الجمعة 2 سبتمبر 2011
New Page 1

رمضان غيرني

بقلم الدكتور خالد بن صالح الصغير

خالد بن صالح الصغير

الكثيرون منا من يربط التغيير عنده بحدثٍ ما!

كرمضان على سبيل المثال وهذا شيء جميل، إلا أن غير الجميل فيه هو أنه قد يتخطى ذلك الشيء ويبقى الحال من المحال، ويرجع الوضع إلى أسوأ مما كان عليه في السابق!

كنت يومًا عند أحد الأصدقاء، فقال لي: كيف أتغير فقد مللت نفسي وحياتي؟

قلت له: إن رمضان على الأبواب؛ فالتغيير فيه فرصة أكثر من غيره، فأنت فيه تكون حالتك اليوم هي مختلفة عن الأمس، فتغيُّرك فيه وتقبلك للوضع الجديد والتكيف عليه، هو دليل على قدرة الشخص على التغيير، فلماذا يشتكي البعض منا بأنهم لا يستطيعون التغيير إذن، في حين نجدهم في رمضان يتقبلونه بصدرٍ رحب؟!

 

إذن فنحن نمتلك القدرة على تغيير أنفسنا، والتكيف على الأوضاع الجديدة الجيدة.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا لا نسارع بفعل ذلك التغيير؟

ونستعد له بدءًا من رمضان؛ ليكون لنا فيه انطلاقة قوية، وتغيير نحو الأفضل، وإيجابية أمثل.

إن هناك فئة من الناس لا يريدون التغيير، فهذا لا اختلاف عليهم فقد حدَّدوا ما يريدون من البداية، والجدال معهم هو مضيعة للوقت على حد زعمهم!

وكأني بلسان حالهم يقول: لأنني وُلدتُ في الماء لا تخلف أقدامي آثارًا في الوحل!

وأشدهم تشاؤمًا من يقول: بأن الزمن يتقدم والمشكلة تتأزم!

فهؤلاء قد خفي عليهم بأن من ليس لديهم أهداف, هو محكوم عليهم للأبد أن يعملوا لمن لديهم أهداف!

 

أما حقيقة ما يحيِّرنا هم من يريدون أن يتغيروا عاجلاً غير آجل، ولم يبذلوا له أي أسباب تعينهم على ما أرادوه، أو أنهم يريدون أن يصبحوا أو يمسوا وقد تغيروا فجأةً. وهذا بالطبع لا يمكن أن يكون؛ لأنهم نسوا أو تناسوا أنهم عاشوا سنواتٍ طويلة يصادمون بأنفسهم كل تغييرٍ ممكن لديهم!

 

وفي كلتا الحالتين لا بد لهم أن يعلموا أن التغيير واقع لا محالة، إما للأفضل كما نريده ونتمناه، وإما للأسوأ وهو ما نرفضه ونحاربه؛ فالتغيير يحدث فينا ومن حولنا شئنا أم أبينا، فلو لاحظنا الزمان مثلاً وما فيه من أيام، فهو يتغير ما بين فجرٍ وظهر وعصر ومغرب وعشاء، وما بين نهار وليل، حتى الشهر يتغير فيه القمر من أوَّله عن وسطه وآخره، والسنة تتغير فيها الفصول ما بين صيفٍ وشتاء، وخريفٍ وربيع، وحتى أشكالنا هي أيضًا تتغير مع مرور الزمن، كذلك العمل، الأهل، الأصدقاء صفاتهم طباعهم نوعياتهم، فكل ما حولنا يتغير تدريجيًّا، حتى العمر الذي هو حياة الإنسان نفسه يتغير. إذن التغيير هو موجود في الكون منذ بدء الخليقة وحتى اليوم وسيستمر، ويبقى علينا أن نفهم أنه يأتي بشكل ٍ بطيءٍ وتدريجي، أما نحن فعكس ذلك تمامًا فنريد التغيير أن يكون مباشرًا سريعًا قويًّا فعّالاً، فهذا لا يمكن أن يكون، وكأننا بذلك نحاول أن نقف أمام أهدافنا وطموحاتنا بهذه الاشتراطات المستحيلة الصعبة، فعندما يقرِّر الواحد منا أن يتغير فإنه يريد التغيير أن يحدث في لحظاتٍ بسيطة وسريعةٍ!

 

فنقول له: ما هكذا تورد الإبل يا سعد؟

فقبل أن تبدأ بما عزمت عليه لا بد لك أن تتفهم معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

فالتغيير أولاً يبدأ من الداخل بالأقوال، ومنها ينطلق كقاعدةٍ أساسيةٍ له، ومن ثَمَّ ينعكس على الخارج فتدعمها الأفعال، فالنظرة الداخلية التشاؤمية للحياة والإحباطات تتسرب من الداخل إلى الخارج فتظهر على جميع تعاملاته من خلال العمل، وعلاقات الشخص بالآخرين، ومواقفه الحياتية اليومية؛ فتجد الواحد منهم -وهو مثال بسيط يتكرر علينا شبه يومي- عندما تسلم عليه قد لا يرد السلام، أو قد يرد وهو غير مبتسم، أو أنه قد يسبِّب لك مشكلة بسبب أنك ألقيت السلام عليه!

فهذا وأمثاله ممن يعكسون لنا ما بدواخلهم من تراكمات محبطة ومشبعة بالتشاؤم تجاه الآخرين بشكلٍ خاص، وللحياة بشكل عام!

فقدرتك على الرد بأسلوب إيجابيّ يساعدك على كسب إيجابيات كثيرة، ويمنحك الفرصة للدخول لعالم الإيجابية والتفاؤل، والله   قد دعانا للتفاؤل والايجابية بقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186].

 

وأيضًا مما يدفعك للأمام وطلبك للتغيير هو أنه ليس لديك إلا حياة واحدة فقط، غير قابلة للتعويض، ولا تحتمل التأجيل ولا التردد، أو حتى تضييع الأوقات؛ فالعمر والزمن يتسابقان فينا، وكأنهما يريدان أن يتخلصا منا وبأسرع وقتٍ ممكن!

 

قد يقول لي قائل: كيف تقول: إن التغيير يبدأ من الداخل؟ ما الطريقة وكيف؟

فأقول: إن التغيير يكون بأحد أمرين: إمّا أن يكون للأفضل ومن ثَم يغيِّر الله ما حولنا للأفضل، وإمّا أن يكون للأسوأ فيتحول ما حولنا ويكون كحالنا، وكأنه يبادلنا نفس الشعور!

 

إن ممارستك لتحطيمك ذاتك الداخلية وكثرة التفكير السلبي وملء العقل بالأفكار السوداء غير المحببة، ورسم أشياء توهميَّة خيالية لا أساس لها من الصحة، هي -في الحقيقة- من يمنع تقدمك ولو بخطواتٍ بسيطةٍ نحو الأمام، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]. أما لو تغير هذا التفكير لديك وأصبح إيجابيًّا بمعنى أن تتحدث مع نفسك بالكلمات الراقية القوية الإيجابية الفعالة، كما في قوله تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج: 24]. فهي تعتبر بمنزلة الوقود الداخلي الذي يشعل فيك الحماس والدافعية نحو تحقيق الذات والنجاحات.

 

ولذلك يقول المثل الإنجليزي: "التكرار أم المهارات"، بمعنى تكرار الكلمات والمواقف يبرمج عقلك الباطن على ما تريده، فإذا أردت اكتساب عادة جديدة، أو إحلال عادة إيجابية محل أخرى سلبية، فعلينا أن نفكر بها، وأن نطبقها مراتٍ ومرات حتى تصبح عادةً عندنا.. ألا تلاحظ أن قطرات الماء حينما تجتمع معًا تشكل في النهاية بحرًا.

 

وكان (جيم كون) يقول: "فإذا أصبحت كما تريد اجتذبت إليك من تريد". أما غاندي فكان يقول: "إذا أردت التغيير كن أنت التغيير".

 

وبعد هذا كله أعتبرك قد خطوت خطوةً ليست بالهينة نحو الأمام، وهذه الخطوة سيتبعها العديد من الخطوات في قادم الأيام، قد تكون ثقيلة في بداية الأمر، إلا أنها سرعان ما تتسابق الخُطَا، وتتسع الدائرة لدينا تجاه الأفضل، يقول علي بن أبي طالب t: "لو تعلقت همة أحدكم بالثُّريا لنالها".

 

دعني أضرب لك مثالاً حيًّا من خلاله يتبين لك أن التغيير يكون تدريجيًّا ومستمرًّا لكي يعطي نتائج فعّالة، فلو وضعت أمامك قطعة من اللحم الكبيرة وطلبت منك أن تأكلها دفعة واحدة، فهل تستطيع فعل ذلك؟

بالتأكيد لا.

إذن ما الحل لها؟

الحل الأفضل لها هو أن تبدأ بتقطيعها إلى قطع ٍ صغيرةٍ تستطيع من خلالها مضغها ومن ثَم بعلها، وبالتالي تجد نفسك قد التهمتها كُلَّها وأنت مستمتع بها دون أي ضرر، مجرد مسألة وقتٍ وصبر وينتهي كل شيء.

فالبداية بسيطة وتستطيع تطبيقها دون أدنى أي مجهودٍ يذكر، وهي أن تجعل مفهوم:

"أنا إيجابي، أنا متفائل، أنا ناجح، أنا مبدع، أنا أستطيع"، وغيرها من الألفاظ الإيجابية هي لصيقة لك لا تنفك عنك بترديدها وبتكرارها، وبالتكرار يثبت الأمر، بمعنى أنك تكررها في أي لحظةٍ من اللحظات وفي سائر الأوقات، حتى تتعود عليها وتصبح شعارًا لك، فعندها تكون إيجابيًّا، بل ودائم البحث عن الإيجابية، وأكثر تفاؤلاً في الأمور؛ مما يعني أنك ستجد الكثير من الخيارات في كثيرٍ من المواقف الحياتية التي قد تأتيك أو تفاجئك يوميًّا، وقد تقف عندها ولا تتعداها بسبب أنها لا ينفع معها أي شيء!

 

نعم إنها السلبية التي قد طغت عليك، وأبعدتك عن التمتع بالأشياء على حقيقتها.

وبالتالي إن كنت متفائلاً ستكون أكثر تحكمًا في استجابتك لوقائع الأحداث، وتستطيع أن تختار ما شئت مما وضعته من خيارات بدون تردد، أو خوف، أو قلق، أو شك، أو حتى اضطراب في الشخصية. يقول هلمستر: "إن ما تضعه في ذهنك، سواء كان سلبيًّا أو إيجابيًّا ستجنيه في النهاية".

 

فلا بد لنا هنا من تحذيرٍ مهم مما يسمى بالقاتل الداخلي؛ فهو يجعلك فاقد للأمل، ويشعرك بعدم الكفاءة، ويضع أمامك الحواجز والصعوبات، مثل: (أنا خجول - أنا ضعيف - أنا لا أستطيع - أنا غبي - أنا لا أفهم)، وغيرها من هذه الألفاظ المدمرة للنفس، فتحدثك السلبي مع نفسك بشكل مستمر يرسل إشارات سلبية للعقل الباطني، فتصبح جزءًا من حياتك، ثم يؤثر هذا الحديث النفسي السلبي على تصرفاتك الخارجية، ولتعلم أن ألد أعدائك إليك هي نفسك التي بين جنبيك!

 

فدعوني أذكر لكم هذه التجربة، التي قد توضح شيئًا مما نقوله:

أجرى بعض العلماء تجربة على ضفدعة، فقاموا بوضعها في إناء به ماء يغلي، فقفزت الضفدعة عدة قفزات سريعة تمكنها من الخروج من هذا الجحيم التي وضعت فيه. لكن العلماء عندما وضعوا الضفدعة في إناء به ماء درجة حرارته عادية، ثم أخذوا في رفع درجة حرارة الماء تدريجيًّا وتسخينه إلى أن وصل إلى درجة الغليان، وجدوا أن الضفدعة ظلت في الماء حتى أتى عليها تمامًا، وماتت دون أن تحاول أدنى محاولة للخروج من الماء المغليّ!

العلماء فسروا هذا بأن الجهاز العصبي للضفدعة لا يستجيب إلا للتغيرات الحادة والسريعة، أما التغيرات البطيئة على المدى الطويل فإن الجهاز العصبي للضفدعة لا يستجيب لها!

تمامًا كما هو حال الحياة معنا؛ فالتغيرات المحيطة بنا تغيرات بطيئة تكاد تكون مملة في مجملها ولكنها تغييرات مهمًّة وحاسمة في معظمها، ثم قارنْ بين حياتك السابقة ولنقلْ قبل ثلاث سنين وحالك الآن؟

 

ماذا اكتشتفت؟ وماذا اكتشتفتِ؟

هل اكتشفت الفروقات الكبيرة بين الأمس واليوم؟

هل شعرت بأن صغائر الأمور هي في حقيقتها أمور جلل، وأن معظم النار من مستصغر الشرر؟!

هل عرفت أن كل ما هو موجود في هذه الحياة قد بدأ صغيرًا ثم كبر بعد ذلك تدريجيًّا؟

إذن ماذا تنتظر؟

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ *** وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ

وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا *** وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ

 

وختامًا أستطيع أن أقول لكم:

قد بينت شيئًا بسيطًا من بدايات التغيير التي أعتبرها مهمَّة، وهي المنطلق للكثير من الناجحين؛ فمشوار 1000 ميل يبدأ بخطوةٍ واحدة صغيرة كما يقولون؛ فعن إبراهيم الحربي أنه كان يقول عن الإمام أحمد بن حنبل: "لقد صحبته عشرين سنة، صيفًا وشتاءً، حرًّا وبردًا، ليلاً ونهارًا، فما لقيته في يومٍ إلا وهو زائد عليه بالأمس".

 

فلماذا إذن لا نرفع لأنفسنا شعارًا في رمضان هذه السنة، ونجدده في كل سنة؟

بدلاً من أن يقول لنا قائل: عندما انتهيت من بناء سفينتي، جفَّ البحر!

أما أنا فهذا شعاري، رمضان غيَّرني!

نعم، رمضان غيرني ورفعني من أحط الدركات إلى أعلى الدرجات، ومن الدنوّ إلى هامات العلو والسمو.

وتذكر أنه لا يستطيع أحد العودة إلى الماضي والبدء من جديد، بل يستطيع كل واحد منا أن يبدأ الآن ويصنع لنفسه نهاية جديدة سعيدة[1]

 
 
   Bookmark and Share      
  
 رمضان غيرني

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7