الأربعاء 23 ديسمبر 2009

أبغـض الحــلال

 يثير خصوم الإسلام أيضًا شبهة حول إباحة الإسلام للطلاق رغم آثاره الضارة وخاصة تأثيره السلبى على الأطفال. كما يزعمون أن الشريعة الإسلامية جعلت الطلاق بيد الرجل ولم تلتفت إلى إرادة المرأة أو رغبتها.

 وقبل أن نرد بالتفصيل على المزاعم الكاذبة نشير إلى أن أعلى معدلات للطلاق في العالم ليس فى الدول الإسلامية. إذ توضِّح الإحصاءات الرسمية فى الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً أن أكثر من 83 بالمائة من حالات الزواج هناك تنتهى بالطلاق خلال 5 سنوات على الأكثر من تاريخ إبرام عقد الزواج. فإذا أضفنا حالات الطلاق التى تقع بعد أكثر من 5 سنوات فإن الرقم يُظْهِر كارثة اجتماعية مروِّعة.

 وفى إنجلترا زادت معدلات الطلاق 23 ضعفًا خلال خمسين عامًا فقط!!

وفى المقابل نجد أن بلدًا عربيًا إسلاميًّا مثل ليبيا لم تتجاوز نسبة حالات الطلاق فيه خمسة بالمائة فقط من حالات الزواج فى العام 2008م. والفارق الهائل بين الأرقام هنا وهناك هو وحده دليل كافٍ على كذب مزاعم الخصوم.

 ولعل السبب فى رأينا هو أن المسلم يدرك جيدًا أن استمرار الزواج - رغم إباحة الطلاق - يظل أكرم وأشرف وأفضل من كل الوجوه لجميع الأطراف - خاصَّة الأطفال - كما استقر فى الوعى المسلم كراهية الطلاق تمامًا كالدواء المرير الذى لا يشربه المريض إلا فى حالات الضرورة القصوى , وبإرشاد الطبيب الذى لن ينصحه بتناوله إلا لعدم وجود أى حل آخر لتفادى تدهور صحته. 

 

ثورة تشريعية حول العالم

ولدينا دليل آخر قاطع على عظمة وحكمة ودقة تشريع الطلاق فى الإسلام، وهو أن كل دول العالم التى كانت تحظر الطلاق أو تضع قيودًا مشددة تحول دونه - رغم كراهية وعداء كلا الزوجين للآخر - اضطرت جميعها إلى إجراء تعديلات جذرية فى القوانين تسمح بالطلاق على أوسع نطاق ضاربة بكل الاعتراضات عرض الحائط. ومن الواضح أن القوم لم ينقلبوا على أنفسهم وقوانينهم القديمة من فراغ ، فقد اضطرتهم إلى ذلك الفوضى العارمة والجرائم المروِّعة التي نتجت عن حظر الطلاق  و استحالة التعايش السلمي بين أزواج الأمس أعداء اليوم!!

ومن المعلوم أن الطلاق مسموح به فى الديانة اليهودية كما يتضح من النص التالي: "إذا تزوج رجل بامرأة ولم تعد تجد حظوة عنده لعيب أنكره عليها , فعليه أن يكتب لها كتاب طلاق ويسلمه إلى يدها ويصرفها من بيته" (تثنية 24/1). وأقرَّ الإنجيل الطلاق فى حالة الزنا فقط. روى متى عن السيد المسيح: "من طلَّق امرأته لغير الزنى يجعلها تزني". إلاَّ أنه بحلول القرن الثاني عشر الميلادي كان الفكر المسيحى الخاص بمنع الطلاق قد استقرَّ في أوروبا, فلا طلاق مهما كانت الظروف، حتى لو كان الزوج مصابًا بمرض تناسلي أو فاقدًا للقدرة الجنسية أو بسبب القسوة. ويقول لورانس ستون فى كتابه "الطريق الطويل إلى الطلاق فى انجلترا"(1):

"في عام 1660 كان قد بدأ نمو الطبقة المتوسطة الاقتصادى والاجتماعى وفكرها الفردى مع البعد عن الالتزام بالدين ومجىء مُثُل جديدة, كل هذا حلَّ محل الفكر السابق فى أوروبا بتدريج اختلف من دولة إلى أخرى.

ففي إنجلترا استغرق الأمر قرنين من الزمان ليُسْمح بالطلاق بسبب الخيانة الزوجية عام 1857م , مع اعتبار خيانة الزوج أمرًا يمكن التغاضي عنه , ولكن ظل الطلاق يُمارس عمليًّا حتى القرن العشرين. وقبل عام 1857م كان هناك طرق لإنهاء الزواج فى إنجلترا منها طريقان قانونيان هما:

1- الحصول على فصل جسدى من الكنيسة بسبب الخيانة الزوجية أو القسوة التى تهدد الحياة مع عدم السماح بالزواج ثانية لأى طرف.

ويرى بعض الباحثين أن الفصل الجسدى لم تقرره الكنيسة فى مراحلها الأولى، وأنه ليس أكثر من ابتكار لبعض العُزَّاب بالكنيسة الغربية فى العهود الوسطى الباكرة، ويصفه البعض بأنه أقبح أنواع العقاب فهو يترك الناس معلقين بين السماء والأرض فلا هم بمتزوجين أو غير متزوجين.

وهذا الفصل الجسدى الذى كان يمارس فى بعض دول أوروبا إلى عهد قريب لا يمكن وصفه إلا بأنه تصريح بالفجور لكلا الطرفين  ، و إلا فما العمل مع طاقة جنسية تخبو لتفور؟

2- الحصول على الطلاق بسبب خيانة الزوجة بتصريح من البرلمان فى الفترة من 1690 إلى 1857م مع السماح بالزواج ثانية ، وهذا النوع من الطلاق لم يكن متاحًا إلا لقلة من كبار الأغنياء ، كما زادت أهمية الخدم كشهود على الفضائح.

أما الطرق الثلاثة غير القانونية فهي:

( أ ) الاتفاق الودي على الانفصال - عادة من طريق وسيط - مع عمل ترتيبات مالية وخاصة تقرير نفقة للزوجة، لكن الكنيسة لم تكن تعترف بهذا النوع من إنهاء الزواج, فقد كان ممكنًا لأى طرف الرجوع فيه وخاصة الزوج للتخلص من عبء النفقة.

(ب) سلوك غير الأثرياء قد يكون هجر البيت وعدم العودة نهائيًّا وبدء حياة جديدة فى مكان بعيد مع زوجة جديدة أو عشيقة, أو أن تهرب الزوجة مع عشيقها متخلية عن بيتها.

(جـ) وقد يحاول الزوج معاملة الزوجة بطريقة تدفعها إلى الجنون أو الانتحار وخاصة إذا كان لديها بعض الممتلكات. كما كان يمكن للزوج أن يُمسك الزوجة بالقوة الجبرية. وقد يجد الزوج الحل فى طرد الزوجة خارج المنزل وإحضار عشيقته لتحل محلها, ويقوم بالصرف عليها من أموال الزوجة. أما مصير الأطفال فى حالة الانفصال فقد كان القانون يعطى الأب كامل الهيمنة عليهم فى كل شيء حتى لو كان سبب الحكم بالانفصال هو القسوة المفرطة!!

 وكان يمكنه أن يحرمهم من أمور كثيرة , كما كان يمكنه أن يحرم أمهم من رؤيتهم بل حتى من مجرد الكتابة إليهم ، مما كان يدعو الأمهات إلى تحمل ما لا يمكن تحمله فى سبيل البقاء إلى جانب أطفالهن. والعجيب أن يظل هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين عندما وُضِعت مصلحة الصغير فوق كل شيء اعتمادًا على الشخصية والظروف.

وفي عام 1923 صدر تعديل يسمح للزوجة بطلب الطلاق لخيانة الزوج ولو لمرة واحدة. وأصبح ممكنًا للزوج الذي يرغب في الانفصال عن زوجته أن يقيم ليلة بفندق مع امرأة أخرى مسجلاًّ ذلك في فاتورة الفندق, أو أن يُصَوَّر نفسه فى وضع مخل مع عاهرة ويرسل بالصورة إلى زوجته. وفى عام 1937 صدر قانون جديد للطلاق يرعى الأطفال ويرفع الحرج عن كثير من الزيجات البائسة, كما أتاح للفقير أن يُطَلَّق مما أدى إلى قفزة كبيرة فى حالات الطلاق. وقد استحدث القانون فى عام 1938إجراءات لمحاولة الصلح خارج وداخل المحكمة (وهو ما أمر به القرآن منذ أربعة عشر قرنًا كما سنوضح بعد قليل). وبعد عام 1938 أصبح أيضًا لا يحق لطرف عدم الاستجابة للرغبات الجنسية للطرف الآخر طالما لم تكن شاذة أو غير معقولة ، وهو ما سبق إليه الإسلام أيضا بحديث شريف ينهى المرأة عن عدم الاستجابة لزوجها إن دعاها إلى الفراش والحكم ينطبق أيضا على الرجل كما سيأتي .  كذلك عليه ألا يستخدم وسيلة لمنع الحمل دون موافقة الطرف الآخر(2). وعندما اشتعلت الثورة الجنسية فى الغرب فى النصف الثانى من القرن العشرين, وزادت الزيجات الشبابية المتسرِّعة, وأمكن علاج الأمراض التناسلية المعدية, وعُرفت وسائل منع الحمل المتطورة سادت المجتمع قِيَم جديدة استوجبت قانونًا جديدًا للطلاق بمفهوم جديد سرى فى المجتمعات الغربية بسرعة هو "No Fault Divorce" أى الطلاق بدون خطأ يُنْشَر على الملأ (وهوالمفهوم الإسلامي للطلاق فليس هناك طلاق بدون سبب). وبهذا المفهوم صدر فى إنجلترا قانون جديد للطلاق عام 1971أتاح ما يسمى بثورة الطلاق، وقُدِّر وقتها أن هذا سيسمح بآلاف الزيجات بين الذين يتعاشرون بدون زواج, كما سيمنح الشرعية لمائتى ألف طفل غير شرعى. وبالنسبة إلى الخطبة فقد فقدت أهميتها؛ حيث كان ممكنا في الماضي إجبار الخطيب على استكمال الزواج إلا إذا استطاع إثبات حقه فى الفصم بإعلان فضيحة للأنثى(3). أما في بقية أوروبا- طبقًا لكتاب "قوانين الزواج والطلاق فى أوروبا" الذى صدر عام 1893 (4)- فالقاعدة كانت هي عدم الطلاق.

 ففي إيطاليا كان الطلاق ممنوعًا ولكن يُسمح بالفصل الجسدى فى حالة خيانة الزوجة. ولابد من أسباب إضافية مثل القسوة وسوء المعاملة.

 وفى أسبانيا الكاثوليكية يتم الزواج أمام مختص بشهادة بالغين والزواج ممكن بالتوكيل (لاحظ مدى التأثر بالشريعة الإسلامية).

 وفى ألمانيا البروتستانتية سُمح بالطلاق فى القرن السادس عشر لسوء المعاملة والإهانة الكبرى أو عقوبة لجريمة مُخلة بالشرف. ولكن الفئات الكاثوليكية كانت تحكم بالفصل الجسدى. وقد أدى هذا الازدواج إلى اتساع نطاق الزواج المدني عام 1879 ليشمل كل أنحاء ألمانيا. ولا يسمح بزواج الأرملة قبل مُضِىِّ عشرة شهور، وهذا أول توجه أوروبى إلى ما يشبه فترة العدة الإسلامية، فالديانة المسيحية الكاثوليكية أو البروتستانتية لم تكن تشترط فترة عِدَّة بعد الانفصال أو وفاة الزوج. ويمكن للزوج أن يطلب الطلاق إذا رفضت الزوجة أن تتبع زوجها إذا انتقل إلى مكان آخر . كما تميزت ألمانيا بأحقية الولى فى طلب الفصل بين الزوجين لعدم التكافؤ. (لاحظ هنا التأثر أيضًا بالشريعة الغَرَّاء).

 وفى فرنسا كان الطلاق مُمكِنًا فقط في حالة الخيانة. وفى كتاب "السلوكيات الجنسية فى فرنسا خلال فترة ما بين 1780و1980" يربط المؤلف كوبلاى بين منع الطلاق وأحكام الفصل الجسدى والإجبار على حياة بدون زواج وبين انتشار الشذوذ الجنسى الذى يضمن عدم الإنجاب، وعُرفت ممارسة اللواط والسحاق بواسطة شخصيات مرموقة فى المجتمع الفرنسي!! (5). ويرى كوبلاى أن الزواج الذى يُوصف بأنه مثالى حيث يعتمد على الارتباط الجنسى بشخص واحد طوال الحياة كان على حساب صمام الأمن الذى هو الطلاق مما قد يؤدى إلى توتر لا يمكن علاجه، وأن الفكر التقليدى المسيحى - فى الحقيقة - قد قلل من قيمة الزواج وأعطى قيمة كبرى للزهد الجنسى. وفى تعاليم بولس أن الزواج أفضل من الزنا لتفريغ الطاقة الجنسية, وأنه أفضل سلوك تال للعزوبية، وقد حرمت فرنسا نفسها من المرونة التى تمتعت بها بعض المجتمعات البروتستانتية، والقيود التى وضعت للحصول على الطلاق أدت إلى زيجات بائسة. واضطرت الكنيسة إلى الالتفاف حول موضوع الطلاق بابتكار إلغاء الزواج رغم مضى سنوات عليه وإنجاب أطفال يتحولون إلى أطفال غير شرعيين مثلما كان يحدث عندما يتزوج الرجل لاختفاء زوجته الأولى سبع سنين ثم ظهورها ثانية حيث كان يحكم بإلغاء الزواج الثانى. وقد جاءت الثورة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر بأفكار جديدة عن أهمية سعادة الفرد، وكان لابد من النظر إلى الزواج كعقد بين فردين وليس إجراءً كنسيًا، ومن هنا بدأ الزواج المدنى مع السماح بالطلاق من منطلق الحرية الذى لا حيدة عنه. وقد صدر قانون الطلاق الفرنسى الأول عام 1792م ومن دواعيه:

الجنون أو عقوبة طويلة المدة أو مخلة بالشرف أو المعاملة القاسية أو الهجر أو الغياب لأكثر من خمس سنوات. والعجيب أن هذه القائمة لم تشمل الخيانة الزوجية!!. إلا أن القانون احتوى على نوعين آخرين من الطلاق: أولهما: الطلاق الذي يتم بالإتفاق. وثانيهما: عدم توافق المزاج حتى لو كان من جهة واحدة.

وهذا النوع من الطلاق - كما جاء فى كتاب كوبلاى - يماثل إدخال النظام الإسلامى للتفريق بين الزوجين.

وقد صدر هذا القانون دون الإشارة إلى عقوبات ممارسة اللواط السابقة مما يوحى ببداية السماح بالشذوذ الجنسي. وقد ارتفع معدل طلبات الطلاق بشدة بعد صدور القانون، إلا أن المحاكم وقطاعات كبيرة من الشعب لم تُفضّل العمل به ، ودارت مناقشات كبيرة أدت فى عام 1816 إلى العودة إلى نظام الفصل الجسدى. وكما يقول كوبلاى فإن هذا أدى إلى انتشار الخيانة الزوجية وإقامة البيوت الثانية وانتشرت الدعارة والشذوذ الجنسى وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين. وفى عام 1905 قننت شرعية أبناء الخيانة. وفى عام 1907 سمح بزواج المحكوم لهم بالانفصال بعد عشرة شهور، وهذا ثانى تحديد أوروبى بعد ألمانيا لفترة لابد أن تنقضى قبل الزواج ثانية (نظام العدة). وفى عام 1922 سمح بزواج مَن يحملن بعد الانفصال مباشرة. وفى عام 1937 وُسِّعت دواعى الطلاق لتشمل خيانة الزوج والزوجة أو الهجر لثلاث سنوات أو القسوة أو الجنون. ورغم أنه كان قد تمَّ الفصل بين الدولة والكنيسة منذ زمن، ورغم تزايد الشعور بعد الحرب العالمية الثانية بأن الطلاق هو فى مصلحة المجتمع مثلما هو فى مصلحة الفرد, إلا أن الأمل فى الحصول على قانون حقيقى للطلاق فى فرنسا ظل بعيدًا عن التحقيق حتى عام 1975 عندما صدر القانون المطلوب, والذي وصفه أحدهم بأنه قانون للطلاق حسب الطلب: (Divocrce a, la cart) رغم اعتباره قانونًا خجولاً حيث يمكن إطالة القضية حتى سنتين.

 وفى إيطاليا - معقل الكاثوليكية - كانت محاولات المصلحين لتقنين الطلاق بتشجيع من الحكومة تنتهي بالفشل حتى أصدر البرلمان فى عام 1973 قانونًا يسمح بالطلاق المدنى. وفى الاتحاد السوفيتى السابق حيث ينتشر المذهب الأرثوذكسى أصبحت المحاكم اعتبارًا من 1966 م  تمنح الطلاق عندما تفشل كل وسائل الصلح تماما  كما يرى الإسلام!! .

 ومن الولايات المتحدة الأمريكية يقول جيرالد ليسلى فى كتابه "الزواج فى عالم متغير"(7) أن كل ولاية من الولايات الخمسين لها قانونها الخاص بالطلاق، و تتفاوت القوانين هناك من المنع شبه الكامل إلى الإباحة الواسعة. وتكلفة الطلاق فى عمومها عالية بالولايات المتحدة مما أقعد الكثيرين عن طلبه و اضطرهم إلى السكوت عما لا يُسكت عليه, كما أقعدت الكثيرين عن الزواج الشرعى. ولم يُوحَّد بين الولايات الخمسين إلا تغيير المفاهيم عن الطلاق فى المجتمع, فأصبح يُنظر إليه كشرٍّ لابد منه، وأصبحت الحركة نحوNo Fault divorce" " هي السائدة. وقد بدأتها ولاية كاليفورنيا عام 1969 بفكرة أن الزواج يجب أن يُفْصَم عندما تستحيل إعادة الحياة إليه. ومنذ عام 1970 توالت قوانين الطلاق بهذا المفهوم فى الولايات المختلفة فيما يشبه الثورة. وبالنسبة لحضانة الأطفال يُفضل أن يكونوا في حضانة الأم قبل البلوغ - كما قرر الإسلام - و بعد البلوغ ترى بعض المحاكم أن يكون الولد فى رعاية الأب خاصة إذا طلب الولد ذلك.

 أما في الهند فإن الديانة الهندوكية الأصلية كانت ترى أن الزواج علاقة مقدسة غير قابلة للانفصام لا فى الدنيا ولا بالموت!! ولا يمكن للزوجة أن تطلب الطلاق حتى لو كان الزوج مجنونًا أو عاجزًا جنسيًّا أو مُصابًا بالجذام أو هاجرًا أو مصابًا بالأمراض التناسلية أو مخصيًّا!!، ولا يمكن للزوج أيضًا من ناحيته أن يطلب طلاقًا، ولكنه كان يستطيع أن يتقدم بطلب زواج آخر لمرات تبعًا لمقدرته. وحتى قبل عام 1955 عندما صدر القانون الجديد للزواج الهندوكى كان مسموحًا للرجل بعدد غير محدود من الزوجات. ويمكن للزوج أن يتخلص من زوجته لأسباب عديدة , ولكن الزوجة المطرودة تظل علاقتها الزوجية قائمة ولا يمكنها الزواج ثانية حتى لو توفى زوجها!! بل أن الأرملة التى يتوفى عنها زوجها لا يمكن لها الزواج حتى لو ترملت وهى فى سنوات شبابها الأولى ، وتظل طرفًا شبه منبوذ فى الأسرة طيلة حياتها أو تتجه إلى ممارسة الدعارة. و هذا المستقبل المظلم دفع بعض الزوجات إلى المطالبة بأن يُدْفَن أو يُحْرَقن أحياء مع أزواجهن، واعتبر هذا فى الفكر الهندوكى قمة الإخلاص الزوجى!! ولم يتوقف هذا إلا فى منتصف القرن التاسع عشر بقانون أصدرته حكومة الاحتلال البريطانية (8). ولما كانت الهند على علاقة وثيقة بالإسلام على مدى التاريخ فإنه فى منتصف القرن التاسع عشر بدأت الحركة لتغيير ذلك الوضع. وفى عام 1964م صدر القانون الذى يسمح لأى الطرفين بطلب الطلاق مع تقرير مرتب مدى الحياة للطرف الضعيف ، حيث ما زالت فرصة زواج المُطَلَّقة نادرة.

وفى الصين أصبح ممكنًا في عام 1930م أن يتفق الطرفان على الطلاق كتابة بوجود شاهدين. وفى عام 1949م أصبح ذلك مسموحًا به فى المحكمة. وفى عام 1964م أتاحت الثورة لأى من الطرفين حق طلب إنهاء الزواج.

 وفى اليابان صدر قانون الحقوق المدنية عام 1947م ليسمح بالطلاق باتفاق الطرفين وطلب الانفصال بسبب الخيانة أو الهجر(9).

وسائل مكافحة الطلاق

تسعى الشريعة الإسلامية إلى الحفاظ على تماسك وبقاء الأسرة بكل السبل الممكنة. لكنها فى ذات الوقت - مثلها مثل أى تشريع آخر- لا تستطيع إجبار شخصين على العيش معًا إذا استحكم بينهما العداء والنفور على نحو يستحيل معه دوام العشرة الطيبة.

بل إن محاولة فرض استمرار علاقة زوجية على مَن لا يرغبها هو فى الواقع إهدار لحقوق الإنسان ومصادرة لحريته. ولهذا أباح الإسلام الطلاق أو الخلع للضرورة القصوى كحلًّ أخير عندما تفشل كل الوسائل فى إقناع الزوجين بالعدول عن قرار الإنفصال. ومن هذه الوسائل التى يضعها القرآن الكريم تبشير الرجال بالخير الكثير والبركات فى الاحتفاظ بالزوجات حتى ولو لم يعد الزوج يحب زوجته. قال الله – تعالى -: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] قال أصحاب "المنتخب" في تفسير الآية: "عليكم أيها المؤمنون أن تحسنوا عشرة نسائكم قولاً وعملاً، فإن كرهتموهن لعيب فى الخُلُق أو غير ذلك فاصبروا ولا تتعجلوا فراقهن، فعسى أن يجعل الله فى المكروه لكم خيرًا كثيرًا وعلم الأمور كلها عند الله" انتهى (10). وقال الشوكانى: "وَعاشروهن بالمعروف في هذه الشريعة وأهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لِمَا هو أعم، فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتَبَدلها بالمحبة، فيكون فى ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد، أي: فإن كرهتموهن فاصبروا" انتهى. (11) وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - تفسيرًا للآية: "ربما رزقه الله منها ولدًا فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" انتهى (12).

 ويلاحظ كاتب هذه السطور أن المولى - سبحانه وتعالى - استخدم لفظ "فعسى" ، وكما قال الشيخ الشعراوى وغيره من علماء التفسير - رضي الله عنهم - فإن "عسى" من الله تفيد التحقيق ولزوم الحدوث، وعلى هذا يكون المعنى أن الله - تعالى - سيجعل - حتمًا - خيرًا كثيرًا فيما تكرهونه من زوجات أو أولاد وغير ذلك، والله يعلم ما لا نعلم. وفى ذات معنى الآية يقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَفْرك مؤمن مؤمنة إن سَخط منها خُلقًا رضي منها آخر" , وفى رواية "رضى منها غيره" رواه مسلم وأحمد بن حنبل. والمعنى الواضح أن كل زوجة - مثل أى إنسان - فيها مزايا ولها عيوب، فلا يكره الرجل زوجته لعيب فيها طالما أنها مؤمنة ، وليبحث فى مزاياها فسوف يجد فيها من الصفات الحسنة ما يرضيه ويقنعه بالاحتفاظ بها وعدم تطليقها.

التحكيـم

وقد ابتكر الإسلام نظامًا اجتماعيا بالغ الحكمة والتأثير فى الحد من حالات الطلاق وحصرها فى أضيق نطاق ممكن. قال الله – تعالى -: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}الآية 35 من سورة النساء.

ونرى هنا أمرًا إلهيًّا للمجتمع الإسلامي بالتدخُّل في حالة حدوث نزاع ومشاكل بين الزوجين، لمحاولة حل الخلافات والإصلاح - تحقيق الصلح - بينهما قبل أن يزداد الوضع سوءًا وينتهى بهما إلى الطلاق. ونلاحظ هنا أن الله – تعالى - أمر بندب حكم من أهلها مثلما أمر بندب حكم من أهله حتى لا يزعم أحد أن هناك ظلمًا لها، والله  تعالى  هو ربها أيضًا وليس ربه وحده.

ويشترط فى الحكمين أن يكونا من أهل الصلاح والتقوى والخبرة, وأن يقصد كلاهما الإصلاح بنية صادقة حتى يوفقهما الله في سعيهما للصلح, وأن يجتهدا لمعرفة المخطئ منهما ورَدِّه إلى صوابه. ونلاحظ هنا الحكمة البالغة فى اشتراط كون الحكمين من أهل الزوجين؛ لأنهما في هذه الحالة أدرى بهما, كما أنهما سيحرصان على مصالحهما ومصالح أطفالهما, وسوف يحافظان على سرية ما قد يَطَّلعان عليه من أمور حَسَّاسة لا يجوز مطلقًا إفشاءها حرصًا على سمعة العائلة ومستقبل الأطفال. ولذات السبب حدَّد ربنا حكمًا واحدًا من هنا وآخر من هناك, ولم يَقُل جماعة كبيرة من الحُكَّام حتى لا تُفشى أسرار البيوت, ولتقليل احتمالات الخلاف بين الحُكَّام أنفسهم. وغالبًا ما تنجح جهود الحكمين إذا صدقت النية فى الإصلاح, وامتثل المخطئ من الزوجين, وأذعن للحق، واستمع الجميع إلى نداء الحكمة والإصلاح الذى يحرص عليه الإسلام كل الحرص.

فإذا بذل الحكمان أقصى ما فى وسعهما بإخلاص وتجرُّد لوجه الله, وفشلت كل محاولات التوفيق والإصلاح بين الزوجين, فإن هذا يعنى شدة الخلافات والنفور. والشقاق معناه: أن يأخذ كل منهما شقًا أى مكانًا بخلاف مكان صاحبه كناية عن التباعد والنفور. وفى مثل هذه الحالة لا مفرَّ من الانفصال بأقل الخسائر. ولا يقولنَّ متنطعٌ أنه يجب إجبارهما على العيش معًا, فإن الملايين من جرائم القتل والخيانة الزوجية والسرقات وإحداث العاهات المستديمة تقع فى الغرب إذا تأخر الطلاق أو تم منعه بقوة القانون, ومن لم يقنع بما نقول فليُعد قراءة هذا الفصل من أوله.

وهناك حديث آخر يُنَفِّر الناس من الطلاق ويحاول صرفهم عنه ما أمكن إلا فى حالات الضرورة القصوى التى تفرضه. قال صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم ورجّح أبو حاتم أنه مرسل. فإذا أخبر الحديث أن الله يُبغض – يكره بشدة – هذا الطلاق, فإن هذا يعنى الحث على كراهية العباد للطلاق بدورهم, فلن يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا إلا بأن يحب ما يحبه الله ورسوله, ويكره ما يكرهه ربه - تعالى - وإن كان مباحًا للضرورات. يقول الصنعانى: "والحديث فيه دليل على أن فى الحلال أشياء مبغوضة إلى الله – تعالى - وأن أبغضها الطلاق, فيكون مجازًا عن كونه لا ثواب فيه ولا قُربة فى فعله... والحديث دليل على أنه يحسن تجنب إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة – أي بديلاً – والطلاق المكروه هو الواقع بغير سبب مع استقامة الحال, وهذا هو القسم المبغوض مع حله". انتهى (13)

ونلاحظ هنا استخدام لفظ "أبغض" الذى هو أشد أنواع الكراهية للتنفير من الطلاق الذى هو خراب حقيقى للبيوت. بل إن الطلاق يكون حرامًا فى حالات أخرى وليس مكروهًا فقط. فالحرام هو الطلاق البدعى - أي: المخالف للسُنَّة - مثل تطليق الزوجة أثناء فترة الحيض أو فى طُهر يكون قد جامعها فيه, وكذلك النطق بلفظ الطلاق ثلاثًا مرة واحدة. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنه إذا طلََّق الرجل زوجته أثناء الحيض أو فى طُهر جامعها فيه فإن هذا الطلاق لا يقع (14). وذهب آخرون إلى وقوع الطلاق البدعى أي المخالف لهديه - صلى الله عليه وسلم – ولا يخفى ما في الرأي الأول من محافظة على كيان الأسرة من الانهيار بسبب تسرع الزوج أو انفعاله الشديد الذى قد يدفعه إلى تطليق زوجته فى فترة الحيض. وأغلب النساء يعانين من توتر نفسى وعصبى شديد خلال فترة حيضهن, وبالتالي تكون سريعة الغضب والانفعال, فترد على زوجها بحدّة أثناء أية مناقشة بينهما – ولأتفه الأسباب - فتكون حدَّة ردها عليه – بسبب توتر الحيض – سببًا فى تسرعه بالنطق بلفظ الطلاق, ثم يندم كلاهما بعد أن يعود إليهما الهدوء والسكينة, وخاصة إن كان لهما أطفال صغار!! لهذا نرى أن الرأى القائل بعدم وقوع الطلاق البدعى المخالف للسُنَّة هو رأىٌ وجيه له أهمية بالغة فى الحفاظ على استمرار ومستقبل الأسرة من الانهيار فى وقت يكون فيه الزوجان فى حالة غير طبيعية بسبب حيض الزوجة كما أوضحنا. وهو رأى أئمة كبار مثل ابن تيمية وابن القيم والصنعانى ومحمد بن إبراهيم الوزير وغيرهم رضى الله عن علمائنا جميعًا وجزاهم عنا وعن الإسلام كل الخير.

والحديث المتفق عليه – عند البخارى ومسلم – أن ابن عمر - رضي الله عنهما - طلَّق امرأته وهى حائض فى عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له - عليه السلام -: "مُرْه فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء أمسك بعد, وإن شاء طلق قبل أن يمس, فتلك العدَّة التي أمر الله عز وجل أن تُطلق لها النساء", وفى رواية لمسلم: "مُره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً". ونلاحظ هنا رحمة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمة ورغبة الإسلام فى إعطاء الطرفين وقتًا أطول لإعادة التفكير والتأني والتمهل قبل اتخاذ قرار الانفصال الخطير.

فقد ألغى عليه السلام ما فعله الزوج من تطليق زوجته أثناء فترة حيضها, وأمره أن يراجعها ويتمسك بها إلى أن تنتهى الحيضة ثم تطهر – وذلك يستغرق عادة بضعة أيام, وقد تطول فترة الحيض عند بعض النساء إلى أسبوعين, وهى فترة كافية لزوال غضب الزوج وانفعاله الشديد الذى تسبب فى إقدامه على الطلاق.

وكثيرًا ما يندم الأزواج بعد النطق بكلمة الطلاق, كما تندم زوجات كثيرات إن طلبن الطلاق, أو طلقت نفسها هى إن كانت العصمة بيدها, فهنا يمهل الإسلام كلاهما فترة أطول لإعادة النظر فى هذا القرار الخطير بعد أن تهدأ النفوس, ويأخذ كلاهما وقتًا أطول للتفكير الهادئ المتروي في الأمر. فإذا انتظرا انتهاء الحيض وبدء فترة الطهر من الدم, فإن على الزوج ألا يجامعها فى ذلك الطهر وإلا كان عليه انتظار حيضة جديدة ثم طهر جديد لا يجامعها فيه للتطليق... وكون الزوجة عنده ومعه فى بيته يصعب معه عليه الصبر على عدم جماعها, وهذا قد يجعله غالبًا يعدل عن الطلاق, وكذلك الزوجة إذ تراجع نفسها وتندم على أية تصرفات من جانبها تكون قد أغضبت الزوج ودفعته إلى التفكير فى الطلاق. فإذا لم يفلح كل ذلك فى إعادة المياه إلى مجاريها, فلا خير للمرأة فى استمرار العلاقة مع زوج لديه هذا التصميم على فراقها, ولعل الله أن يُبدلها مَن هو خير لها منه, ويُبدله خيرًا منها, لقوله – تعالى -: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].

ولذات السبب نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق ثلاث مرات بلفظ واحد فى مجلس واحد؛ لأنه يخالف ما نص عليه القرآن وجاءت به السُّنة وهو إيقاع الطلاق مرة ثم تنقضى فترة العدَّة ثم يراجعها فى فترة العدَّة أو بعقد ومهر جديدين بعدها, ثم إن طلق مرة ثانية تنتظر فترة عدة جديدة يمكنه أن يراجعها خلالها, فإن لم يراجع خلال العدَّة فلا مفر من عقد جديد ومهر جديد, فأن طلقها الثالثة لا تحل له إلا إذا تزوجت من آخر – بعد انتهاء العدَّة – ثم يُطلقها الآخر بعد أن يجامعها فعليًّا وبشرط ألا يكون زواج الثانى بها ثم تطليقها لمجرد إعطاء الزوج السابق الفرصة لاستعادتها، فهذا حرام وتحايل على الشريعة الغَرَّاء, وسمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتيس المستعار.

قال الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229], قال الإمام النسفى فى تفسيره للآية: "الطلاق بمعنى التطليق أي: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة... وأضاف: هو دليل لنا فى أن الجمع بين الطلقتين والثلاث فى طهر واحد بدعة؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق (15).

وقال الشوكانى وغيره من المفسرين: "إنما قال - سبحانه -: "مرتان" ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغى أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة, ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين, أما إيقاع الثالثة التى تبين بها الزوجة – بينونة كبرى فلا تحل له إلا بالزواج من آخر ثم طلاقها منه بدون تحايل – وإما الإمساك لها واستدامة نكاحها بالمعروف أي: بما هو معروف عند الناس من حُسن العشرة, أو "تسريح بإحسان" بإيقاع طلقة ثالثة عليها بدون إضرار لها". أي بإعطائها كافة حقوقها وعدم الإساءة إليها فى حالة الانفصال. ونلاحظ هنا الحكمة فى إعطاء الزوج الفرصة تلوَ الأخرى لمراجعة نفسه والتفكير بهدوء فى مسألة الطلاق ومستقبل الأسرة لعله يراجع زوجته ويحتفظ بها.

وفرض فترة العدة يستهدف - فضلا عن التأكد من عدم وجود حمل - إعطاء الزوجين فرصة لإعادة النظر في الأمر واحتواء الخلافات. وذكر الشوكانى أيضًا أن رأى الجمهور أن طلاق الثلاث دفعة واحدة يقع ثلاثًا، لكنه – أى: الشوكانى – رَجَّح الرأى الآخر الذى أكد أن طلاق الثلاث يقع واحدة فقط.. (16).

 وقال مؤلفو المنتخب فى التفسير: "الطلاق مرتان يكون للزوج بعد كل واحدة منها الحق فى أن يمسك زوجته بمراجعتها خلال فترة العدة أو إعادتها إلى عصمته بعقد جديد إن انتهت العدة, وفى هذه الحالة يجب أن يكون قصده الإمساك بالعدل والمعاملة بالحسنى, أو أن يُنهى الحياة الزوجية مع المعاملة الحسنة وإكرامها من غير مجافاة" انتهى (17).

وقد أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا, فغضب - صلى الله عليه وسلم - وقال مستنكرًا: "أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!"؛ أخرجه النسائي من حديث بن لبيد. و "كان عمر - رضي الله عنه - إذا أُوتى برجل طَلَّق ثلاثًا أوجعه ضربًا" رواه ابن أبى شيبة فى الطلاق. وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة – أي: يُحسب طلقة واحدة فقط – فقال عمر: "إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم", أي: حسبه عليهم ثلاث طلقات وليست واحدة كما كان الحال من قبل. وقد روى أبو داود أن أبا رُكانة طلق أم رُكانة فى مجلس واحد ثلاثًا فحزن عليها. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنها واحدة". وفى رواية أخرى أنه - عليه السلام - أمره أن يراجعها, وفى رواية ثالثة عند أبى داود أن أبا ركانة طلق امرأته سهيمة البتَّة – أي ثلاثًا ونهائيًّا, فقال للنبي - عليه السلام -: والله ما أردت بها إلا واحدة – تطليقة واحدة – فردَّها إليه النبى - صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلف العلماء كما ذكرنا, وحكى الصنعانى فى "سبل السلام" آراء الجميع ومنها: أن طلاق الثلاث فى مجلس واحد لا يقع به شيء؛ لأنه بدعة لا يعتد بها, والرأي الثاني: يقع به طلاق الثلاث (وهو رأى مخالف لما رويناه من حديث أبى رُكانة وحديث النسائى), والرأي الثالث: أنه يقع به طلقة واحدة رجعية وهذا مطابق للحديثين المذكورين, والرأي الرابع: يُفرق بين المدخول بها وغيرها. انتهى (18). والرأيان الأول والثالث أصلح للحفاظ على الأسرة وإتاحة الفرصة للمراجعة.

تحريم الإيلاء والظهار

ومَن يراجع أحكام الإيلاء والظهار فى الإسلام يلمس بوضوح أن تحريمهما جاء لحماية المرأة من الإضرار بها, وإتاحة الفرصة للاستمرار فى الحياة الزوجية لمصلحة الطرفين وأطفالهما أيضًا.

فقد حرَّم الإسلام الإيلاء وهو أن يحلف الرجل ألا يجامع زوجته فترة من الزمن أو طوال عمره. ومن الواضح أن هذا الحلف أو اليمين فيه إضرار بالغ بالزوجة التى لها عليه حق تلبية غرائزها بالطريق المشروع وهو الجماع – ممارسة الجنس بين الزوجين – كما أن هذا الإيلاء أو الحلف يُهدر غاية أساسية من غايات الزواج وهى إنجاب ذرية صالحة لعمارة الأرض؛ لأنه لن يحدث حمل بدون معاشرة زوجية. ولهذا حرَّمه الإسلام وأمر الزوج بمجامعة زوجته والتكفير عن يمينه الباطل. قال الله – تعالى -: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226- 227].

فإذا حلف الزوج وامتنع عن مجامعة – وطء – زوجته يعطيه الإسلام مهلة – فترة أربعة أشهر - فإن عاد إلى صوابه وجامَع امرأته قبل انقضاء المدة المذكورة فإن الله يغفر له ما مضى وعليه كفَّارة اليمين. أما لو أصرَّ الزوج على ترك مباشرة الزوجة طوال الأشهر الأربعة فإنه يُؤمَر بعد انقضائها بالرجوع إلى الجماع وإعطائها حقها الشرعى فى الوطء ليعفَّها عن الحرام, وإلا فإن عليه أن يطلِّقها إن أصرَّ على هجرها فى الفراش أكثر من أربعة أشهر. فإن رفض الجماع ورفض أيضًا التطليق, فإنه يجوز للمرأة رفع الأمر إلى القضاء, وفى هذه الحالة يحكم القاضى بالطلاق رغمًا عن الرجل لرفع الضرر عن المرأة وتخليصها من زواج لا يحقق لها رغباتها المشروعة فى الجماع والعفة والإنجاب. روى الإمام البخارى عن ابن عمر وبضعة عشر صحابيًّا من كبار الصحابة أن حكم الإيلاء هو: "إذا مضت أربعة أشهر (على حلف الزوج) فهو مُوَلٍ – أى حالف على عدم جماع الزوجة – يُوقَف حتى يُطلِّق – إن لم يعد إلى جماعها – ولا يقع عليه الطلاق حتى يُطلِّق". وقال سليمان بن يسار: "أدركت بضعة عشر صحابيًّا كلهم يُوقفون المولى -يعطونه مهلة أربعة أشهر- يُطلق بعدها إن لم يعاشر – يجامع – زوجته" أخرجه الدارقطنى والبيهقى. وقد ألحق الفقهاء بالمُولِّى فى هذا الحكم مَن ترك جماع – وطء – زوجته إضرارًا بها بلا يمين أكثر من أربعة أشهر بغير عذر, وكذلك من ظاهر من زوجته ولم يُكَفِّر عن يمين الظهار – قوله لها: أنت علىَّ مثل ظهر أمى – لأن كلا من هذين تارك لوطء – مجامعة – زوجته إضرارًا بها فأشبها المولى (19). فإذا مضت أربعة أشهر بلا جماع يُؤمر بالتطليق إن لم يعد إليها وإلا طَلَّقَها القاضي رغما عنه.

ولذات الحكمة حرَّم الإسلام الظهار وأوجب فيه الكفارة المغلظة – تحرير عبد أو جارية أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا- ثم يجامع زوجته – يباشرها – فهى ليست كظهر أمه, وقوله هذا باطل ومنكر وزور حرَّمه الله ورسوله(20).

 

طلب الطلاق للضرر

ومفهومٌ من الأساس الذى بنى عليه الإسلام تحريم الإيلاء والظهار أنه يجب على الزوج أن يُعف زوجته بالجماع, فليس الجماع حقًّا للزوج وحده. ورَوَت كتب الأحاديث - الشيخان وأصحاب السنن - وكل مراجع الفقه أن النبي - عليه السلام - قال لعبد الله بن عمرو: "وإن لزوجك عليك حقا". ولهذا قرر الفقهاء أنه يجب على الزوج أن يجامع زوجته بقدر كفايتها ما لم يضره ذلك أو يشغله عن طلب الرزق بلا إفراط أو تفريط أي بالقدر المعقول. واختلف العلماء فيمن كف عن جماع زوجته فقال مالك: إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يفرق بينهما, ونحوه عن أحمد, والمشهور عند الشافعية أنه لا يجب عليه, وقيل: يجب مرة, وعن بعض السلف في كل أربع ليال ليلة, وعن بعضهم في كل طهر مرة. وقال الإمام ابن تيمية - رضي الله عنه -: "وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء – الجماع – يقتضى الفسخ – فسخ العقد – بكل حال سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد, مع قدرته أو عجزه كالنفقة وأولى" انتهى (21)، فيجوز طبقًا لهذا الرأى أن تطلب الزوجة فسخ عقد الزواج إذا امتنع الزوج عن مباشرتها – معاشرتها جنسيًّا – سواء برغبته أو لعجزه عن ذلك, فإن امتناعه عن جماعها مثل امتناعه عن الإنفاق عليها، بل هو أخطر لأنه يُعرِّضها للفتنة بذلك, وقد تصبر على نقص الطعام لكنها ربما لا تصبر على عدم الجماع, فيكون الانفصال أفضل لها لعل الله - تعالى - يرزقها بزوج آخر يُعفها به. ويجوز للمرأة طلب فسخ الزواج للعيوب التى تجدها فى الزوج وتتأذى بها مثل كونه مقطوع الذكر – ليس له عضو ذكورة – أو منزوع الخصيتين, ولو زعمت أنه عِنِّين – عاجز جنسيًا – فإن أقرَّ بذلك يمهله القاضى فترة للعلاج, فإن استطاع أن يجامعها ورضيت به وإلا حكم لها القاضى بفسخ العقد أي: التطليق للعيب. ولها أيضًا حق طلب الفسخ والانفصال لو كان به عيب آخر مُنفِّر مثل: الجنون, أو البرص, أو الجذام, أو القرع, أو نتن رائحة الفم, أو أي مرض آخر لا علاج له أو تنتقل عدواه إلى الغير مثل الإيدز أو الأمراض الوبائية الخطيرة. وفى ذلك يقول الإمام ابن القيم: "كل عيب يُنَفِّر أحد الزوجين من الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح يوجب الخيار وإنه أولى من البيع" انتهى (22). وكذلك يعطى الإسلام المرأة الحق فى طلب التطليق للضرر فى كل حالة تتضرَّر فيها من استمرار الزواج كامتناعه عن الإنفاق عليها أو تكرار اعتدائه عليها بالضرب الشديد الذى يُحدِث بها إصابات جسيمة أو عاهات مستديمة... إلخ. وللقضاء سلطة تقدير كل حالة على حدة. فإن تبيَّن للقاضي أن استمرار الزواج فيه ضرر بالغ للزوجة لا يُستطاع معه العشرة الطيبة فإنه يحكم لها بالتطليق رفعًا للضرر عنها وحماية لها من الوقوع فى الفتنة. ويصدر الحكم بالتطليق ولو بدون موافقة الزوج على الطلاق. وهكذا نرى أن الإسلام يعطى المرأة حق طلب التطليق فى حالات كثيرة, فليس الطلاق بيد الرجل وحده كما يزعم الخصوم.

العصمة بيدها

وهناك حالة يتجاهلها – أو يجهلها – الخصوم, وهى حالة اشتراط الزوجة أن تكون العصمة – حق التطليق – بيدها. فإذا وافق الرجل على إدراج هذا الشرط فى عقد الزواج فإنه يلتزم بالوفاء به لقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} الآية الأولى من سورة المائدة, وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحق الشروط أن تُوفوا بها ما استحللتم به الفروج"؛ رواه البخاري ومسلم. فإذا اشترطت المرأة أن يكون تقرير الطلاق من عدمه بيدها هي فإنها تستطيع تطليق نفسها فى أى وقت بدون موافقة أو رغبة الزوج , ولا يملك منعها، لأنه يعتبر متنازلاً لها عن الحق فى توقيع الطلاق. وأساس ذلك ما قرره الفقهاء من أنه: "يجوز للزوج أن يوكِّل من يُطلِّق عنه سواء كان الوكيل أجنبيًّا أو كانت الزوجة, فيجوز أن يُوكِّلها فيه, ويجعل أمرها بيدها, فيقوم الوكيل مقامه" انتهى (23). أما لو لم تضع المرأة هذا الشرط فى عقد الزواج, فإن ذلك يعنى بوضوح أنها قبلت الزواج بكل أحكامه ومنها أن الطلاق بيد الرجل. ويظل لها – كما ذكرنا – أن تطلب الطلاق أيضًا فى كل حالة يقع عليها فيها ضرر جسيم تستحيل معه العشرة بالمعروف... فماذا يمكن أن يقدم التشريع للمرأة أكثر من ذلك؟!!

 

الخُـلْع

وكذلك انفرد الإسلام قبل 14 قرنًا من الزمان بإعطاء المرأة الحق فى الانفصال وإنهاء العلاقة الزوجية ولو لم يكن هناك أى إضرار بها، ولها هذا الحق ولو لم يقع أي خطأ من جانب الزوج أو بدون وجود عيب فيه. وكل ما هو مطلوب منها فى هذه الحالة أن ترد إليه ما دفعه لها من مهر فقط لا غير بلا زيادة أو نقصان. ويُعرف هذا بنظام "الخُلْع". والمرأة هنا تطلب الانفصال عن زوج لم يرتكب ذنبًا ولا عيب فيه, فالعدل كل العدل أن ترد إليه ما دفعه من مهر مقابل حصولها على حريتها.

وأساس إباحة الخُلع قوله - تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. قال الشوكانى: "المعنى: لا جناح على الرجل فى الأخذ, ولا جناح على المرأة فى الإعطاء ببذل شىء من المال يرضى به الزوج فيطلقها لأجله, وهذا هو الخُلع, وقد ذهب جمهور العلماء  إلى جواز ذلك" انتهى (24). ولا يجوز للزوج هنا أن يأخذ منها أكثر مما كان قد دفعه لها لما رواه ابن ماجه فى قصة خلع زوجة ثابت بن قيس: "فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ حديقته التى كان أعطاها لها كمهر ولايزداد". وفى رواية البيهقى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها عندما طلبت الانفصال عن ثابت بن قيس: "أتردين عليه حديقته التى أصدقك" أي: التي أعطاك إياها مهرًا, فقالت المرأة: نعم وزيادة, فقال لها - عليه السلام -: "أما الزيادة من مالك فلا". وفى رواية ثانية للبيهقى أيضًا عن عطاء: "كره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ – الزوج – من المختلعة أكثر مما أعطاها". وحديث المختلعة كما رواه البخارى والنسائى وابن ماجه وابن مردويه والبيهقى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن جميلة بنت أُبِّى بن سلول امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس قالت: يا رسول الله, ثابت بن قيس ما أعتب عليه فى خلق ولا دين, ولكن لا أطيقه بُغضًا, وأكره الكفر فى الإسلام, فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم. فقال - عليه السلام - لثابت: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة". والحديث موجود فى كل كتب التفسير والسير والسنن والفقه. وهو قاطع الدلالة على أن من حق الزوجة طلب الانفصال – الخُلع – مقابل رد المهر إلى الزوج؛ لأنها هي الراغبة في الانفصال وليس هو, كما أن الفرض هنا أنها لا تجد سببًا لذلك سوى أنها تكره زوجها ولا تحبه بغير خطأ منه أو ذنب له. ومما فعله - عليه السلام - نستنبط أن على القضاء إجابتها إلى الخُلع وتطليقها دون اعتبار لاعتراض الزوج أو رغبته فى إمساكها.

وهنا نلاحظ أن النبى - عليه السلام - أمر الزوج باسترداد المهر فقط بلا زيادة, وأن يُطلِّقها, فلا خير له فى الحياة مع مَن تكرهه. ومَن هو هذا الزوج؟ إنه الصحابي الجليل ثابت بن قيس الذى كان من أكابر الأنصار وساداتهم وأكثرهم علمًا وتقوى وفصاحة حتى كانوا يلقِّبونه بخطيب الأنصار (25), وشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالجنَّة في حديث رواه مسلم والهيثمى فى مجمع الزوائد وعبد الرزاق وابن كثير, ولفظه عند الحاكم أن النبى - عليه السلام - قال له: "يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا, وتُقتل شهيدًا, وتدخل الجنة؟". وبالفعل استشهد - رضي الله عنه - في موقعة اليمامة فى عهد أبى بكر - رضي الله عن الجميع - وفى حديث ثان قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "نعم الرجل ثابت بن قيس"؛ رواه الحاكم في المستدرك والترمذي والبخاري في مناقب الأنصار والذهبي في ترجمته لثابت بن قيس - رضي الله عنه.

 وإذا كان لنا من تعليق فإننا نقول إن مثل ثابت - رضي الله عنه - خير من ملء الأرض من تلك الزوجة المختلعة, ولا نظن أنها وجدت بعده مَن هو خير منه, ولولا أن هذا الصحابى العظيم تزوَّجها لما ورد لها أى ذكر فى كتب التاريخ والإسلاميات، وإنه لشرف عظيم لها ولقومها ونعمة كبرى حُرمت منها أنها كانت قرينة مثل هذا السيد من سادات الإسلام ولو لبضع سنين.

 لكن الإسلام العظيم لا يفرض عليها الحياة معه, فلها حق الخُلع ولو كان قرارها خاطئًا بلا جدال.

وقد صرَّحت إحدى الروايات عند البخارى بأن المختلعة كانت أخت عبد الله بن أُبِّى بن سلول رأس النفاق وزعيم المنافقين فى المدينة , كما صرَّحت روايات أخرى بأن تلك المختلعة ذكرت سبب كراهيتها لذلك الزوج العظيم خطيب الأنصار المشهود له بالجنة لأنه كان قصيرًا أسود اللون!! وقالت المرأة فى رواية لابن عباس: "إني رفعت جانب الخباء – الخيمة – فرأيته أقبل فى عِدَّة – عدد من الناس – فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا"!! ومتى كان للشكل الخارجى دور فى تقدير ووزن معادن الرجال؟!! ثم أنها ارتكبت معصية مؤكدة حيث إنها لم تلتزم بالأمر الإلهى بغض البصر، وراحت تطيل النظر إلى رجال غرباء وتقارن بينهم وبين زوجها!! وكان عليها أن تلتزم بالحياء وأن تغض بصرها. ومع كل هذا لم تخجل من ذكر ما فعلته من النظر إلى رجال غرباء!! إن الجمال الظاهرى لا يدوم ولا قيمة له بالمقارنة بجمال الدين والروح والطهارة والشجاعة ومكارم الأخلاق, وقد كان للزوج ثابت بن قيس - رضي الله عنه - من كل ذلك أوفر نصيب!! وهل تطلب عاقلة – فضلاً عن تقية – الانفصال عن صحابى من السابقين وزعيم مُفَوَّه وسيد مُقدم من سادات العرب والعجم أخبر عنه الصادق الأمين أنه حميد شهيد ثم هو فى الجنة؟!! ثم أنه كان كريمًا سخيًّا بدليل أنه أعطاها حديقة كبيرة - مهرًا - وكان غيره لا يزيد على دراهم معدودات فى المهر. ورغم كل ذلك أمره النبى - صلى الله عليه وسلم - بتطليقها مقابل استرداد مهره, فلا خير لها فى العيش مع من تكرهه. كما أنه لا خير لهذا الصحابى الجليل - على الإطلاق – فى إمساك مثل هذه الزوجة التى تهتم بالمظهر دون الجوهر فضلاً عن بُغضها الشنيع له(26).

 

 

قصة بُريرة

"بُريرة" هي الجارية التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجته عائشة أن تعتقها بعد أن اشترتها من مالكها. وكان زوج بريرة عبدًا اسمه مُغيث, وحصلت زوجته بُريرة على حريتها بالعتق قبله, فخيَّرها النبي  عليه السلام  بعد العتق بين البقاء مع مُغيث أو الانفصال عنه – الفسخ بسبب العتق – فاختارت الفسخ لأنها كانت تكرهه. وأورد البخاري قصتها تحت عنوان: "باب شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - في زوج بُريرة". وذكر ابن عباس - رضي الله عنهما - في الحديث عن مُغيث زوجها أنه كان يمشى خلفها في طرقات المدينة يبكى وتسيل دموعه على لحيته لأنها فارقته! وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس: "يا عباس ألا تعجب من حُبِّ مُغيث بريرة ومن بُغض بريرة مُغيثًا؟!!" وفى رواية أبى داود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لبُريرة: "يا بُريرة اتقِ الله فإنه زوجك وأبو ولدك" فقالت: يا رسول الله أتأمرنى بذلك؟ قال: "لا. إنما أنا شافع", فرفضت بُريرة البقاء معه بعد أن أعتقتها السيدة عائشة - رضي الله عنها - وفى رواية البخارى قالت: "لا حاجة لى فيه".(27)

ونرى أن قصة "بُريرة" تُلَخِّص تمامًا وبكل وضوح ما قدَّمه الإسلام للمرأة:

 فماذا كانت "بريرة" قبل الإسلام؟ مجرد جارية تُباع فى السوق ببضعة دنانير أو دراهم , تنتقل من سيد إلى آخر بلا إرادة منها ولا حول ولا طول, يضاجعها سيدها وقتما يشاء أو يأمرها بمضاجعة ضيوفه تكريمًا لهم رغم أنفها, أو يُجْبِرَها على ممارسة الدعارة كسبًا للمال, يُطعمها الفتات, ويبيعها أو يقتلها بلا حساب أو عقاب من أحد..

 وجاء الإسلام فحررها من هذا الهوان. ردَّ إليها إنسانيتها المُهدرة وكرامتها وحريتها, ثم أعطاها الحق فى اختيار زوجها بعد العتق؛ لأنها تبدأ حياة جديدة مع الحرية والإسلام, وربما كان سيدها السابق هو الذى أجبرها على هذه الزيجة لتنجب كثيرًا من الأطفال ليصبحوا عبيدًا له بدورهم - كما كانوا يفعلون - فمن الرحمة والعدل أن تسترد بعد تحريرها كل حقوقها, ومنها حقها المشروع فى اختيار زوجها شريك حياتها ووالد أطفالها.

 وقصة بُريرة تُثبت بوضوح ويقين أن الإسلام أعطى المرأة أيضًا الحق في التعبير وحرية الرأى  والتقاضي على أوسع نطاق ممكن لأول مرة فى تاريخ البشرية.

ونتأمل حوارها مع النبى  صلى الله عليه وسلم  ونتساءل: أكانت أية جارية – أو حُرَّة – تتجرأ فى ذلك الوقت أو قبله أو بعده على الدخول – مجرد الدخول – إلى مجلس ملك من ملوك الأرض – كسرى أو قيصر مثلا - فضلاً عن الكلام معه أو مجادلته ثم رفض الاستجابة إلى شفاعته؟!!

 وانظر إلى صاحب الخلق العظيم سيد ولد آدم الذى بلغ من نُبله وكرمه وتواضعه أن تناقشه من كانت - منذ لحظات - جارية اشترتها زوجته وأعتقتها. ثم هو لا يُوجِّه إليها أمرًا بالبقاء مع زوجها العبد أو معاشرته بالقوة, بل يقول بكل لطف ومودة أنه: "شافع" أي: يتوسط في الخير حرصًا على كيان أسرتها وأطفالها الذين هم أطفال مُغيث فى ذات الوقت.

 ويصل الحوار إلى ذروته فترفض الجارية التى تحررت - منذ دقائق فحسب - شفاعة سيد الأولين والآخرين  عليه السلام  فلا ينهرها, ولا يضربها, ولا يأمر بقتلها أو سجنها, بل يُقِرها على ما تريد, ولا يزيد على ملاطفة عمه العبَّاس الجالس معه لافتًا انتباهه إلى المفارقة العجيبة بين حُب زوجها لها وكراهيتها الشديدة له !! وصدق فيه قول ربنا - سبحانه وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].


 

هوامش الفصل

1.          Laurence Stone, Road to Divorce – England 1530 – 1987, Oxford University Press (1990).

2.          Fredric R. Coudert, Jr., Marriage and Divorce Laws in Europe, A study in comparative Legislation, first published in 1893, press of Levingston Middelditch Co., NY.

3.          Anna Ward et al., Woman and Citizenship in Europe, Trentham Boosk and EFSF (1992).

4.          Archana Paashar, Women and Family Laws Reform in India, Sage Publications – New Delhi (1992).

5.          Antony Copley, Sexual Moralities in France 1780-1980, Routledge – London (1990).

6.          Gerald Leslei, Marriage in a Changing World Edition, John Wiley & sons (1980).

7.          Pal B.K., Problems and Concens of Indian Woman, ABC Publishing House, New Delhi (1986).

8.          Shiv Sahai Singh, Unification of Divorce Laws in India, Deen & Deep Publications, New Delhi (1993).

9.          Marc J.N.C. Keirs, New Prespectives for the effective Treatment of preterm labour, Am J. Obstet Gynecol.

والمراجع الأجنبية مشار إليها أيضا عند الدكتور حافظ يوسف فى كتابه "اليقين الإسلامي" ص 337 وما بعدها – طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.

10- المنتخب في تفسير القرآن الكريم – تأليف عدد من علماء الأزهر الشريف – ص 132 – طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – مصر.

11- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول ص 708 – طبعة دار الوفاء – مصر.

12- أخرجه الطبرانى وابن حاتم فى تفسيريهما.

13- سبل السلام – الصنعانى – كتاب الطلاق – ص 598 – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.

14- المرجع السابق – ص 600 وما بعدها.

15- تفسير النسفى – ج1 ص115 – طبعة دار إحياء الكتب العربية.

16- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول – ص 414-415 – طبعة دار الوفاء – مصر.

17- المنتخب فى تفسير القرآن الكريم – ص 63 – طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – القاهرة – مصر.

18- سبل السلام – الصنعانى – من ص 601 إلى 604 – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.

19- الملخص الفقهى – د.صالح بن فوزان الفوزان – ص 701 وما بعدها – طبعة دار الآثار – القاهرة – مصر.

20- انظر الكلام عن المجادلة والظهار فى الفصل الثانى من هذا الكتاب.

21- حاشية الروض المربع (6/438).

22- زاد المعاد – ابن القيم-(5/166) بتصرف.

23- الملخص الفقهى – د. صالح بن فوزان الفوزان – ص 694 – طبعة دار الآثار – مصر.

24- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول - ص 415.

25- انظر ترجمة ثابت بن قيس فى سير أعلام النبلاء للذهبى – الجزء الأول ص 308 – طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت.

26- سبل السلام – الصنعانى – ص 597.

 27- الحديث عند البخارى ومسلم وأبو داود وغيرهم, وهو موجود فى كل كتب الفقه فى باب تخيير الحُرَّة عند العتق وفى باب الولاء لمن أعتق وفى كتاب الطلاق وغيرها من الأبواب.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أبغـض الحــلال

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7