولية في العلوم الإنسانية المختلفة، مثل علم النفس، والسياسة والاقتصاد، وفقه الواقع.

2-   مهارات متعلقة بالتخصص الدعوي:

فالمهارات التي يحتاجها داعية متخصص في الخطاب العام، غير التي يحتاجها من نذر نفسه للكتابة والتأليف، أو الذي تصدى لإدارة مؤسسة إعلامية أو خيرية، وكمثال على ذلك، فإن الداعية الذي قرر أن يكون كاتبا أو مؤلفا يلزمه عدد من المهارات، من أهمها:

-         مهارات اللغة: مثل علم النحو والصرف، وعلم الإملاء.

-         فنون الأدب والبلاغة، والاطلاع على كتب الأقدمين، والحدثاء في ذلك.

-         المهارات الفنية للكتابة: مثل كتابة المقال، وكتابة البحث العلمي، وتأليف الكتب.

وسائل التطوير:

        وفيما يلي سرد لأهم الوسائل التي يستطيع الداعية من خلالها أن يطور نفسه في شتى جوانب حياته الإيمانية والدعوية والاجتماعية والمادية:

1-   حضور الندوات والمحاضرات الخاصة بتلك المهارات.

2- حضور الدورات التدريبية المتخصصة، وهي من أنفع تلك الوسائل، ونقترح على الداعية أن يحضر دورتين كل عام على الأقل.

3-   قراءة كتاب كل شهر على الأقل.

4-   استماع لشريط أسبوعي على الأقل.

5-   تكريس ما لا يقل عن ساعة يوميا للتطوير.

6-   حفظ ما تتعلمه في ملف خاص.

7-   قم بتطبيق ما تتعلمه على الفور.

8-   التقييم اليومي، والمحاسبة اليومية للنفس على الالتزام بجدول التطوير.

        وأخيرا أيها الداعية الهمام، تذكر قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حين قال: (ما ندمت على يوم شيء كندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي).

        واعلم أن طريق الفاعلية والتأثير الدعوي الواسع طريق وعر، لا يسلكه إلا كل داعية مقدام، طالب للنفوذ إلى الله والدار الآخرة، ومن ثم وجب عليك تحصيل عدته التي وصفها لك ابن القيم فقال: (طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأسا في ذلك مقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعا مقداما حاكما على وهمه، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهدا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقا لما توجه إليه ، عارفا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه، مقدام الهمة ثابت الجأش لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل ، كثير السكون دائم الفكر غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائما بما يحتاج إليه من أسباب معونته لا تستفزه المعارضات ، شعاره الصبر وراحته التعب) [الفوائد، ابن القيم، ص19].

وبهذا فقد تم الحديث عن العادة الثانية من عادات الفاعلية، والمتمثلة في حيازة القلب المطل على أفكاره، أو وضوح الهدف والرؤية، ونواصل في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى رحلتنا مع الفاعلية الدعوية، من خلال العادة الثالثة: يد تمضي الأمور، أو عادة ترتيب الأولويات وتقديم الأهم أولا، فإلى أن ألقاك أخي الداعية على خير، أستودع الله دينك وإيمانك، ووثيقة أهدافك.

أهم المراجع:

1-   لليوم أهميته: جون ماكسويل.

2-   العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي.

3-   سحر الاتصال: محمد العطار.

4-   الفوائد، ابن القيم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الداعية وإدارة الذات قلب يطل على أفكاره (10)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7