الأربعاء 23 ديسمبر 2009

الفصل الثالث عشر

معجزة الحجاب لأولى الألباب

الحجاب لغة: هو الساتر أو العازل أو الغطاء. وله عدة معان في الشريعة الإسلامية. فهو أولاً يعنى تلك الملابس التي تستر بدن المرأة وتغطى رأسها أيضًا، كما يعنى كذلك وجود فصل بين الجنسين أي عدم الاختلاط ، وثالثًا عدم إبداء الزينة لغير المحارم.

والحجاب هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها منذ أن خلق - سبحانه - آدم وزوجه حواء - عليهما السلام - ودليل ذلك قوله تعالى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه: 112](1). والقصة وردت أيضًا في التوراة والإنجيل. وما يهمنا هنا أن آدم وحواء أكلا من الشجرة التي حرمها الله عليهما ، وكان من عقوبة هذا الذنب أن انكشفت عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما قبل ذلك.. وفزع آدم وحواء عندما شاهد كل منهما نفسه والآخر عاريًا تمامًا مكشوف العورات. اندفعا يقتطعان أوراقًا عريضة من الأشجار يلفَّان بها جسديهما ويستران العورات. ومن هذا يتَّضح أن "الستر" وتغطية العورات فطرة إنسانية أصيلة خلق الله - تعالى - آدم وحواء وذريتهما عليها، وأن التعري وفضح العورات من عمل الشيطان الذي تسبب في هذا لآدم وزوجه عندما أغراهما بعصيان أوامر الله - سبحانه وتعالى - والأكل من الشجرة المحظورة.

وسوف يشعر البعض بالعجب والدهشة عندما نقول أن الحجاب بمعنى الستر والغطاء والعازل أو الحماية موجود في عالم النبات والحيوان أيضًا.

فكل أنواع الزهور تحيط بها الأوراق من كل جانب ، وبعضها تحيط به أشواك كثيفة لحمايتها. وكل أنواع الحبوب لها غلاف أو سنابل تحميها.. بل أرشدنا القرآن الكريم إلى أن خير وسيلة لحماية الحبوب من التلف والفساد هي الإبقاء عليها داخل سنابلها طوال فترة التخزين {فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ} [يوسف: 47] (2).

 وكل الثمار والفواكه لها قشرة أو جلدة خارجية لحمايتها أيضًا من التلف بفعل عوامل البيئة مثل الموز والبطيخ والمانجو والبلح وغيرها.

وفى عالم الحيوان نلاحظ أن اللؤلؤ الثمين يحتمي بأصداف قوية من بطش الأسماك والكائنات البحرية الضخمة المفترسة . وتغطى السلحفاة جسدها بدرقة صلبة يستحيل على الحيوانات المفترسة كسرها أو اختراقها لالتهام السلحفاة الضعيفة. وتكسو جسم "القنفذ" غابة من الأشواك كفيلة بصد كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء عليه. وتلتف الطيور برداء كثيف من الريش لحماية أجسادها الضعيفة من حرارة الشمس وبرد الشتاء.

وهكذا نرى بوضوح أن الحجاب ليس موجودًا فقط في عالم البشر، بل هو موجود منذ بدء الخليقة في كل الكائنات الحية الأخرى. وقد خلق الله بحكمته عظام الجمجمة التي تحيط بالمخ من كل جانب لحمايته، كما يحجب القلب ويحميه بسلسلة من عظام القفص الصدري.

وفى عالم الكواكب نلاحظ مثلاً أن "أُمُنَّا" الأرض يحيط بها غلاف جوى محكم "لحجبها" وحمايتها من الإشعاعات الكونية المدمرة التي تصدرها الشمس وغيرها من النجوم الهائلة. وتشير أحدث الأبحاث العلمية إلى وجود طبقة عازلة أيضًا حول العديد من الكواكب الأخرى لذات الغرض.

وبذات المنطق يمكننا أن نُفَسِّر منطق الإسلام في فرض الحجاب على بنات حواء. فالمرأة في الإسلام مثل الزهرة الرقيقة أو الجوهرة الغالية التي يجب الحفاظ عليها وحمايتها من الذئاب الجائعة وأعين المتلصِّصين الذين يحاولون التهام الأجساد الناعمة ولو بنظرات فاجرة إلى ما حرَّم الله الإطلاع عليه لغير الأزواج وذوى القرابة المباشرة.

ثم ماذا يفعل الأثرياء الذين يمتلكون ثروات طائلة من المجوهرات والتُّحَف النادرة والأموال?  بل ماذا يفعل الإنسان العادي للحفاظ على أوراقه ووثائقه الهامة ومستندات ملكيته?  ألا يلجأ كل هؤلاء إلى الحفاظ على هذه الأشياء الغالية داخل خزائن مُحكمة لحمايتها من الضياع أو السرقة!

ولم يكن الإسلام هو أول من أمر النساء بالحجاب. إذ أن هناك نصوصًا في التوراة والإنجيل – رغم تحريفهما – صريحة وقاطعة الدلالة على أن الحجاب بل النقاب كان في السابقين على بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ويعترف أعداء الحجاب الإسلامي بأن الحجاب كان موجودًا في كل الأمم القديمة مثل الفرس, واليونان والأشوريين وقدماء المصريين.

ومن الأدلة على فرض الحجاب في الديانة اليهودية ما جاء في سفر التكوين: "ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت من الجمل، وقالت للعبد: مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا فقال العبد: هو سيدي ، فأخذت البرقع وتغطَّت".

 وجاء في الإنجيل: "وكل امرأة تصلى أو تتنبأ وليس على رأسها غطاء تجلب العار على رأسها ، وإن كشف الغطاء كحلق الشعر تمامًا، فإذا كانت المرأة لا تغطى رأسها، فليقص شعرها" (كورنثوس 11: 5، 6) وهذا نصٌّ قاطع الدلالة على فرضية الحجاب على نساء النصارى أيضًا.

ولا يمكن لليهود أو النصارى إنكار أن السيدة مريم - عليها السلام - كانت ترتدي حجابًا إسلاميًّا كاملاً شاملاً مغطِّيًا لكل الجسد ، كما طَبَّقَت الحجاب كذلك بمعناه الآخر وهو تجنب الاختلاط بالرجال من غير المحارم . ولم تبدِ زينتها لأحد مُطلقًا، وهذا تطبيقٌ للحجاب بمعناه الثالث. ولا يعيب الإسلام أنه أقرَّ الآداب والأخلاق التي جاءت بها الأديان السابقة، فقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتمم مكارم الأخلاق.

ومما يثير الدهشة والسخرية معًا أن أولئك الذين يتطاولون على الحجاب الإسلامي لا يفتح أحدهم فمه بكلمة واحدة ضد حجاب الراهبات النصرانيات!! كما لا يجرؤ أحد من هؤلاء الجبناء على توجيه أي نقد كذلك لغطاء الرأس اليهودي أو "الطاقية" ولا ملابس الحاخامات، فهم يعرفون جيدًا مصير كل من تُسوِّل له نفسه التفوه ببنت شفة ضد بنى صهيون!!

وكذلك نلاحظ أن الملابس الطويلة المحتشمة لدى شعوب وقبائل كثيرة غير مسلمة مثل الساري الهندي لا تُثير انتقاد أولئك الحاقدين على حجاب النساء المسلمات!! إنه العداء السافر لكل ما له صلة بالإسلام العظيم من قريب أو بعيد.

ثم ما هو الأولى بالذَمِّ عقلاً وفطرة ، أن نلوم مَن يدعو إلى الحشمة والعفة والستر وكف الأذى وتجنب الشرور، أم مَن يُشيع العُرى والتهتك والخلاعة في المجتمعات!! هل يلوم الدين الحنيف الذي يدعو إلى الفضائل ومكارم الأخلاق إلا فاسق خليع? !

بل إن الأمر الإلهي الوارد في القرآن لنساء النبي ونساء المؤمنين بارتداء الملابس الساترة لكل المفاتن ، هو في حد ذاته دليل قاطع على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو دليل في ذات الوقت على كذب وتناقض أقوال وافتراءات المستشرقين وتلاميذهم في كل مكان وزمان.

ولتفصيل ذلك نقول: إن أعداء الإسلام يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رجلاً شهوانيًّا يحب النساء ، كما أنَّهم ينكرون نبوَّته بطبيعة الحال. ونسأل هؤلاء: ما الذي يحبه الرجل الشهواني ويهواه؟! أليس مثل هذا الصنف من الرجال هو الذي يتطلَّع إلى مفاتن أجساد النساء، ويهمه دائمًا أن تكون كل تلك الأجساد الفاتنة مكشوفة لعينيه، كما يعجبه أيضًا أن تتفنن النساء في ارتداء أحدث الأزياء الخليعة المبتكرة الجاذبة لأعين هؤلاء الرجال من أصحاب الأهواء والشهوات كما يحدث في الغرب على أوسع نطاق ممكن!!

هل يأمر الرجل الشهواني النساء بستر أجسادهن ، وعدم كشف المفاتن لغير الزوج والمحارم!! لو كان - عليه السلام - كما تزعمون لأمر النساء بالتعري والتهتُّك كما تفعلون أنتم، لكنه أمرهن بالستر والعفاف وهذا وحده كاف لنسف كل افتراءاتكم وإثبات صدقه وطهارته ونبوته.

وهل يأمر الرجل الشهواني أتباعه بحفظ وصيانة الفروج إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم!

وهل يهتم الرجل الشهواني بغض الأبصار!

وهل يحظر عليهم وعليهن الاختلاء والاختلاط بالأجانب من الرجال والأجنبيات من النساء!!

وهل مثل هذا الشهواني يأمر الرجل بتجنب مضاجعة الزوجة إذا كانت حائضًا أو نفساء وتجنب الإتيان في الدُبُر!!

لو لم يكن نبيًّا لكان الأفضل له أن يترك الحبل على الغارب لأتباعه ، كما يفعل من لا خَلاَق لهم من الزعماء السياسيين وطُلاَّب الرئاسة والدنيا الذين يتركون لأنصارهم حرية ممارسة الجنس وفعل كل الشهوات بلا ضوابط أو حدود أو قيود، كسبًا للولاء وحرصًا على جذب مزيد من الأتباع والأنصار. لكنه - عليه السلام - فعل العكس تمامًا، وفُرَض العفة والحشمة وكبح جماح الشهوات على الجميع كما يعلم كل من درس السيرة العَطِرة. وكذلك طَبَّق - صلى الله عليه وسلم - العقوبات الشرعية التي أمر الله بها – الرجم والجلد – على كل مَن ارتكب الفاحشة من الرجال أو النساء.

وهذا أيضًا يثبت أنه نبي حقًّا أرسله ربه بالحق والعدل وتحريم الفواحش والمنكرات، ولو كان رجلاً شهوانيًّا يحرص فقط على الملذَّات والرئاسة وغيرها من متاع الدنيا لما جاء بشيء من تلك الأوامر والنواهي التي تكفل حياة طاهرة شريفة.

فاكهة مصونة

سألت سيدة أوروبية شابًّا سودانيًّا مسلمًا: لماذا يفرض دينكم على النساء هذه الملابس التي تغطى كل جسمها؟! ورد عليها الشاب الذكي بسؤال آخر: سيدتي.. لو ذهبت إلى أحد المحالِّ لشراء بعض الفاكهة، ووجدت هناك نوعين من ذات الفاكهة أحدهما مُغَلَّف ومُغَطًّى لتبقى نظيفة بعيدة عن الأتربة والذباب، والنوع الآخر مكشوف يعلوه التراب والذباب، فأي النوعين ترتاح نفسك إلى شرائه فأجابت السيدة غير المسلمة بسرعة: أشترى النوع النظيف المغطى طبعًا.. ابتسم الشاب قائلاً: هكذا هي نظرة الإسلام إلى المرأة يا سيدتي.. إنها فاكهة يجب أن تُغَطَّى لتبقى سليمة نظيفة من غبار الفتن وأعين المتطفلين الذين هم كالذباب أو أشد خطرًا.. وإزاء هذا الجواب العبقري ابتسمت السيدة الأوروبية إعجابًا، وأقرَّت بأنها قد فهمت للمرة الأولى حكمة الإسلام في الحجاب بهذا التشبيه الجميل البسيط. وهذا الأسلوب الذي استخدمه هذا الشابُّ العاقل هو بالضبط ما نحتاجه بشدَّة هذه الأيام، فنحن نملك بضاعة ثمينة نفيسة تحتاج فقط إلى من يحسن عرضها ويجيد شرح مزاياها ليقبل عليها الآخرون عن رضا واقتناع ويقين.

وتزعم دول الغرب وجمعيَّات حقوق الإنسان هنا وهناك أنها ترعى الحقوق والحرِّيَّات لكل البشر... فإذا قابلت امرأة في باريس أو لندن مثلاً ترتدي الميكروجيب أو المينى جيب الذي يُظْهِر معظم جسدها، فإنك لا تستطيع أن تقول لها كلمة واحدة استنكارًا لهذا ، والرد الجاهز عليك: إنها حُرَّة في بلد حُرٍّ ترتدي ما تشاء!! وأية محاولة للتدخل بهذا الصدد هي خرق لحريتها الشخصية وعدوان على حقوقها!! ونسأل هؤلاء وأذنابهم: أليست للمرأة المسلمة حرية شخصية أيضًا في ارتداء ما تشاء من حجاب أو نقاب!! أم أن الحرية لكم وحدكم وليس لمسلم أو مسلمة فيها نصيب؟!

الحقيقة الفاضحة هي أن الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير هو نهج القوم في كل ما يخص قضايا الإسلام والمسلمين!! ونشير أيضًا إلى أن الضجة المفتعلة التي أحدثها حجاب تلميذة صغيرة في فرنسا – وذات الأمر حدث في انجلترا – تثبت أن تلك الدول لا تستحق وصف "دول كبرى" ولا حتى "صغرى"!!

أية دولة هشَّة تلك التي تقوم فيها الدنيا ولا تقعد بسبب غطاء رأس تلميذة صغيرة! هل غطاء رأس طفلة يهدد الأمن القومي الفرنسي أو الانجليزى!! إنه فقط العجز عن وقف المد الإسلامي المبارك، واعتناق الملايين هناك سنويًّا للإسلام، فلا يجد القوم متنفَّسًا لأحقادهم ورعبهم من الدين الحق إلا بإثارة مثل تلك الزوبعة بين الحين والآخر حول الحجاب والمحجبات.

وماذا عن قتل مسلمة مصرية في ألمانيا – د. مروة الشربينى – لمجرد أنها رفضت خلع الحجاب!! أية حرية تلك التي يزعمون!!

نوابغ ومحجبات

وهناك فِرية أخرى هي زعمهم أن الحجاب يعوق المرأة عن العمل والإبداع.. والردُّ الفوري أن هذه كذبة مفضوحة تنسفها وقائع التاريخ، كما تنفيها حقائق الحياة في عصرنا. فلم يمنع الحجاب أمهات المؤمنين من تعليم كبار الصحابة حتى من الرجال، ولم يمنع الحجاب السيدة عائشة مثلاً من التفقُّه في الإسلام والشعر والطب واللغة، ويكفى أنها رَوَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ألفى حديث. ولم يمنع الحجاب أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنها - من القيام بما يعجز عنه عشرات الرجال من تغطية لهجرة أبيها وصاحبه وإمدادهما بالطعام حتى إنها قطعت جزءًا من "نطاقها" - كما هو معروف - لتغطى به الطعام. وكذلك لم يمنعها الحجاب من مجابهة الطاغية الحجاج الثقفي يوم قتل ابنها عبد الله بن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق.. وصفعته بشدة وصرامة بكلمات عجز آلاف الرجال عن مواجهته بمثلها، وأخبرته بحديث شريف عن قومه ثقيف أنه يخرج منهم كَذَّاب ومُبير أي: طاغية دموي سفاح(3).. ولم يتجرَّأ الحجاج على المساس بها، وخرج من عندها يجر أذيال الخيبة والعار.

ولم يمنع الحجاب نُسيبة بنت كعب الأنصارية - رضي الله عنها - من القتال في غزوة أحد، وكانت من الذين شكَّلوا درعًا بشريًّا حول النبي - عليه السلام - لحمايته من هجوم المشركين بسبب مخالفة الرماة لأوامر النبي بعدم التحرُّك من مواقعهم. وثبتت نسيبة كأشد الأبطال بأسًا وجسارة وصرعت وحدها عددًا من المشركين، كما تلقَّت طعنات خطيرة وهى تفتدى النبي - عليه السلام - بنفسها، وأثنى عليها - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أن مقامها في القتال لحمايته والدفاع عنه كان خيرًا من مقام رجال كثيرين(4).

ولم يمنع الحجاب الخنساء - رضي الله عنها - من نظم شعر لم يأتِ بمثله كثير من الرجال، وظلَّ إبداعها تترنَّم به الأجيال تلو الأجيال حتى اليوم.

ولم يمنع الحجاب الملكة شجرة الدرِّ من قيادة جيش المسلمين في مصر بعد وفاة زوجها الملك أثناء المعركة، ونجحت ببراعة نادرة في إخفاء نبأ وفاته، وتوجيه قادة الجيش نحو النصر الساحق على الجيش الفرنسي – وهو من أقوى جيوش أوروبا – وأسر الملك لويس التاسع. ولو شئنا أن نورد كل الأمثلة لاحتجنا إلى مجلدات، ولكن في هذا ما يكفى لنسف الزعم الباطل بأن الحجاب يعوق المرأة.

وحتى في عصرنا هذا نجد أن كثيرًا من أوائل الشهادات العامَّة والمتفوِّقين بالجامعات العربية والإسلامية هن من البنات. وتكفى نظرة واحدة إلى ما تنشره الصحف والمجلات من صور لهؤلاء الأوائل لنكتشف بوضوح أن معظمهن من الفتيات المحجبات. وفى كليات القمة مثل الطب والهندسة نلاحظ أيضًا أن معظم الطالبات من المحجبات والمنقبات.. وهذا يقطع بأن العكس هو الصحيح، وأن الزى الإسلامي هو علامة وقرين للتفوق العلمي والعملي وليس العكس.

رحمة بهن

وهناك جانب إنساني نبيل في فرض الحجاب لا يلتفت إليه الكثيرون أو لا يدركونه. فقد شاءت إرادة الله - تعالى - أن تتفاوت حظوظ خلقه في مختلف الأمور ومنها الجمال.  فليست كل النساء على قدر واحد متساوٍ من الجمال والحسن. وليس كل الرجال بقادر على ضبط الهوى أو كبح الشهوة أو غض البصر. ولهذا تدخَّل الشارع الحكيم ليحمى تلك التي لم تُرزق حظًا وافرًا من الجمال بأن يُفرض عليها وعلى الأُخريات تغطية أجسادهن ، وبذلك لا تفتن إحداهن أزواج الأُخريات ، ويقنع كل رجل بزوجته مهما قل نصيبها من الجمال. لأنه لن يرى جمال الأُخريات. بل يحمى الإسلام تلك الجميلة جدًّا من نفسها ومن الآخرين ويحميهم منها أيضًا بفرض الحجاب عليها ؛ لأن من شأن ترك الحبل لها على الغارب أن يفتن بها الرجال الأجانب، وتُفتتن هي أيضًا، وبذلك تنفتح عليها وعليهم وعلى زوجاتهم بوابات الجحيم ، وخراب أسرتها هي قبل الأُسَر الأخرى. وواقع المجتمعات التي تسمح بالتعري والاختلاط خير شاهد على ما نقول. وكم من جرائم قتل واغتصاب وتحرُّش جنسي وقعت بالملايين بسبب ذلك، وسيأتي مزيد من التفاصيل حول هذه النقطة.

ثم إن الجمال الظاهري لا يبقى أبد الدهر، وسوف تكون الشابة الفاتنة اليوم عجوزًا شمطاء غدًا، فإذا التزمت بالحشمة والحجاب وآداب الإسلام في شبابها، يكافئها الله عندما يزول جمالها، بأن يحجب جمال مَن هن أصغر سنًّا منها عن عيني زوجها، فلا يميل إليهن ويزهد فيها.

أما إن تعرَّت وأغوت رجالاً آخرين بمفاتنها السافرة ، فسوف يكون الجزاء من جنس العمل ، فيُفتن زوجها بجمال أُخريات، ويزهد فيها، ويلحق الخراب ببيتها كما خربت بيوت أُخريات من قبل.

والحجاب رحمة من الله بالرجال أيضًا.. فإن مئات الملايين من الشباب في كل أنحاء العالم عاطلون عن العمل ، ويعجزون عن تدبير نفقات الزواج في ظل أزمات اقتصادية عالمية طاحنة تلتهم كل شيء. فمن رحمة الله بهؤلاء المساكين من الشباب أن تُحجب مفاتن النساء عن أعينهم، فلا يصابون بالكبت أن رأوا ما لا يقدرون على الحصول عليه ، أو ينتاب بعضهم جنون الشهوة فيفترسون النساء السافرات. وهكذا فإن الحجاب يحمى مئات الملايين من الشباب العاجز عن الزواج إلى أن يرزقهم الله من فضله وإحسانه بزوجات حليلات طاهرات.

وإذا كانت الجريمة بصفة عامة هي ظاهرة بشرية لا يمكن القضاء عليها تمامًا، فإن النظام القانوني الإسلامي قد نجح في الحد منها بشكل عجزت عنه كل التشريعات الإنسانية على مدار التاريخ كله.

 

اغتصاب العاريات

وفرض الحجاب بمعانيه المختلفة – منع الاختلاط والملابس المحتشمة وستر الزينة – لَعِب دورًا بارزًا في هذا الإطار – مكافحة الجرائم غير الأخلاقية - فشلت كل قوانين الغرب في الإتيان بمثله.

والدليل القاطع هو أن أعلى معدلات جرائم الاغتصاب وهتك العرض أو التحرُّش الجنسي هي تلك التي سجَّلتها الإحصاءات الرسمية في دول الغرب مثل: بريطانيا, والولايات المتحدة الأمريكية, وإيطاليا, وغيرها. وعلى سبيل المثال ذكرت الإحصاءات الرسمية الأمريكية أنه تقع جريمة اغتصاب أنثى أو تحرُّش جنسي على الأقل كل 3 ثوانٍ ، أي اغتصاب عشرين امرأة على الأقل – كل دقيقة – ويعنى هذا أن 1200 أمريكية على الأقل تغتصب أو يتحرش بها كل ساعة من الزمن!! ويعترف رجال الشرطة ومصادر وزارة العدل الأمريكية بأن الأرقام الحقيقية هى أضعاف تلك المعلنة!!(5)، والمعروف أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يقارب عدد سكان العالم العربي (حوالي 350 مليون نسمة).. فإذا طالعنا معدلات ما يقع من جرائم الاغتصاب في العالم العربي نجد الفارق هائلاً.. فإذا كان عدد جرائم الاغتصاب يتجاوز ألف واقعة كل ساعة في أمريكا ، فالرقم في كل الدول العربية مجتمعة لا يتجاوز خمسة بالمائة من تلك المُسجلة هناك.

وإذا كانت ندرة جرائم الاغتصاب سببها الأول غلبة الورع والاعتدال على نفوس المسلمين هنا - وتلك تحسب للإسلام أيضًا – فإنه لا يمكن إنكار أن حشمة المسلمات وستر المفاتن الجسدية وتجنبهن الاختلاط قد لَعِب دورًا كذلك في حمايتهن من الذئاب بعكس الضحايا في الغرب اللاتي لا يسترن أجسادهن، بل يرتدين ملابس خليعة مثيرة تغرى الذئاب المسعورة هناك بالتهامهن، وصدق الله العظيم الذي ذكر الحكمة العظمى من فرض الحجاب على المسلمات بقوله – تعالى -: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 9]، وهى التي سَمَّاها العلماء بآية الحجاب.

قال الإمام الواحدى  تفسيرًا لهذا: "فَيُعْلَم أنهن حرائر – بارتدائهن النقاب – فلا يُعرض لهن بأذى"، وقال الإمام الشوكانى: "أي: أقرب أن يُعرفن ويظهر للناس أنهن حرائر فلا يُؤذين من أهل الريبة  الفسقة بالتعرض لهن". وقال الإمام ابن كثير تفسيرًا للآية: "أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات – خاصَّة أزواجه وبناته لشرفهن – أن يدنين عليهن من جلابيبهن – يرتدين النقاب – ليتميَّزن عن سمة نساء الجاهلية". وقال - رضي الله عنه - أيضًا عن قوله تعالى: {يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 9]، أنه يعنى: "إذا فعلن ذلك – النقاب – عرف الناس أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة"(6).

والأذى يشمل الألفاظ البذيئة وهو الأذى المعنوي ، كما يشمل إطلاق الشائعات وتلويث سمعة كل مَن تلبس ملابس غير محتشمة أو سوء الظن بها ، وكذلك الاعتداء الجنسي بالاغتصاب أو هتك العرض أو ما يسمى الآن بالتحرُّش الجنسي، وكل إيذاء بدني آخر.

ومن الواضح لكل ذي عقل وإنصاف أن القرآن الكريم قد ذكر منذ 14 قرنًا من الزمان ما يثبته الواقع في عالمنا المعاصر وخاصة الغرب الذي ذكرنا جانبًا من الإحصاءات حول جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي فيه، حيث لا حجاب ولا فصل بين الجنسين، كما تأكَّدت عظمة وصدق وحكمة القرآن، إذ نادرًا ما تتعرض منقبة للاغتصاب.. وكيف يطمع الذئاب في عفيفة لا يرون منها شيئًا ولا يسمعون لها صوتًا، كما لن يجدوا سبيلاً إلى الانفراد بها؛ لأن الإسلام العظيم عَلَّمَها كيف تحمى نفسها بعدم الكشف عن مفاتنها، كما حَمَاها بألا تخرج بمفردها إلى أماكن نائية تتعرض فيها للخطر، وإنما معها دائمًا أحد محارمها.. وما الذي يدفع الفاسق إلى المجازفة بالعدوان على محتشمة لا يراها ولا يعرفها ، بينما يجد ضالَّته في شبه العاريات المستهترات اللاتي يشكِّلن – بمظهرهن المثير المتبرج وكلامهن الناعم وعدم تحرجهن من الاختلاط بالجنس الآخر – دعوة صريحة إلى الفاحشة!!

وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في أمريكا ضرورة الفصل بين الجنسين في مراحل التعليم المختلفة لتجنب مشاكل كثيرة منها عدم التركيز إذا كان الأولاد والبنات مختلطين والغيرة والمشاجرات... الخ.

 بل وصل التحرُّش الجنسي والاغتصاب إلى داخل الشرطة الأمريكية ذاتها، والتي يُفترض أنها هي التي تحمى الناس!!

يقول الشيخ محمد صالح المنجد: "شمل استفتاء أُجرى مؤخرًا 333 امرأة تعمل بالشرطة الأمريكية ، وقالت نصف الشرطيات المشاركات أنهن تعرضن للاعتداء الجنسي من رؤسائهن وزملائهن الرجال، وامتنعت الباقيات عن التحدث في الموضوع!!

وقالت مجلة الطب النفسي الأمريكية أن 42% على الأقل من النساء العاملات تعرضن للاعتداء الجنسي من زملائهن الرجال ، والباقيات لم تجرؤ إحداهن على الكلام في الموضوع، و7% فقط من الحوادث هي التي يتم الإبلاغ عنها!!

وفى اليابان انتشرت ظاهرة التحرُّش الجنسي بالنساء في القطارات بصورة خطيرة خاصَّة في الرحلات المسائية المتأخِّرة. واضطرت شركة "كيو إليكتريك" للسكك الحديدية إلى تخصيص خدمة عربات "للسيدات فقط" في الساعات المتأخِّرة من الليل طبقًا لما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها من طوكيو. ووضعت شركات أخرى لافتات تدعو ضحايا التحرش الجنسي إلى الإبلاغ عن الفاعلين. وقررت السلطات اليابانية رفع غرامة التحرش الجنسي إلى خمسين ألف ين يابانى وآلاف الدولارات دون جدوى". انتهى(7).

إننا نشعر بالفخر؛ لأن الإسلام العظيم قد وضع حلولاً حاسمة تحمى النساء من هذا البلاء قبل 14 قرنًا من الزمان. ولو طبق البشر المفاهيم المتعدِّدة للحجاب – الملابس المحتشمة وعدم الاختلاط وعدم إبداء الزينة للأجانب – لما عمَّ هذا الوباء المسمى بالتحرُّش الجنسي والاغتصاب كل أنحاء العالم.

الحجاب ضد السرطان

وقد أثبتت أبحاث علمية حديثة الإعجاز الإلهي في الأمر بالحجاب، إذ تبلغ معدلات إصابة العاريات بسرطان الجلد أضعاف معدلات الإصابة بين المحتشمات. وتزيد النسبة بين مَن يرتدين "المايوه" لأخذ "حمام شمس" 13 ضعفًا عن الأُخريات، ويسبب التعرُّض لأشعة الشمس فترات طويلة حدوث "ندوب" و"بقع" في جلد المرأة، وهى من النوع الخبيث؛ أي: المسبب للسرطان"(8).

وهناك أبحاث أخرى غربية أيضًا تثبت ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي بين اللاتي ترتدين ثيابًا كاشفة للصدر والنحر.

وأكد طبيب كندى أن النقاب ليس مجرد زى محتشم للمرأة بل يقلل من خطر إصابة النساء بسرطان الأنف والحلق ؛ لأنه يمنع الفيروسات من دخول الجسم. ونقلت صحيفة "سعودي جازيت" الصادرة باللغة الانجليزية عن الأستاذ الجامعي مالاكر قوله أنه لاحظ أن معدل إصابة النساء في المملكة العربية السعودية - ومعظمهن منقبات - بفيروس يسبب سرطان الأنف والبلعوم منخفض للغاية. وقال مالاكر: "النقاب يقي من العدوى فى الجزء الأعلى من الجهاز التنفسي... وتنخفض نسبة الإصابة بسرطان الأنف والبلعوم بشدة لدى النساء في المملكة العربية السعودية مقارنة بالرجال". وأضاف مالاكر: إنه لأمر شَيِّق أن عادة اجتماعية بسيطة - يقصد النقاب - يمكن أن يكون لها مثل هذا التأثير الكبير على حياة الإنسان(9).

حجاب الرجال

ويطرح البعض تساؤلاً آخر: لماذا لا يفرض الإسلام الحجاب على الرجال كما فرضه على النساء! ونرد على ذلك فورًا بأن الإسلام قد فرض الحجاب على الرجال أيضًا. وقبل أن يتصايح البعض استنكارًا لما نقول نورد فيما يلي ما نقصده بحجاب الرجال:

( أ ) الحجاب بمعنى تجنب الاختلاط بغير المحارم من الجنس الآخر مفروض على الجميع رجالاً ونساءً. وإذا كان على المرأة أن تبتعد عن مجالس الرجال الأجانب عنها، فإن على الرجل أيضًا تجنُّب الاختلاط بنسوة أجنبيات عنه، فهذا أطهر لقلوب الفريقين، وهو مستفاد من قوله - تعالى -: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]. والخطاب هنا كما هو واضح للرجال، وصيغة الأمر لا تحتمل أي تحريف أو تأويل ، ثم ذكرت ذات الآية الكريمة الحكمة والعلة من هذا التشريع الحكيم: {ذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]. وطبقًا لهذا النص القاطع الصريح، فإن تجنب الاختلاط فرض على الرجال كما هو فرض على النساء، وهذا هو المعنى الأول للحجاب والمقصود الأسمى منه. ولا يقولن أحد أن هذه الآية الكريمة نزلت في نساء النبي فقط ؛ لأنه إذا كان الله - تعالى - قد ألزم أمهات المؤمنين أشرف النساء وأطهرهن بذلك ، وألزم أصحاب النبي - رضوان الله عليهم - بذلك أيضًا ، وهم خير القرون ؛ أي: خير البشر بعد الأنبياء، فإن الأجيال التي تأتى من بعدهم أولى بالالتزام بهذه الآداب والسلوكيات خاصة في ظل انتشار الفتن والانحلال كما نرى في أيامنا. والعبرة هي بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب. وقد قال ابن كثير - رضي الله عنه - تعليقًا على آيات سورة الأحزاب التي خاطبت أمهات المؤمنين: "هذه آداب أمر الله - تعالى - بها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساء الأمة تبع لهن في ذلك. انتهى(10).

وهناك حديث صحيح نهى فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرجال عن الدخول على النساء الأجنبيات – رواه البخاري – وخير صفوف الرجال في المساجد الصفوف الأولى خلف الإمام وشرها آخرها، وهى تلك القريبة من صفوف النساء، كما أن خير صفوف النساء في أماكن النساء بالمساجد أبعدها عن أماكن الرجال؛ لأنها أقرب إلى تجنب الفتنة. وهكذا نرى بوضوح أن التزام العفة وعدم الاختلاط فرض على الرجال أيضًا وليس على النساء وحدهن.

(ب) ألزم الإسلام الرجال بستر العورات كما ألزم النساء بذلك، لكن الفارق أن عورة الرجل هي من فوق سُرَّته – بطنه – إلى ما تحت الركبتين بينما بدن المرأة كله عورة.

ويلاحظ كاتب هذه السطور أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يرتدى ثيابًا طويلة أيضًا والعمامة سُنَّة مؤكَّدة على الأقل إن لم تكن واجبة. وهكذا فإن الحجاب بمعناه الآخر - وهو ستر العورات وتغطية الجسم - يكون واجبًا على الرجل بدوره وإن لم يكن بالضبط مثل خمار المرأة ، فاختلاف طبيعة وتكوين بدنه عن المرأة مما لا سبيل إلى الجدال بشأنه.

ولنا دليل من واقع الغرب هو أنهم ينتجون أفلامًا يسمون بطلاتها"ممثلات الإغراء" ويتفنَّن في التعري وإظهار مفاتنهن بكل خلاعة وانحلال ، كما تُقام هناك مسابقات (ملكات الجمال).

 ولم نرَ أبدًا ما يسمى "ممثل إغراء" أو "ملك جمال" من الرجال!!! وهذا يثبت صواب وحكمة وعظمة وصف الفقهاء لبدن المرأة بأنه عورة كله. فكيف يطالبون بعد هذا بالمساواة الكاملة بين الجنسين!

ألا يُحمد للإسلام أنه صان المرأة وأكرمها بالحجاب حتى لا يتحول جسدها إلى مجرد دُمية يعبثون بها، أو سلعة رخيصة يتاجرون فيها ثم سرعان ما يزهدون فيها ويلقون بها إلى قارعة الطريق بعد أن ينالوا منها مآربهم الدنيئة أو لأن جمالها قد زال بفعل الزمن وهو قدر لا فكاك منه؟!

إن ما يفعلونه بالغرب من تعرية للنساء وجعلهن أدوات رخيصة لإثارة الغرائز و"الإغراء" كما يقولون يثبت صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال في حديث متفق عليه عند البخاري ومسلم: "ما تركت بعدى فتنة هي أضر على الرجال من النساء" ، فلماذا يستنكرون كلامًا هم أوَّل من يُطَبِّقه في الواقع وعلى أوسع نطاق ممكن؟!! ومن لا يعجبه هذا الكلام فليعد قراءة الفقرة السابقة ، وليلقِ نظرة على وسائل الإعلام الغربي التي تتفنَّن في الاتجار بسيقان ونهود وشفاه وأعين النساء السافرات هناك!!

(ج) هناك قصة مشهورة لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع رجل من أهل المدينة اسمه نصر بن حجاج. فقد كان الفاروق يتفقَّد أحوال الناس ذات ليلة فسمع امرأة تقول شعرًا منه:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج

في الصباح أمر الفاروق باستدعاء نصر بن حجاج هذا فوجده وسيمًا كأجمل ما يكون الرجال. وفكر - رضي الله عنه - في كل الوسائل التي تكفل عدم افتنان مثل هذه المرأة بهذا الرجل الوسيم. وانطلاقًا من مسؤوليته كحاكم عن صيانة الآداب العامة أمر الفاروق نصرًا بارتداء العمامة فزادته جمالاً، وجرَّب معه كل الوسائل من حلق الشعر أو إطلاق اللحية فما زادته إلا جمالاً وفتنة. وهنا قرر أمير المؤمنين - رضي الله عنه - نفى نصر بن حجاج إلى خارج مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإغلاق باب الفتنة به ومنه. قال له نصر: وما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ أجابه الفاروق بأنه سيعطيه مالاً ويكتب إلى والى الإقليم الذي يرسله ليعيش فيه ليوصيه به خيرا. وتمَّ ذلك بالفعل وعندما اعترضت أم نصر قائلة للفاروق: سأشكوك إلى الله ، يبيت ولداك إلى جوارك وتحرمني من ابني? فردَّ عليها الفاروق - رضي الله عنه - بأن ابنيه لم تنظم النساء فيهما شعرًا ولم يفتتن يهما أحد. وتقول الروايات أن نصرًا هذا سبَّب فِتَنًا أخرى بجماله في المكان الذي ذهب إليه ، ولم يجد حلاًّ سوى الالتحاق بجيش المسلمين هربًا من الفتنة - رضي الله عنه - وهذه القصة تدل بوضوح على أنه يجب على الرجل ستر جسمه وخاصة إذا كان وسيمًا يفتن النساء ، وعليه أن يتجنب الاختلاط بهن سدًّا لذرائع الفتنة والرذيلة ، وعلى الحاكم المسلم أن يتَّخذ من الوسائل ما يراه ضروريًّا للحفاظ على الآداب العامة والقضاء على كل أسباب الرذيلة ولو بنفي من يتسبب في الفتنة. (11) وتقول كتب التاريخ الإسلامي أن يوسف عليه السلام – وكان من أجمل خلق الله – كان يغطى وجهه الشريف عندما تأتيه امرأة لتسأله حاجة خشية عليها من أن تفتتن بجمال وجهه (12).

وهكذا نرى أنه قد تكون تغطية الوجه واجبة على الرجل أيضًا في حالة الخوف من الافتتان به إن كان شديد الوسامة.

والخلاصة أن تجنب كل أسباب الوقوع في الرذيلة وتفادى كل دواعي الحرام واجب على الرجال بذات القدر الواجب به على النساء.  والقاعدة العامة الخالدة هي: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].


 

هوامش الفصل

1-    انظر تفسير الآية الكريمة عند ابن كثير والنسفى والقرطبى والطبرى والشوكانى والسعدى والرازى وغيرهم.

2-    انظر تفسير الآية الكريمة في المراجع المشار إليها.

3-    الحديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة عن أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنهما - وأخرجه أحمد 2/ 26، وأخرجه الترمذي 2220 و3944 من حديث ابن عمر - رضي الله عن الجميع – والمعنى: أن قبيلة ثقيف التي منها الحجاج قد خرج منها كذَّاب ادَّعى النبوة وهو المختار بن أبى عبيد الثقفي ، كما خرج منها سفَّاح قتل آلاف الصالحين وهو الحجاج بن يوسف الثقفي.

4-    انظر ترجمتها - رضي الله عنها - في الطبقات الكبرى لابن سعد الجزء الثامن، وكذلك تهذيب التهذيب وسير أعلام النبلاء وغيرها، والقصة وردت في تفاصيل غزوة أُحُد في سيرة ابن هشام وعند ابن كثير وغيرهما.

5-    الإحصاءات الرسمية عن جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي في أمريكا وغيرها من دول الغرب يمكن بسهولة الحصول عليها الآن عن طريق البحث على شبكة الانترنت لمَن يريد، وبمختلف اللغات.  وسوف يكتشف الباحث الفوارق الهائلة بين معدلات الجرائم في العالم الإسلامي , وتلك التي تقع في الغرب ، والحمد لله على نعمة الإسلام.

6-    انظر تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب في فتح القدير للإمام الشوكانى والجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبى وتفسير الطبرى والنسفى وتفسير القرآن العظيم لابن كثير وغيرها من أمهات كتب التفسير.

7-    المرأة العاملة – ألم وأمل – الشيخ محمد صالح المنجد – طبعة مكتبة سلسبيل مصر – ص 36-37 بتصرف يسير.

8-    20 دليل على وجوب تغطية وجه المرأة – الدكتور محمد بن عبد الرحمن العريفى – طبعة مكتبة سلسبيل – القاهرة – ص 41.

9-    جريدة البيان الإماراتية الصادرة يوم الخميس 19 مايو 2005م العدد رقم 9101.

10-  انظر تفسير القرآن العظيم – ابن كثير – تفسير سورة الأحزاب – الجزء الثالث – ص 453 - طبعة المكتبة القيمة – مصر.

11-  انظر سيرة عمر ابن الخطاب في البداية والنهاية لابن كثير – التاريخ وسير أعلام النبلاء للذهبي – مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزى وتاريخ الخلفاء للسيوطى.

12-  انظر قصة يوسف - عليه السلام - في قصص الأنبياء للثعلبي المسماة عرائس المجالس وقصص الأنبياء لابن كثير رضي الله عن الجميع.


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 معجزة الحجاب لأولي الألباب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7