الأربعاء 23 ديسمبر 2009

الفصل الرابع

القـوامـة

أثار الخصوم شبهة حول قوله  تعالى : {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وقوله  تعالى : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. وهما آيتان عظيمتان وضعتا دستورًا للحياة الزوجية ، يكفل حسن المُعاشرة واستقرار الأسرة على أكمل وجه ممكن الحدوث بين البشر. ولو فهم المشاغبون معنى القوامة لغة وشرعًا لوجدوا أنها من دلائل عظمة الإسلام وحكمته, بل فضله ورحمته بالمرأة.

 ففي اللغة: قام الرجل بالمرأة وقام عليها قام بشأنها، وقوَّمت الشيء عَدَّلْتُه(1). فالقوامة تعنى القيام على الشيء بما يصلح شأنه ويرعى مطالبه(2). والمفهوم الشرعى للقوامة لا يختلف عن المفهوم اللغوى. يقول العَلاَّمَة القرطبى - رضي الله عنه - في معنى قوله - تعالى - {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}: "أي: يقومون بالنفقة عليهن والذَّبِّ عنهن - الدفاع عنهن وحمايتهن – وقيل: نزلت بسبب كلام بعض النساء عن الميراث ، فبيَّن الله - تعالى - أن تفضيلهم عليهن فى الإرث لما على الرجال من دفع المهر والإنفاق, ثم فائدة تفضيل الرجال عائدة إليهن، وقيل: الرجال لهم فضيلة فى زيادة العقل والتدبير، وقيل: زيادة قوة فى النفس والطبع، فيغلب عليهم القوة والشدَّة، وطبع النساء يغلب عليه اللين والضعف, فجعل لهم القيام عليهن بذلك وبالإنفاق. وقوَّام: فعَّال للمبالغة من القيام على الشيء والنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبير شؤونها. ويضيف القرطبى: "ودلَّت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فينبغي أن لا يسيء الرجل عشرتها". وفهم العلماء من قوله – تعالى -: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوَّامًا عليها، وكان لها حق فسخ العقد - الزواج - لزوال المقصود الذى شرع الله لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند إعسار الزوج - أي: عجزه عن النفقة وهى الطعام والكسوة - وهو مذهب مالك والشافعى، وقال أبو حنيفة: لا يُفسخ, ويعطى الزوج مهلة؛ لقوله – تعالى -: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] انتهى. (3).

وهكذا, فإن القوامة تعنى مسؤوليات خطيرة وأعباء جسيمة، وليست ترفًا أو وجاهة أو حتى سببًا للتباهى والتعالي, إنها أمانة تنوء بحملها الجبال؛ لأن الزوج راعٍ على زوجته وأولاده بنصِّ الحديث الذي صحَّحه البخاري وغيره وهو مسئول أمام الله - تعالى - عن رعيته، وفى حديث لأبى داود : قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضِّيع من يعول». إنها رعاية وحماية وإنفاق وإرشاد للسداد. وهل يضرُّ المرأة وجود حارس أمين ومُموِّل سخي ومعلم ومرشد ومحامٍ وإمام لها ولأطفالها، يكفل الله لهم به القوت، ويحميهم به من كل شرٍّ وأذًى وجبروت؟! لو أنصفوا لقالوا: لقد دَلَّل الإسلام المرأة، وكفل لها الراحة والأمن والسكينة ورغد العيش فى ظل رجل يُفنى عمره من أجلها، بل هو مأمور بالقتال دفاعًا عنها حتى آخر قطرة من دمه.

قال مؤلفو "المنتخب" في تفسير قوله - تعالى -: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]: "جعل الله - تعالى - للمرأة من الحقوق بمقدار ما عليها من الواجبات، وجعل للزوج درجة الرعاية والمحافظة وعليه واجب العدالة. والتسوية في الحقوق والواجبات الزوجية للمرأة مبدأ لم يكن موجودًا عند الأمم السابقة. فكانت المرأة عند الرومان أَمَة – جارية – فى بيت زوجها عليها واجبات وليس لها حقوق، وكذلك كانت فى بلاد فارس، وقد سبق الإسلام بهذه العدالة" انتهى (4).

وفى تفسير قوله تعالى : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] قالوا: "الرجال لهم حقُّ الرعاية للنساء، والقيام بشؤونهن بما أعطاهم الله من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق، ولأنهم هم الذين يكدُّون ويكدحون لكسب المال الذى ينفقونه على الأسرة" انتهى... (5).

 وهكذا يتَّضح بجلاء أن القوامة هى الرعاية والحماية والتوجيه, والقيادة والإنفاق, وتوخِّى الإصلاح والمصالح, واستهداف الأفضل لهن فى كل شىء.

وحتى لو كان السبب الوحيد للقوامة هو الإنفاق المفروض على الرجل - وهو ليس كذلك – لكفى ؛ لأنهم في الغرب وبالمنطق المادى البحت عندهم يجعلون الإدارة لمَن يملك المؤسسة أو الشركة ويدفع رواتب العاملين فيها. وعندهم قول شائع : (من يدفع أجر العازف هو وحده الذى يختار اللحن الذى يُعزف) فلماذا ينكرون علينا أمرًا أساسيًّا يقوم عليه مجتمعهم؟!

 ثم إن القوم قد فشلوا فى القضاء على آثار الاستبداد بالمرأة ومحو شخصيتها وحرمانها من كل الحقوق.  والدليل على ذلك أن المرأة فى الغرب ما زالت حتى اليوم تفقد اسمها، ويتحوَّل لقبها من عائلتها الأصلية لتحمل لقب عائلة الزوج بمجرَّد إبرام عقد الزواج!! ولو لم يكفهم هذا فإننا نسألهم: ولماذا يحمل الأطفال - في العالم كله - اسم الأب ولقب عائلته وليس اسم الأم أو لقب عائلتها؟ أليس هذا دليلاً قاطعًا على أن الحق والواقع والمنطق جميعها تجعل قيادة سفينة الأسرة للرجل رغم الأهمية القصوى لوجود الأم أيضًا؟!

وأَلاَ يكفى أن علماء السلف العِظَام قرَّروا – كما ذكر القرطبى – أن الرجل الذى يُخل بواجبه فى الإنفاق يفقد فورًا حقَّ الرعاية ولا يصبح جديرًا بالقيادة، وهنا يعطون المرأة الحق فى فسخ العقد؛ لتسترد حريتها وتصبح هى مسئولة عن نفسها. كما أنها تملك أيضًا الموافقة على الارتباط من البداية، فإذا وافقت على الزواج فهذا يعنى أنها قبلت ضمنًا إسناد المسؤولية والرعاية إلى الرجل.

وما زالت الصورة المثالية للرجل التى تحبها المرأة فى كل العصور والثقافات هى صورة الفارس النبيل الذى يصارع الأشرار دفاعًا عن امرأته أو ابنته أو أمه أو محارمه، بل هو الذى يقاتل حتى الموت دفاعًا عن عرض وكرامة أية امرأة ولو كانت لا تمت إليه بأدنى صلة. فلماذا تنكرون على الإسلام الذى يفرض على الرجل أن يكون دائمًا هو هذا الفارس النبيل، ويرفعه إلى درجة عليا فيجعله شهيدًا إن قُتل دفاعًا عن الشرف والعرض: «ومَن قتل دون أهله فهو شهيد»؛ رواه أحمد والترمذي. فإذا أضفنا إلى أخلاق الفرسان كرم العرب الشهير بالإنفاق وشرف التعليم والأمر بالصلاة وغيرها من الفرائض والفضائل، فلن تجد صورة أكمل ولا أعظم من الزوج المسلم الذى يلتزم بكل هذه الفضائل والمكارم، وهذه هي القوامة التي تكرهها العلمانيات!!!

ويهمنا إيضاح أن القوامة لا تعنى أن الرجل حاكم طاغية أو ملك مستبد يفعل بالأسرة ما شاء دون حساب أو رقابة، بل حاله مثل ذلك الخليفة العظيم الذى قال لرعيته : "إنما أنا واحد منكم، غير أنى أثقلكم حملاً"، فهي مسؤولية المتبوع عن إرشاد أتباعه إلى كل حق وخير لهم فى دينهم ودنياهم، وهى مسؤولية القائد عن أمن وسلامة جنوده من كل مكروه وسوء.

 ولم يعهد الناس فى كل أنحاء العالم – بل فى كل التاريخ الإنسانى جيشًا بلا قائد، ولا مملكة بلا ملك يسوسها ويحكمها بما يصلحها ويكفل لأفرادها حياة رغدة آمنة. وهل تبحر السفينة بلا قبطان أو تطير الطائرة بلا رُبَّان؟!! وعلى القائد أن يستشير مَن حوله. فالشورى أصل من أصول الإسلام أمر الله - تعالى - بها، ووضعها في القرآن بين فريضتى الصلاة والزكاة، وهى عامَّة تشمل الرجال كما تشمل النساء، وقد استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوجته السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - في صلح الحديبية وأخذ برأيها عندما تبين له صوابه. ومن هذا يتبيَّن ضرورة مشاورة الرجل زوجتَه ، فهو يشاورها حتى فى فطام الصغير وإطعام البعير.

الأسياد والجواري!!

ومن هذا العرض لمفهوم القوامة فى الإسلام يتَّضح أنها مقررة لصالح المرأة وليس للحجر عليها أو قهرها أو الانتقاص منها كما يزعمون، ومَن لا يعجبه هذا فلينظر إلى ما كان عليه الحال فى العالم قبل نزول القرآن الكريم:

فقد ألزمت الديانة اليهودية المرأة بالإذعان لسلطة الرجل أبًا كان أم زوجًا؛ يقول الأب متى المسكين: "كانت المرأة اليهودية مغطاة الرأس بحيث لا تظهر معالم وجهها على الإطلاق، حبيسة المنزل، تحت سلطان أبيها أو زوجها" انتهى(6).

ومن الواضح خضوعها المطلق لسلطة الزوج أو الأب. وجاء في الإصحاح الثالث من سفر التكوين: "وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك" أى أن سيادة آدم على حواء وبناتها مقررة نصًّا.

ومبدأ سيادة الرجل مستقر فى النصرانية أيضًا منذ القدم ؛ فقد قال القديس أوغسطين أن: "المرأة لا يكون لها سيدان". وقال ذلك شرحًا لسبب تحريم الزواج من رجل آخر – فى ذات الوقت – ولو كان الزوج عقيمًا.

وما يعنينا هنا هو وصفه للزوج بأنه "سيد المرأة".  ومفهوم "السيادة" أعلى وأكثر سلطة وأشد تحكُّمًا من مفهوم "القوامة" الذى جاء به الإسلام والذى يعنى الرعاية والحماية والمحافظة على المصالح كما ذكرنا.

ولو كنا نحن الذين نقول بسيادة الرجل على المرأة لنهشت الكلاب المسعورة الحاقدة لحومنا وعظامنا أيضًا! ومن الأدلة على خضوع المرأة لزوجها فى النصرانية ما نصَّ عليه بولس: "أما المتزوجة فتهتم بأمور العالم وهدفها أن ترضى زوجها" كورنثوس 7: 34. وهكذا فهدف الزوجة الأول والأخير هو إرضاء الزوج ، ولم يقل بولس ولا غيره أن هدف الزوج هو إرضاء زوجته بالمثل ، بينما نصَّ القرآن الكريم على أن: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] ، فمَن الذي أنصفها: القرآن أم هم؟!

 وقد نصَّت أناجيلهم أيضًا على إسكات المرأة تمامًا فى الكنيسة, وعدم السماح لها بالكلام ولو لتوجيه سؤال لتعلم الدين!! قال بولس: "لتصمت النساء فى الكنائس، فليس مسموحًا لهن أن يتكلمن، ولكن إذا رغبن فى تعلُّم شيء فليسألن أزواجهن فى البيت؛ لأنه عار على المرأة أن تتكلم فى الجماعة" كوزنثوس 14: 24، 25. وهكذا فإن الزوج وحده هو الذى يمكنها التعلم بواسطته، ولا يمكنها أن تسأل أحدًا غيره، وبشرط أن يكون ذلك داخل البيت لا الكنيسة، فالزوج وحده هو سيدها وهدفها ومُعلمها ومحور حياتها.

وغنى عن البيان أن كل الأمم الأخرى السابقة على الإسلام لم تكن تعرف القوامة بالمعنى الرحيم الرشيد الذى جاء به القرآن الكريم ، بل إن الزوج عند الفرس والرومان واليونان والهندوس وغيرهم يكاد يكون إلهًا لامرأته، تُقدِّسه وتُقَبِّل قدميه وتخضع له خضوع الجارية لسيدها ومالكها الذى له عليها كل الحقوق المطلقة بما فيها حق الإعدام بلا سبب ولا لوم ولا عقاب، وليس لها عليه أي حق من أي نوع. يطعمها الفتات وينفرد هو بالأطايب والملذات، تسهر على راحته ولا تنام إلا بإذنه، وكل حياتها مُسَخَّرة لخدمته حتى يأتيها الموت وهى على هذا الحال. ولو عاشت العلمانيات والحاقدات فى تلك الأزمان ، لعشقن الإسلام ، وسبَّحن بحمد رب الأنام ، وعلمن علم اليقين أنه حقًّا دين رب العالمين!

وليس الذكر كالأنثى

وحتى نحسم الجدال حول أسباب إسناد القوامة إلى الرجل وليس إلى المرأة نعرض بعض الحقائق العلمية. وهنا أيضًا نحمد الله - تعالى - لأن كل العلماء والباحثين الذين توصلوا إلى تلك الحقائق ليسوا من المسلمين ولا العرب.

فقد أثبت العلماء فى الغرب أن هناك فروقًا جوهرية بين الرجل والمرأة فى البلوغ وتغييراته، والحساسية البدنية، وتكوين الحوض وأعضاء التناسل بالطبع, وطبيعة الشهوة الجنسية عند كل منهما، والحيض والحمل والخلايا وحتى الهرمونات!!

 فإذا وُجدت كل هذه الاختلافات الهائلة فهل يمكن الزعم بإمكانية حدوث المساواة بين الجنسين فضلاً عن المطالبة بها؟!! ولا تقتصر الاختلافات على ما ذكرنا بل تختلف الصفات النفسية والعقلية بين الجنسين. ولن نستطيع عرض كل هذه الاختلافات البدنية والنفسية فى هذه الدراسة الموجزة، ولهذا سنكتفي بإيجاز بعضها، ويمكن للقارئ العزيز الرجوع إلى التفاصيل فى المراجع التى سنذكرها.

فمن العجيب أن الشهوة – مثلاً – يُفترض أنها واحدة فى كل الكائنات الحية، ولكن العلماء يفاجئوننا بأن الشهوة الجنسية عند الرجل ليست كالشهوة عند المرأة!

ويفسرون ذلك بأن الرجل بطبيعة وظيفته يتميز بالشهوة الجامحة الجريئة، وهو كالصياد يبحث عن فريسة، وكلما ازدادًا اقترابًا منها زاد نشاط الهرمون فى المخ واشتعلت شهوته ورغبته, أما هي فدورها هو الاستسلام كالحصن المحاصَر. وكما يقول الباحث عثمان الخشت: الرجل يُعطى والمرأة تأخذ. وبتعبير آخر فالرجل هو الإبرة التى ترتمى وتنجذب بشدة إلى المغناطيس، أما المرأة فهى تكون ظاهريًّا في حالة سكون، بينما تلعب خفية دور المغناطيس الجنسى الدائم. انتهى(9). وقد تنشط وظيفة الجذب لدى المرأة حتى تصبح ثانى طبيعة فيها بعد الحنان والأمومة. والشهوة تقف عند المرأة عندما تصبح حاملاً، فلا تطلب الجماع لمجرد اللذة، بل تريد أمرًا ثابتًا ومستديمًا كالزواج، بينما الرجل يُفرغ خلاياه الجنسية لينشغل بأعمال أخرى فور انتهائه من الجماع. ونضرب مثالاً آخر بفترة الحمل إذ تصاب المرأة بتوترات شديدة فى الغدد الصَمَّاء بسبب زيادة إفراز هرمونات المشيمة والأستروجين والبروجسترون وزيادة كمية المياه فى الجسم، وهذه الهرمونات يشمل تأثيرها جسدَ المرأة كله وليس الرَّحِم والجنين فقط. ومثال ثالث هو آلام الحيض، وهى تتفاوت فى شدَّتها من امرأة لأخرى، ومنها آلام خفيفة تصاحب انقباضات الرَّحِم مع بدء الدورة الشهرية، وشعور بالتعب والضيق والتوتُّر والصداع عند البعض، واضطرابات الأكل والهضم والغثيان والقىء والإسهال ثم الإمساك فى نهاية نزول الدم، وعدم انتظام للنبض، وتورُّم الأوردة الدموية، وتوتُّر ضربات القلب , واحتقان الأغشية الأنفية، والآلام المفصلية، وتضخُّم الغدة الدرقية والحبال الصوتية، وفقد الجهاز الصوتى قدرته، وتلتهب العين قليلاً وتتوتر وظائفها، ويضيق مجال الرؤية، وتقل القدرة على تمييز الألوان، وتتضخَّم أنسجة الجسم العامة وتحتقن أو تنبسط وترتخي. انتهى(10).

ولا تقتصر الفروق على الشكل الخاص للأعضاء الجنسية والحوض ووجود رحم وحيض وحمل عند النساء فقط، بل يقرر العلماء من غير المسلمين – أن الإختلافات فى الخلايا والأنسجة أيضًا، وبسبب تلقيح الجسم كله بمواد كيميائية محددة تفرزها الغُدَد المختلفة. فالأنثى تختلف اختلافًا جذريًّا عن الذكر فى كل خلية من خلايا جسمها، وفى كل عضو من أعضائها، وفى كل شئ من جهازها العصبي. فعند الأنثى ملايين الخلايا فى الدم والعظام والجلد والشعر والمخ تقطع بالاختلاف الكامل بينها وبين خلايا الرجل فى كل ذرة من التكوين والصفات واختلاف الهرمونات أيضًا، وهذا كله يثبت صدق قوله - تعالي -: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران: 36].

وقد لاحظ العلماء الدور الهائل الذى تلعبه الهرمونات فى التفريق بين الذكر والأنثى، حتى قال بعضهم بحق: "لولا مفعول الهرمون الجنسى لولدت جميع الكائنات متساوية متَّحِدة الجنس"؛ أي: لزالت كل الفروق بين الذكور والإناث. ونص هؤلاء العلماء على أن سمات ومميزات المرأة تتباين وتختلف تمامًا عن سمات الرجل بسبب تأثير الهرمونات.

ومن الناحية النفسية والعقلية أثبت العلماء أن المشاعر العاطفية هى الصفة الغالبة على المرأة وتحكم اتجاهاتها الفكرية وسلوكها وردود أفعالها وميولها ورغباتها, بينما يغلب على الرجل التفكير المنطقى بصفة عامة، والأصل أنه لا تحكمه العواطف إلا نادرًا، وهو ما يمثل عدولاً مؤقتًا عن حالته الطبيعية.

 وتمتاز المرأة بصفات كثيرة ليست عند الرجل بذات القدر، مثل: سرعة الاستجابة للدوافع, والتأثر بالإيحاء، وسرعة التأثر العاطفي, والرغبة في التنويع والحساسية والمرونة، وسعيها لالتماس عون الرجل وحمايته، والرغبة في الخضوع والاستسلام، وسمة التقبُّلية، فهي القطب السالب فى الجماع، كما أنها تحب أن تكون محل الإعجاب من الناحية الوجدانية، والتقلب، وتتمتع بقدر كبير من الحَدَس والإلهام، وتتصف بالاحتواء والرعاية للأطفال, وأخيرًا أهم صفة على الإطلاق فى كل أنثى من الكائنات الحية وهى وظيفة الأمومة الخالدة. انتهى (11).

وإذا كان الرجل – حسب الأصل – توجد فيه عكس كل هذه الصفات الأنثوية، وخاصة تميُّزه بالتفكير المنطقي غير الخاضع للعواطف، وبطء الانفعال وقلة التأثير، والثبات النسبي للمزاج... إلخ. فإنه يصبح من المنطقى تمامًا أن يتولى هو إدارة دفَّة الأمور في سفينة الأسرة.

 فالعقل هو الذى يحكم العاطفة وليس العكس، وهو تكليف وليس بتشريف ومسؤوليات وأعباء كما ذكرنا. وحتى داخل الجسد البشرى الواحد، نجد أن المخ هو الذى يقود كل أعضاء الجسد بما فيها القلب، في إطار منظومة متكاملة يقوم كلُّ عضو فيها بواجبه الذى خلقه الله - تعالى - له، ولم يعترض القلب يومًا على رئاسة المخ، ولم تطالب العين يومًا بالمساواة الكاذبة بينها وبين العقل رغم أهمية دورها!!

 والخلاصة أن العلاقة بين الجنسين تكاملية وليست تنافسية ، يقود الذكر أنثاه ويحتضنها مع أولادهما ويرعاهم ويحميهم ويحنو عليهم ، وتلك هي قمة السعادة للأنثى الطبيعية العاقلة.

ونلاحظ أن خصوم القوامة يغفلون عن الإطار الذى أحاطها به الإسلام. فالأصل أن العلاقة الزوجية تقوم على سكون كل من الزوجين إلى الآخر والمودة – المحبة – والتراحم المتبادل، لقوله - تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]

 فإذا التزم الطرفان بهذا الأساس المتين للعلاقة من التألف والحب والعطف والرحمة المتبادلة فلن تبالى المرأة ولن يضرها إن كانت هى التى تمسك بدفة الأسرة أم زوجها ورجلها ووالد أطفالها. ولا يمكن إنكار أنه فى بعض الأحيان لا مفرَّ أمام القائد الحكيم من الحزم لضبط الأمور وتفادى أخطار ومشاكل لا يجدى فى حلها اللطف واللين والرقة.

وهو ما عبر عنه الشاعر بقوله :

ومن يكن حازمًا في أمره     فليقسُ حينًا على مَن يرحم

وكل علماء النفس التربوى يؤكدون أن الحنان والعطف الزائد الدائم يفسد الأطفال ، إذا هو فى حقيقته تدليل لن يُرَبَّى به رجال المستقبل ، ولا مفرَّ من الحزم والشدة فى بعض الحالات وبعض الأحيان وإلا أفلت زمام الأمور من يد الوالدين. وقد استخدم القرآن وصف الميثاق للعلاقة الزوجية لإثبات قداستها وعظم شأنها وكفالة إحترامها : {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].

وغنى عن البيان أنه تستحيل مشاركة الطرفين فى القوامة أو رئاسة الأسرة؛ لأن هذا سوف يخلق صراعًا دائمًا بين الزوجين يضرُّ أبلغ الضرر بأنفس الأطفال وينتهى غالبًا بالطلاق وخراب البيت.

وهو أمر مشاهد وملموس فى الكون كله. فلم يُوجد ملكان يتصارعان على الحكم إلا لحق الدمار الشامل بالبلاد، اللهم إلا إذا نجح أحدهما فى القضاء على غريمه مبكرًا، ولا يتواجد أسدان فى قفص واحد إلا مَزَّقَ أحدهما الآخر.

 والله - تعالى - يقول عن السماوات والأرض : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]. وفى آية أخرى : {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91], وهكذا فإنه لا يصلح الكون أبدًا إلا بوجود الإله الواحد - سبحانه وتعالى - وكذلك الحال فى كل المجتمعات على الأرض. والأسرة هي أصغر الوحدات الاجتماعية، ولا مفر إذًا من إسناد القيادة إلى الطرف الأقدر على تحمل أعبائها الثقيلة ومسئولياتها الخطيرة. وهناك سبب وجيه لإسناد القوامة إلى الرجل من الناحية التربوية . فالمشاهد في الواقع وما يؤكده علماء النفس والتربية أن الأطفال غالبا ما يطيعون الأب ، ولا يستمعون  إلى كلام الأم  . و بالتالي فمن المنطقي تماما  أن يكون الرجل هو القائد ، ومن العبث أن يتولى الأمور من لا يستجيب له أحد ، فلا رأى لمن لا يطاع

وقد توجد حالات نادرة تمسك فيها المرأة بزمام الأمور وتنجح فى حسن الإدارة، لكن تظل هذه الحالات هى مجرد الإستثناء الذى يقطع بتأكيد القاعدة العامة ولا ينفيها. وأخيراً فإننا بصدد تعاون وحب وعطف وتكامل وليس صراعاً بين وحوش مفترسة لا ينتهى إلا بهلاك الأعجل من الفريقين. فهو تكامل وظائف الليل مع النهار ،  أو السالب والموجب فى الذرة. وإن شئت فقل هما وجهان لعملة واحدة ولا تُنفق هذه العملة بدونهما معًا.


 

المـراجـع

1-    القاموس المحيط – الفيروزآبادى – طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت – ص 1152.

2-    مختار الصحاح – ص 557، 558.

3- الجامع لأحكام القرآن الكريم – القرطبى – الجزء الثالث - ص 1738-1739 – طبعة دار الريان للتراث – مصر.

4- المنتخب فى تفسير القرآن الكريم – تأليف لجنة من علماء الأزهر الشريف – ص 62 طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – مصر.

5-    المنتخب – المرجع السابق – ص 137.

6-    المزيد من التفاصيل حول حق الشورى فى فصل (ولاية المرأة) بهذه الدراسة.

7-    متى المسكين – المرأة حقوقها وواجباتها ص 65.

8- كتاب الزواج الأمثل Bono conjugah مشار إليه فى كتاب "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" - عباس محمود العقاد – ص131 – ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.

9- محمد عثمان الخشت – وليس الذكر كالأنثى – ص 34 وما بعدها – طبعة مكتبة القرآن – بولاق – القاهرة – مصر، وانظر المراجع المشار إليها عنده.

10- محمد عثمان الخشت – المرجع السابق – ص 43.

11- محمد عثمان الخشت – المرجع السابق – ص 53 وما بعدها، وانظر المراجع العربية والأجنبية التى ذكرها هناك.

 


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 القوامة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7