الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011"المدنية" و"العقل الجمعي" والإسلام
 
الجمعة 16 سبتمبر 2011

 

يقال لنا ولم نزل نقرأ ونقر جميعـًا بصحة أن (الإنسان مدني بالطبع)

الذين علمونا هذه القولة منذ "مقدمة ابن خلدون" الرائدة في علم الاجتماع، لم يعنوا بها ابدًا أن الإنسان "لاديني/علماني" بالطبع . كما يريد اللادينيون/العلمانيون بتحويل مصطلح "المدنية" هذه الأيام لأغراض سياسية خبيثة غير مستقيمة . الذين أصلوا هذه المقولة (الإنسان مدني بالطبع) عنوا بها أنه "إجتماعي" بالطبع . بمعنى أن ركب له ربانيا في فطرته أن يتعامل ويأنس بالآخرين والتعاون معهم وإنتاج مشترك جمعي يتعارفون فيما بينهم حوله . يكون أساس لهذا الاجتماع الإنساني .

وكما أن الإنسان مدني بالطبع ، فهو أيضـًا بالضرورة والمقتضى (سياسي بالطبع) ، لأن اي مجتمع لا بد له من قيادة تحقق آماله وطموحاته ، وتنظم علاقة "المواطن" بـ "السلطة الحاكمة" بصرف النظر عن طبيعة "النظام السياسي" ونمطه ، وبالضرورة ايضا لا بد لكل "مواطن" أن يكون له رأيه في شكل العلاقة بينه "كمواطن" بالمعنى الجمعي وليس الفردي وبين "السلطة"

وضرورة "المشاركة السياسية" للمواطنين فرعٌ على كونه (مدني بالطبع) أي اجتماعي بالطبع ، هذه المشاركة السياسية تستهدف أحيانـًا "الفاعلية السياسية" ، وأحيانـًا أخرى "الشرعية السياسية" وأحيانـًا "تغيير أممي" سواء كانت هذه الأهداف "بشرية المصدر" أو "ربانية المصدر" . لكننا هنا نشير إلى تجريد المفاهيم لبيان معنى (مدنية الإنسان) (وسياسية الإنسان) رفعـًا للالتباس المفاهيم الذي يريد "اللادينيون/العلمانيون" تسويقه هذه  الأيام تحقيقا لواقع سيطرتهم على النظام بدأوه منذ سقوط "دولة الخلافة" أوائل القرن العشرين . فما موقف الإسلام من هذه الاجتماعية ؟

أولاً : الإسلام رباني المصدر "قرآنـًا وسنة"

ثانيـًا : نحن هنا نقدم مفهومنا حول بعض النصوص الشرعية "قرآنـًا وسنة" وهذا الجزء قابل بالطبع للنقـد لا نخلط بينه وبين النصوص نفسها ، وكل إنسان يقبل منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه : { لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } إلا فيما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه متروك لنا ، نحن لا نخلط بين الجزء التشريعي  من كلامه صلى الله عليه وسلم ، وما تركه الشارع لنا بمقتضى التطور وهو جزء محدد ومميز عن الجزء التشريعي الثابت

نصوص تتناول اجتماعية الإنسان :

ـ : " جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا !!

قال النبي صلى الله عليه وسلم له : " أترضاه لبنتك ؟ قال : لا  . قال : أترضاه لأمك ؟ قال : لا . قال : كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم ولا لأمهاتم "

والنص النبوي يعبر بلفظ "الناس" وليس "المسلمون"

والنص روعة قمة البيان النبوي الجامع لمعان كثيرة منها :

ـ ثبات المباديء ، فنطبق المباديء الإسلامية الربانية على المسلمين وعلى غير المسلمين "الناس في المجتمع" فلا نرفض مثلاً الظلم إذا وجه إلينا ثم نرضاه لمنافسينا "غير الإسلاميين" لو تعرضوا له لأنهم "ناس" ولأن الظلم "غير مرضي عنه منهم" ومنا بالطبع . وكذلك بقية المباديء والقيم والمفاهيم الإسلامية .. نرضاها لأنفسنا ونرضاها للناس ـ نشارك الناس في رفض الظلم ولا نقر ظالم عليه ونشارك الناس في المطالبة بالعدل ونطبقه عليهم ونطالب به لنا ولهم .. وهكذا

ـ "العقل الجمعي" كما يدل عليه الحديث لا يرضى لبناتهم وأمهاتهم بالزنا ، وذلك "العقل الجمعي" :

·       يحب العدل ويستحسنه

·       يبغض الظلم ويستقبحه

·       يحب الحرية ويستحسناها

·       ويستقبح العبودية ويبغضها

ولهذا جاء في الحديث النبوي الآخر :

ـ  : " خير أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونك وتصلون عليهم ويصلون عليكم . وشر أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم "

يدل الحديث على أن :

·       ولم ينقـد الرسول صلى الله عليه وسلم "العقل الجمعي" إذا لعن الظالمين ؛ حيث القاعدة أنه "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" ولا انتقد كذلك "بغض العقل الجمعي للظالمين الجائرين"

·       "العقل الجمعي"  يتفق ويتفوق في أحكامه السياسية تجاه السلطة

·       وان لهذا "العقل الجمعي" معيار موضوعي يزنه به السلطة وانحرافه أو استقامتها ؛ يدرك عدلها أو ظلمها ، حسنها أو إساءتها ؛ فحيث جاء هذا الحديث جاء بمدح أو ذم للأمراء وليس للناس "العقل الجمعي"

·       أحكام العقل الجمعي صحيحة ، فإن احبوا الحكام فهم أخيار وأن ابغضوهم ولعنوهم فهم أشرار

·       ولا يخرج عن هذا الامر إلا من طرأ عليه تصور ديني ممسوخ ، أو تحلل خلقي منحرف . كما في الحديث القدسي الصحيح أن الله تعالى يقول : " .. خلقت عبادي حنفاء . فاجتالتهم الشياطين "(1)

الإنسان على فطرته يرفض بفطرته عدوان أحد على ماله أو نفسه أو عرضه أو وطنه . هذه الفطرة جعلته يتجه إلى القتال دون حقوقه فيها ، ويجد من نفسه وفطرته رفضا لظلم أي سلطة وعدوانها

لذلك فإن موقفنا من الحركة الإسلامية في نقدنا لكثير من قادتها ومشايخها الذين يعطون "شرعية" لحاكم مبدل للشرائع !!! وينزلون النصوص على غير "مناطها" ربما لجهلهم بحقيقة الواقع ؛ تأثيرًا لكثرة اطلاعهم على الكتب دون النزول للواقع ، الأمر الذي قد ينفي عنهم صفة "وراثة النبوة" لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقود الناس الذين قبلوا بهذا الدين في مواجهة الواقع وتغييره وليس إقراره واقعيـًا وعمليـًا ونظريـًا في آن

ونقدنا لمشايخ وقادة الحركات الإسلامية نقدًا لفهم بشري على النصوص ، ولتخلف تقديرهم لواقع التبديل للشريعة القائم منذ أزمان بعيدة، وليس نقدًا للنصوص ذاتها لأن النصوص لها دلالتها الواضحة البينة، وتاريخ الأمة مبين للمناطات المختلفة لكل نص منها ولأي مدى تأخذ معاني من تلك النصوص

لكن الذي ننتقده في تقديرهم فيما يتعلق بموضوع المقال أنهم خلافا لنصوص الإسلام وواقعه التنفيذي ، قاموا بالتالي :

1.    زينوا للأتباع والناس معهم في كثير من خطبهم، أن الحاكم أي حاكم يجلس على قمة اسلطة هو"ولي أمر شرعي" بصرف النظر عن عقيدته التي يبديها ليس نهار ، وبصرف النظر عن نمط النظام الذي يثبته ومدى عدائه ومقاومته للنمط المطلوب شرعـًا "الخلافة الراشدة" ، وبصرف النظر عن موقفه من شرع الله هل هو "مبدل" أو "موافق على التبديل ومدافع عنه" أو "حاكما بالشرع مغيرا لبعض إمارات الأحكام أحيانـًا لأسباب مختلفة" أو "حاكما بالشريعة كلها" لا يفرقون بين ما خالف الله في الحكم بينهم من الحكام!!!

2.    وبناءًا عليه زينوا لهم أن تلك الحكومات التي تعاديهم لمجرد التزامهم بالشرع حتى في المبلس ، والتي ما فتئت تقدم كثير من الصالحين منهم وتعلن في جرائدها أن تهمتهم "تغيير نظام الحكم لنظام إسلامي" !!! . ورغم هذا الوضوح من الحكام في محاربة الإسلام فإن مشايخ الحركة وقادتها زينوا للناس وللأتباع بأنه لا يجوز مجرد الحديث عن ظلمهم وكفرهم التبديلي ، وأمروهم بترك مقاومتهم تدينـًا !!

3.    زينوا للناس أن القتال لدفع الظلم فتنة ؛ وأمروا الاتباع بأن يكفوا عن مقاومة الظلم والظالمين حتى ليتعرضون للموت الذي يعبرون عنه بـ "الفتنة" ؛ فهل يعتبر الإسلام موت المؤمنين الطاهرين في مقاومة الظلم والظالمين والجائرين والكافرين "فتنة"؟!

4.    فاعطوا هؤلاء الحكام المبدلين المحاربين لشرع الله شرعية ومشروعية ، وكذلك اعطى بعضهم للمحتل في العراق مثلاً بنفس الكلام ـ لا أقول الحجج لأنها ليست حجج ولا يصح أن تسمى ـ وكل المنطق شرعية ومشروعية للكفر ووكلاءه من حكام التبديل لشرع الله!!!

5.    زينوا أن عقود الحاكم المبدل للشرائع واجبة الوفاء بها ، وكأن هذه الحكومات وكيلة عن المسلمين رغم محاربتهم للإسلام !!

ومقتضى ولازم هذا المذهب الذي ذهبوا إليه والعياذ الله الحكم الملك :

أن دين الله يأمر بالظلم والمعاونة عليه ، وأن دين الله يأمر بالدعاء للظالمين والكفرين ، وأن دين الله يبغض مقاومي الظلم والجور

 

ونعوذ بالله ممن التزم بهذا اللازم لمقتضى ما علموا عليه الأتباع والناس . كيف يفهمون حديث استحسان عمرو بن العاص للروم ـ رغم تحديد النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم عدونا إلى يوم القيامة ـ عندما اخبر أن " تقوم الساعة والروم اكثر الناس" فلما تأكد من نسبة الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم أخذ بفراسته يحدد صفاتهم وبينه وبينهم أكثر من ألف عام ونصف الألف ، ثم قال :  " وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك " أيمدح عمرو بن العاص الصحابي الروم في صفة هي سيئة للمسلمين في أي عصر ؟!!

هل فهم مشايخ الحركة الإسلامية وقادتها عكس ما فهم الصحابي الجليل عمر بن العاص ؟!

في الختام : نقول لمشايخنا وقادة حركاتنا قول أهل السنة وقاعدتهم في هذا : ( لو كان خيرا لسبقونا إليه ) أي لو كان فهمكم خيرا لسبقكم إليه عمرو بن العاص الصحابي

 

 

..........................................

(1)            ( في الفكرة العامة للمقال : ـ راجع محاضرات د. حاكم المطيري ، نحو وعي سياسي إسلامي، على موقع فضيلته)

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 "المدنية" و"العقل الجمعي" والإسلام

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7