الرئيسة قراءة في كتابإسلامية الدولة والمدنية والقانون
 
الإثنين 11 أبريل 2011

الدكتور عبد الرزاق السنهوري

إسلامية الدولة والمدنية والقانون

د. محمد عمارة

دار السلام للطباعة والنشر

الطبعة الأولى 1430هج- 2009

 

تشتعل الأجواء ويتعالى الغبار منبئا باشتداد المعركة وتلاحم المتصارعين، ويبدو المنظر مرعبا للنائي، ربما يرده خوفه عن الاقتراب ومحاولة تبصر ما يحدث جيدا، لكن من يملك شجاعة الاقتراب سيملك أيضا برد اليقين وسيكتشف أن غبار القتال ما يثيره إلا طائفة واحدة تظن أنها بطنطنتها وصخبها وضجيجها ستنتصر وتحصد الجوائز والانتصارات ، وقد قصر نظرها عن رؤية وهم جوائزها وزيف انتصاراتها. المعركة المفتعلة من هؤلاء محسومة منذ البداية وستظل كذلك إلى النهاية، مصر دولة مدنية هويتها إسلامية، عاشت وستظل تعيش في رعاية الشريعة الإسلامية، والإسلام دين ودولة، آخرة ودنيا، ودولته دولة مدنية فلا وجود للدولة الدينية في الإسلام، والدولة في الإسلام تقوم على الحقوق المتساوية لجميع مواطنيها بغض النظر عن أديانهم، وقد أقام الرسول- صلى الله عليه وسلم- الدولة الإسلامية على دستور صريح مكتوب يقر حقوق المواطنة للمسلمين واليهود من سكان المدينة. فلماذا لا يرد المتناطحون مع أنفسهم والمثيرون للمشكلات من اللاشئ والمتبنون لأهداف خاصة والساعون لمصالح ضيقة- وقد يكون موقف بعضهم صادر عن جهل واختلاط في الفهم مع حسن في النية- الأمر إلى أهله؟ لماذا لا يرجع هؤلاء في استجلاء الموقف الحقيقي لعلاقة الإسلام بالسياسة إلى أهل العلم والخبراء والمتخصصين؟ لماذا لا يصمتون ليستبينوا ماهية الشريعة الإسلامية ودورها في تنظيم شؤون الدنيا من أهل العلم والتخصص؟ ومن يكون أكثر علما وتخصصا من الفقيه الدستوري والعلامة القانوني والإمام الخامس د. عبد الرزاق السنهوري لكي يرد على الشبهات ويزيل الاختلاطات ويضع الأمور في نصابها ويوضح المسائل على حقيقتها؟ فإذا أرادوا الحق والبرهان فعليهم بهذا الكتاب للدكتور محمد عمارة عن السنهوري وفكره في إسلامية الدولة والمدنية والقانون.

*  *  *  *

سيرة عبقري

أحد العبقريات الإنسانية النادرة، اعترف الجميع بعبقريته التي لا تضاهى، وقد قال عنه أساتذته الاوربيون أنه الإمام الخامس بعد الأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، وليس المقصود أنه أسس مذهبا فقهيا خامسا وإنما التشبيه لعظم مكانته وعبقرية علمه. أراد الله سبحانه وتعالى للسنهوري (  1895-  1971م ) أن يشرق بشمس علمه على مصر والدول العربية في فترة حاسمة من تاريخ الأمة، فترة التحرر من المحتل الأجنبي سياسيا، ومن رحمة الله وفضله على أمتنا أن قيض لها  السنهوري في هذه الفترة ليكون واحدا من أهم وأقوى عوامل التحرر الفكري والحضاري والقانوني، فصاغ بعبقريته دساتير دول عربية كثيرة محققا لها الانخراط في المجتمع الدولي الحديث. إن عظمة وأستاذية وإمامة وعطاء وإنسانية وأفضال السنهوري تعجز ألفاظ اللغة عن التعبير عنها، وإيفاء السنهوري بعض من حقه لا يكون إلا بالعديد من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، لذا لن نعدد هنا بعضا من مآثره، لأن منهجنا هنا الإيجاز، والإيجاز لا يصلح أبدا في الحديث عن العظماء، ومن يرد الاستزادة من علم هذا الرجل فان نور علمه يشرق في الكثير والكثير من مصادر العلم والمعرفة.    

*  *  *  *

الوجه الإسلامي

1- الفكرة الرئيسية والمنهج    2- خطة عمل للعمر كله    3- آثاره وكتبه 

 

1- هذه هي الفكرة الرئيسية التي يقوم عليها هذا الكتاب: الوجه الإسلامي لفكر السنهوري، الوجه الحاضر الغائب، حاضر بصدوره فعليا عن صاحبه وتحققه خلال مراحل حياته المختلفة، وبوجود أصول ومصادر تخص السنهوري تتعلق بهذا الجانب الإسلامي، وغائب لأنه كما يقول  د. عمارة " غائب تماما لدى الكثيرين ومنقوص كثيرا لدى نفر قليل". وقد استخدم د. عمارة المنهجين التاريخي والموضوعي معا في كتابه هذا، كما أقام كتابه على منهج آخر هو الاعتماد على تقديم النصوص الأصلية للسنهوري نفسه، بمعنى أن عمارة يقدم الفكر الإسلامي للسنهوري من خلال ذكر عبارات وفقرات مطولة من آثار السنهوري، وكان ذلك حصافة وبراعة وحيطة واجبة من د. عمارة، فالسنهوري قامة شامخة وعبقرية نادرة، ومحاولة إبراز الصورة الإسلامية لفكره قد يثير حفيظة الكثيرين- في زمن ضعف فيه الإسلاميون وعملت الأنظمة العربية على مطاردتهم واضطهادهم- لذا استبق عمارة اعتراضاتهم ودحض احتجاجاتهم قبل التفوه بها وأثبت لهم بما لا مجال فيه للريبة والشك أن إسلامية فكر السنهوري أصيلة وراسخة. ويذكر د. عمارة واحدا من هذه الاعتراضات، وقد صدرمن الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين والذي أبدى دهشته من تقديم د. توفيق الشاوي للترجمة العربية لرسالة السنهوري عن الخلافة الإسلامية- وكانت مكتوبة بالفرنسية أصلا- وقال إن الشاوي جعل السنهوري من الإخوان المسلمين.[1]  

 

2- من جوانب عبقرية وعظمة السنهوري أن ثوابته الفكرية ومنطلقاته الأساسية تكونت مبكرا منذ صباه، وبالرجوع إلى مذكراته الشخصية التي بدأ في الانتظام في كتابتها منذ بلوغه الثانية والعشرين سنندهش للشاب الصغير الذي كان قد حدد أولوياته وأهدافه وأحلامه في مقتبل حياته، وبعبقريته النادرة استطاع السنهوري تحويل أغلب هذه الأهداف والأحلام إلى واقع خدم به الإسلام والأمة العربية. إن الأمر يبدو وكأن عبقرية السنهوري دفعته إلى وضع خطة عمل مبكرة لعمره القادم وحياته كلها، ويبدو الأساس الإسلامي في هذه الخطة واضحا بارزا، فمذكرات السنهوري عامرة بآيات حبه للمولى عز وجل، ناطقة بدلائل شكره لله سبحانه وتعالى  على ما أجزله له من عطاء، وكيف لا يشكره وقد كان فتى يتيما فقيرا فأعزه الله بالعلم وأغناه بخدمة الإسلام والمسلمين والعرب أجمعين. كان السنهوري عبدا شكورا لله يرى برد اليقين في الإيمان والتسليم لله عز وجل، ويرفض شقاء الإنسانية المعاصرة التي نصبت العقل إلها .. وكان السنهوري محبا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- متأسيا به مستمدا من أنوار عظمته ورحمته التي فاضت على الدنيا كلها . لقد كان إيمان السنهوري نورا آخر اجتمع مع نور علمه ففاض بنور علمه على الإنسانية جمعاء. وكان السنهوري وطنيا مخلصا مناضلا لم تمنعه وظيفته في النيابة العامة من الانخراط في ثورة 1919، وكان محبا لسعد زغلول، ومحبا أكثر لمصطفى كامل، لقد تربى السنهوري وجدانيا في مدرسة مصطفى كامل لأن هذه المدرسة نادت بالاستقلال الوطني لمصر ونادت أيضا بالجامعة الإسلامية لتوحيد شعوب الشرق، هذه التربية الوجدانية المبكرة كانت الأساس الذي بنى عليه السنهوري فكره حول الخلافة الإسلامية وإنهاض الشرق بالإسلام وأسلمة القانون وتجديد الفقه الإسلامي، وهو لب فكره الإسلامي الذي سنعرضه لاحقا.

 

3- كانت الغزارة في الكتابة من علامات عبقرية السنهوري، وسنشير هنا فقط إلى بعض آثاره المتعلقة بالجانب الإسلامي في مؤلفاته القانونية المتخصصة أو الفكرية العامة: 1- فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية. رسالة دكتوراه بالفرنسية في العلوم السياسية من جامعة ليون بفرنسا سنة 1926. 2- الدين والدولة في الإسلام. بحث سنة 1929. 3- الشريعة الإسلامية. بحث بالفرنسية قدم إلى المؤتمر الدولي للقانون المقارن بلاهاي 1932. 4- الشرق والإسلام. دراسة 1932. 5- الإمبراطورية العربية التي نبشر بها. بيان نشر سنة 1936.

6- الوحدة العربية. ثلاث مقالات 1936. 7- نبي المسلمين والعرب. بحث 1936. 8- المسؤولية التقصيرية في الفقه الإسلامي، بحث بالفرنسية مقدم إلى مؤتمر لاهاي سنة 1937. 9- الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع المصري، بحث بالفرنسية 1937. 10- وصية غير المسلم وخضوعها للشريعة الإسلامية، بحث كبير قدم كمذكرة قانونية إلى محكمة النقض سنة 1942. 11- مصادر الحق في الفقه الإسلامي مقارنة بالفقه الغربي. ستة أجزاء صدرت من 1954 إلى 1959.

هذه مجرد نماذج لإبداع السنهوري القانوني والفكري، فهي قليل من فيضه الغزير.

*  *  *  *

الجامعة الإسلامية

1- مفكر و مشروع حياة  2 - الأقليات الدينية والقوميات الفرعية  

3- ركائز النهضة الشرقية الإسلامية

 

1- بلغت عظمة السنهوري القانونية آفاق الشرق والغرب وأجمع عليها عظماء القانون في كل مكان، ومن خلال هذا الكتاب للدكتور عمارة نكتشف أن السنهوري كان أيضا  مفكرا عظيما له رؤيته الإصلاحية الواضحة ومشروعه الفكري المتكامل لإنهاض الشرق الإسلامي..بل سندرك أن إنجازات السنهوري الدستورية والقانونية العظيمة في مصر وكثير من الدول العربية  كانت خطوات تطبيقية تنفيذية لفكره الإسلامي الحضاري. كان إيمان السنهوري بفكرة الجامعة الإسلامية لتوحيد شعوب الشرق هو المحور الأساسي الذي دار حوله فكره النظري وأيضا فكره التطبيقي، وبهذا الموقف تميز فكر السنهوري مبكرا في فترة العشرينات من القرن العشرين، وهي الفترة التي عاشت أجواء سياسية وفكرية محتدمة تتعلق بتقرير المصير السياسي في وقت كانت أغلب الدول العربية تحت الاحتلال الأوربي وكانت الخلافة العثمانية تتهاوى إلى أن سقطت تماما في عام 1924، واحتدم الجدال  بين إتجاهات الاستقلال الوطني والقوميات المستقلة، وإتجاهات آخرى تنادي بالاستقلال عن الاحتلال الأجنبي مع الاحتفاظ برابطة أعلى تضم شعوب الشرق الإسلامي، وقد انحاز السنهوري للإتجاه الثاني معبرا بذلك عن امتداد فكر مدرسة مصطفى كامل الوطنية الإسلامية التي تربى فيها. [ إن دول الشرق لا يمكن أن تجتمع على شئ واحد غير دين الإسلام.. ولقد كنت أحلم صغيرا بالجامعة الإسلامية..وكلما تقدمت في السن ازداد إيماني وتعلقي بقيام الشرق الإسلامي.. وبجمعية أمم شرقية ..فالشرق بالإسلام والإسلام بالشرق..وإنهما شئ واحد.. وإذا تحدثت عن أحدهما فكأنني أتحدث عن الآخر]. وصلاحية الإسلام لقيام نهضة شرقية وحدوية عليه ترجع إلى مبدئين من مبادئه العامة: الأول المساواة بين الشعوب والأفراد فليس لأعجمي على عربي فضل إلا بالتقوى. والثاني أن الإسلام مفتوح لجميع البشر فهو دين للإنسانية جمعاء.

 

2- لكن دول الشرق الإسلامي بها أقليات غير مسلمة فكيف ننادي بإنهاض الشرق بالإسلام؟ كما أن أوربا- والتي كانت تتربع على رأس العالم آنذاك- قد فصلت الدين عن الدولة وأقصته في مكان ناء بعيدا عن شؤون الحياة وبذلك حققت نهضتها الحضارية؟  إجابة السؤال الأول تقوم على التمييز بين الإسلام كعقائد وعبادات والإسلام كمدنية وحضارة وثقافة، والإجابة الثانية تقوم أيضا على التمييز بين الإسلام والمسيحية في علاقة كل منهما بالدولة. فعقائد الإسلام وعباداته خاصة بالمسلمين فقط ولا تفرض على غير المسلمين، أما الإسلام الحضاري، أي إسلام الثقافة والمدنية فهو الميراث الحضاري لجميع شعوب الشرق، ساهم فيه الأغلبية الإسلامية والأقليات الدينية، فالإسلام الحضاري ثقافة جامعة لكل شعوب الشرق على اختلاف أديانها وقومياتها. لكن ماذا عن علاقة الأقليات الدينية بالشريعة الإسلامية وفقه المعاملات الإسلامي خصوصا وأننا سنرى فيما بعد أن إحياء الشريعة الإسلامية وتجديد الفقه الإسلامي من أهم مرتكزات نهضة الشرق عند السنهوري؟ الشريعة الإسلامية هي شريعة الشرق، وكان طموح السنهوري- والذي تحول من أفكار نظرية إلى تطبيق عملي- أن يقنن هذه الشريعة لتحويلها إلى قانون موحد يحكم جميع أبناء الشرق، وليس في هذا عدوان أو ظلم لأبناء الديانات الآخرى على الإطلاق، فالأديان الأخرى هي لاهوت عقائدي وتخلو من قوانين مفصلة حتى في الأحوال الشخصية، كما أن الشريعة الإسلامية ليست قانونا شخصيا إنما هي شريعة إقليمية للتطبيق في الدولة الإسلامية على جميع من يسكن فيها، والمبدأ الإسلامي الأصيل بترك أهل الكتاب أحرار في عقائدهم وعباداتهم لا يتعارض مع شمول الشريعة الإسلامية لغير المسلمين لأن الشريعة تشمل المعاملات ومصالح الدنيا وهو أمر يجمع بين المسلمين وغيرهم والذين يعيشون في نفس الدولة أو الأمة، ويستثنى من ذلك مسائل يسيرة وردت في كتبهم الدينية وهي على الحصر تتعلق بالأنكحة ونفى المهر وتمليك الخنزير والخمر، والحكم بدينهم في هذه المسائل المحدودة إنما هوحكم بالإسلام نفسه فالإسلام هو الذي أباح الرجوع إلى كتبهم في هذه المسائل المعينة، أما فيما عدا ذلك فان الفقهاء رأوا أن الشريعة الإسلامية خطاب عام لجميع المقيمين في دار الإسلام مسلمين وغير مسلمين، ويشمل أيضا "المستأمنين " عند أبو حنيفة ويقصد بهم الضيوف والزوار الآتين من خارج بلاد الإسلام، فأحكام المعاملات جميعا المتعلقة بالمال والعقود، والمتعلقة بالمواريث والوصايا، وما تعلق بالأهلية والحجر، والمتعلقة أيضا بالأنكحة والنفقات- فيما عدا المسائل المستثناة والتي ذكرناها سابقا- كلها أحكام لمواطني الدول الإسلامية على اختلاف أديانهم. لقد استند االسنهوري إلى المذاهب الفقهية الرئيسية في رؤيته هذه، وما قال به الفقهاء القدماء هو عين ما يراه السنهوري من رؤية مستقبلية، رؤية تتطلع إلى توحيد الشرق الإسلامي تشريعيا وقانونيا وقضائيا لتجاوز الفوضى القانونية التي خلقها الاحتلال الأوربي والذي فرض مرجعيته القانونية الأوربية وفرض أيضا تعددا في تلك المرجعية القانونية بين الأقطار العربية، بل وداخل الدولة الواحدة. كما أن الجامعة الإسلامية الشرقية جامعة لا مركزية تسمح بتعدد القوميات داخلها، فالجامعة الإسلامية كيان يجمع بين أوطان مستقلة وقوميات متعددة، وعلى كل قومية أن تعمل على نهضتها الخاصة وتقدمها الداخلي، فالقوميات الفارسية والتركية والعربية .. كلها قوميات تمثل انتماءات فرعية متعاضدة ومتآزرة داخل كيان أشمل ورابطة أقوى هي رابطة الجامعة الإسلامية.

 

3-  الكيان الإسلامي السياسي الموحد الأشمل للأقطار الإسلامية مختلفة القوميات  ليس هو البداية، بل هو الثمرة والغاية المبتغاة، أما البدايات فتكون بالتعاون بين الكيانات الفرعية في نهضات أربعة جزئية تمثل مرتكزات النهضة الشرقية الإسلامية الشاملة: 1- نهضة تتناول الشريعة الإسلامية وتطويرها لتطابق روح العصر. 2- نهضة تتناول اللغة العربية وتطويرها وتوحيد اللهجات المختلفة ما أمكن  3- نهضة اقتصادية وتشمل معاهدات اقتصادية وتجارية واتحاد جمركي وما يشابهه من مسائل. 4- نهضة علمية ثقافية لإحياء وتجديد العلوم والمعارف الإسلامية.

أما عن الإجابة الثانية المتعلقة بالتمييز بين الإسلام والمسيحية في علاقة كل منهما بالدولة فسنجد  تفاصيلها في الفقرة القادمة

*  *  *  *

الإسلام دين ودولة

1- التمييز      2- المدنية الإسلامية     3- دعوة مستمرة.. ورأي شاذ

 

1- الإسلام ليس كالمسيحية في مسألة العلاقة بينه وبين الدولة، فالمسيحية – كما أنزلها الله- كانت موجهة للقلوب والضمائر الداخلية، وكانت تعنى بعلاقة العبد بمولاه بعيدا عن مشاغل الدنيا وشؤون الحياة.[2] أما الإسلام [ دين ودولة.. ملك إلى جانب العقيدة..وقانون إلى جانب الشعائر..والنبي- صلى الله عليه وسلم- هو مؤسس الحكومة الإسلامية كما أنه نبي للمسلمين، أقام الوحدة الدينية للأمة العربية، والوحدة السياسية للجزيرة العربية.. ووضع قواعد الحياة الاجتماعية والحياة السياسية..فالإسلام دين الأرض كما هو دين السماء..]. وقد جمع الإسلام بين الدين والدولة مع التمييز بينهما، فالتمييز هو الموقف المميز للإسلام في هذه المسألة الجوهرية الشائكة المثيرة للجدل والخلاف والصراع، فالإسلام لا يوحد ولا يطابق بين الدين والدولة لأن السلطة الدينية مرفوضة في الإسلام، ولا يعرف الإسلام كهنوتا وليس فيه ما يسمى رجال الدين، إنما مجتهدو الإسلام يسمون علماء، ولا يتحدث أحد في الإسلام باسم الله، وقد حكم الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول تحت مسمى خليفة رسول الله وليس خليفة الله، كذلك فالإسلام لا ينفصل عن الدنيا، والشريعة الإسلامية جاءت لتنظيم حياة العباد وتحقيق مصالحهم في الدنيا بما فيها مصالحهم الساسية. والرسول- صلى الله عليه وسلم- بلغ قواعد الدين الإسلامي التي تعنى بالحياة الأخرى كما أنه وضع قواعد للحياة الدنيا التي طالما ذكرها القرآن الكريم وجعل السعادة فيها من أغراض الرسالة، فوضع الرسول قواعد لحياة اجتماعية وسياسية وأسس دولة إلى جانب دين، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في تأسيسه الدين نبيا مرسلا وفي تأسيسه الدولة رجلا عظيما.

 

2- تقوم المدنية في الإسلام على الإسلام نفسه، بينما لم تنشأ المدنية الغربية إلا بنبذ المسيحية، وهذا أحد الفروق الجوهرية بين الإسلام والمسيحية.. والنهضة الشرقية المرغوبة والمدنية المرادة في بلادنا الإسلامية الشرقية يجب أن تقوم على ديننا، والإسلام فيه ما يغنينا عن أخذ فضلات الأمم الأخرى، فدعاة التغريب وأصحاب تطبيق العلمانية الغربية في شرقنا الإسلامي إنما يأخذون مخلفات الأمم الأخرى [ إن الإسلام دين ومدنية.. والمدنية الإسلامية أكثر تهذيبا من المدنية الأوربية.. والرابطة الإسلامية هي المدنية الإسلامية وأساسها الشريعة الإسلامية..وأمتنا ذات مدنية أصيلة، وليست الأمة الطفيلية التي ترقع لمدنيتها ثوبا من فضلات الأقمشة التي يلقيها الخياطون]

 

3- عاش السنهوري المفكر الإسلامي العظيم سني حياته داعيا للوحدة الإسلامية، مبشرا بالجامعة الإسلامية، مكرسا لوحدة الشرق وإنهاضه بالإسلام، واستمرت إنجازاته العلمية العظيمة في مراحل حياته المختلفة لتطبيق فكره ودعوته، ومن أهم هذه الإنجازات رسالته الثانية للدكتوراه في فرنسا في عام 1926عن " فقه الخلافة الإسلامية وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية"، وقد جاءت هذه الرسالة في وقت حرج وعصيب فقبلها بعام في 1925 قدم علي عبد الرازق كتابه  الشهير " الإسلام وأصول الحكم" والذي زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة ورسالة لا حكم، وأن الرسول لم يكن إلا رسولا فقط فلم يقم دولة ولم يؤسس حكما ولم يحقق وحدة سياسية، وقد نقد السنهوري فكر عبد الرازق في إحدى فقرات رسالته تحت عنوان " رأي شاذ" أما الموقف الحقيقي للإسلام فقد صاغه السنهوري وأبرزه وأثبت أن: الرسول وضع لحكومته أصلح النظم الممكنة في زمنه، ولا يعاب عليه أنه لم يطبق النظم الحالية في عصرنا هذا لأنها بالطبع ما كانت لتلائم حال المجتمع آنذاك، وأن الرسول أقام دولة حقيقية بها نظم متعددة إدارية وعسكرية واقتصادية، وكان له عمال إداريون وجيش مسلح وأن هذه النظم كانت تحمل بذورا لتطورها وتجددها عبر الزمن، وأن السلطات التي باشرها الرسول كانت مدنية فقد فرض عقوبات جنائية على من خالف أحكام التشريع ولم يكتف بالجزاءات الأخروية، وكما كان رسولا نبيا كان- صلى الله عليه وسلم-  مؤسس الدولة الإسلامية وأنشأ دولة مركزية بالمدينة وعين حكاما للأقاليم خاضعين لتلك الحكومة، والصحابة بعد وفاة الرسول لم ينشئوا الدولة الإسلامية وإنما توسعوا في الدولة التي كانت موجودة بالفعل منذ عهد الرسول.

*  *  *  *

إحياء الشريعة وتجديد الفقه

 

ذكرنا سابقا مرتكزات النهضة الإسلامية الشاملة الجامعة لكل أمم الشرق، وأحد هذه المرتكزات هو إحياء الشريعة الإسلامية وتطويرها وتقنينها لتصبح القانون العام الشامل لكل بلاد الإسلام ولكل القاطنين فيها مسلمين وغير مسلمين.[ لقد أعطي الإسلام للعالم شريعة هي أرسخ الشرائع ثباتا.. وهي تفوق الشرائع الأوربية.. وإن استقاء تشريعنا المعاصر من الشريعة الإسلامية هو المتسق مع تقاليدنا القانونية.... وبها يتحقق استقلالنا في الفقه والقضاء والتشريع... لقد اعترف الغريب بفضلها، فلماذا ننكره نحن؟..] وقد عمل السنهوري على وضع مخطط مدروس لمنهج جديد في تجديد الشريعة الإسلامية، منهج يقوم على فتح باب الاجتهاد، وعلى إجراء منهاج المقارنة بين الشريعة الإسلامية والمنظومات القانونية الحديثة لبعث روح التجديد فيها، وعلى إعادة تبويب الشريعة الإسلامية حسب التقسيمات القانونية الحديثة مما يتناسب مع تعقيدات الواقع الحديث وهو الأمر الذي لم يشهده الواقع الذي نشأت فيه هذه الشريعة، وعلى تأسيس دراسات أكاديمية متقدمة لدراسة الشريعة الإسلامية في مرحلة الدراسات العليا. وقد نجحت جهود السنهوري وتكللت باعتماد الشريعة الإسلامية منظومة قانونية عالمية في مؤتمر لاهاي للقانون المقارن سنة 1932. وطبق السنهوري فكره النظري في صياغته للقانون المدني لمصر والعراق وسوريا والكويت وليبيا وصياغته  لمذكراتهم الإيضاحية، وأيضا وضعه لدساتير الكويت والسودان وإتحاد الإمارات العربية، حيث عمل على أسلمة تلك القوانين والدساتير لأن  الشريعة الإسلامية في نظره- كفقيه دستوري وعلامة قانوني-  من أرقى النظم القانونية في العالم، وقد بدأ السنهوري بتنقيح القانون المصري المدني في عام 1942 معتمدا علي الشريعة الإسلامية ثم طبق نفس التجرية بصورة أكبر في القانون المدني العراقي والذي كانت إسلاميته واضحة أكثر قبل تطوير السنهوري له بسبب اعتماده على الفقه الحنفي ومجلة الأحكام العدلية العثمانية، ثم استمرت مجهودات السنهوري في نفس المض



[1] رد فعل بهاء الدين يمثل خيرتعبير عن نهج النخبة المصرية طوال عقود طويلة، فهذه النخبة لا تعرف الإسلام وإنما تعرف فقط الإخوان المسلمين، وتجهل أن الإسلام دين عظيم أشرق بنوره من أكثر من أربعة عشر قرنا، وتنسب هذه النخبة كل مظاهر التدين الأصيلة في الشعب المصري والضاربة في عمق الزمن إلى تأثير الإخوان المسلمين والذين لم  يتعد تاريخهم أكثر من ثمانين عاما فقط، 

[2]  اكتفى السنهوري بهذا السبب في بيان أن المسيحية لا تصلح بالأساس لتنظيم شؤون الدنيا والسياسة، وهذا السبب يرجع إلى طبيعة المسيحية المنزلة من عند الله، ولم يتطرق السنهوري إلى أن المسيحية التاريخية والفعلية تغيرت جذريا عما أنزله الله، وأن تحول دين القلوب والضمائر إلى دين لمحاسبة القلوب ومحاكمة الضمائر في نظام كهنوتي قمعي قدم أسوأ مثل شهدته البشرية في الاضطهاد الديني وقمع الحريات وقتل الأبرياء في عصور سوداء استمرت قرونا عدة في أوربا الوسيطة  كان هو السبب الأقوى  لنشوء  العلمانية الغربية، لكن ما قدمه السنهوري يبدو منطقيا فسواء اتخذت المسيحية ثوبا كهنوتيا صارما أو استردت بساطتها ومخاطبتها للروح فقط كما أنزلها الله فأنها في كل الحالات لا تصلح لسياسة الدنيا ولا لتنظيم شؤون الناس.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 إسلامية الدولة والمدنية والقانون

محمد اسماعيل المراغى - مصر الإثنين 5 مارس 2012 11:58:47 بتوقيت مكة
   العمادة القانونية فى الوطن العربى
يعتبر المستشار الدكتور محمد كامل مرسى باشا أقدم عمداء القانون فى الوطن العربى
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7