الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010الكنيسة ...أقصر طريق للثروة
 
السبت 2 يناير 2010

"الدين أفيون الشعوب" مقولة شهيرة لفيلسوف المادية الجدلية كارل ماركس، وصف بها طاغوت الكنيسة وتحالفها مع جبروت الحكم المطلق، مقولة تصدق على المسيحية والأديان البشرية المختلفة لبسط النفوذ السياسي والاقتصادي والفكري على العوام، لكنها لا تصدق على الدين الذي اختاره الله في ختام رسالاته للناس لتحريرهم من الأفيون وزراعه وتجاره، كيفما كان هذا الأفيون.

وينبغي أن نوضح منذ البداية أن المقصود بالدين في كلمات القرآن كل عقيدة يؤمن بها الناس ويترجمونها إلى سلوك عملي مقرون بالتقديس والخشية من المعبود سواء كان هذا المعبود كائنا غيبيا أم مشاهدا حسيا. فعبادة الأصنام وتعظيمها إلى جانب الله، أي الإشراك، دين العرب في الجاهلية ودين كثير من الناس في بقاع شتى من الدنيا وفي فترات مختلفة من تاريخ الإنسان قديما وحديثا. ولذلك قال القرآن الكريم للمشركين في سورة الكافرون "لكم دينكم ولي دين"، فأقر لهم بدينهم، كما أقر بوجود أديان أخرى غير الإسلام، مؤكدا أن الدين الوحيد المقبول عند الله هو الإسلام، والأديان الأخرى كلها هواء فقال "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" وقال "إن الدين عند الله الإسلام".

ولنعد إلى حديثنا عن تحويل الدين إلى أفيون تخدر به الشعوب وتساق كقطعان الماشية الهائمة إلى حيث يريد لها الطغاة والأرباب المزيفون بتحالف بين السياسي والديني أحيانا، أو بتنافر وتنافس وعداوة أحيانا أخرى.

ولن نعود بعيدا في صفحات التاريخ المطوية، ولكنا نقدم الدليل على هذا من وقائع أيامنا الحالية، ومن القارة السمراء. ففي هذه البلدان التي يزدهر فيها الفقر يبيع رجال الدين الأمل الكاذب للناس فيقولون لهم في نيجيريا مثلا "سنة 2005 هي سنة المنعطف، وها قد أتى الخلاص". ووسط هؤلاء المسحوقين الضائعين يتقدم المبشر دافيد أوييبو ببذلة بيضاء أنيقة ليدغدغهم "إنكم ستتخلصون من السيدا والسرطان بقوة مولدكم من جديد.. ولن يمسكم بعد اليوم أذى السحرة والساحرات" مجلة أفريكا بلوس العدد 67 أكتوبر 2005.

ويتلقى العوام المنبهرون وعودا بالغنى والثروة إن كان في قلبهم "النية والإيمان"، لكنهم لا يصبحون أغنياء، الذين يلتحقون بنادي كبار الأغنياء هم الرهبان والقساوسة، ففي سنة 2005 كانت أكبر كنيسة إنجيلية في نيجيريا redeemed church of god "المختارون من الرب" تمتلك أربعة مصارف مالية. وعلق صامويل أوييم بجامعة إبادان في صحيفة ليبيراسيون فاتح يوليوز 2005 على الوضع فقال "بعد أداء الخدمة المدنية، يؤسس خريجو الجامعات كنيسة، وبعد بضعة أشهر يشترون سيارات وإقامات.. لقد صار هذا أقصر طريق للثروة في أيامنا هذه وفي بلدنا هذا". وبالفعل فقد صارت الكنائس عملا مدرا للأرباح وتكديس الثروات لأن على الأتباع أن يؤدوا للكنيسة جزية قدرها 10 بالمئة من مداخيلهم الهزيلة وإلا تعرضوا للإبعاد من المعابد حسب الكاتب والمحقق الكاثوليكي باتريس دو بلونكيت. أما الفتيان الأفارقة فيخففون عن أنفسهم قائلين "الكنيسة على الأقل ما زال فيها أمل لا يوجد في غيرها".

ولتجميع الثروة وتوسيع دائرة الأتباع، لا تتواني المعابد الإنجيلية الأمريكية عن استخدام جميع الأساليب، وهو ما سماه دو بلونكيت "التبشير الحربائي"-انظر كتابه الإنجيليون نحو غزو العالم ص 115 الطبعة الأولى 2009 دار بيران، فرنسا- ويقصد به استعداد الإنجيلية التام للتخلي عن جوهر العقيدة المسيحية البروتستانتية وتعويضها بالمعتقدات والأشكال الدينية المحلية.

المبشر الإنجيلي السابق عالم الأنتروبولوجيا الأمريكي شارل كرافت يوضح في كتابه "مسيحية قوية" هذا التحول فيقول "كنا نبلغ رسالة لا قوة فيها إلى قوم واعين أشد الوعي بوجود قوى خفية، لكن الإنجيليين غير الكلاسيكيين، جاءوا برؤية جديدة للكون على أنه ساحة حرب دائمة بين الخير والشر. ولم تجد بعض أشكال الإنجيلية غضاضة في إعطاء قوى الشر دورا هاما، لتسويغ ضرورة خوض الحرب ضدها، فصاروا ينظمون مهرجانات وحملات للخلاص. ويرى علماء الاجتماع الديني أن هذا شكل من أشكال العقيدة مستوحى من الدين الأفريقي التقليدي "البانتو"، وهذا الأسلوب هو الذي اتبعه المبشرون الكاثوليك الذين رافقوا الاستعمار القديم في أفريقيا، وقال كبيرهم الكاردينال الكونغولي جوزيف ألبير مالولا "بالأمس نصر المبشرون أفريقيا بعناية من الرب، واليوم على الأفارقة أنفسهم أن يعطوا للمسيحية طابعها الأفريقي وروح الله معهم".

هذه التحولات الكبيرة تثير نقاشا حادا داخل الملل والنحل المسيحية، أما الكاثوليك فيرفعون خلافاتهم أمام البابا ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه وينتظرون. أما الإنجيليون فلا ينتظرون أحدا، ولا تهمهم النظريات والمناقشات بقدر ما تهم الأعمال والمنجزات، ذلك أنهم يتوقعون أن الرياح تجري لصالح سفنهم، والولايات المتحدة الأمريكية تؤيدهم بقوتها السياسية والعسكرية العالمية، ويقولون "في جميع بقاع الأرض، الناس يطلبون ما هو "محلي" و"قريب" و"مرن" وهذه الخصائص الثلاث هي ما تظهره الإنجيلية في كل مكان: إيمان قوي يمكن أن يعبر عن نفسه بألف طريقة مختلفة.

من يتابع تاريخ المسيحية في القرون التي خلت من قبل، بل في القرن الأخير فقط، سيدرك أنها بركان من الإصلاحات وإصلاح الإصلاحات وتجديد القديم وعودة الخفي وخفاء الجلي، وذهاب الجوهر والحرص على المظهر. وإذا تساءلت في النهاية ما هي النصرانية فتسمع من النصارى والرهبان أجوبة لا حصر لها، وسيقول بعضهم عن بعض إن هؤلاء ليسوا على شيء، وهم يتلون الكتاب المقدس. أو هكذا يزعمون.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الكنيسة ...أقصر طريق للثروة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7