الرئيسة حواراتتوفيق علوان: دراستي للجراحة والفقه قادتني لاكتشاف أثر الصلاة على دوالي الساقين
 
الإثنين 4 يناير 2010
فاطمة محمود

يُعدّ الدكتور توفيق محمد علوان الذي تحاوره هنا (الإسلام اليوم) إحدى الشخصيات العلمية المتميزة في العالم الإسلامي؛ إذ جمع بين العلوم الطبية والعلوم الشرعية، وكرّس وقته وجهده لتبيان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة للناس.
كان الدكتور توفيق علوان متميزاً في دروسه منذ بواكير صباه، والتحق بكلية الطب في جامعة الإسكندرية، وتخرج فيها، ثم نال درجة الماجستير في تخصص الجراحة العامة وجراحة الأوعية الدموية، ثم بدأ يدرس العلوم الشرعية فتحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، كما حصل كذلك على عدة إجازات علمية منها: إجازة في القراءات السبع المتواترة "من طريق الشاطبية"، "والعشر الصحيحة" من طريق "الدرة المضيئة ابن الجزري". وإجازة في الفيزياء الفلكية الحديثة حول نظرية النسبية لأينشتاين.
وفي هذا اللقاء يتحدث الدكتور توفيق علوان حول تخصصه (جراحة الأوعية الدموية)، وكيف أنه اكتشف أن الصلاة بما فيها من تحرك (ركوع وسجود) تحمي من مرض دوالي الساقين، كما يتحدث عن أهمية العلوم الشرعية وكيفية اختيار الشباب لتخصصاتهم العلمية، والجمع بين أكثر من تخصص.


دكتور توفيق.. في وقتنا الحاضر يحتار المرء في اتخاذ أي قرار مصيري يتعلق بمستقبله..! وذلك لعدم وضوح الرؤية المستقبلية سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمعات.. هل تعرّضت لهذه الضبابية عند تحويل مسارك من الطب الشرعي إلى علم التفسير وعلوم القرآن .. أم كانت الظروف مواتية؟
في المراحل الفاصلة في حياة الإنسان لابد من معيّة الله تعالى لاتخاذ القرارات المصيرية, غير أن ما واجهته عند اتخاذ قرار التحوّل من الطب الشرعي إلى مجال التفسير وعلوم القرآن لم يكن متلبساً بضبابية أو تعذّر في الرؤى؛ لأنه من المعلوم أن القرآن يعلو ولا يُعلى عليه، وأن خاصّة الله تعالى هم أهل القرآن, وأن معلّم الخير إنما يستغفر له كل خلق الله تعالى حتى النملة في جحرها والحوت في بحره كما ورد في الآثار, وإنني لأعدّ تفرغي للتفسير وتدريس العلم الشرعي في الجامعة وخارجها من أعظم منن الله تعالى عليّ, علماً بأنني لم أنقطع عن دراسة الطب والجراحة، وهو تخصصي الطبي، بل مازلت على صلة وثيقة بأحدث المراجع الطبية، وكل ما يستجد من مكتشفات، مع الاتصال الدائم بالمراكز الطبية والمستشفيات والأطباء لتناول وممارسة الطب بما يقتضيه الحال.

إلى أي مدى استفاد الطبيب الشرعي – توفيق علوان – من علم التفسير؟ وهل هناك استفادة مباشرة يمكن تأصيلها وإثباتها في مؤلف يستفيد منه الجميع؟
زملاء مهنة الطب مازالوا على صلة وثيقة ومتجددة, وهناك مؤلف طبع أكثر من طبعة واسمه "معجزة الصلاة في الوقاية من مرض دوالي الساقين" ناقشت فيه علاقة الصلاة وأثرها في الوقاية من مرض الدوالي، وهو بروز العروق الذي يحدث في الساقين، وأثبت فيه -وبحمد الله تعالى- أن للصلاة الأثر الحاسم في الوقاية من هذا المرض, كما أن كتاب "آيات الله المبصرة" وكتاب "آيات الرحمن في تدبير الأرحام" وكذلك شريط الفيديو المصور "معجزة خلق الإنسان بين الطب والقرآن"، وغيرها من مؤلفاتي المقروءة والمسموعة والمرئية تصب في خدمة كتاب الله تعالى بأحدث المعلومات الطبية, وكذلك إثراء مهنة الطب من الجهة الأخلاقية و المهنية بفيض التعاليم القرآنية الرشيدة.

هل تحدثنا عن بحثكم الطبي الذي أثبتّم فيه معجزة الصلاة كتشريع إسلامي وعلاقتها بالوقاية من مرض دوالي الساقين.. (والذي حصلتم به على درجة الماجستير)؟
إن دوالي الساقين عبارة عن خلل شائع في أوردة الساقين يتمثل في ظهور أوردة غليظة ومتعرجة وممتلئة بالدماء المتغيرة اللون على طول الطرفين السفليين، ومن المؤلم أنها تصيب ما يقرب من عشرة إلى عشرين بالمائة من الجنس البشري, ولقد تعارف العلماء على تصنيف دوالي الساقين إلى صنفين: دوالي ابتدائية, ودوالي ثانوية, وبالنسبة للبحث عن الأسباب في الإصابة بهذا المرض فلقد تنازع مشاهير الجراحة في نظريتين، تشير الأولى منهما بإصبع الاتهام إلى الصمامات داخل الأوردة حيث يؤدي خللها وعدم إحكامها إلى زيادة مؤثرة في الضغط في جدران الوريد، والتي تنتقل بدورها إلى الرقعة المجاورة إلى أسفل ما يؤدي إلى انهيار مقاومة الجدار وتمدّده، وبعد فترة طالت أو قصرت نجد أنفسنا أمام صورة تامة ومتكاملة لدوالي الساقين.
أما النظرية الأخرى فهي تعتمد أساساً على افتراض ضعف أصيل ومؤثر كامن في جدر الأوردة المؤهلة للإصابة بالدوالي، مما يجعل الوريد معتمداً في مواجهة الضغوط المتزايدة للدماء داخله في قوة الطبقة النسيجية الحافظة من فوقه، وعلى مدى سلامة المضخة الوريدية, هذا عن الدوالي الابتدائية أما عن الدوالي الثانوية فربما ترتبت على عوامل كثيرة كالجلطة الوريدية العميقة التي تؤثر مباشرة على قدرة الصمامات على الإحكام، فإذا هي قد فقدت وظيفتها تماماً، وهكذا تنتقل الضغوط القوية في الأوردة العميقة حال التمرينات العضلية للساقين وبنفس قوتها عبر الصمامات التالفة إلى الطاقم الوريدي السطحي ذي الحماية الهزيلة، فتنهار جدرانه، وتتمدّد إلى الصورة النموذجية لدوالي الساقين.
وبالملاحظة الدقيقة التي أُجريت على عينة البحث أثناء الحركات المتباينة للصلاة وجدت أنها تتميز بقدر عجيب من الانسيابية والانسجام والمرونة، وأعجب أمر أنه بالقياس العلمي الدقيق للضغط الواقع على جدار الوريد الصافن عند مفصل الكعب كان الانخفاض الهائل لهذا الضغط أثناء إقامة الصلاة, فعند المقارنة ما بين متوسط الضغط الواقع على ظاهر القدم حال الوقوف ونظيره حال الركوع الأول وقد بلغ ما قيمته (93,07 سم/ ماء)، فيما كان الثاني (49,13 سم/ماء) فقط، وكما هو ظاهر فإن النسبة لا تزيد إلاّ يسيراً عن نصف الضغط الواقع على جدران تلك الأوردة الضعيفة. أما متوسط الضغط عند السجود الأول فكان ناطقاً؛ إذ بلغ فقط (3 سم/ماء)، وغنيّ عن البيان أن انخفاضه لهذا المستوى ليس إلاّ راحة تامة للوريد الصارخ من ضغطه القاسي طوال فترة الوقوف, أما عند السجود الثاني فكانت القيمة (1,33سم/ماء), وفي محاولة لاستبعاد الوقوف تماماً من حركات الصلاة وحساب متوسط الضغوط الأخرى (ركوع– سجود– جلوس) كانت النتيجة معبرة تماماً، إذ وجدت المحصلة (17, 55 سم/ماء)، وهكذا لا تكاد الضغوط في كل ركعة على جدران الأوردة تبلغ 19% فقط من قيمة الضغط أثناء الوقوف.
والحاصل أن الصلاة بحركاتها المتميزة تؤدي إلى أقصى تخفيض لضغط الدم على جدران الوريد الصافن, أما التأثير البالغ الغرابة للصلاة فهو يرجع إلى أن الصلاة تؤدي إلى تنشيط للقدرات البنائية لمادة الجولاجين، ومن ثم تقوية جدران الوريد, وإنه لعجيب حقاً أن النتائج التي توصّلنا إليها بقياس كمية الهيدروكسي برولين في الجدار عند أولئك المصابين بدوالي الساقين ومنهم المصلون وغير المصلين، وقد بلغ في المصلين (6 ,13) وفي غير المصلين (16, 43) فقط , أما في غير المصابين بالدوالي أصلاً فقد كانت النتيجة مذهلة؛ إذ سجّلنا فرقاً ملحوظاً بين المصلين وغير المصلين, فكان متوسط قسمة الهيدروكسي برولين في جدار أوردة المصلين (80,93)، بينما استقر غير المصلين عند (63,40) فقط، مما أثار التساؤل حول هذا الدور السحري للصلاة كتمارين رتيبة وهادئة على تنشيط القدرات البنائية للمادة المقوية لجدار الوريد, وجاءت الإجابة واضحة على لسان (وليام جانونج) سنة 1981م؛ إذ فرّق بعناية بين التمرينات العضلية الشاقة وبين تلك الهادئة الخفيفة، فقرر أن الأخيرة تحدث تغيّرات تظهر في تمدد الأوعية الدموية وزيادة الضخ الدموي بها، ومن ثم تزداد نسبة التغذية بالأوكسجين الحيوي الذي يكون كافياً لإنتاج الطاقة الهادئة المطلوبة لتلك التمارين.
والخلاصة: إن الصلاة تُعدّ عاملاً مؤثراً في الوقاية من دوالي الساقين عن طريق ثلاثة أسباب:
الأول:أوضاعها المتميزة المؤدية إلى أقل ضغط واقع على الجدران الضعيفة لأوردة الساقين السطحية.
الثاني:تنشيطها لعمل المضخة الوريدية الجانبية، ومن ثم زيادة خفض الضغط على الأوردة المذكورة.
الثالث: تقوية الجدران الضعيفة عن طريق رفع كفاءة البناء الغذائي بها, ضمن دفعها لكفاءة التمثيل الغذائي بالجسم عموماً.

هل تحصيل العلم الشرعي ضرورة شرعية في زماننا هذا والذي توافرت فيه كثير من المصادر التي يستقي منها المسلم الإجابة عن سؤاله أياً كان في وقت وجيز, ودون عناء..؟!
نعم يجب على كل قادر أن يحصّل العلم الشرعي بكل ما يملك من جهد وبالطريقة المثلى التي درج عليها سلفنا الصالح العظيم؛ فقد أخذ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العلم عنه مباشرة، فتعلموا علم التلقين، وعلم التأثير جميعاً, ولم يركنوا إلى الدعة أو الراحة، أو اكتفوا بمن يبلغهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم شهود ينظرون، بل اقتطعوا من حياتهم وأنفسهم وأهليهم وأموالهم ما هو مقرر معلوم في السير جميعاً، فحازوا عزّ الدنيا وأعلى درجات الآخرة, ومن أراد العلم بأسرع الوسائل مستخدماً التقنية الحديثة لاعتاد التكاسل والراحة التامة؛ فربما تحصّل له علم أفضل من محض الجهل، غير أنه من المحال أن يتحصّل له العلم التام السامي الكامل الذي كان على طريقة ملازمة الشيوخ, والتنقل في حلق الذكر والعلم, شتان ما بين الحياة النابضة الحية المتدفقة, وبين الأجهزة الباردة الصماء والآلات العجماء, الأمر الذي يدركه دون عناء كل ذي حي لبّ سليم وفهم مستقيم.

بمن تأثّرت في اتجاهك للتفسير؟ ومن هو قدوتك في هذا المجال؟
قدوتي في مجال التفسير هم خيرة خلق الله تعالى الذين ميزهم على سائر خلقه بأن اختارهم لخدمة كتابه وبيانه للعالمين, وعلى رأسهم وأولهم وقدوتهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم الذين أخذوا عنه التفسير من الصحابة، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، علماً بأنني تأثرت كثيراً بتفسير ابن عباس بالذات؛ لأنني وجدت فيه عجائب العلم، ونفاذ البصيرة، وجلاء الفهم مما هو فوق طاقة الناس، وكأنه تجسيد لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يفقهه الله في الدين ويعلّمه التأويل. أما من المعاصرين فقد رحلت طويلاً في طلب العلم، وأخذت عن مشايخ كُثر قرأت عليهم، وتعلّمت منهم، وكان لكل منهم الأثر الذي لا يخفى تربية وأخلاقاً وآداباً، و علماً ورسوخاً وتعمقاً بما أدركته من صفاتهم. جزاهم الله جميعاً عني خير الجزاء.

من خلال دراساتك وأبحاثك.. هل استطعت التعرّف على هفوات العلماء في مجال التفسير؟
أبى الله تعالى إلاّ أن تكون العصمة لكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم, وغيرهم بشر عرضة لعوامل التدهور والنسيان والتقصير والقصور, وهذا لا يعيب علماء التفسير بل بحسب العظيم أن تُعدّ زلاّته, علماً بأن المآخذ على التفاسير هو باب مقرر للتدريس لا يستنكف منه عالم أو متعلم، وهو ما تتبعته طبعاً أثناء تدريس أي من التفاسير ليس بقصد النقد والتجريح بل بقصد التكملة والطموح للكمال، ومن باب التعاون على البر والتقوى ببيان الغامض وتصحيح الخلل وإكمال النقص، وما زالت هذه هي سيرة طلبة العلم في هذه الآونة يتوارثونها كابراً عن كابر.

ما النصيحة التي تريد توجيهها لطلبة العلم الشرعي عامة, والشباب منهم خاصة؟
نصيحتي لطلبة العلم الشرعي, بأن يفتدوه بأنفسهم وأهليهم وأوقاتهم؛ فليس على الأرض اليوم أثمن ولا أجّل ولا أكرم ولا أعلى من العلم الشرعي.
فلا يأخذون هذا الأمر هزلاً بل الجدّ الجدّ, ويتلقّون العلم بكل قلوبهم، وأن يستقيموا في آداب طلب العلم الشرعي, وأن يجهدوا أنفسهم، ويسهروا ليلهم في رياضه الشريفة, وأن يكون غرضهم من العلم رضا الله تعالى، متجرّدين، لا يطلبون به ثمناً ولو كانت الدنيا بحذافيرها, وأن يتعلموه على ما ينبغي من غاية الاجتهاد، ولا يركنوا إلى الدعة، ولا يجعلوه آخر اهتماماتهم، و لأن الله تعالى يضع العبد حيث وضع نفسه؛ فمن جعل الله تعالى أولاً والدنيا كلها ثانياً رأى من عجائب قدرة الله وعونه وفتوحاته. فسبحانه يعلم كل من سلك هذا الطريق بإحسان .

قمتم أخيراً بإصدار مجلة جديدة باسم (المعجزة). ما هي أهداف هذه الإصدارة؟ وما الجديد الذي ستقدمه؟
مجلة المعجزة الهدف منها إبراز وجه جديد لإعجاز القرآن الكريم في عصر لا يؤمن اليوم إلاّ بالمشاهَد المحسوس وبالعلوم, فكانت الفكرة بإصدار مجلة تؤصل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بالأدلة العقلية والنقلية التي ترسخ كونه فرعاً أصيلاً من فروع علوم القرآن, وكذلك تقرير الشروط الواجبة في حق من يتناول القرآن الكريم من جهة التفسير العلمي أو إثبات الإعجاز العلمي, وأن تقوم بإبراز ثمار الإعجاز العلمي في القرآن والسنة عقدياً وتشريعياً ولغوياً ودعوياً, ثم عرض نماذج من شهادات كبار العلماء الكونيين المسلمين وغير المسلمين على ثبوت المعجزة العلمية في الكتاب والسنة... و غيرها من الأهداف والأنشطة التي تنهض بها مجلة المعجزة.

الإسلام اليوم

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دراستي للجراحة والفقه قادتني لاكتشاف أثر الصلاة على دوالي الساقين

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7