الرئيسة دورات علميةدورات عام 2011الداعية وإدارة الذات..قلب يطل على أفكاره (9)
 
الأربعاء 19 يناير 2011
للدعاة فقط
الداعية وإدارة الذات..قلب يطل على أفكاره (9)

 

فريد مناع

Faridabuzahraa@hotmail.com

(المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

هكذا يبين نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف طبيعة المؤمن، من أنه يألف ويؤلف، ويحرص على التواجد بين الناس، والتواصل معهم، حتى يشتد بناء مجتمع الإسلام ويقوى، ويستطيع أن يؤدي دوره الرسالي بين سائر الأمم.

لكن لداعية الإسلام نظرة إلى أخرى إلى هذا الحديث وأمثاله من الوصايا الشرعية التي تبين لنا أهمية العلاقات الاجتماعية السليمة، إذ أنها بمثابة أضواء على طريق رؤيته الشاملة نحو تدوين وثيقة أهدافه الدعوية، والتي بها يحوز القلب المطل على أفكاره، فيكتسب العادة الثانية من عادات الفاعلية والإنجاز، وهو صناعة الهدف وتحديد الرؤية.

ولقد مضى بنا الحديث في الحلقات السابقة عن ثلاثة جوانب في رؤية الداعية لحياته: وهي الإيماني والدعوي و المادي، وآن الأوان لكي نبدأ الحديث عن الجانب الاجتماعي، لنختم بعده بالجانب التطويري؛ حتى تكتمل رؤية الداعية لجوانب حياته المختلفة، ويقطع خطوة كبيرة على طريق الفاعلية بإذن الله.

أثر الجانب الاجتماعي على حياة الداعية:   

إن اهتمام الداعية بالجانب الاجتماعي في حياته، سواءً كان على مستوى أسرته أو أهله أو المجتمع المحيط من حوله يكتسب أهمية خاصة في التأثير على نجاح دعوته ككل، وذلك للأسباب التالية:

1-تأمين ظهر الداعية: فإن داعية لا يهتم  بأهله وأسرته يترك ثغرة كبيرة داخل بيته، إذ مع الوقت لابد أن تحدث تداعيات خطيرة على مستوى الزوجة والأولاد، فيحدث الخلل سواءً في مستوى التزامهم، أو تعايشهم مع قضية الدعوة، أو على مستوى العلاقات الشخصية بينه وبين زوجته، وبينه وبين أولاده كذلك، وكل ذلك يخلق مشاكل لا حصر لها في بيت الداعية، مما سيشكل معوقًا كبيرًا أمام نجاحه في دعوته ولا شك.

2-تحقيق النجاح الدعوي: فالدعوة هي في حقيقتها مجموعة من العلاقات الاجتماعية المتشابكة التي يسخرها الداعية في خدمة قضيته، فإذا لم يكن الداعية مراعيًا للجانب الاجتماعي، وناجحًا فيه في محيط دعوته، فأنى له أن يحقق النجاح في دعوة الناس وتربيتهم على الإسلام، بل إن نسبة كبيرة من نجاح أي إنسان في حياته ترجع إلى إتقانه فن التعامل مع الناس، يقول ديل كارنيجي: (إن هناك 15% من نجاح الشخص ترجع إلى معرفته الفنية، بينما 85% الباقية ترجع إلى المهارة في الهندسة الإنسانية، ترجع إلى الشخصية والقدرة على قيادة الناس).

  وفي كتابه الشهير: النجاح للمبتدئين، يقول زيج زيجلر: (في هذا الكتاب أركز كثيرًا على النجاح في تكوين العلاقات الشخصية، فالأبحاث تشير إلى أن العلاقات الشخصية تعد مفتاح النجاح في الصحة والرخاء المالي، والسعادة والأمل، بل قل إنها مفتاح النجاح في كل ما له أهمية تقريبا في حياتنا هذه).

  وإذا كان الداعية يعمل في مؤسسة دعوية ضمن فريق، فإن اهتمامه بالجانب الاجتماعي ونجاحه فيه يعد شرطًا لنجاحه في عمله الدعوي المؤسسي، فإنه (في زماننا باتت القدرة على العمل ضمن فريق شرطًا للإنجازات العملاقة، وبات من الواجب على كل واحد منا أن يشذب في شخصيته كل الزوائد التي تمنعه من الاندماج والالتحام بالآخرين).      

3-تحقيق المصالح الدعوية: فإن كثيرًا من المصالح الدعوية المادية والمعنوية يمكن تحقيقها من خلال علاقات اجتماعية جيدة، وكم حفظ الله دين كثير من الناس من خلال علاقات حسنة بالداعية، وكم أجرى الله على أيديهم كثيرًا من الخير؛ بسبب تلك العلاقات معهم، ولربما فاق ما يحصل منهم من نفع للدعوة في كثير من الأحيان بعض الدعاة أنفسهم، فلا يستطيع الداعية مهما كانت إمكاناته أن يحقق كل مصالح دعوته إلا من خلال علاقات جيدة مع الآخرين، كما يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (كلما ارتقى الإنسان في مدارج الكمال، زادت حاجته إلى الآخرين، على خلاف ما يتوهم، وصار المزيد من نموه واكتماله مرتبطا بالمزيد من العلاقات الجيدة مع أسرته وزملائه وعملائه).  

أسس الاستقرار والنجاح الاجتماعي:

      إن للجانب الاجتماعي دعائم وأسس لابد للداعية من الاهتمام بها، وكتابتها في وثيقة أهدافه الدعوية؛ من أجل تحقيق النجاح في ذلك الجانب، ومن ثم ينعكس ذلك على نجاحه في دعوته، وهذه الأسس هي:

الأساس الأول: النجاح في محيط الأسرة:

   فالأسرة هي الملاذ الآمن بعد الله تعالى، الذي يرجع إليه الداعية كي يستريح من عناء الضغوط المختلفة، ترى إذا كان هذا الملاذ الآمن نفسه قد تحول إلى مصدر لمزيد من الضغوط، فكيف يكون حال الداعية؟!

   يقول جون ماكسويل: (الناس في حاجة إلى التعامل مع ضغوط شديدة في أيامنا هذه، فبيئة العمل لا ترحم، وعادة ما تكون المدارس بيئات عدائية، وإيقاع الحياة بلغ سرعة يصعب السيطرة عليها، لقد أضحت حتى قيادة السيارات من مكان لآخر في المدن الكبرى أمرًا شاقًّا، أين يستطيع المرء العثور على الملاذ في هذا المناخ؟ إن لم يجد المرء الملاذ في البيت؛ فلن يجده في مكان آخر).

   ولا يتم الاستقرار الاجتماعي للداعية في محيطه الأسري إلا بأن يحقق أهدافًا ثلاثة في داخل بيته وأسرته، وهي:

1-  تحقيق الدفء الأسري:

   وذلك من خلال تنمية روح المحبة والمودة بينه وبين زوجته، والتي ستنعكس بدورها على تربية الأولاد، وسهولة توجيه الزوجة، واستجابة الجميع للداعية.

2-  التربية الدعوية للزوجة:

   فإن نمو الزوجة وتطورها الإيماني والدعوي، هو مهمة لابد أن يحملها الداعية على عاتقه، حتى تكون زوجته مشاركة له في قضيته، وتستطيع حماية ظهره، والقيام بمساندته في بيته وخارج بيته، كما كان من أمنًا خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وصفها فقال: (قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس)[السيرة النبوية لابن كثير، (2/135)].

 

   ويقع كثير من دعاة الإسلام في خطأ كبير حينما يهملون مهمة تربية زوجاتهم، ثم يعض أحدهم أصابع الندم من هول المفاجأة بعد سنين طويلة حينما يدرك مدى الفجوة الواسعة التي حدثت بينه وبين زوجته على مستوى الهموم والاهتمامات، أضف إلى ذلك الفشل الذريع في تربية الأولاد تربية سليمة؛ لضعف المستوى الشرعي والتربوي لدى الزوجة.

   ولو خصص الداعية وقتًا أسبوعيًّا لتربية زوجته عبر منهج تربوي متوازن وشامل، مع إشراك لها في همومه الدعوية، وغرسها في ميدان الدعوة النسائية؛ لحصل من جراء ذلك خير كثير، ولوفر الداعية على نفسه معاناة كبيرة.

3-  تربية الأولاد عبر منهج تربوي واضح محدد:

   ولربما بدا هذا الهدف لكثير من الدعاة بدهيًا، حتى يرون عدم الحاجة إلى ذكره، لكن الواقع المر للمستوى التربوي المتدني لأبناء كثير من الدعاة يلجئنا إلى ضرورة ذكرهذا الهدف والتنبيه عليه، فكم رأينا في الواقع من أبناء مشاهير الدعاة، ممن لهم سبق وفضل في مضمار الدعوة، لكن أبناءهم لم يكونوا بمستواهم أو حتى بما يقارب مستواهم، إن لم يكن قد أصيب الداعية فيهم ببلاء انحرافهم عن الالتزام بالدين عياذًا بالله.

   ولعل سر وجود تلك الظاهرة هي هذا الاعتقاد التربوي الخاطئ لدى كثير من دعاة الإسلام، وهو أن مجرد اختياره لزوجة فاضلة من أوساط الدعوة، ومجرد رؤية أولاده له فارسًا في ميدانها، أن ذلك كفيل بسير تربية أولاده على أكمل وجه، دون أن يبذل هو مع زوجته جهدًا مقصودًا لتربيتهم، عبر منهج تربوي محدد، له برامج تنفيذية واضحة، مع إعطاء الوقت الكافي لمتابعة مستوى الأولاد بالتعاون مع الزوجة.

   والداعية حين يظن هذا الظن الخاطئ، فإنه يتجاهل تلك المؤثرات التربوية الخاطئة، غير الممنهجة التي يتعرض لها الأولاد بفعل احتكاكهم بالبيئة الخارجية، كما يتجاهل أيضًا متطلبات كل مرحلة سنية لأولاده، والمشاكل الخاصة التي تظهر في الأولاد بفعل تقلبهم في مراحل النضج المختلفة.

الأساس الثاني: دوام الصلة والبر مع الوالدين والأقارب:

   فبر الوالدين، ودوام صلة الرحم، من أعظم عوامل النجاح الاجتماعي للداعية في محيط أسرته، و ممهدات قوية من أجل التأثير الدعوي في محيطهم، واتخاذهم أعوان وأنصارًا لدعوته وقضيته.

   وإن المرء ليعجب من داعية قد يكون له عقود في ميدان الدعوة؛ وهو لم يفكر قط في الاهتمام بدعوة أقاربه وذوي رحمه، وكأنه لم يسمع قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214].

الأساس الثالث: علاقات طيبة مع المجتمع من حوله:

   فإقامة علاقات اجتماعية حسنة مع الآخرين، لا سيما في محيطه الدعوي ينبغي أن يكون هدفًا دائمًا للداعية، يحاول تنفيذه عبر أي احتكاك اجتماعي مع من حوله، فإن الفوز بحب الآخرين هو دائمًا أنجح الوسائل في دعوتهم، وإشراك الداعية لهم في قضيته.

   يقول جون ماكسويل: (في ظل الظروف المثالية يفوز الشخص المحبوب، وحتى في ظل الظروف غير المثالية، يفوز الشخص المحبوب).

   ولكي يستطيع الداعية أن يحقق كل هذه الأهداف في الجانب الاجتماعي، فلابد له من إتقان مجموعة كبيرة من المهارات الاجتماعية، وهو ما سنرجئ الكلام عنه إلى المرة القادمة بإذن الله، والتي سنخصصها للجانب التطويري في رؤية الداعية.

أهم المراجع:

1- النجاح للمبتدئين، زيج زيجلر.

2- لليوم أهميته، جون ماكسويل.

3- سحر الاتصال، محمد العطار.

4- كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.

5- 256 بصيرة في الشخصية، د.عبد الكريم بكار.

6- السيرة النبوية، ابن كثير.


 
 
 
   Bookmark and Share      
  
 الداعية وإدارة الذات..قلب يطل على أفكاره (9)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7