الأربعاء 23 ديسمبر 2009

ضوابط العمل

لم تثر حكاية خروج المرأة للعمل – عندنا – إلا كرد فعل على ما حدث فى الغرب رغم أن ظروفنا تختلف تمامًا عنهم، لكنه التقليد الأعمى الذى دفع العلمانيين وأذناب الاستعمار والمفتونين بحضارة زائفة إلى إثارة قضية لا وجود لها عندنا فى ظل الإسلام الذى يكفل المرأة طوال عمرها.

يقول محمد قطب: "إن الثورة الصناعية شغّلت النساء والأطفال، فحطمت روابط الأسرة وحلت كيانها. ولكن المرأة هى التى دفعت أفدح الثمن من جهدها وكرامتها، وحاجاتها النفسية والمادية. فقد نكل الرجل عن إعالتها من ناحية، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها حتى لو كانت زوجة وأمًّا، واستغلتها المصانع أسوأ استغلال من ناحية أخرى، فشغّلتها ساعات طويلة، وأعطتها أجرًا أقل من الرجل الذى يقوم معها بذات العمل فى ذات المصنع.

ولا تسأل لماذا حدث ذلك، فهكذا هي أوروبا، جاحدة بخيلة، لا تعترف بالكرامة للإنسان من حيث هو إنسان ولا تتطوع بالخير حيث تستطيع أن تعمل الشر وهى آمنة.

تلك طبيعتها على مدار التاريخ، في الماضي والحاضر والمستقبل إلا أن يشاء الله لها الهداية والارتفاع.

وإذا كان النساء والأطفال ضِعَافًا، فما الذي يمنع استغلالهما والقسوة عليهما إلى أقصى حد؟ إن الذي يمنع شيء واحد فقط، هو الضمير، ومتى كان لأوروبا ضمير؟!!

ومع ذلك فقد وُجدت قلوب إنسانية حية لا تُطيق الظلم، فهبت تدافع عن المستضعفين من الأطفال. نعم الأطفال فقط! فراح المصلحون الاجتماعيون ينددون بتشغيلهم فى سن مبكرة، وتحميلهم من الأعمال ما لا تطيقه بنيتهم الغضَّة التي لم تستكمل نصيبها من النمو، وضآلة أجورهم بالنسبة للجهد العنيف الذى يبذلونه. ونجحت الحملات، فرفعت أجورهم، ورفعت رويدًا رويدًا سن التشغيل، وزادت الأجور وخفضت ساعات العمل.

أما المرأة فلم يكن لها نصير. فنصرة المرأة تحتاج إلى قدر من ارتفاع المشاعر لا تطيقه أوروبا! لذلك ظلَّت في محنتها تنهك نفسها فى العمل – مضطرة لإعالة نفسها - وتتناول أجرًا أقل من أجر الرجل، مع اتحاد الإنتاج والجهد المبذول.

وجاءت الحرب العظمى الأولى ثم الثانية، وقتل عشرات الملايين من الشباب الأوربيين والأمريكان. وواجهت المرأة قسوة المحنة بكل بشاعتها. فقد وجدت ملايين من النساء بلا عائل، إما لأن عائلهن قد قتل فى الحرب، أو شُوِّه، أو فسدت أعصابه من الخوف والذعر والغازات السامة الخانقة، وإما لأنه خارج من حبس السنوات، يريد أن يستمتع ويرفه عن نفسه، ولا يريد أن يتزوج ويعول أسرة تكلفه شيئا من المال والأعصاب.

ومن جهة أخرى لم تكن هناك أيدٍ عاملة من الرجال تكفى لإعادة تشغيل المصانع لتعمير ما خرَّبته الحرب. فكان حتمًا على المرأة أن تعمل وإلا تعرَّضت للجوع هي ومن تعول من العجائز والأطفال. وكان حتمًا عليها كذلك أن تتنازل عن أخلاقها. فقد كانت أخلاقها قيدًا حقيقيًا يمنع عنها الطعام! إن صاحب المصنع وموظفيه لا يريدون مجرد الأيدى العاملة، فهم يجدون فرصة سانحة، والطير يسقط من نفسه – جائعًا – ليلتقط الحَب، فما الذي يمنع من الصيد؟

 وما دامت قد وجدت – بدافع الضرورة – امرأة تبذل نفسها لتعمل، فلن يتاح العمل إلا للتى تبذل نفسها للراغبين. ولم تكن المسألة مسألة الحاجة إلى الطعام فحسب.

فالجنس حاجة بشرية طبيعية لا بد لها من إشباع. ولم يكن فى وسع الفتيات أن يشبعن حاجتهن الطبيعية ولو تَزَوَّج كل من بقى حيًا من الرجال، بسبب النقص الهائل الذى حدث فى عدد الرجال نتيجة الحرب. ولم تكن عقائد أوربا وديانتها تسمح بالحل الذى وضعه الإسلام لمثل هذه الحالة الطارئة، وهو تعدد الزوجات. لذلك لم يكن بُدٌّ للمرأة أن تسقط راضية أو كارهة لتحصل على حاجة الطعام وحاجة الجنس، وترضى شهوتها إلى الملابس الفاخرة، وأدوات الزينة، وسائر ما تشتهيه المرأة من أشياء.

وسارت المرأة فى طريقها المحتوم، تبذل نفسها للراغبين، وتعمل في المصنع والمتجر، وتشبع رغباتها عن هذا الطريق أو ذاك. ولكن قضيتها زادت حِدَّة. فقد استغلت المصانع حاجة المرأة إلى العمل، واستمرَّت في معاملتها الظالمة التى لا يبررها عقل ولا ضمير، فظلت تمنحها أجرًا أقل من أجر الرجل الذى يؤدى ذات العمل في ذات المكان.

ولم يكن بد من ثورة. ثورة جامحة تحطِّم ظلم أجيال طويلة وقرون. وماذا بقى للمرأة؟ لقد بذلت نفسها وكبرياءها وأنوثتها، وحرمت من حاجتها الطبيعية إلى أسرة وأولاد تحس بكيانها فيهم، وتضم حيواتهم إلى حياتها، فتشعر بالسعادة والامتلاء. أفلا تنال مقابل ذلك – على الأقل – المساواة فى الأجر مع الرجل وهو حقها الطبيعي الذي تقرره أبسط البديهيات؟

ولم يتنازل الرجل الأوربى عن سلطانه بسهولة. أو قُلْ: لم يتنازل عن أنانيته التى فُطر عليها. وكان لا بد من احتدام المعركة، واستخدام جميع الأسلحة الصالحة للعراك.

استخدمت المرأة الإضراب والتظاهر. واستخدمت الخطابة فى المجتمعات. واستخدمت الصحافة. ثم بدا لها أنها لا بد أن تشارك فى التشريع لتمنع الظلم من منبعه، فطالبت أولاً بحق الانتخاب، ثم بالحق الذى يلى ذلك بحكم طبائع الأشياء، وهو حق التمثيل فى البرلمان. وتعلمت بذات الطريقة التي يتعلم بها الرجل؛ لأنها صارت تؤدى ذات العمل، وطالبت كنتيجة منطقية لذلك أن تدخل وظائف الدولة كالرجل، ما داما قد أُعدَّا بطريقة واحدة، ونالا دراسة واحدة.

تلك قصة "كفاح المرأة لنيل حقوقها" فى أوروبا. قصة مسلسلة، كل خطوة فيها لا بد أن تؤدى إلى الخطوة التالية، رَضِيَ الرجل أو كره، بل رضيت المرأة أو كرهت، فهي نفسها لم تعد تملك أمرها فى هذا المجتمع الهابط المنحل الذى أفلت منه الزمام.

ومع ذلك كله فقد تعجب حين تعلم أن انجلترا – أم الديمقراطية – لا تزال إلى هذه اللحظة تمنح المرأة أجرًا أقل من أجر الرجل فى وظائف الدولة، رغم أن فى مجلس العموم نائبات محترمات!!" انتهى (1).

ونضيف إلى ما قاله الأستاذ محمد قطب : أن المرأة تنال أجرًا أقل من الرجل فى الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا وفى كل دول أوروبا وليست بريطانيا فقط. وما زالت تكافح - حتى وقتنا هذا - في كل دول الغرب للمساواة فى الأجور مع الرجال دون جدوى!!

موسى مع ابنتى شعيب

إن موقف الإسلام من عمل المرأة توضحه تمامًا قصة سيدنا موسى مع ابنتى شعيب - عليهم جميعًا السلام.

فقد خرج موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - من مصر هاربًا من بطش فرعون. اجتاز - عليه السلام - صحراء سيناء وحيدًا جائعًا خائفًا يتلفَّت حوله بين الحين والآخر ليرى إن كان هناك مَن يتبعه أو يطارده. ووصل إلى بئر ماء فى منطقة "مدين" خارج حدود مصر الشرقية. رأى حول الماء عددًا كبيرًا من الرعاة يتزاحمون لسقى مواشيهم وأغنامهم. بعيدًا عن زحام الرعاة من الرجال كانت هناك امرأتان تُبعدان أغنامهما عن البئر حتى يفرغ القوم من السقي. ولأن النبي هو كالأب للأُمَّة فإن موسى - عليه السلام - توجَّه إلى المرأتين ليطمئن على حالهما. قالتا له أن أباهما شيخ كبير فى السن، وصحته لا تحتمل أن يأتى هو لسقى الأغنام، ولهذا اضطرت الفتاتان إلى القيام بتلك المهمة – سقى ورعى الأغنام - لعدم وجود أخ أو زوج يحمل عنهما هذا العبء. وكان عليهما الانتظار إلى أن يفرغ الآخرون وينصرفون، حتى يتجنبا الاختلاط بالرجال الغرباء. هنا تحرك خلق المروءة والرحمة فى نفس كليم الله ورسوله إلى أهل تلك الفترة ، فتطوَّع فورًا بسقي الأغنام حتى يُعفى الفتاتين من هذه المشقة وذلك الاختلاط بغرباء. انتهى - عليه السلام - من العمل فانصرفت الفتاتان شاكرتين وجلس هو فى ظل شجرة قريبة يدعو ربه ويناجيه.

بعد قليل رأى - عليه السلام - إحدى الفتاتين قادمة تكاد تتعثر وتقع على الأرض من شدة الحياء. كانت تغطى وجهها بالنقاب ولا ترفع بصرها عن الأرض، وهى تخبره أن أباها قد علم بما فعله لمساعدة ابنتيه، ويرغب في استضافته وشكره على تصرفه النبيل. مشى موسى - عليه السلام - أمامها إلى حيث الأب الذى رحَّب به وأكرم ضيافته وعلم قصته مع فرعون وقومه. وهنا اقترحت الفتاة التى دعته لمقابلة الأب أن يستأجر أبوها موسى - عليه السلام - للعمل برعي وسقى الأغنام بدلاً منهما، وأخبرت أباها بقوته وأمانته – وهما صفتان أساسيتان فى أى أجير كفء – وقد توصلت الفتاة الذكية إلى معرفة ذلك بالفطنة وقوة الملاحظة. فقد رأت موسى يرفع وحده الصخرة التى تغطى فوهة البئر، وهى صخرة يعجز عن رفعها عدد من الرجال. وأما أمانته فدليلها أنه طلب منها أن تمشى خلفه وتلفت انتباهه إلى الطريق، حتى لا يضطر إلى المشى خلفها فتعبث الريح بثيابها فيرى تفاصيل جسمها، وهى أجنبية عنه ليست من محارمه. كان الأب هو شعيب - عليه السلام - وهداه الله إلى فكرة عبقرية عرضها على موسى فوافق. وكان أجر العمل 8 أو 10 سنوات هو المهر مقابل زواج موسى من إحدى البنتين طبقًا للاقتراح الذي قبله كليم الله. وتم الزواج وعمل موسى أجيرًا عند شعيب 10 سنوات مقابل طعام بطنه وعفة فرجه.

هذه هي قصة موسى مع ابنتى شعيب، وقد حكاها القرآن الكريم فى سورة القصص، كما وردت أيضًا فى التوراة.

 قال الله - تعالى -: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 23- 28]. ويعجز القلم عن الإحاطة بكل ما فى هذه الآيات الست من عبر وآداب وتشريعات تكفل السعادة الكاملة فى الدنيا والآخرة (2). ولكننا سنحاول - بتوفيق الله وحده - التركيز على ما يتعلق منها بموضوعنا هنا، وهو ضوابط عمل المرأة خارج المنزل ودور كل الأطراف فى رعايتها والآداب والواجبات المطلوبة من الجميع رجالاً ونساءً:

( أ ) لا يجوز للمرأة الخروج للعمل خارج المنزل إلا فى حالات الضرورة القصوى. وأهم تلك الحالات عدم وجود رجل من المحارم يكفيها مئونة العمل. فقد ذكرت الفتاتان أن الأب يعانى من أمراض الشيخوخة وغير قادر على العمل بدلاً منهما {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}, ومن الواضح أنه لم يكن  لهما أخ أو عم أو خال يقوم مقام الأب فى العمل، فاضطرت الفتاتان إلى الخروج لسقى الأغنام حتى لا تهلك عطشًا.

(ب) وإذا اضطرت المرأة للخروج للعمل فليكن ذلك بكل إحتشام وعفة، وعليها تجنب الاختلاط بالرجال الأجانب - من غير المحارم - فقد كانتا تُبعدان الأغنام عن البئر، وتحرصان على عدم السقى إلى أن يفرغ الرعاة وينصرفون كلهم من المكان، وبذلك لا يجد أى متطفِّل أو فاسق أية فرصة للتقرب منهما، ويُغْلق الباب تمامًا فى وجه الشيطان والفتنة ودواعى الرذيلة. كما أنهما لم تتحدَّثا مع أحد مطلقاً، ولولا أن موسى - عليه السلام - هو الذي بادر وسألهما بكل أدب عن أمرهما - ليساعدهما - لما تحدثت إليه إحداهما. وقد تركتا له أداء العمل الشاق.

(جـ) الكلام مع الرجال الأجانب للضرورة فقط، وبالقدر اللازم لشرح الحال دون زيادة. كما نلاحظ إلتزام الحياء التام : {تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}. وروى عن عمر بن الخطاب أن الفتاة جاءت تُبلِّغه دعوة أبيها، وكانت منتقبة عفيفة ليست بكثيرة الخروج والتنقل من مكان إلى آخر بلا ضرورة.

( د ) على الحاكم أو القادرين من الرجال فى المجتمع أن يبذلوا كل ما فى وسعهم لإعفاء النساء من مشقة العمل خارج المنزل، وصونهن عن الاحتكاك والاختلاط بغير محارمهن. فقد قام موسى - عليه السلام - فورًا بسقي الأغنام بدلاً من الفتاتين. ولو طبقِّنا ما فعله - عليه السلام - في أيامنا هذه لتجنّب المجتمع كثيرًا من المشاكل والمصائب التى يعلمها الجميع. وعلى المرأة أن تحمد الله - تعالى - على نعمة وجود من يكفيها مشقة العمل خارج البيت.

(هـ) نلاحظ أيضًا أن الفتاتين قَبِلتا شاكرتين مساعدة كليم الله. وحرصت المرأة على استثمار الفرصة التي سنحت لها لترتاح من عناء العمل الخارجي، فاقترحت على أبيها أن يستأجر ذلك الشاب القوى الأمين للعمل بدلاً منهما.

 ولم تقل له مثلاً: لا يا أبى، أعطنا الفرصة للاستقلال وتحقيق الذات والاستغناء عن تحكُّم الرجال!! أو أن المرأة كالرجل تمامًا فى العمل إلى آخر هذا التخريف والضلال الذى نسمعه من عضوات المؤتمرات والجمعيات النسائية فى هذا الزمن العصيب!!

(و) قام ولى الأمر فورًا باستئجار القوى الأمين لأداء العمل وإعفاء ابنتيه من التعب والامتهان والتعرض للفتن خارج البيت. بل عَلَّمنا شعيب - عليه السلام - أيضًا أن نخطب لبناتنا الشباب التقى الأمين، فلا عيب فى أن يخطب الرجل لابنته شابًّا صالحًا يتزوَّجها ويرعاها ويُعِفُّها الله به ويصونها عن الحرام وكل مكروه.

ونلاحظ حكمة الأب شعيب ومرونته فى تيسير أمر الزواج من ابنته، فقد خرج موسى - عليه السلام - من مصر بلا مال، ولم يكن باستطاعته دفع أى مهر، فاهتدى نبى الله شعيب إلى الحل الأمثل، وهو أن يكون مهر ابنته هو أن يعمل موسى معه أجيرًا 8 أو10 سنوات حسب طاقته. وبذلك تحققت مصالح جميع الأطراف، وتم حل جميع المشاكل دفعة واحدة بتوفيق الله للبنت فى اقتراح استئجاره، وتوفيق الله للأب شعيب بعرض زواج موسى من إحدى البنتين مقابل عمله. فكفى الله الفتاتين العمل الشاقَّ خارج المنزل، وارتاح الأب كذلك من القلق على مصيرهن فى كل مرة يخرجن فيها لسقى الأغنام، كما وجد موسى عملاً شريفًا وزوجة ومأوى أيضًا، ورزق الله إحدى البنتين بالزوج الصالح.

 وفى القصة أيضًا آداب يجب أن يتحلى بها كلا الجنسين. فالكلام بقدر الحاجة والضرورة فقط كما أشرنا.

 ويجب تجنب إثارة الريبة والشبهات، فقد أخبرته أن الدعوة من أبيها وليست هى التى تدعوه.

 كما أمرها هو أن تمشى خلفه وليس بجواره أو أمامه حتى لا يرى أردافها وتفاصيل جسدها وعوراتها، وأيضًا لتجنب إثارة القيل والقال بين سكان مدين.

 ومن المعلوم أن شرع مَنْ قَبلنا هو شرع لنا نعمل به ما لم يأتِ في شريعتنا ما يخالفه أو يلغيه. ولهذا فإن هذه الضوابط لعمل وخروج المرأة فى شريعة موسى وشعيب تنطبق على كل المسلمين إلى يوم القيامة. وكل الرسالات السماوية جوهرها واحد وهو التوحيد ومكارم الأخلاق(3).

وقد أكدت السُنَّة وسيرة بنات النبى - صلى الله عليه وسلم - ونسائه وتراجم الصحابيات والتابعيات تلك الضوابط الشرعية لعمل المرأة، وسوف نكتفي ببعض الأمثلة لأن المقام لا يتسع للحديث عنهن جميعًا - عليهن رضوان الله.

فقد استأجرت السيدة خديجة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في شبابه لصدقه وأمانته ليتَّجر لها، وأرسلت معه غلامها ميسرة إلى رحلة الشام كما هو معلوم من السيرة. وهو درس لكل سيدات الأعمال، فلا خلوة مع الرجال من موظفيها ولا سفر معهم بحجة العمل!! لاحظ أنها أرسلت معه غلامها، ولم تنتهز الفرصة لتتبادل الأحاديث معه بنفسها بحجة التجارة ، اللهم إلا بعد أن عرضت عليه صديقتها الزواج من خديجة ووافق وجاء لعقد القران مع أعمامه، ولم يجلس معها حتى تم الزواج.

وروى البخاري في باب (عمل المرأة في بيت زوجها) حديثين عن على - رضي الله عنه - يحكى فيهما كيف أن زوجته السيدة فاطمة كانت تتعب من كثرة عملها فى البيت. وكانت الرحى وهى أداة طحن الحبوب البدائية تؤذى يديها - يسبب استعمال الرحى تشقُّقات وخشونة في الجلد وغير ذلك من آثار على يديها - فسألت أباها - عليه السلام - أن يعطيها خادمًا لمساعدتها فقال: "ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ تُسبِّحين الله عند منامك ثلاثًا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثًا وثلاثين وتُكَبِّرين الله أربعًا وثلاثين". والشاهد هنا هو أن السيدة فاطمة كانت تباشر أعمالها المنزلية. ورُوى فى كتب التراجم أن عليًّا اتَّفق مع فاطمة على أن تعمل هى داخل المنزل، ويكفيها وأمه العمل خارجه. وهذا هو الأصل والأسلوب الأمثل لاستقرار الحياة الزوجية وحسن تربية الأطفال.

 وما ظنك بتربية علمين جليلين ونجمين ساطعين مثل الحسن والحسين؟ هل هذه وظيفة أقل شأنًا من اكتساب الطعام والشراب والثياب؟!!

وكذلك روى البخاري وغيره حديثًا مهمًّا في باب "الغيرة" يتضمَّن عددًا من الدروس والحِكَم البليغة وضوابط خروج المرأة من المنزل للعمل أو لغير ذلك من الضرورات.

يحكى الحديث قصة وقعت للسيدة أسماء بنت أبى بكر الصديق - رضي الله عنهما - كانت أسماء زوجة للزبير بن العَّوام - رضي الله عنهما - وهاجرت لتعيش معه فى المدينة؛ حيث لم يكن لهما أى مال سوى جمل يجلب عليه الماء من بئر بعيدة إلى البيت، وفرس يركبه للقتال والسفر مع النبى - صلى الله عليه وسلم - كان الزبير يسعى خارج البيت فى طلب الرزق، بينما تقوم أسماء بالأعمال المنزلية ومنها عَلْف – إطعام – الفرس. ونظرًا لضيق الحال كانت تخرج وتمشى حوالى ثلاثة كيلومترات إلى قطعة أرض صغيرة أعطاها النبى - عليه السلام - للزبير، لتحضر منها نوى التمر إلى البيت لتطحنه وتعلف به الفرس. وذات مرة كانت أسماء تحمل النوى على رأسها عائدة إلى البيت فقابلها النبى - صلى الله عليه وسلم - ومعه بعض أصحابه، فأناخ ناقته لتركب أسماء خلفه رحمة بها من ثقل ما تحمل على رأسها. لكن أسماء استحت، وتذكرت شدَّة غيرة زوجها الزبير - رضي الله عنه - وكان أغير الناس بنصِّ كلام أسماء - عند البخاري - وأدرك النبي - عليه السلام - بفطنته الأمر فمضى بغير كلام معها وتركها وشأنها. وعندما جاء زوجها الزبير حكت له ما جرى وأنها أبت الركوب مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تجنبًا لإثارة غيرته، فقال لها الزبير: والله لحملك النوى كان أشد علىَّ من ركوبك معه. وأضافت أسماء أن أباها أرسل إليها بعد ذلك خادمًا لرعاية وإطعام الفرس فأراحها من هذا العناء, وعلى حد وصفها "فكأنما أعتقنى" تعني  أنه أراحها من عمل شاق كالعبيد خارج البيت.

من هذا الحديث يمكن إيجاز بعض الضوابط ليس لعمل المرأة فقد بل لخروجها من البيت لأية حاجة:

1- لم تخرج أسماء لإحضار النوى من أرض بعيدة عن البيت – ثلاثة كيلومترات - إلا لأن الزبير لم يكن موجودًا، ولا مفرَّ من إطعام الفرس بهذا النوى الذى تجلبه من هذا المكان، كما أنها لم تستغرق من الوقت إلا القدر الضرورى فقط لإنجاز المهمة دون زيادة. وبطبيعة الحال فإن ابنة أبى بكر لا شكَّ أنها كانت تخرج بكل الوقار والاحتشام مرتدية  حجابا كاملا يغطى كل شيء.

2- لم تتحدث السيدة أسماء مع أحد من الرجال الأجانب، ولا تحدث معها أحد من الصحابة الذين كانوا برفقة النبى - صلى الله عليه وسلم - بل هي لم تتحدث حتى مع النبى المعصوم الذى هو فوق مستوى الشبهات، وهو زوج أختها، ورغم كل هذا استحت كما قالت بالنص: "فاستحييت أن أسير مع الرجال"، كما احترمت مشاعر زوجها - رضي الله عنه - وراعت غيرته فى غيابه كما لو كان حاضرًا بالضبط. والزبير هو ابن عمة النبى - عليه السلام - وهو أيضًا أحد السابقين الأولين والعشرة المبشرين بجنات النعيم – وما كان مثل هذا الصحابى الجليل ليشك لحظة أو أقل من ذلك فى صاحب الخُلُق العظيم، تماما كما قال عمر - رضي الله عنه - في حديث للبخاري في ذات الباب (الغيرة): "بأبي أنت وأمي يا نبي الله.. أو عليك أغار؟"؛ أي: هل أغار منك وأنت أعف وأطهر وأعظم البشر؟!!

3- ورغم أن النبى معصوم، وهو كالأب للأمة، فهو محرم لكل مسلمة، إلا أنه يعلمنا احترام خصوصية النساء اللاتى تضطرهن الظروف للخروج لعمل أو علاج أو غير ذلك، وأنه لا مبرر للاختلاط، بل ينبغي ترك النساء فى حالهن. وليس كما نرى هذه الأيام النَّحِسات من ثرثرة ومزاح ونِكَات ومخالفات تقع من الموظفين والموظفات!!!

وهكذا تركها النبي - عليه السلام - تمضى لشأنها بلا كلام، كما أنه راعى بدوره غيرة زوجها، وأقرَّ بذلك قاعدة ضرورة احترام الجميع لمشاعره.

4- وبدوره علمنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - درسًا في هذه الواقعة، إذ علم بمعاناة ابنته فأرسل إليها خادمًا لعلف الفرس وسياسته رحمة بها. وهذا يوضح الدور المطلوب من كل مسئول – الأب أو الزوج أو الحاكم – فى كفالة النساء وإعفائهن من العمل الشاقِّ خارج المنزل، وإعانتهن على التفرغ لما هو أهم بكثير وهو رعاية وتنشئة الأطفال وحسن القيام على راحة زوجها وشؤون بيتها.

 وبمثل هذه الأخلاق والقيم ربَّت أسماء فحلين من فحول الإسلام هما ولداها الخليفة البطل عبد الله بن الزبير, والفقيه العظيم عروة بن الزبير - رضي الله عن الجميع.

5- وفضلاً عن الاحتشام وتجنب الاختلاط ورعاية مشاعر الزوج تُعَلِّم السيدة أسماء نساء الأمة أن يسارعن بقبول أى حل أو وسيلة لتجنب العناء، وأن العمل خارج البيت كان لضرورة هى عدم وجود من يقوم به غيرها، فلما أذن الله بالفرج فرحت بذلك، واعتبرت إعفاءها من العمل الخارجى نعمة كبرى مثل نعمة العتق بالنسبة للعبيد والجواري: "فكأنما أعتقني" تقصد تفضل أبيها بإرسال خادم(4).

والخلاصة أنه يجوز الخروج للعمل فى حالات اضطرار المرأة إليه، وبشرط الاحتشام، وأمن الفتنة، وأن يكون العمل مشروعًا فى حد ذاته، وتجنب الاختلاط بالرجال الأجانب، وعدم تأثير ذلك سلبًا على بيتها وأطفالها وحقوق زوجها.

ضرورات اجتماعية

كما يجب على بعض النساء العمل فى التخصصات الضرورية مثل طب النساء والولادة وختان الإناث والتدريس للنساء فى جميع مراحل التعليم. وهناك أمثلة من السيرة العطرة للمجالات التى يجب أن تعمل فيها النساء:

( أ ) فالمجال الطبى - كما ذكرنا فى الفصل الثانى – عملت فيه المرأة فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - فكانت "أم عطية" الأنصارية قابلة وخاتنة؛ أي: تمارس التوليد وعمليات ختان الإناث مثل طبيبات وممرضات النساء والولادة فى عصرنا. وكانت رُفيدة الأسلمية خبيرة فى الجراحات والإسعافات الأولية، وأذن لها النبى - صلى الله عليه وسلم - بإقامة خيمة داخل مسجده بالمدينة - وكانت عيادة – فى أوقات الطوارئ مثل غزوة الأحزاب، وكانوا ينقلون إليها الجرحى لتتولى إسعافهم. ومن الواضح أنه لم يكن بالمدينة – فى ذلك الوقت – رجال متخصِّصون في هذا المجال، ولو كان هناك أطباء لأمرهم النبى بعلاج سعد بن معاذ - رضي الله عنه - لكنه أمر – للضرورة – بنقل سعد إلى عيادة رفيدة التى حاولت إنقاذ حياته، ولكن قدر الله سبق جهودها المُكَثَّفة. ولا خلاف إذًا في ضرورة عمل النساء بالطب والتمريض لعلاج بنات جنسهن من مختلف الأمراض.

(ب) ولا نحسب أن هناك خلافًا كذلك فى جواز – بل ضرورة – عمل بعض النساء بالتدريس فى مختلف المراحل التعليمية لبنات جنسهن. وقد تقدَّم – بالفصل الثانى – أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الشفَّاء بنت عبد الله بتعليم السيدة حفصة الرُقية كما ذكر ابن سعد(5)، أو تحسين الخط كما ذكر آخرون.

 وهذا دليل على وجوب أن تتولى النساء تعليم أخواتهن. ونعتقد أنه لا يجوز أن يتولى التدريس للنساء رجل طالما توافرت معلمات فى ذات التخصص وذات المرحلة الدراسية. ومَن لا يعجبه هذا فليراجع تقارير خبراء التعليم فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الذين طالبوا بالفصل بين الجنسين فى جميع مراحل التعليم لتجنب المشاكل العديدة التى تحدث بسبب الاختلاط. ثم لماذا الإصرار على التعامل مع الجنس الآخر إذا كان هناك مَن يستطيع القيام بذات العمل من النساء لأخواتهن، ومن الرجال لإخوانهم؟!!

(جـ) يمكن للنساء العمل في ميدان الإمدادات الغذائية والطبية للجيوش فى حالة قلة أعداد الرجال. روى البخاري وغيره عدة أحاديث تثبت مشاركة النساء فى الأعمال المساعدة للجيش فى الغزوات. ومنها أن عمر - رضي الله عنه - أعطى ثوبًا غاليًا لأم سليط وهى والدة أبى سعيد الخدرى - رضي الله عنهما - ورفض أن يعطى الثوب لزوجته أم كلثوم بنت على، وقال الفاروق العظيم: "أم سليط أحق به"، وعلل هذا بأنها ممن بايع النبى - صلى الله عليه وسلم - وكانت تُصْلح القِرَبَ – أوانى للشرب – للناس فى غزوة أحد. وروى البخاري عن الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها - قالت: كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - في الغزو نسقى ونداوى الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة؛ أي: نقل أجساد الشهداء.

وروى البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال : "لما كُنَّا يوم أُحد انهزم الناس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولقد رأيت عائشة بنت أبى بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما – الخلاخيل – تنقلان القِرَب على متونهما – تحملان الماء – ثم تفرغانه فى أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأنها – من البئر – ثم تجيئان فتفرغانه – الماء – فى أفواه القوم.

ومن هذه الأحاديث وغيرها نستدل على جواز عمل المرأة فى ميدان الإغاثة والإمدادات الغذائية والطبية عند الحاجة والاضطرار إلى ذلك لانشغال الرجال بالقتال أو فى أوقات الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والبراكين وغيرها.

( د ) أسند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مهمة الإشراف على سوق المدينة وضبط الأسعار والضرب على أيدى التُجَّار المتلاعبين للسيدة الشفَّاء بنت عبد الله، وكانت تجيد القراءة والكتابة والحساب، وكانت شديدة الحزم مع المنحرفين وأرباب الغش والاستغلال، وحققت نجاحًا باهرًا فى منع احتكار السلع وتوفير المواد التموينية للمسلمين.

(هـ) وقد رَغَّبَ الإسلام فى كفالة الأرامل والمساكين ليصونهن عن المذلة والمهانة وربما سلوك طريق الرذيلة إن لم يجدن عونًا من المجتمع الإسلامي. روى البخاري وأبو داود قوله  عليه السلام  : "الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله أو كالذى يصوم النهار ويقوم الليل" فأى أجر أعظم من أجر الجهاد أو العبادة الدائمة طوال العمر؟!!

وروى البخاري – في باب غزوة الحديبية – عن أسلم مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه : "خرج مع الفاروق إلى السوق فلحقت به امرأة شابة وقالت له: يا أمير المؤمنين هلك زوجى – مات – وترك صبية صغارًا، والله لا يُنْضِجون كُراعًا – أي: لا يجدون حتى حوافر شاة أو عظامًا يطبخونها – ولا لهم زرع ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضَّبُع، وأنا بنت خُفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبى الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقف معها عمر ولم يمضِ – لم يواصل السير – وقال: مرحبًا بِنَسَب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير – قوى الظهر – فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا – جوالين ملأهما بالدقيق والتمر وغيره من الطعام – وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها خطام البعير ثم قال اقتاديه – بما عليه – فلن يفنى – الطعام الذى أعطاها – حتى يأتيكم الله بخير" يعنى أنه سيعطيهم طعامًا ونفقة أخرى قبل أن ينفد ما أعطاهم. وهناك قصته الشهيرة مع الأعرابية التى وضعت ماءً على النار لتعلل به صبيانها الجياع حتى يناموا، فحمل عمر الطعام إليهم على ظهره - رضي الله عنه - كما تقدم فى فصل الحقوق المالية. وهذا يدل على وجوب قيام الدولة بإعاشة الأرامل والأيتام من الخزانة العامة أو بيت مال المسلمين. فلو قامت الدولة الإسلامية بواجباتها تجاه هؤلاء الأرامل والأيتام والمساكين ما احتاجت النساء إلى العمل خارج البيت، وهذا إن لم يكن لها ولى. فإن كان للأرملة أو المطلقة أب أو أخ أو ابن ميسور الحال فإن عليه أن يعولها وبذلك لا تحتاج إلى العمل بدورها.

وهكذا نجد أن المرأة – إذا طبّقنا ما جاء به الإسلام كاملاً – لن تحتاج إلى بذل ماء وجهها وربما ما هو أكثر. فسوف يكون لها فى كل الحالات من يكفيها مئونة طلب العيش والارتزاق خارج بيتها.

تقسيم فطرى

ليست النصوص وحدها هى التى تضع تقسيم العمل بين الرجال والنساء على هذا النحو، بل الفطرة السليمة والتفكير العقلى والعلمى البحت أيضًا.. وتسأل كل امرأة عاقلة سوية: ما هو الأفضل عندك: أن تجدي من يرعاك ويلبى كل احتياجاتك وأطفالك، فترتاحين في ظله من التعب والعناء والشقاء خارج البيت، وتتفرغين لرعاية وتربية وتنشئة فلذات أكبادك – وهم أغلى ما تملكين – أم أن تكونى وحدك فى صراع جنونى لتوفير الطعام والشراب والكساء والدواء وغيرها من ضروريات الحياة؟! وقطعًا ستضطرين إلى الابتعاد عن أطفالك معظم ساعات اليوم، ويظل القلق عليهم والهواجس بشأنهم تعصف بك إلى أن تعودين ليلاً مرهقة مكدودة غير قادرة على تأدية أية أعمال منزلية أو مساعدة الأطفال على الاستذكار أو حل أية مشاكل تواجههم؟!

وهل تتحملين – فى سبيل العمل خارج البيت – أن يحدث لأطفالك ما نطالعه فى وسائل الإعلام يوميًا – من جرائم قتل وخطف واغتصاب لأطفال لم يكن معهم أحد من ذويهم؟!

لا أظن أن جواب أية سيدة عاقلة سيكون شيئًا آخر سوى الرفض المطلق حتى لمجرد الخروج من البيت وترك الأطفال بمفردهم لأى سبب. ونحسب أن غريزتها كأم لن تتغلب عليها أية مزاعم علمانية من قبيل الاستقلال عن الرجال أو تحقيق الذات أو التمتع بالحريات إلى آخر هذه السخافات. وإذا كانت الحكمة هى وضع الشىء المناسب فى موضعه المناسب، فإن عين الحكمة فى مجال العمل أن يتم إسناد رعاية وتربية وتعليم الأطفال إلى الأم، فهي أقدر من الرجل وأكثر براعة – بحسب قدراتها ومؤهلاتها الفطرية – على القيام بهذه المهمة الجليلة، ولا شك أن الرجل يفشل فى هذا المضمار، لأن الله - تعالى - خلقه – بحسب الغالب –خشنًا صلبًا مؤهلاً للقيام بالأعمال الشاقة ذات المجهود البدنى والعقلي، أما هي فخلقها الله حنونًا ناعمة دافئة المشاعر ليؤوى إليها الصغار، وينامون على صدرها فى سكينة وسعادة لا تُقدران بكل ما فى الوجود من أموال وأعمال. ولن تستطيع الخادمة أو دور الحضانة أن تكون بديلاً للأم فى هذا المضمار، فليست النائحة المُستأجرة كالثكلى كما قيل بحق.

ومَن لا يعجبه هذا فليقل لنا: لماذا جعل الله الحمل والولادة ثم الإرضاع من مهام المرأة ولم يجعل للرجل شيئًا من ذلك؟! أليس هذا دليلاً كافيًا على أن الله خلقها لوظائف هامة تختلف عن تلك التى كَلَّف بها الرجل؟!

أرجو ألا يكون الجواب هو المطالبة بتعديلات جسدية وعمليات جراحية لإجبار الرجال على الحمل والولادة والإرضاع لتحقيق المساواة العلمانية الخيالية بين الجنسين!!!

ثم لماذا يُضطر 70% من العاملات فى أمريكا وحدها إلى ترك العمل ومحاولة إيجاد وظائف أخرى؟! تقول الإحصاءات أن السبب الرئيسى فى معظم الحالات هو تعرضهن للاغتصاب أو التحرُّش الجنسي من الزملاء الرجال، ويحدث هذا حتى للشرطيات هناك!!! وهذا كافٍ لإظهار عظمة النظام الإسلامى فى حماية المرأة وصونها داخل البيت فلا تعمل إلا للضرورة القصوى!!

ولا يعلم كثيرون أن عددًا من المفكرين البارزين فى الغرب قد توصلوا إلى أن الأفضل هو تفرغ المرأة لبيتها وأطفالها.

 ومنهم الفيلسوف الفرنسى الكبير أجوست كومت مؤسس علم العمران والفلسفة الوضعية الذى قال فى كتابه "النظام السياسي" ما يلي : "ينبغى أن تكون حياة المرأة فى بيتها، وألا تُكلَّف بأعمال الرجال؛ لأن ذلك يحول بينها وبين وظيفتها الطبيعية ويفسد مواهبها الفطرية. ويجب على الرجال أن ينفقوا على النساء دون أن ينتظروا منهن عملاً ماديًّا، كما ينفقون على الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة. فإذا كان هؤلاء يحتاجون لساعات كثيرة من الفراغ لإنتاج ثمرات قرائحهم، كذلك تحتاج النساء إلى مثل تلك الأوقات ليتفرغن فيها لأداء وظيفتهن الاجتماعية من حمل ووضع وتربية. ومن جهة أخرى فإنه لو سمحنا للنساء – على ضعفهن – أن يشتغلن خارج بيوتهن، فإنهن سيتعرضن لمنافسة قوية من جانب الرجال، فلن ينلن – فى وجود الرجال – سوى الأعمال الدنيئة التى ينصرفون عنها، وسيحصلن على أجور متواضعة، فيقعن في الفاقة، ولن يجدن إلا الفتات، فضلاً عن الضرر الفادح الذى يلحق بمجتمعاتهن بسبب خروجهن على نظام الطبيعة، وعصيانهن لنواميس الحياة الصحيحة"(6) انتهى.

ونلاحظ أن هذا الفيلسوف الكبير قد توصَّل بعقله وتفكيره المنطقى البحت إلى صحة وعظمة النظام الإلهى للأسرة، وأن أنسب حياة للمرأة هى تلك التى يكفلها لها الإسلام رغم أنه لم يكن مسلمًا. ولعله لم يجد الفرصة أو المعلومات الكافية فى عصره عن ضوابط عمل المرأة فى القرآن والسُنَّة النبوية المُطهرة. وهذا أبلغ فى الحُجَّة على المستشرقين، إذ هو مفكر وفيلسوف كبير من بنى جلدتهم ومن غير المسلمين، وقاده تفكيره - من حيث لا يدرى - إلى تأييد ما جاء به الإسلام من قرار المرأة فى بيتها إلا للضرورات، وتكليف الرجال بالإنفاق عليهن ورعايتهن وأطفالهن، وحمايتهن من الشقاء والعناء والفتن خارج البيوت.. ولو كان هذا المُفَكِّرُ مُسْلمًا لانهالت عليه قذائف العلمانيين والعلمانيات من كل مكان، ولكن لأنه من ذوى الدم الأزرق فلم يتجرَّأ كلب واحد على النباح أو حتى المواء أمامه كقطة مذعورة!!!

ويعترف الباحث الروسى أنطون لمالاف – فى دراسة عن الاختلافات الفطرية بين الرجل والمرأة – باستحالة تحقيق المساواة بين الجنسين. يقول أنطون: "ينبغي ألا نخدع أنفسنا بزعم إقامة المساواة بين الجنسين فى الحياة العملية. فقد بذلنا فى الاتحاد السوفيتى ما لم يفعله أحد فى الدنيا ووضعنا القوانين فى هذا الإطار، ولكن الحق أن أوضاع المرأة فى الأسرة والمجتمع لم تتغير كثيرًا".

ويقول إليكسى كرين : "هناك فوارق بين المرأة والرجل من حيث الأفكار والإعداد الذهنى لتلقى المعلومات". وتقول أنا ديما المفوضة الأوروبية للشؤون الاجتماعية: إن مشاركة المرأة فى الشؤون الاجتماعية تزيد لكن ببطء شديد, ويُظهر عالم التجارة والأعمال التفاوت بين الجنسين بصورة واضحة، فإن عدد الرجال فى الشركات يبلغ أضعاف عدد النساء الموظفات فى كل أنحاء أوروبا!! وتضيف المفوضة الأوروبية بالنص: "التوفيق بين العمل والحياة الأسرية يعتبر عقبة كبيرة للموظفات فى الشركات، وكذلك مشكلة انخفاض أجر المرأة بأكثر من 16% عن أجر الرجل"!!

والطريف أنهم أقاموا احتفالاً كبيرًا فى سويسرا بمناسبة اليوم العالمى للمرأة. وكان من بين اللاتى تم تكريمهن فى هذا الاحتفال السيدة براندا بارنيس التى قررت التخلى عن وظيفتها المرموقة فى شركة عالمية للمشروبات، وكانت تتقاضى راتبًا سنويًّا قدره مليونا دولار!! وقالت براندا تفسيرًا لقرارها بالاستقالة رغم الراتب الضخم الذى خسرته: "اكتشفت أن راحة زوجى وأبنائى الثلاثة أهم من المنصب ومن ملايين الدولارات، وأن المنزل هو المكان الوحيد الذى أرتاح فيه وهو أكثر انسجامًا مع فطرتى وتكويني"!!

 وذات الموقف تكرر فى انجلترا، فقد استقالت بن هابى نيس رئيس فرع شركة عالمية للمياه الغازية؛ لأنها تريد أن تنجب طفلاً وتصبح أمًا وتتفرغ لرعايته!!

والأغرب من هاتين الحالتين، أن رئيس تحرير مجلة (هى) المعروفة بدفاعها المستميت عن ضرورة خروج المرأة للعمل قد قدمت استقالتها لتجلس فى بيتها مع أولادها!!! وقالت رئيس التحرير المستقيل ليندا كيسلى: "أنا لم أترك عملى بالمجلة بسبب حاجة أولادى إلىَّ، بل بسبب حاجتى أنا إليهم أكثر!! أريد أن أعيش مع أولادى فى بيتنا بهدوء وسكينة"!! وهكذا أنطق الله نساء الغرب بالحق وتحوَّلن إلى مدافعات عن نظام الأسرة كما وضعه الإسلام ولو بدون قصد أو علم منهن بذلك!!!

وقال صمويل سميث المفكر البريطانى المعروف: "إن نظام تشغيل المرأة فى المعامل والمصانع مهما تسبب فى زيادة الإنتاج، فإن أضراره أكثر وأخطر؛ لأنه يهدم أركان المنازل ويُدَمِّر الأسر".

 وقالت جريدة لندن سروث: "البلاء كل البلاء فى خروج المرأة من بيتها لالتماس أعمال الرجال، فتكثر الشاردات عن أهاليهن، وتتضاعف أعداد اللقطاء من الأطفال غير الشرعيين فيصبحون عارًا وعبئًا ثقيلاً على المجتمع، وهكذا فإن مزاحمة الرجال ستلحق بنا الدمار".

وقالت كاتبة شهيرة هى مس أنى رود فى مقال بجريدة ستون ميل: "عمل بناتنا فى البيوت خير وأخف بلاء من اشتغالهن فى المعامل والمصانع. أتمنى أن تكون بلادنا مثل بلاد المسلمين، تنعم المرأة فيها بالطهر والعفاف ورغد العيش ولا تمس فيها الأعراض بسوء" انتهى(7).

 وكلام هؤلاء الكتّاب ومشاهير الغرب لا يحتاج إلى أى تعليق.


المـراجـع

1-    محمد قطب – شبهات حول الإسلام – من ص 108-111 – طبعة دار الشروق – القاهرة – مصر.

2- انظر تفسير الآيات المذكورة فى فتح القدير – الشوكانى – الجزء الرابع ص 218 وما بعدها – طبعة دار الوفاء بمصر، وتفسير ابن كثير – الجزء الثالث – ص 363-365 – طبعة المكتبة القيِّمة – مصر، والمنتخب في تفسير القرآن الكريم – ص 685و686 – طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – مصر، وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبى.

3-    انظر" قصص الأنبياء" لابن كثير وأيضًا " قصص الأنبياء" المعروف بعرائس المجالس للثعلبى.

4-    راجع ترجمتها فى الطبقات الكبرى لابن سعد – الجزء الأخير.

5- ترجمة السيدة حفصة – الطبقات الكبرى لابن سعد – الجزء الثامن – ص95 – الطبعة المصرية بتحقيق الدكتور حمزة النشرتى والدكتور عبد الحميد مصطفى والشيخ عبد الحفيظ فرغلى.

6- أجوست كومت – النظام السياسى على مقتضى الفلسفة الوضعية – مشار إليه فى كتاب "من معالم الإسلام" – محمد فريد وجدى – ص134 – طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة.

7- محمد صالح المنجد – وليس الذكر كالأنثى – ص49 وما بعدها – طبعة مكتبة سلسبيل – مصر – 2005م.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ضوابط العمل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7