الأربعاء 23 ديسمبر 2009

الفصل الثالث

مودة ورحمة

الزواج من نِعَم الله الكبرى على عباده، وهو النظام الوحيد الذى يلبى الاحتياجات الفطرية، ويكفل حياة نظيفة للجنسين، فهو أفضل أشكال العلاقات الاجتماعية الممكنة بين الرجل والمرأة. ولكى ندرك عظمة ماجاء به الإسلام يجب أن نلقى نظرة على ما لدى الآخرين من بدائل, ثم نقارن ما عندهم بما عندنا وبضدِّها تتميز الأشياء كما يُقال. يستعرض المفكِّر الإسلامي الكبير على عزت بيجوفيتش(1) مواقف المسيحية الأصلية وأصحاب النظريات المادية – مثل الشيوعية - من نظام الزواج قائلًا:

"الزواج مؤسسة قديمة قِدَمَ الإنسان، وهو نموذج حى للصراع بين الأفكار والدين. فالدين المجرد يتطلَّب العفة (المطلقة). والمادِّية - كمبدأ - تسمح بالحرية الجنسية كاملة، إلاَّ أن كلا المذهبين عندما واجهته المشاكل فى التطبيق تحرك فى اتجاه مؤسسة الزواج كحل وسط.

فى المسيحية الأصلية لا مكان للزواج، فقد دعا المسيح إلى العفَّة المطلقة:

"لقد أمرتم بألا ترتكبوا فاحشة الزنا، وأقول لكم كل مَن ينظر منكم إلى إمرأة بشهوة فقد زنا بها فى قلبه"(2). وما يفهم من هذا الكلام هو أن تعليمات المسيح - عليه السلام - تحثُّ الإنسان على أن يناضل من أجل العفة المطلقة. وقد استنتج "تولستوى" الفكرة نفسها فقال: "إن الذين يعتقدون أن حفلة الزواج تعفيهم من الإلتزام بالعفة أو أنها تمكنهم من الوصول إلى مستوى أعلى من النقاء مخطئون". وذكر القديس "بولس" فى إحدى رسائله: "إن غير المتزوجين معنيُّون من الرب كيف يرضونه، وأما المتزوجون فمعنيون بالدنيا؛ أي: كيف يرضون زوجاتهم"(3). وبصفة عامة تنظر المسيحية إلى الزواج على أنه شرٌّ لا بُدَّ منه، وأنه اختزال للكمال لا مناص منه: "من الخير للرجل ألا يلمس امرأة، ولكن لكي يتجنَّب الوقوع في الزنا فلا بُدَّ أن يكون للرجل امرأة, وأن يكون للمرأة رجل"(4). فى هذه الرسالة نرى أن المبادئ المسيحية الصريحة تضعف وتتحرَّك مقتربة من الواقع, إنه نوع من التنازل الواضح. فمن وجهة نظر المسيحية ليس الزواج حلًا قائمًا على أساس من مبدأ ولكنه حل فرضه الواقع (أن تتجنب الزنا) على حد قول القديس بولس.

كذلك ترفض المادية الزواج ولكن لسبب مختلف تمامًا. "فالزواج الفردي منظور إليه بإعتباره إخضاع جنس للجنس الآخر"، أو كما قيل: لقد ظهر أوَّل عداء طبقي بتطوُّر الخصومة بين الرجل والمرأة بسبب الزواج الفردي, وبتحويل وسائل الإنتاج إلى الملكية العامة تتوقَّف الأسرة كوحدة اقتصادية للمجتمع، وتتحوَّل إدارة المنزل الخاصِّ إلى صناعة اجتماعية، ويصبح تعليم الأطفال والعناية بهم من الشؤون العامَّة. ويعنى المجتمع بجميع الأطفال على مستوى واحد، سواء كانوا شرعيين أو غير شرعيين. وبذلك يزول القلق من النتائج التى تعتبر أهم عامل اجتماعى أخلاقى واقتصادى يمنع الفتاة من أن تمنح نفسها كُلِيَّة للرجل الذى تحبه. ألا يعتبر هذا كافيًا لتيسير النمو التدريجى لإباحة الجماع الجنسي الحر، وظهور تساهل عام أكثر فيما يتعلَّق بشرف العذراء وعار المرأة؟ (5).

توجد علاقة واضحة بين وجهة نظر المسيحية إلى العالم وبين دعوتها إلى العفة(6). بعض أصحاب الاتجاهات المادِّية ف الغرب يرون فى هذا علاقة بين النُّظُم الاجتماعية الرجعية وبين الكَبْتِ الجنسى. وتنتمى إلى هذا الرأى نظريات "ولهلم ريخ" Wilhelm Reich و"تروتسكى" Trotsky ونظرية "مدرسة فرانكفورت". ويذهب "هربرت ماركيوز" إلى أن الرأسمالية تكبت العلاقات الجنسية من أجل أن تستخدم الطاقة الجنسية فى ميادين أخرى.

إن العزوبة (تكريس العفة) لا تستند إلى وصايا مباشرة من الله, ولا كانت موجودة فى التقاليد المبكرة للكنيسة(7). أمَّا العزوبة - بمعنى الامتناع عن الزواج - فهى جزء طبيعى من المذهب المادى. وفى آخر مؤتمر للفاتيكان، رفضت محاولة لإلغاء عزوبة القسس. هذه من ناحية المبادئ، أمَّا من ناحية الواقع والتطبيق، فإن العزوبة لا يمارسها إلا عددٌ قليل من الناس. وفى الاتحاد السوفييتى – بعد كثير من الخبرات السلبية مع الحرية الجنسية – أعيدت مؤسسة الزواج.

فإذا كانت مؤسسة الزواج قد تقرَّر إعادتها إلى المسيحية وإلى الشيوعية المادية، فإن بدايتها كانت مختلفة فى كلا الحالين: فقد بدأت فى المسيحية من مطلب العفة الكاملة، وبدأت فى المادية من مطلب الحرية الجنسية الكاملة. وقد جعلت المسيحية الزواج من الشعائر المقدسة، بينما حوَّلته المادية إلى عقد اتفاق، وفى بعض الحالات إلى عقد رسمى يخضع لمراسيم معينة. ولكن تبقى المسافة كبيرة بين الزواج الكاثوليكى والزواج المدنى. وأساس الاختلاف هو الطلاق؛ فالزواج المقدس لا يمكن حلُّ عقدته مُطلقًا، وسيفقد صفته باعتباره عقد اتفاق عندما يصبح شيئًا مقدسًا.

وجاء الزواج الإسلامى فوحَّد هذين النوعين من الزواج؛ فالزواج الإسلامي – من وجهة النظر الأوروبية – هو زواج دينى ومدني؛ أي: أنه عقد اتفاق يتمُّ في حفل ديني في الوقت ذاته, والذي يعقد الزواج "رجل دين" وموظف فى الدولة.

الاثنان فى شخص واحد. ولأن فى الزواج الإسلامى صفة العقد، لذلك يمكن حله عند الضرورة، فالطلاق مسموح به لأسباب تقتضيه. وقد اعتبر النبى - صلى الله عليه وسلم - الطلاق «أبغض الحلال عند الله»، وهذا تفكير دينى وأخلاقى معًا. ومن ثَمَّ فالزواج نموذج حى لمؤسسة إسلامية؛ فالزواج - كما هو معروف فى الإسلام – يستهدف الإجابة على مشكلة جوهرية ألا وهي: كيف يوفق الانسان بين تطلُّعاته وأشواقه الرُّوحية وبين حاجاته المادية؟ كيف يحافظ على العِفَّة دون أن يتخلَّى عن الحب؟ كيف يضبط الحب الجنسى لحيوان يمكن أن يكون إنسانًا ولكن لا يستطيع أن يكون ملاكًا؟ هذا الهدف الجوهرى هو هدف إسلامى فى صميمه.

يمكن مقارنة الزواج بالعدالة وهما من خصائص الإسلام. ووجه المقارنة أنهما فكرتان تنطويان على قدر من الخشونة الظاهرية، ولكنهما يوفران للانسان حياة أكثر صفاء وأكثر استقامة من معادلهما المسيحى، وأعنى بذلك العزوبة والمحبة العامة"(8) انتهى.

ويبدو أن "تولستوى" قد أدرك هذه الحقائق بوضوح وكتب ما نصه:

"لأن تعاليم المسيحية الخالصة لا يوجد فيها أساس لمؤسسة الزواج، فإن الشعوب فى عالمنا المسيحى لا يعرفون كيف ينتمون إلى هذه المؤسسة. فهم يشعرون أنها مؤسَّسة غير مسيحية فى جوهرها, ولكنهم لا يرون المثل الأعلى للمسيح - وهو الإمتناع عن الجنس - لأنه مستتر خلف العقيدة الراهنة. ومن هنا برزت ظاهرة تبدو غريبة لأول نظرة: فالأمم التى تخالف التعاليم الدينية التى توجد فى المسيحية، تتمتَّع بمعايير جنسية أوضح وأفضل". يقصد بذلك المسلمين بالطبع(9).

مشاعر نبيلة

أقام الإسلام علاقة الزوجية على أرقى وأنبل المشاعر الإنسانية وهى المحبة والتراحم والسكن والألفة. ورغم أن الزواج يحقِّق كذلك الاتصال الجنسي المشروع وإنجاب الأطفال، لكن القرآن الكريم أبرز الجانب الأهمَّ في استقرار الأسرة وهو التراحم والمودة وليس الجماع فقط رغم ضرورته؛ إذ هو من لوازم الزواج ونتائجه. قال - تعالى -: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187], وهل هناك أقرب وألصق بالإنسان من لباسه الذى يستره ويغطيه ويحميه من لسعة البرد وأشعة الشمس؟!

وقال - تعالى -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].

وقال – سبحانه -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21], ونلاحظ كيف أكَّد القرآن وحدة النفس الإنسانية للذكر والآنثى، كما نلاحظ الأساس المتين الذى تبنى عليه الأسرة فى الإسلام, يقول الإمام الشوكانى - رضي الله عنه - في تفسير الآية الأخيرة : "ومن علاماته ودلالاته الدالة على البعث أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا أي: من جنسكم فى البشرية والإنسانية, وقيل المراد: حواء فإنه خلقها من ضلع آدم، وقوله - تعالى -: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}؛ أي: تألفوها وتميلوا إليها، فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه، {مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}؛ أي: الوداد والتراحم بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم قبل ذلك معرفة. وقال مجاهد: المودة هى الجماع والرحمة هى الولد، وقال السُدِّى: المودة هى المحبة، والرحمة هى الشفقة، وقيل المودة: "هى حب الرجل لامرأته, والرحمة هي شفقته عليها ورحمته إيَّاها من أن يصيبها بسوء"(10). ولا نجد ما نضيفه أكثر مما قاله هؤلاء الأعلام حول المحبة والشفقة والتراحم والتآلف الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة بين الزوجين، وبالتالي تتكون أسر سعيدة، ثم مجتمع فاضل يتكوَّن من مجموع هذه الأسر المثالية. وهناك الأمر الإلهي المتكرِّر والأوامر النبوية بضرورة المعاشرة بالمعروف والحسنى كما ذكرنا فى الفصل الثانى من هذه الدراسة مثل قوله - تعالى -: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19], وقوله - تعالى -: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228], وقول النبي – عليه الصلاة والسلام -: «خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي»؛ رواه الترمذي وابن ماجه، وقوله: «استوصوا بالنساء خيرًا»؛ رواه الترمذي وابن ماجه.

  

حق اختيار الزوج

ومن مفاخر الإسلام التى لم يسبقه أحد إليها أنه أعطى المرأة الحق فى اختيار شريك حياتها، ونهى الأولياء عن الإكراه أو التسلُّط عليهن أو إجبارهن على الزواج بمَن لا يرضين به، وأوجب على القضاء إبطال كل عقد يتم بالإكراه وإلغاء كل آثاره. والنصوص فى ذلك واضحة كل الوضوح في القرآن الكريم وفى السُّنَّة المطهَّرة.

فمن القرآن قوله - تعالى -: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19], وقال ابن عباس - رضي الله عنه - شرحًا لهذه الآية: كان الرجل إذا مات فى الجاهلية يكون أولياؤه – أقاربه - أحق بامرأته – بأرملته - إن شاء بعضهم تزوَّجها بعده، وإن شاءوا زَوَّجُوها لغيرهم، وإن شاءوا منعوها من الزواج، فهم أحقُّ بها من أهلها، فنزلت الآية الكريمة لترفع هذا الظلم عنها. وروى أبو داود عن ابن عباس أيضًا أن الرجل كان يرث إمرأة ذى قرابته، فيعضلها – يحبسها ويمنعها من الزواج - حتى تموت فيرث أموالها, أو تدفع إليه ما تحصل عليه من مهر وأموال فنهى الله - تعالى - عن ذلك.

وفى لفظٍ لابن جرير وابن أبى حاتم: فإذا كانت جميلةً تزوَّجها قريب زوجها المتوفَّى, وإن كانت دميمةً حبسها – منعها من الزواج - حتى تموت فيرثها. وقال الزهرى وأبو مجلز: كان من عاداتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه – من غيرها - أو أقرب عصبته من الرجال ثوبه على تلك الأرملة فيصير أحقَّ بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوَّجها بغير مهر، وإن شاء زَوَّجَها غيره وأخذ مهرها من الزوج الجديد لنفسه ولم يعطها شيئًا، وإن شاء حبسها وضيَّق عليها إلى أن تفتدى نفسها منه بأن تعطيه ما ورثته عن زوجها الميت, أو تموت فيرثها قريب الزوج هذا. وقيل: الخطاب فى الآية للأزواج، ونهى لهم عن إمساك الزوجات مع إساءة العشرة طمعًا في ميراثهن أو لإجبارهن على رد المهور(11). وفى آية أخرى قال ربنا عز وجل : "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف" الآية 232 من سورة البقرة.

قال الشوكانى فى تفسير الآية : الخطاب إما يكون للأزواج، فيكون نهيًا لهم عن منع المطلقات أن يتزوجن من أردن من أزواج آخرين بعد انقضاء العدة، لحمية الجاهلية كما يقع كثيرًا من الخلفاء والسلاطين غَيْرَةً على مَن كُنَّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم. وإمَّا أن يكون الخطاب للأولياء فيكون المعنى: لا تمنعوهن من الزواج مرة ثانية بمَن طلقهن من الرجال إذا تراضى الطرفان بالمعروف. ويؤيد هذا المعنى الحديث الذى رواه البخارى وغيره عن معقل بن يسار - رضي الله عنه الذى - قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم فأنكحتها – زوجتها إياه - فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها. فهويها – اشتاق إليها بعد الطلاق - وهويته – أحبَّته واشتاقت إليه - ثم جاء يخطبها – مرَّة أخرى بعد انقضاء العدة - فقلت له: يا لكع – لئيم - أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها ؟! والله لا ترجع اليك أبدًا، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجة كل منهما إلى الآخر، فأنزل الله الآية {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف} [البقرة: 232], فَكَفَّرَت عن يمينى وزوجتها إياه. وفى رواية أخرى قال له: أزوِّجك وأكرمك.

وقد أوردت كتب السيرة والسنة العديد من الأحاديث ومواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - القاطعة ببطلان الزواج الذى يتمُّ بالإكراه أو دون مشورة المرأة. ومنها ما ذكره البخاري ومسلم في باب (لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب – من سبق لها الزواج – إلا برضاهما) فقد روى أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : «لا تُنكح الأيِّم حتى تُستأمر, ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن», فقالوا: يا رسول الله, وكيف إذنُها؟ قال: «رضاها صمتها», وعلق الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث بجامعة الأزهر على الحديثين قائلاً: استئمار مَن سبق لها الزواج – الأرملة أو المطلَّقة – يعنى: حصول الأمر والإذن الصريح؛ أي: موافقتها على الزواج صراحة، وأمَّا استئذان البكر فيعنى الإطمئنان لحصول إذنها وموافقتها على الزواج بأية قرينة – مثل سكوتها وعدم اعتراضها – وبالطبع يمكنها أن ترفض وتصرِّح بالرفض، أو تُصَرِّح بالموافقة إذا أرادت (13). انتهى.

وروى أبو داود في (باب الاستئمار) قوله - عليه الصلاة والسلام -: «تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». ولا يقتصر الإسلام على اشتراط موافقة العروس لإتمام عقد الزواج بكرًا كانت أو أرملة أو مطلقة، بل يخطو أبعد من ذلك بأن يأمر الرجال بمشورة الأمهات والجدَّات واستطلاع آرائهن في زواج بناتهن. روى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «آمروا النساء في بناتهن».

وهذه خطوة حضارية غير مسبوقة, فما كان الناس قبل الإسلام يقيمون وزنًا للنساء، ولا يعتبرونهن ذوات أرواح أو عقول، وما كان لرأى إحداهن في زواجها هي أي اعتبار, فكيف بزواج ابنتها أو حفيدتها؟!!

وتتجلى الحكمة والرحمة والنبل أيضًا في هذا الأمر النبوى الكريم، إذ لا يعقل ألا تحاط الأم علمًا ولا يؤخذ رأيُها في مَن يتقدَّم للزواج من فلذة كبدها - وكذلك الجدات – وقد يكون لإحداهن دراية بعيوب فى الخاطب لا علم للأب أو الولى الذكر بها، وقد تكون الأم - وهذا هو الغالب – قد علمت من ابنتها أمرًا بشأن هذا الزواج أو رفضها للخاطب ويمنعها الحياء من ذكر هذا لأبيها, والبنات يذكرن للأمهات ما يستحيل عليهن مفاتحة الآباء بشأنه أو حتى مجرد الإشارة إليه فى حضوره من قريب أو بعيد.

فإذا أبرم الأب أو الولى عقد الزواج بدون رضا المرأة فإن القاضى يبطل هذا العقد ويجعل الخيار فى إلغائه أو إقراره بيد المرأة وحدها. روى البخاري عن خنساء بنت خدام الأنصارية - رضي الله عنها - أن أباها زَوَّجها - وهى ثِيِّب – فكرهت ذلك, فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبطل نكاحها. وفى رواية عبد الرزاق أنها قالت: إن أبى أنكحنى وإن عم ولدى أحب إلى فرد النبى نكاحها وزَوَّجَها بمَن أرادت. ولا يقتصر الأمر على الثيب فقط ، بل أبطل النبى - صلى الله عليه وسلم - تصرُّف الولي بتزويج البكر بدون رضاها، وجعل لها الخيار فى الإبقاء على هذا العقد وإجازته أو رفضه وفسخه. والدليل ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن جارية بكرًا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت أن أباها زَوَّجَها وهى كارهة – غير راضية – فَخَيَّرَهَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم" رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه - رضي الله عن الجميع - وقال الإمام الصنعانى تعليقًا على هذا الحديث: "هذا الحديث دلَّ على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح، وغيره من الأولياء من باب أولى". ووصف الصنعانى الحكم هنا بأنه حكم عامٌّ لعموم علَّته؛ فأينما وجدت الكراهة – كراهة البكر للزواج – الذى يُبرمه الولى – ثبت الحكم"(14)؛ أي: أنه في كل حالة تكره البكر فيها الزواج الذى يعقده أبوها بغير رضاها يحرم هذا العقد، ويثبت للفتاة حقُّ الاختيار بين الموافقة على هذا الزواج أو فسخه. والواقع أن هذا الحكم العظيم يتَّفق تمامًا مع القاعدة العامَّة في العقود والمعاملات، والتى تتَّفق حتى مع كل القوانين الوضعية وهى بطلان كل عقد أو تصرُّف يتمُّ بالإكراه أو بدون تراضى كل أطراف العقد أو التصرُّف القانوني, ولم يأت أي تشريع في العالم بأفضل من هذا حتى اليوم.

وتعطينا رواية للإمام النسائى واقعة أخرى أو تفاصيل أخرى إن كانت ذات الواقعة السابقة، فقد روى - رضي الله عنه -: "عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبى زوَّجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته – ليكرمه ويرفع من شأنه بهذا الزواج – وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل - عليه السلام - الأمر إليها – أعطاها حق الإختيار – فقالت: يا رسول الله, قد أجزت ما صنع أبى، ولكن أردت أن أُعلِّم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء – ليس لهم تزويج بناتهم بالإكراه – ولفظ النساء عامٌّ يشمل الثَيِّب والبكر، وقد قالت هذا عنده - صلى الله عليه وسلم - فَأقَرَّها عليه (15).

 ولن يجد الباحث المنصف شيئًا كهذا في أيَّة أمَّة أخرى وقت ظهور الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا. فالفتاة الشجاعة الذكية واجهت الجميع برأيها وحسن فهمها للإسلام وأقرّها - عليه السلام - وأرادت البنت أن توجَّه رسالة للكافَّة بأنَّه لا يحقُّ للآباء ولا غيرهم إجبار النساء على الزواج بمَن لا يرضون. وهذه الواقعة دليل قاطع أيضًا على تمتُّع المرأة بحرية الرأي، فلم يمنع النبي - عليه السلام - تلك الفتاة من الجهر برأيها رغم أنها وافقت على ما صنعه أبوها. 

ضمانات حقوق الزوجة

ولا يقتصر الأمر على اشتراط رضا وموافقة المرأة لصحة الزواج، إذ نلاحظ أن كل أركان وشروط صحة العقد هدفها الأساسى حماية مصالح الزوجة فى المقام الأول ، وكذلك صَوْن سمعتها وحفظ حيائها وعفافها وإحصانها بأسلوب شريف نظيف. وعلى سبيل المثال يقول النبى صلى الله عليه وسلم :" أعلنوا النكاح " رواه أحمد وصححه الحاكم. وفى رواية أخرى للترمذى قال صلى الله عليه وسلم :" أعلنوا هذا النكاح ، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف وليولم أحدكم ولو بشاة ، فإذا خطب أحدكم إمرأة وقد خضّب بالسواد فليعلمها لا يغَرَّها ".

ومن الواضح أن أمره الشريف بإعلان الزواج يستهدف حماية سمعة الطرفين - وخاصَّة المرأة - ليعلم الجميع أنهما تزوَّجا على سنة الله ورسوله  عليه السلام  فلا يظن بهما الناس شرًّا حين يرونهما معًا, وكذلك لحماية الأطفال الذين يولدون لهما فيعرف الجميع أنهم ثمرة زواج شرعى وليس سفاحًا مُحرَّمًا. ونلاحظ في الرواية الثانية أمرًا شريفًا آخر للرجل إذ كان قد صبغ شعره بالسواد بأن يصارح مَن يريد الزواج بها بذلك لتعرف حقيقة عمره, ولا تنخدع بالسواد المصطنع فى شعره وتظنه شابًّا صغيرًا. وقد أمر - عليه السلام - الرجل بهذا ولم يأمر به المرأة رغم أن الصراحة والأمانة مطلوبة بل هى فرض على الجميع، لكنه التلطُّف والرقة من خير خلق الله  صلى الله عليه وسلم . كذلك يشترط ولى وجود لإبرام عقد الزواج – أب أو جَد أو أقرب الذكور إن لم يوجد أب أو جد – لأنها تستحى عادة من الكلام فى أمور النكاح، فأعفاها الإسلام من الحرج، وجعل لها وكيلاً عنها يتحدث باسمها من قومها أو السلطان إن لم يوجد لها ولى. وهذا الشرط هدفه أيضا حماية حقوق المرأة ، فالأب – أو مَن يقوم مقامه – احرص على مصالح ابنته وأكثر منها دراية بعيوب الرجال ، ومع ذلك قيد الإسلام سلطته بضرورة موافقة العروس كما تقدَّم. وكذلك ألزم الولى أن يستهدف مصلحتها هى وليس منفعة شخصية له من العقد وإلا أبطل القضاء تصرفه الضار بها. قال صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي, والسلطان ولى من لا ولى له»؛ رواه الطبراني الذي رواه أيضًا بإسناد حسن عن ابن عباس - رضي الله عنه - بلفظ: «لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان», ونلاحظ هنا تقييد الولى بضرورة أن يكون "مرشدًا" أي: يرشد المرأة ويراعى ما فيه صالحها، ويكون أمينًا حريصًا عليها، وإلا حلَّ السلطان – الحاكم أو القاضى المسلم – محله حماية لمصالح المرأة.

كلام في الكفاءة

وهناك آراء من المهم تفنيدها فى مسألة الكفاءة فى الزواج ، إذ يشترط كثير من الفقهاء أن يكون الخاطب كفئًا للمرأة حتى يصحَّ الزواج، ويرون أنه فى حالة قيام المرأة بتزويج نفسها من غير كفء لها يجوز للولى أن يطلب فسخ العقد وإلغاء هذا الزواج. كما يرون أنه فى حالة قيام الولى بتزويجها من غير كفء لها يجوز لها أن تطلب فسخ العقد أيضًا.

واختلف الفقهاء فى تحديد الكفاءة. فذهب بعضهم إلى أن الكفاءة فى النسب، فالأعجمى – غير العربى – يعتبرونه غير كفء للزواج من عربية ومَن يزعمون الانتساب إلى بنى هاشم أو آل البيت يمنعون زواج بناتهم من غيرهم!! وذهب آخرون إلى أن المهن والحِرَف المتواضعة تؤخذ فى الاعتبار لتحديد الكفء من غيره، فالعامل أو الحرفى - كالسبَّاك والنجَّار وغيرهما - ليس كفئًا للزواج من بنات الأمراء والوزراء وغيرهم من علية القوم!!! وهناك آراء أخرى حول تحديد مفهوم الكفاءة – أي: المساواة والمماثلة – لا يتَّسع المقام لذكرها هنا. ونلاحظ إجماع الفقهاء على أن الكافر – غير المسلم – ليس كفئًا للمسلمة، فلا يجوز أن يتزوَّجها لعدم الكفاءة ، وأساس الإجماع  هنا نص القرآن الكريم على تحريم هذا الزواج حرصًا على مستقبل المسلمة وحماية لها من الارتباط بكافر يفتنها فى دينها، ولا يؤتمن عليها بأى حال. قال تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10], فالكفاءة المعتبرة هى الكفاءة فى الدين فقط. وأما الحديث الذى زعموا أنه ذكر أن العرب أكفاء لبعض إلا الحائك – صانع الثياب – أو الحجَّام – الذي يَعمل بالحجامة – فقد نصَّ كبار علماء الحديث على أنه كذب لا أصل له كما قال أبو حاتم, وقال عنه أيضًا أنه: باطل، وقال الإمام الدارقطنى: لا يصح، وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ عنه: "هذا منكر, وله طرق كلها واهية", وأكد الإمام الصنعانى - رضي الله عنه - صحَّة الرأي الذي يعتبر الكفاءة في الدين فقط (16), فالمسلم الصالح كفءٌ للزواج من المسلمة سواء كان من العرب أو من غيرهم, وسواء كان من أصحاب الحِرَف البسيطة أو الوظائف المرموقة عملا  بالآية الكريمة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتقاكم } [الحجرات: 13]. وهذا الرأي فيه توسعة على المرأة حتى لا تضيع عليها فرصة الزواج, وتقع فريسة للعنوسة انتظارًا للعربى أو الغنى أو صاحب المنصب ، و يضيع عمرها كله فى الانتظار!! والأحاديث الكثيرة وفعل النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يهتم بغير الكفاءة فى الدين فقط. ومنها حديث: «الناس ولد آدم، وآدم من تراب»؛ رواه ابن سعد من حديث أبى هريرة  رضي الله عنه ، والحديث الآخر: «الناس كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى»؛ أخرجه ابن لال بلفظ قريب من لفظ حديث سهل بن سعد. قال الصنعانى: "البخاري أشار إلى نصرة هذا القول حيث أورد تحت باب: (الأكفاء في الدين) قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54], واستنبط البخاري من ذلك المساواة بين بنى آدم, ثم استشهد بما فعله أبو حذيفة بن عتبة من تزويج سالم – وهو عبدٌ سابقًا – من ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة القرشية عريقة النسب. وأضاف الصنعانى: وقد خطب النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة فقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عُبية الجاهلية وتكبرها، أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقى كريم على الله، وفاجر شقى هّين على الله», ثم قرأ الآية, وقال  صلى الله عليه وسلم: «مَن سَرَّه أن يكون أكرم الناس فليتَّق الله», فجعل - عليه الصلاة والسلام - الالتفات إلى الأنساب من مساوئ الجاهلية وتكبرها، فكيف يعتبرها المؤمن ويبنى عليها حكمًا شرعيًّا؟! وقد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بنى بياضة - قيبلة عربية عريقة - بإنكاح أبى هند الحَجَّام وقال: «إنما هو امرؤ من المسلمين», فنبَّه إلى الوجه المقتضى لمساواتهم وهو الاتفاق في وصف الإسلام. وعن فاطمة بنت قيس - رضي الله عنها, وهى قرشية أصيلة – أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «أنكحى أسامة»؛ رواه مسلم. ويستدل الصنعانى من الحديث على أنه: "أمرها بالزواج من أسامة بن زيد مولاه ابن مولاه، وهى قرشية، وقدَّمه على أكفائها - كان معاوية وأبو جهم قد خطباها أيضًا – ولا أعلم أنه طلب من أحد أوليائها إسقاط حقه  أي: لم يقر اعتراض الولي, ولا أعطاه حقًّا في الاعتراض. وأخيرًا ذكر الصنعانى أن بلالاً - رضي الله عنه, وكان عبدًا حبشيًا – تزوَّج هالة أخت عبد الرحمن بن عوف القرشية الأصيلة, وعرض عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  ابنته حفصة - قبل أن يتزوجها النبى - على سلمان الفارسي رضي الله عن الجميع(17).

 وأيَّد اعتبار الكفاءة فى الدين فقط عمرُ وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومالك و ابن سيرين وزيد بن على - رضي الله عن الجميع.

ونشير هنا إلى ما لم يذكره الصنعانى وهو أن النبى - صلى الله عنه وسلم - زوَّج ابنة عمَّته زينب بنت جحش أولاً لمولاه زيد بن حارثة وهى القرشية الحسيبة النسيبة قبل أن يُطلّقها, ثم تزوَّجها النبي – صلى الله عليه وسلم - بعده بأمر الله له؛ ليهدم نظام التبنى كما هو معلوم من السيرة العطرة. وعدم اعتبار الكفاءة فى المال أو الحسب أو النسب أو المنصب؛ رحمة من الله بالمرأة. فقد تخسر عمرها كله أو معظمه انتظارًا لخاطب كفء قد لا يأتى أبدًا. وقد تتزوَّج بغنى أو ذى نسب أو منصب ثم تكتشف أنه شيطان مجرم لا يرحمها ولا يحسن إليها فتندم بعد فوات الأوان ، ولعبد مؤمن فقير أفضل حماية لها وحرصًا عليها. ولله درُّ مَن قال لآخر: زوِّج ابنتك ممَّن يخاف الله؛ فإن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها.

الإشهاد لمصلحتها

ومن المعلوم أيضًا أن وجود شاهدى عدل هو من الشروط الضرورية لصحة الزواج تمييزًا له عن الزنا الذى لا يشهده أحد. ووجود الشهود ضرورةٌ لازمة لحفظ وحماية حقوق الطرفين وخاصَّة المرأة التي هي الطرف الأضعف، وذات العلة اقتضت توثيق عقود الزواج فى عصرنا بالإضافة إلى الشهود العدول. وإحدى روايات الحديث الذى تقدَّم نصَّت على أنه: «لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل», من حديث جابر المرفوع . لاحظ كيف اشترط - عليه الصلاة السلام - عدالة الشهود حتى لا يتسبَّب شاهد فاسق فى إضاعة حقوق الزوجة المذكورة فى العقد. وقال الترمذي: "العمل عليه عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم, قالوا: لا نكاح إلا بشهود".

 بل إن تعريف عقد الزواج فى الفقه الإسلامى ذاته يظهر عظمة وعدالة الشريعة الإلهية. فالزواج هو: عقد يفيد حلَّ استمتاع كل من الرجل والمرأة بالآخر على الوجه المشروع. ويلزم الفقهاء الزوج بأن يعفَّ زوجته بالقدر المعقول من الجِمَاع؛ فإنها نفس مثله تشتهى ما يشتهى، وتحب منه ما يحب منها، فالحاجات الإنسانية من جِمَاع وطعام وشراب واحدة عند الطرفين، ولا صلاح للحياة المشتركة إلا إذا حقَّقت رغبات وتطلُّعات الجميع. ومن رحمة الإسلام بالمرأة أنه جعل لها حضانة أطفالها عند النزاع وحتى فى حالة الطلاق إشفاقًا على الأم، ومراعاة لمصالح الأطفال الذين يحتاجون إليها أكثر مما يحتاجون إلى الأب. فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمُطلَّقة شكت إليه أن زوجها السابق يريد انتزاع الطفل منها: «أنت أحق به مالم تنكحي» رواه أحمد وأبو داود وصحَّحه الحاكم. ويفرض الإسلام على الرجال احترام كافة الشروط فى العقد حماية للمرأة وحفظًا لحقوقها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحق الشروط أن توفُّوا بها ما استحللتم به الفروج» رواه البخاري ومسلم، وهو أيضًا مقتضى قوله – تعالى -: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. وقد حرَّم الإسلام نكاح الشغار حرصًا على مصلحة المرأة(18), والشغار هو: الخلو من العوض أو هو القبيح، ومعناه لغة مأخوذ من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول. وقد سمي الإسلام هذا النوع من النكاح بالشغار لأنه يتم بأن يُزوِّج الرجل ابنته أو أخته أو قريبته لشخص آخر مقابل أن يُزوِّجه هذا الآخر ابنته أو أخته أو قريبته بلا مهر يدفعه أي منهما وهو ما يعنى تبادل التزويج بلا مهر. ومن الواضح هنا أن هذا النوع من الزواج الذى كان سائدًا فى الجاهلية فيه إهدار لكل حقوق المرأة مثل المهر, كما أنه يتمُّ غالبًا بدون رضاها، وهو يستهدف فى المقام الأول مصلحة الرجلين على حساب الزوجتين, ولكل هذا حرَّمه الإسلام وأبطله.

كما حرَّم الإسلام الزواج المؤقت – نكاح المتعة – لأن الهدف من الزواج فى الإسلام دوام العلاقة الطاهرة بين الزوجين، وتكوين أسرة سعيدة مستقرة حرصًا على مستقبل الأطفال ثمرة الزواج، وكل هذه الأهداف النبيلة لا وجود لها فى زواج المتعة قصير الأجل والذى هو مجرد ممارسة للشهوة فترة قصيرة من الوقت – قد تكون بضعة أيام أو ساعات فقط – ثم يمضى كلاهما في طريقه وكأن شيئًا لم يحدث!! والطرف الأكثر خسارة هنا هو المرأة التى تتحوَّل في ظل نظام زواج المتعة إلى دُمية أو لعبة يتلهى بها الرجل ثم يرميها بعد إنتهاء الوقت المحدَّد في العقد، ويلقى أطفالها ثمرة هذا الاتصال المؤقت ذات المصير من الهوان والتشتت والضياع. ولكل هذا حرَّم الإسلام المتعة. روى البخاري عن على  رضي الله عنُه  قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المُتْعَة عام خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية".وقال ابن تيمية  رضي الله عنه: "الروايات المتواترة متواطئة على أن الله - تعالى - حرَّم المتعة بعد إحلالها فى أول الإسلام" [حاشية الروض المربع6/325]. وقال القرطبى: "الروايات كلها متَّفقة على أن زمن إباحة المُتعة لم يَطُل, وأنه قد حُرِّم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا مَن لا يلتفت إليه من الروافض" [حاشية الروض المربع 6/325].وكذلك حرَّم الإسلام كل ألوان العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج المشروع؛ لما فيها من أضرار جسيمة بالجميع رجالاً ونساءً وبالمجتمع ككل. فقد حرِّم الزنا وكل ألوان الشذوذ التى تخرب المجتمعات , كما نرى الآن بوضوح فى الغرب حيث انتشرت الأمراض الوبائية الفتَّاكة مثل الإيدز والهربس والسيلان والزهري وغيرها، كما تنتشر الأمراض العصبية والنفسية كالجنون وهناك أعلى معدلات الانتحار فى العالم.

 ونقول للجميع بكل يقين: لن تجدوا سوى منهج الإسلام، فهو سفينة النجاة الوحيدة للبشرية التى توشك على الغرق والهلاك. وصدق الله - تعالى - القائل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53].

 

المـراجـع

1- على عزت بيجوفيتش مفكر وكاتب إسلامي كبير تولى رئاسة جمهورية البوسنة والهرسك بعد انهيار ما كان يُعرف بـ "يوغسلافيا" الشيوعية, وتحمل عبء التصدى لأطماع الصرب في أراضى المسلمين البوسنيين,وقاد جهادا بطوليا لإنقاذ شعبه وبلده من أقذر حملة تطهير عرقى عرفها التاريخ الحديث في فترة التسعينيات من القرن الماضي. انظر كتابنا : دموع سراييفو – ملحمة البوسنة والهرسك – القاهرة – 1993م.

2-    انظر : انجيل متّى (5 : 27-28).

3-    انظر العهد الجديد الكورنثيون (7 : 38).

4-    انظر المصدر نفسه (1 : 2).

5-    انظر "إنجلز" Engels: The Origin of Family, Private Property and State

6- تطورت هذه الدعوة إلى اتجاهات متطرفة وصلت فى تاريخ المسيحية إلى حد الخصاء. فقد قام "أوريجن" Origen بإخصاء نفسه لكى يطهر نفسه, ولم يقم أتباع طائفة "فاليريانى" Valeriani فى الجزيرة العربية بإخصاء أنفسهم فحسب ولكنهم طبّقوا هذا الإجراء على كل من دخل فى منطقتهم. وكان الإخصاء معروفًا فى أديان أخرى أيضًا. ولم تحرّم الكنيسة الإخصاء إلا فى آخر القرن التاسع عشر.

7-    أقر المجمع المسكونى "لاتران الثانى" العزوبة سنة 1139م.

8- على عزت بيجوفيتش – الإسلام بين الشرق والغرب – ترجمة محمد يوسف عدس – ص360 – 363 – طبعة مؤسسة بافاريا – توزيع دار النشر للجامعات – مصر.

9-    ليو تولوستوى – الطريقة إلى الحياة Tolostoy : The Way to life.

10- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الرابع – ص 289 – طبعة دار الوفاء – مصر, وانظر تفسير الآية الكريمة عند الطبرى والقرطبى والنسفى وابن كثير, وفى المنتخب فى التفسير تأليف مجموعة من علماء الأزهر الشريف طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – مصر.

11-   فتح القدير – الشوكانى ج1 – ص 706-707 – طبعة دار الوفاء – مصر.

12-   فتح القدير – الجزء الأول – ص 423-424.

13- تيسير صحيح البخارى – الدكتور موسى شاهين لاشين – الجزء الثالث – ص 158 – طبعة مكتبة الشروق الدولية – مصر.

14-   سبل السلام – الصنعانى – كتاب النكاح – ص 551 – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.

15-   سبل السلام – مشار إليه – ص 552.

16-   سبل السلام – الصنعانى – كتاب النكاح – باب الكفاءة والخيار – ص 557.

17-   سبل السلام – الصنعانى – ص 558 – 559.

18- روى البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشَّغار. وعرّفه مالك بأنه أن يزوّج الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق أى مهر. وقال الدكتور موسى شاهين لاشين تعليقًا على الحديث : أجمع العلماء على أن غير البنات مثل الأخوات وبنات الأخ وغيرهن شأنهن هنا شأن البنات فى التحريم. والجمهور على بطلان نكاح الشغار. انظر تيسير صحيح البخارى – مشار إليه.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مودة ورحمة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7