الرئيسة قراءة في كتابالدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية
 
السبت 19 مارس 2011


 

د. محمد عمارة

دار الشروق- الطبعة الأولى 1409هج- 1988م

 

تفوح رائحة الطزاجة من هذا الكتاب على الرغم من مرور ثلاثة وعشرين عاما على طبعته الأولى، ومن العنوان يبدو الأمر وكأن الكتاب يتناول الشأن المصري الحالي بعد ثورة 25 يناير، فمع حالة السيلان السياسي الحالي تثور مشكلات أساسية عن تنظيم الدولة السياسي، والدستور وعلاقة الدين بالسياسة والمادة الثانية من الدستور، وتكوين أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية، لكن مع الصفحات الأولى للكتاب سندرك أن هذه المسائل ليست جديدة كل الجدة، فهناك إشكاليات وتحديات تواجه المجتمعات العربية والإسلامية تتعلق بنظام الدولة الحديث وتحديد العلاقة بين الدين والسياسة منذ تحقيق الاستقلال الوطني لهذه المجتمعات عن الاحتلال الغربي حول أواسط القرن المنصرم.  وهناك عاملان رئيسيان أديا  لتصدر تلك الإشكاليات واجهة المشكلات التي تعانيها مجتمعاتنا العربية الإسلامية، أولهما أن الاستقلال الوطني لم يتحقق كاملا، فهو استقلال منقوص بسبب تبعيتنا الاقتصادية للغرب وأيضا لأن النخبة الوطنية وقعت في فخ التغريب وأصبحت حليفة للغرب فكريا وثقافيا ومن أهم ما دعت إليه على مدى العقود الماضية العلمانية و ضرورة الفصل التام بين الدين والسياسة. في المقابل ظهرت في عصرنا الحديث تيارات إسلامية توحي أفكارها وممارساتها بأن الإسلام يوحد بين السلطتين الدينية والسياسية، وقد أدى ذلك إلى تطرف الطرف العلماني المقابل. وقام الصراع بين الطرفين على أساس الكثير من الخلط والتشويش والخطأ في المفاهيم والمعاني وسوء الفهم. ويعالج د. عمارة هذه الإشكالية من خلال جانبين متفاعلين مستمرين طوال صفحات الكتاب، جانب إيجابي بردها إلى جذورها وأصولها فيبحث في علاقة الدين بالسياسة بالرجوع إلى المصادر الأساسية للإسلام من القرآن والسنة النبوية، وأيضا السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. وجانب نقدي يفند فيه فكر الداعين للعلمانية، وفكر المنادين بالسلطة الدينية على السواء. وبتعاضد الجانبين يصل د. عمارة إلى الموقف الحاسم للإسلام في هذه الإشكالية وهو " التمييز لا الفصل بين الدين والدولة" والذي سيعرض له بالتفصيل في الكتاب.

*  *  *  *

الإسلام والسلطة الدينية

1- الحق الإلهي في الحكم    2- موقف الإسلام    3- الشيعة    4- الحاكمية لله

 

1- شاعت السلطة الدينية في الحضارات القديمة تحت مسمى الحق الإلهي في الحكم، فالحاكم السياسي يحكم لأن هناك صلة تربطه بالسماء، وهو غالبا ما يكون ابن الإله وقد يكون الإله نفسه، ونجد ذلك في الحضارة المصرية القديمة، وفي الحضارة الفارسية، وفي روما القديمة في مرحلتها الوثنية حيث كان الحاكم ابن السماء ثم في مرحلتها المسيحية حيث أصبح الحاكم رئيس الكنيسة. والسلطة الدينية تعني على المستوى الواقعي تجريد الشعب تماما من أية صلاحيات، فالشعب ليس له صلاحيات تشريعية ولا تنفيذية، ويترتب على ذلك تجريده من صلاحية مساءلة الحكام ومحاسبتهم على المدى القريب وتجريده بالدرجة الأكبر من حق الثورة عليهم أو تغييرهم واستبدالهم. إذن فمسمى الحق الإلهي في الحكم هو الغطاء النظري للحكم القائم على الظلم والاستبداد.

 

2- موقف الإسلام من السلطة الدينية موقف حاسم وصريح وواضح لا لبس فيه ولا غموض وهو موقف الرفض التام، فالقول بالسلطة الدينية يعني إضفاء العصمة والقداسة على الشخصيات المتمتعة بهذه السلطة، وهذا أمر ينفيه الإسلام عن البشر جميعا إلا الرسل سلام الله عليهم، وجانب العصمة في شخصية سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعلق بجانب التبليغ عن الوحي، فعصمته تتعلق بجانب الدين، أما جانب الدنيا في إقامة الدولة وتسييس الأمة وتسيير شؤون المسلمين فكان الرسول يجتهد برأيه ويشاور أصحابه وكثيرا ما أخذ بآرائهم أو أقر بأفعالهم وفي حديثه " ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به". وبوفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- أدرك الصحابة أن سلطانه الديني في التحدث باسم الوحي قد انتهى وأنه لا يحق لأحد إدعاء وراثة هذا السلطان، وكان منهج الصحابة في تسيير أمور الدنيا والسياسة هو الاجتهاد في ضوء مقاصد الإسلام وغاياته وكلياته، فتم اختيار الخلفاء بالاختيار والعقد والبيعة لا بالوراثة، وقد نبه الصديق أبو بكر المسلمين إلى الفرق الجوهري بين حكمه- وبالتالي حكم من سيليه- وحكم الرسول، فالرسول كان يعصم بالوحي وكان معه ملك، أما أبا بكر- كما يقول عن نفسه- فمعه شيطان، ويطلب أبو بكر من الناس الاضطلاع بمهتهم في مراقبة الحاكم ومحاسبته " فان استقمت فاعينوني وإن زغت فقوموني"

 

3- على المنهج الإسلامي الواضح الرافض للسلطة الدينية سار الفكر الإسلامي في عمومه، فالمعتزلة والأشاعرة وأهل السنة والظاهرية يرون أن السلطة في الإسلام مدنية، وليست دينية.. لكن حدث في التاريخ الإسلامي بعض الممارسات الضيقة التي خرجت عن هذا الروح العام.. وبالإمكان النظر إليها على أنها استثناء يؤكد القاعدة العامة كما أنها كانت ممارسات فعلية ولا تمس الإطار النظري العام الرافض للسلطة الدينية. في المقابل يأخذ الشيعة بالنقيض تماما ويوحدون بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في نظريتهم في الإمامة، وعلى عكس كل التيارات الإسلامية اعتبر الشيعة أن الإمامة ونظام الحكم السياسي من أركان الدين، وقد وضعوا الولاية ( الإمامة) بدلا من شهادة التوحيد في أركان الإسلام الخمسة، أي أنهم جعلوا لنظريتهم أصلا في الدين نفسه، بينما التيار العام للفكر الإسلامي يرى أن أمور السياسة والحكم من الفروع وليست من أصول الدين. ويقول الشيعة إن الإمام معصوم مثله مثل النبي  كما قدموا حجة منطقية صورية وهي أن أفراد الناس غير معصومين، وباجتماعهم في أمة تكون الأمة غير معصومة لذا لابد لها من حاكم معصوم يسوسها. وقد ناقشهم المؤلف في هذه الحجة الصورية مستندا إلى تراث الفرق الإسلامية والتي أثبتت العصمة والثقة لمجموع الأمة الإسلامية، فمحال على الأمة أن تجتمع على خطأ  أو ضلال.

 

4- حديثا برزت دعوات سياسية تقول إنه لا حكم إلا لله وتنادي بشعار " الحاكمية لله وحده"، ويعرض د. عمارة لها موضحا حقيقة دعواها ومفندا قضاياها مبينا أنها تقوم على أساس واه من الفهم الخطأ لنصوص قرآنية ونبوية. ويذكر أولا أن هذه الدعوات هي صدي للفكر الشيعي القديم، فيذهبون إلى أن السلطان السياسي في الأمة ليس من حق الشعوب، فالبشر ليسوا هم الحكام في مجتمعاتهم، وإنما حكم الأمة هو حكم خالص لله تعالى دونا عن البشر. والحق أن شعار الحاكمية لله وحده شعار يصادر حق التفكير وحق النقد، فمن من المسلمين ينكر حكم الله؟ ومن منهم يجادل ويماري في سلطات الأمة أمام سلطان الله عز وجل؟ يقوم د. عمارة بنقد هذا الفكر من جهتين، أولاهما ينقد فيه قولهم إن نظام الحكم الإسلامي ينتمي إلى نظم الحكم الحتمية أو اللإرادية فهو حكم تنتفي فيه إرادة البشر ولا توجد إلا إرادة الله وحده، فيرد عليهم  بأن مبدأ تقسيم نظم الحكم السياسية إلى نظم إرادية ونظم لاإراية هو مبدأ خاطئ في الأساس لأنه في حقيقة الأمر وفي الواقع الفعلي للبشر ليس هناك إلا نظم سياسية إرادية، فالسلطة في أي مجتمع من المجتمعات وفي ظل أي نظام كان وتحت أية فلسفة وبغض النظر عن الشعارات هي في يد البشر من حيث التشريع والقضاء والتنفيذ، وحتى في الحالة الإسلامية فان البشر يمارسون التشريع من خلال الاجتهاد في المسائل الفرعية والمسكوت عنها في الأدلة الشرعية. وعليه فان التقسيم الحقيقي هو وجود نظم استبدادية تتحكم فيها إرادة الحكام بمصائر شعوبهم تحت ستار من الإدعاء بالحكم باسم الله، ونظم تمارس فيها الشعوب إرادتها الحرة. ثم يوجه د. عمارة النقد لهذا الفكر من جهته الشرعية فيبين أنه قام على سوء فهم للنصوص القرآنية، فهم قد استمدوا مفهوم الحاكمية من لفظ " حكم" الوارد في القرآن الكريم معتبرين أن هذا اللفظ له مفهوم يتعلق بالسياسة والنظام السياسي للمجتمع، وهذا هو خطأهم الأساسي، فلفظ حكم في القرآن الكريم يرد بمعنى" القضاء" والفصل في المنازعات، وقد قدم د. عمارة أمثلة قرآنية كثيرة تثبت هذا المفهوم القضائي للفظ حكم، أما المدلول السياسي لنفس اللفظ فهو مدلول حديث يرجع إلى حياتنا المعاصرة، وقام أصحاب دعوة الحاكمية لله بإسقاطه على اللفظ القرآني. كذلك يستند أصحاب هذا الفكر إلى الآيات 41- 50 من سورة المائدة التي تتحدث عن حكم الله وفيها " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون..... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.." وقد فسرها أصحاب الحاكمية بضرورة قيام المجتمع المسلم على حاكمية الله وإلا لكفر هذا المجتمع، ويرد عمارة بأن بالرجوع إلى تفاسير مختلفة للقرآن وبالرجوع إلى أسباب النزول سنجد أن الآيات نزلت في أهل الكتاب وخاصة اليهود وفي تحكيم الرسول- صلى الله عليه وسلم- بينهم، بل أن الحكم بينهم يكون حسب كتابهم: التوراة أو الإنجيل، وليس المقصود هنا حكم القرآن، وبالطبع فان الحكم هنا يعني القضاء والفصل في المنازعات حسب المدلول القرآني للفظ حكم. ثم يستدل المؤلف من السنة النبوية بأمثلة متعددة على هذا  المدلول الأصلي للفظ حكم.

*  *  *  *

الإسلام والعلمانية

1- تعريف             2- مقارنة            3- استيراد للمشكلة واستيراد للحل

 

1-   العلمانية نشأت أول ما نشأت في أوربا ، وهي كمصطلح تنسب إلى العلم أو العالم.. وكمفهوم تقف العلمانية كطرف مقابل لكل ما هو مقدس أو خارق للطبيعة أو التقليدي الجامد الذي لا يراعي التغيير والتجديد، وهذه الصفات تنطبق على ما هو ديني أو كهنوتي، فالعلمانية نقيض الدين والكهنوت، وقد لعبت العلمانية الأوربية الدور الحاسم في القضاء على سلطة الكنيسة الكاثوليكية الكهنوتية والانتقال بأوربا من العصور الوسيطة المظلمة إلى عصور الإحياء والتنوير والحداثة.

 

2-   نشأت العلمانية في أوربا بسبب طبيعة الحياة فيها على مدى قرون طويلة، فقد سيطرت الكنيسة على الحكم وأقامت حكما دينيا استبداديا قام على اضطهاد مخالفيه، ومحاربة العلم والتجديد واضطهاد العلماء الذين يخالفون حقائق الكنيسة واضطهاد الأحرار الذين يرفضون العقائد الكنسية المحالة على العقل البشري.. فالعلمانية كانت ضرورية حتمية لأوربا، ولولاها ما قامت الحضارة الأوربية الحديثة. فماذا إذن عن الإسلام والحضارة التي نشأت في ظلاله؟ ليس في الإسلام دولة دينية ولا سلطة مقدسة، ويرفض الإسلام مفهوم رجل الدين ويرفض الكهانة والكهنوت، ولم يشهد على مدى تاريخه آية مؤسسات قمعية تقوم بقمع العلم ومحاربة العلماء والمجددين، إذن الإسلام لم يشهد على مدى تاريخه المشكلة التي عاشتها أوربا طويلا، وبالتالي فهو ليس في حاجة إلى العلمانية التي تمثل حل هذه المشكلة الأوربية. ويحلل د. عمارة خصائص المجتمع العلماني فيجد أنها خصائص وجدت في الإسلام قبل العلمانية، فمثلا المجتمع العلماني يعلي من قيم النفعية، ونجد في الإسلام إعلاءا للمصلحة والغايات والمقاصد، والقاعدة الإسلامية الشهيرة تقول مايراه جمهور المسلمين حسنا فهو عند الله حسن، والمجتمع العلماني يدعم التغيير والتجديد، وهذا ليس بغريب على الإسلام حيث أنبأنا الرسول بأن الله يبعث كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها.... ويستمر د. عمارة في منهج المقارنة والذي ينجح به في إثبات أن كل القيم الإيجابية للعلمانية توجد بالفعل في الإسلام، فإذا ما أضفنا ذلك إلى ما سبق قوله إن خصوصية الحياة الأوربية في العصور الوسيطة هي التي أدت إلى نشأة العلمانية فإن النتيجة التلقائية هي أننا لا نحتاج إلى العلمانية الأوربية إطلاقا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية.

 

3- ما هي الإشكالية إذن؟ لماذا ترتفع أصوات صاخبة في مجتمعاتنا مطالبة بتطبيق العلمانية؟ المشكلة تقع في المنادين أنفسهم بتطبيق العلمانية، المشكلة فيهم وليس في الواقع نفسه، فنحن في واقع مجتمعاتنا الإسلامية وعلى مدى تاريخنا لم نشهد سلطة دينية ولا كهنوتا ولا قداسة لأي شخص أو مؤسسة، وبالتالي فلم نشهد سيطرة وهيمنة توقف مسار الحياة وتعطل مجرى التطور مثلما فعلت الكنيسة الكاثوليكية في أوربا، فالمشكلة التي أنتجت العلمانية كحل وعلاج لا نعرفها من الأساس، فبالتالي نحن لا نحتاج العلمانية كدواء لأن الداء نفسه لا نعاني منه. والحق أن ما نعاني منه هو التيار التغريبي الذي يتبنى ثقافة الغرب ومناهجه ومفاهيمه، بل والمثير يتبنى أجندة نفس المشكلات التي يعاني منها الغرب ثم يتبنى نفس أجندة الحلول والإجابات متجاهلا بذلك خصوصية المجتمعات البشرية واختلافاتها الثقافية والواقعية العميقة فيما بينها. ويدين د. عمارة هذا التيار التغريبي بشدة لأنه في النهاية هو امتداد للفكر الغربي الاستعماري، الفكر المبطن بروح صليبية حقود كارهة للإسلام وراغبة في تحطيمه حتى وإن ادعى أهله بأنهم قد أقصوا الدين نائيا عن حياتهم ومجتمعاتهم بينما الواقع المعاش يشهد بتأجج الروح الدينية الصليبية بداخلهم تجاه الإسلام وأهله.

*  *  *  *

التمييز

لا الجمع... ولا الفصل

1- الموقف الحقيقي          2- الرسول السياسي          3- الأمة والوطن 

 

1- هكذا يرفض الإسلام السلطة الدينية ويرفض محاولات الجمع أو التوحيد بين السلطتين السياسية والدينية في كيان واحد، ويرفض أيضا- في المقابل- العلمانية والتي تعني الفصل التام بين الدين والسياسة وشؤون الدنيا. إذن ما هو الموقف الحقيقي للإسلام في ظل رفضه للطرفين المتقابلين؟ " التمييز لا الفصل بين الدين والدولة هو موقف الإسلام"، هذه هي إجابة الإسلام والتي تعني أن الإسلام يقول بمدنية السلطة السياسية وبشريتها وأن طريقها هو الشورى والبيعة والعقد، وأن الحاكم نائب أو وكيل عن الأمة وليس نائبا عن الله وأنه مسؤول أمامها فمن حقها مراقبته ومحاسبته وتقويمه..لكن مدنية السلطة لا تعني إطلاقا فصل الدين عن شؤون السياسة والمجتمع لأن الإسلام نفسه له مقاصد كلية وغايات حكمية لتنظيم حياة المجتمع، وبه آيات أحكام تضم ثوابت الدين المقننة للحياة البشرية، أما المتغيرات والجزئيات المتجددة فقد تركها للناس للاجتهاد فيها في اطار قواعده الكلية ووصاياه العامة واطره الجامعة ليعيشوا ويتحركوا ويطوروا مجتمعاتهم. هذا الموقف الإسلامي يمثل تطورا بالغا عن الحضارات السابقة وأيضا الرسالات السابقة وبخاصة في التاريخ العبراني، فاليهود كانوا دائما ما يحكمون بأنبياء ملوك، أم في الإسلام فان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم فقط بصفته نبيا وبصفته سياسيا أم خلفاؤه بعده فحكموا بصفتهم السياسية المدنية فقط فهم غير معصومين ولا يتكلمون عن وحي.

 

2- لن نتحدث عن جانب الرسالة فهذا أمر معروف للجميع، وقد أدى رسولنا الحبيب رسالته وأدى أمانته، وسنعرض سريعا لدوره كسياسي عظيم أسس الدولة الإسلامية وقاد الأمة ونظم المجتمع، وهناك إنكار من البعض أن يكون الرسول سياسيا فهو رسول فقط ويستندون في ذلك إلى أن القرآن الكريم لم يصفه بصفة الملك أو الحاكم، وهناك آخرون يعترفون بدوره السياسي لكنهم يحصرون هذا الدور في إطار الدين، بمعنى أن أفعاله السياسية كانت استجابة لتوجيهات الوحي، وقد قال بهذا قديما الخوارج والشيعة وحديثا أصحاب شعار الحاكمية لله، وبعض المستشرقين مثل سانتيلانا الذي يتصور الإسلام كهانة كنسية مثل الكنيسة الكاثوليكية في أوربا الوسيطة، أما الحق في نظر د. عمارة فهو أن دور الرسول السياسي كان فيه الكثير من اجتهاده، وفيه الشورى مع صحابته، والصحابة أنفسهم أدركوا أن الرسول في تسيير أمور الحياة والمجتمع كان كثيرا ما يتصرف برأيه واجتهاده، لذا نجدهم في مواقف كثيرة يسألون الرسول عما إذا كان قراره الذي قد اتخذه بناء على وحي أم بناء على فكره الخاص، فإذا كان الأول فليس عليهم إلا السمع والطاعة، وإن كان الثاني فإنهم قد يشيرون على الرسول بما هو أفضل، وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يرجع عن رأيه إلى رأيهم، مثال أنهم نزلوا منزلا أثناء استعدادهم لموقعة بدر، ولما عرف أحد الصحابة أن اختيار هذا المنزل هو مجرد رأى واجتهاد من الرسول أشار عليه بالتغيير إلى منزل آخر فوافق الرسول وحرك جنده إليه.

 

3-  مفهوم الأمة من المفاهيم التي استحدثها الإسلام، ومن عظمة الإسلام أنه جعل لها مفهومين يرتبطان بعلاقة العموم والخصوص، فعند تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة أصبح هناك أمة الدين وهم المؤمنون بالإسلام ودستورهم جميعا القرآن الكريم، وأيضا أمة السياسة وهم المواطنون الذين يعيشون في دولة واحدة وإن تفرقت أديانهم، وقد وضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- دستورا لهذه الجماعة السياسية يسمى " الصحيفة أو الكتاب" وعن المنضوين تحت هذا الدستور السياسي نجد فيه " إن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس "...ثم عن باقي الأمة السياسية يقول " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين.." وعن حقوق وواجبات المنضوين تحت هذا الدستور " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم..وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصرعلى من حارب هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.."  ويمثل هذا الدستور وبنوده برهان ساطع على سبق الإسلام في فكرة الوطن والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات السياسية على الرغم من اختلاف الأديان،([1] )



[1]  كما يمثل هذا الدستور النبوي الذي ساوى أهل الكتاب بالمسلمين في حقوق المواطنة لطمة شديدة لكل من يدعي أن المادة الثانية من الدستور المصري الحالي فيها انتقاص من حقوق المواطنة للمسيحيين

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7