الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011تساؤلات ما بعد الثورة
 
السبت 24 سبتمبر 2011


·        نجاح الثورة المصرية بطابعها السلمي.. هل أفقد المشروع الإسلامي الجهادي للتغيير مشروعيته؟

هذا ما تردد عقب نجاح الثورة في بعض الأوساط المعادية للتيار الجهادي كنوع من الدعاية المضادة له، ثم تردد في أوساط بريئة حسنة النية تحت تأثير "حالة الديمقراطية" التي عاشها الشعب، ثم انعكس ذلك المعنى عند بعض الجهاديين فثار لديهم ما يشبه الشعور بالغيرة من التجربة السلمية للتغيير.

لكن يمكننا التأكيد على تهافت ذلك الموقف برمته وذلك بالإشارة إلى عدة أمور:

الأول: هو أن المقارنة بين النموذجين باطل من الأساس لانعدام وحدة الغاية بين النموذجين، وهو شرط اعتماد أحدهما وإحلاله محل الآخر، فالواضح أن النموذج الإسلامي الجهادي، وإن كان يتقاسم مع النموذج الشعبي للتغيير مفاهيم مثل الحرية والعدالة والكرامة، وهي مجموع "الحق السياسي للشعب"، إلا أن المشروع الجهادي يستقل عن المشروع الشعبي بمسألة "الحق الإلهي في حكم الشعب". واستقلاله بهذه المسألة يصادر على إمكانية نجاحه بالطريقة الشعبية السلمية لسببين: أحدهما داخلي: وهو أن مطلب "الحق الإلهي في الحكم" ليس مطلبا شعبيا حتى الآن، وهو ليس عيبا في المطلب، ولا عيبا في المشروع الإسلامي للتغيير، بل عيبا في الشعب.

السبب الآخر خارجي: وهو أن مطلب "الحق الإلهي في الحكم" ليس مطلبا عالميا شأنه شأن مطلب "الحق السياسي للشعب"، فلم تكن لتتهيأ له تلك التغطية الإعلامية والدعم السياسي الخارجي لو أفصح عن نفسه بطريقة الثورة المصرية، وهو ليس عيبا في المطلب أيضا، بل عيبا في الإنسان المعاصر. الثورتين السورية واليمنية جاءت كل منها بعد أن أستوعب الغرب أن النتيجة الطبيعية لمطلب الحق السياسي للشعوب العربية هو مطلب الحق الإلهي في الحكم، فكانت النتيجة أن خسرت هذه الثورات عنصر الملائمة الخارجية والدعم الخارجي (الجاد)، فتهددتا بالفشل وأريقت دماء لم تكن تقل عن الدماء التي يمكن أن تراق في انقلاب مسلح.

أي أنه على المستوى الداخلي والخارجي لم يكن في الإمكان خوض التجربة الإسلامية للتغيير بالطريقة المصرية في الثورة في الوقت الراهن لعدم ملائمة المناخ لمطلب "الحق الإلهي"، وليس لتفوق العقل الجمعي المصري على العقل الإسلامي بعبقرية الحل، وإن كان الإسلاميون ليسوا أبرياء تماما كما سيأتي.

الثاني: أن نموذج الثورة المصرية لم يكن يخلو تماما من عنصر القوة حتى يكون وجوده تهديدا لنموذج الحل الجهادي الذي يعتمد على القوة، دعونا نذكر بأن الثورة لم تكن لتحسم إلا باقتحام أقسام الشرطة وحرقها، وهو عمل عدواني بلا شك، ولم تكن لتحسم إلا بتوجه الكثرة العددية الهائلة لمحاصرة قصور الرئاسة، وهو عمل عدواني بلا شك إذ يتضمن تهديدا بممارسة عدوانية هي اقتحام قصور الرئاسة ومبنى الإذاعة والتليفزيون، ولم تكن تحسم إلا باختيار الجيش كفة الشعب، والجيش قوة، وحسمه للأمر هو "حسم القوة" وإن لم تمارس بالفعل. أعتقد أنه لو كان الإسلاميون هم من أحرقوا أقسام الشرطة وعطلوا المرافق العامة لسارع الجميع إلى وصف الثورة بالوحشية والدموية والهمجية إلى آخر تلك الأوصاف.

الثورة المصرية استخدمت القوة، والمقارنة بينها وبين الحل الجهادي ليس مقارنة بين العنف والسلم، بل مقارنة بين أنواع مختلفة من القوة.

الثالث: أنه حتى داخل إطار مطلب "الحق السياسي للشعب" ورغم توفر المناخ الداخلي والخارجي له، إلا أن حمل السلاح يحسم أمورا كثيرة لا يحسمها الحل الجماهيري غير المسلح، وإذا كان نجاح الثورة المصرية يدعم نموذج الحل الجماهيري غير المسلح، فالثورة الليبية أعادت لحمل السلاح اعتباره.

·        صحيح أن غاية المشروع الإسلامي تختلف عن غاية الثورة المصرية بحيث تصعب المقارنة بينهما مباشرة، لكن لا يسعكم إنكار أن المشروع الإسلامي كان يعد بحل نهضوي، وأن هذا الوعد قد تحقق بغير الإسلاميين أي بالثورة المصرية. فهل حققت هذه الثورة للشعب المصري نوعا من الاستغناء عن التيار الإسلامي؟

غير صحيح بالمرة أن الثورة المصرية حققت النهضة فعلا، الثورة المصرية وقفت على الطريق لكنها لم تقطع فيها شوطا، قد تتحقق الشروط الداخلية للنهضة، لكن يبقى الشرط الخارجي المتمثل في استقلال الإرادة السياسية للبلاد، وهو الشرط الذي يهدد عدم وجوده أي شروط داخلية قد تكون الثورة حققتها، بل وهو الشرط الذي كان عدم تحققه في العقود السابقة هو العلة الخفية وراء الاستبداد والانهيار الداخلي للدولة، هذا الشرط الخارجي لا يستطيع المجتمع إحراز أي تقدم فيه دون هوية إسلامية ودون حاجة للتيار الإسلامي، لأن الاستقلال السياسي هو نتيجة إحراز نوعا من النجاح في الصراع مع الآخر الغربي، وهذا الصراع هو ذو طبيعة دينية من الناحية التاريخية.

سأضرب مثال لتعلق وجود الشرط الداخلي للنهضة بالشرط الخارجي لها، الثورة قامت لكنها لم تستطع إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، ولم تستطع وقف ضخ الغاز لها، هذا يلزمه نهضة من نوع خاص.

لكن الحديث عن احتياج الشعب للإسلاميين في النهضة الخارجية لا يعني استغنائهم عن الإسلاميين في النهضة الداخلية التي أحدثتها الثورة على أي حال.

·        كيف كان التداخل بين الإسلاميين وبين الثورة رغم أنك تقر بأن المطلب الإسلامي غير المطلب الشعبي، في اعتراف ضمني منك بغربة الإسلاميين عن الثورة، وأنهم مستفيدون منها دون أن يكونوا منها؟

هذا القول بعيد تماما عن الصحة، التمييز بين المطلبين الشعبي والإسلامي وإن كان يعني اختلاف الظروف التي يتحقق بها كل مطلب بصورة نقية كاملة عن ظروف المطلب الآخر، إلا أنه لا يعني جفوة بين الإسلاميين وبين الشعب، فمن ناحية:

فمطلب "الحق السياسي للشعب" هو مطلب إسلامي أيضا باعتبار ما يحويه من قيمة أخلاقية هي العدالة، وما يضمه من رفض للنموذج الفرعوني في الحكم.

كما أن مطلب "الحق السياسي للشعب" ذاته في الثورة المصرية يدين في أصل وجوده وفي أهم جوانبه إلى موقف ذو طابع إسلامي خالص، وهو المتعلق بتجاهل مبارك للحد الأدنى من كرامة المصريين تجاه الآخر الديني، خاصة اليهودي منه، أي الكيان الصهيوني، ما يعني أن الدوافع الإسلامية فاعلة لدى الشعب وليست حكرا على الإسلاميين، وإن كان الإسلاميون يتميزون بإدراكهم لها بشكل أشمل وأوضح. بل نستطيع أن نقول أن الثورات العربية كلها تدين بالقسط الأكبر من دوافعها إلى المسألة اليهودية/ الصليبية باستفزازها المتواصل منذ عقود.

أيضا العلاقة الوظيفية بين مطلب "الحق السياسي للشعب" ومطلب "الحق الإلهي للحكم"، وأن الأول منهما يؤدي للآخر حتما في البلاد الإسلامية يجعل المسألة أكثر تداخلا.

الثورات العربية هي أسلامية بمنطق التاريخ وبحكم صراع الحضارات، وإن لم يبدأها الإسلاميون.

·        دعنا نتفق أن المقصود بالسلم هو استخدام قوة الحشد الجماهيري دون سلاح، وأن المناخ قد توفر للشعب ليحقق مطلب "الحق السياسي" ولم يتوفر للإسلاميين كي يحققوا مطلب "الحق الإلهي" بنفس الطريقة، فلم لا يعتمد المشروع الإسلامي الجهادي على توفير المناخ لمطلبه بدلا من الإصرار على استخدام السلاح؟

هذا خلل في النظرة إلى المشروع الإسلامي الجهادي، فليس هناك رفض لفكرة العمل الجماهيري طالما تحققت منه الغاية، الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري والشيخ أبو يحيى الليبي جميعهم قد أيدوا الثورة المصرية والتونسية منذ بدايتها ورغم خلوها من السلاح، ورغم اقتصارهما فقط على مضمون أخلاقي عام يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهو فكرة العدالة، ورغم أن هذا المضمون لم يرق إلى مستوى التكييف الإسلامي الخاص، وهذا يدل على أن نظرتهم تخلو من الإصرار على استخدام السلاح لمجرد استخدامه.

وقد تحقق العلو الإسلامي في عهد النبوة بطرق مختلفة، فكان باختيار أهل البلد للإسلام كما في المدينة، وكان بالتغلب على البلد دون قتال كما في مكة، وكان بالتغلب على البلد بالقتال كما في بلاد الشام. فالأمر منوط بكل واقعة على حدة، وما يصلح فيها لتحقيق غاية العلو الإسلامي.

·        إذا كان الحل الجهادي والحل السلمي كل منهما مرهون بواقعه.. فلم كان شعار المسلمين هو الجهاد دون السلم والموادعة؟

هذا يعود إلى أن العلو الإسلامي لا يكون إلا على حساب السلطة الجاهلية، والسلطة من طبعها ألا تفض نفسها لغيرها من غير إكراه، والإكراه لا يكون إلا بقوة، لذلك كان الجهاد منحتما في الأصل، وكان السلم استثناءا له.

لذلك قال الله تعالى: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، وقال: "فاصدع بما تؤمر" في إشارة إلى الصدع الاجتماعي الذي يحدثه أمر الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش: " أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح"، وقال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"، وقال: " ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".

·        لم يكن مطلب "الحق الإلهي في الحكم" مطلبا شعبيا رغم وجود التيار الإسلامي منذ ما يقرب من قرن من الزمان؟

ذكرت أن السبب في ذلك يقع اللوم فيه جزئيا على الشعب لا على مطلب "الحق الإلهي في الحكم"، هنا أتعرض للجانب الذي يتحمل فيه الإسلاميون بعض المسؤولية، التيار الإسلامي في مجمله ومنذ نشأته مصاب باضطراب نفسي عميق هو "الشعور بالاغتراب عن الواقع"، ومظاهر هذا الاضطراب هي نفسها الأشكال المتعددة للتيار الإسلامي. فكل فصيل إسلامي هو ذاته شكل من أشكال تعويض هذا الاضطراب، أما عن آثار هذا الخلل المتمكن فهي ترهل الإرادة وتشوهها، وهو ما أدى إلى أن يسلم التيار الإسلامي نفسه في النهاية لبعض أفراده الذين سماهم "شيوخا"، فوكل أمر نفسه إليهم بحيث يتخذون له كل مواقفه الحاسمة بالنيابة عنه، فيرضى الشيوخ نيابة عنه، ويغضب الشيوخ نيابة عنه، ويعتقد الشيوخ نيابة عنه، فكل منهم مستريح آمن على نفسه من قلق الاغتراب ومتخفف من فعل الإرادة التي تعطلت حتى عن اختيار شيخه ذلك، فيكل أمر اختياره إلى الكثرة التي يسير فيها دون قناعة داخلية، فيسلم أمره للشيخ المشهور أو الشيخ المتقعر أو الشيخ الفصيح أو الشيخ المتعجرف أو الشيخ الذي يحترمه سائر الشيوخ في سلسلة من الاحترامات لا ندري بدايتها من نهايتها (فمن احترم الأول؟).

وهؤلاء الشيوخ أو المرشدين مستفيدين من هذه العلاقة المرضية، وهم بلا شك يمثلون أهم جوانبها، وما حدث هو أنهم ضحوا بدينهم وتخلوا عن دورهم الكفاحي لأجل بقاء ذلك التكافل المرضي الذي ربطهم بأتباعهم. فمنهم من عاش في عصر بني أمية لا يرى خير الأمة وصلاحها إلا عدم الخروج على حاكمها الظالم (السلفية)، ومنهم من رأي أن الدين هو فن محاكاة الواقع وتطويع مبادئ الدين له (الإخوان)، ومنهم من لبس عمامة الهند وتجول في المساجد (التبليغ)، ومنهم من انتقم من المجتمع انتقاما سحريا بالاستغراق في أحكام التكفير، ومنهم من اقتات على موائد النظام برعايته لتلك الأمراض، وظلوا كذلك إلى أن صفعتهم الأقدار وهم جالسون ينظرون لعوام الناس وهم يشقون طريقهم نحو التغيير دونهم.

·        إذا كان مطلب "الحق السياسي للشعب"، على خلاف مطلب "الحق الإلهي في الحكم" قد توفرت له إمكانية التحقق بثورة غير مسلحة، وذلك بملائمة المناخ الداخلي والخارجي، فهل يكتفي مطلب "الحق الإلهي في الحكم" بتهنئة مطلب "الحق السياسي للشعب" بحظه السعيد؟ أم يحاول خلق المناخ الملائم لتكرار الثورة المصرية وقد رفعت مطلب الحق الإلهي؟

هذا هو الهدف الذي ينبغي وضعه صوب أعيننا في الفترة القادمة، توحيد أفكار التيار الإسلامي، وتوحيد قيادته، ودمج المجتمع في ذلك التيار، وتحويل مطلب تحكيم الشريعة من مطلب فئوي إلى مطلب شعبي يصر عليه الجمهور، مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود خطوط زمنية فاصلة بين هذه العناصر، وأن خصوصية هذا المطلب وما يلزمه من تنظيم وتوحيد للقيادة قد تفرض نوعا من الممارسات العنيفة بلا شك.

·        توحيد أفكار التيار الإسلامي وقيادته ودمج المجتمع، وتحويل مطلب تطبيق الشريعة لمطلب شعبي، أيكون ذلك بالعمل الحزبي البرلماني؟

ليس للعمل الحزبي أي علاقة بالأغراض السابقة، ولا تتوقف أي منها عليه، بل يتوقف تحققها على التخلص من آثاره السيئة والمفروضة عليه من خلال طبيعته المركبة، فهو:

أولا: هو عمل يأتي في إطار نظام ديمقراطي:

ليس بمعنى أنه يعمل على تحرير إرادة الشعب من إرادة الحاكم المستبد، لكن بمعنى أنه يعتمد ويتأسس على تقديس إرادة الشعب، ونحن نؤكد على التمييز بين المعنيين.

هذا الإطار النظري يأتي على حساب ثلاث مبادئ هي أولا مبدأ إفراد الله تعالى بحق التشريع، وثانيا: مبدأ الولاء لأهل الإيمان والبراء من، والعلو على، "الآخر الديني" وعدم التساوي والتشارك معه، وذلك على اختلاف "آخريته" كما وكيفا، وثالثا: شرعية العمل العسكري عند تحقق المصلحة منه.

فالمبدأ الديمقراطي العلماني مفروض عليه مسبقا، وليس له أمامه أي حيلة سوى الخداع والتعامل مع هذه المفاهيم بطريقة مزدوجة، ويحاول إعادة تعريفها لتلائم اعترافه بها، تماما كما تحاول العلمانية إعادة تعريف المفاهيم الإسلامية لتلائم اضطرارهم للاعتراف بهوية المجتمع الإسلامية.

يمكن القول بأن الخداع جائز بحكم الضرورة، لكن الطبيعة الثانية للعمل الحزبي تجعل هذا الخداع غير قابل للسيطرة عليه، ألا وهي الطبيعة الجماعية للعمل، وهنا ننتقل للطبيعة الثانية.

ثانيا: هو عمل يأتي في إطار جماعة بشرية:

بالطبع ليس هناك تأثير سلبي للطبيعة الجماعية لأي عمل من أجل فكرة، لكن مشكلة العمل الجماعي الإسلامي الحزبي يأتي من أن الخداع بطبيعته هو فعل الأفراد لا فعل الجماعات، لأن الفرد هو فقط من يستطيع الاحتفاظ بعقله بالفكرة الحقيقية وبالفكرة المزيفة، أما الجماعات فلها طبيعة خاصة، إنها تقع مع الوقت في تصديق أي فكرة تحاول بها خداع غيرها، لأن الجماعة هي عبارة عن أفراد، والأفراد مرتبطين نفسيا بما تعلنه الجماعة لا بما يخفيه قادتها، وينزعون بالإيحاء إلى تمثل "المعلَن" لا "المخفي".

أي أنه مع الوقت والممارسة الجماعية للعمل الحزبي الإسلامي سيظهر فصيل، ثم جيل كامل مؤمن بالديمقراطية وبحق المواطنة وبنبذ جميع أنواع العنف.

وهذا معلوم من وقائع التاريخ، أقصد تجربة الإخوان المسلمين التي بدأت بمقولة "القرآن دستورنا" وبممارسة خداعية اقترحها الدكتور عبد القادر عودة وهي "الاحتكام إلى الشعب المسلم"، فانتهى الأمر بالجماعة إلى جيل كامل لا يتميز خطابهم كثيرا عن الخطاب العلماني إلا في مسألة الهوية الإسلامية العامة التي يقر بضرورتها حتى بعض العلمانيين، وإلى ظهور جيل كامل لا يجرؤ بل لا يرغب في تأييد أي نشاط عسكري حتى لو أتى في سياق مشروع علمانيا وأمميا، مثل النشاط العسكري في أفغانستان أو الصومال أو العراق أو الشيشان، المسافة بين عبد القادر عودة (الذي نحسبه عند الله شهيدا) وبين عبد المنعم أبو الفتوح (الذي نحسبه عند الله مسخا) هي نفسها المسافة بين إطلاق الجماعة للخدعة وبين تصديقها الذي لا مفر منه.

ثالثا: هو عمل سياسي:

وذلك بالمعنى المضاد للنزعة الأخلاقية الصارمة الواضحة الشاملة، ما يعني شرعية التخوف من إفقاد مطلب "الحق الإلهي في الحكم" حدته وصرامته بالدخول به في دنيا المساومات الجزئية، والتجربة هنا تثبت أن المعارضة تكون أقوى ما تكون حين تستقل عن شرعية النظام، والثورة المصرية قد قامت لخلو البرلمان من المعارضة بعد تزوير نتيجة انتخابات 2010 بشكل مستفز بتوجيه من "أحمد عز" ورغما عن "عمر سليمان" رجل النظام الذكي الذي كان يرى ضرورة وجود المعارضة في البرلمان بدلا من وجودها في الشارع. وذلك لما يحمله ذلك الوجود الشرعي للمعارضة من إمكانية غوايتها سياسيا بحيث تتخلى عن مبادئها، أو خداعها عن نفسها وتضخيم دورها بما يحدث لها نوعا من الطمأنينة المزيفة.

رفض الثوار في ميدان التحرير إجراء أي مفاوضات مع النظام كان ذكاءا غريزيا مقصده هو صيانة مطالب الثورة من إمكانية الغواية السياسية.

التنائي المقصود من العلماء تجاه السلطة في التاريخ والتراث الإسلامي واتهام الأسماء المقربة من السلطة في دينها يصب في نفس المعنى ونفس الغرض.

 إفقاد مطلب الدستور الإسلامي وجاهته في عين الناس، باتخاذ أهله وسائل غير أخلاقية تفرضها عليهم الحياة الحزبية، ودخول الحياة الإسلامية السياسية كل دعي لا دين له، فلا ضابط لاختيار الأفراد في عرف العمل الحزبي، ولو كان هناك ضوابط في بداية العمل فستفقد صرامتها مع الوقت.

التجربة الإخوانية أيضا تمنحنا دليلا على موقفنا، سبب قيام مؤتمر شباب الإخوان، والذي شكل صدعا في البناء الإخواني، هو رفضهم تأسيس الجماعة لحزب يعبر عنها ويتفرع منها، ومطالبتهم بالفصل بين الجماعة والحزب لأن "بعض ما يجوز في العمل السياسي لا يجوز كمسلك لجماعة ذات ثقل ديني وتاريخي" وذلك بحد تعبيرهم. أفلا نفيد مما وصل إليه أهل التجربة أنفسهم؟!.

·        إذا كان غرض تحويل مطلب تطبيق الشريعة لمطلب شعبي ليس له أي تعلق بالعمل الحزبي ولا يتوقف عليه، فما البديل عن العمل الحزبي؟

السؤال عن "البديل للعمل الحزبي والبرلماني" يحمل فكرة مغلوطة هي أن الأصل لإفصاح الشعب عن نفسه هو أن يسلك طريق العمل الحزبي/ البرلماني، وأن العزوف عن هذا الطريق ينبغي معه البحث عن "بديل".

والصواب هو أن إفصاح الجماعة البشرية عن إرادتها للحاكم بشكل مباشر هو الأصل، وأن البحث عن وسائط حزبية وبرلمانية هو الاستثناء العارض، ويؤرخون لهذه الحالة الأولى المباشرة عادة بمدن اليونان القديمة، أو بنظام القبائل الصغيرة، وأن هذه الوسائط التي هي الأحزاب أو البرلمان قد استحدثت لأمر طارئ هو الكثرة العددية واستعصاء المسائل الدقيقة على العامة.

لكن إذا كان مطلب الشعب بسيطا وواضحا وعميقا، وهو مطلب التحاكم إلى الله في كل أمر، زالت هذه الصعوبة التي لأجلها اختُرع العمل الحزبي والبرلماني، ولم تبق سوى مهمة جعل الشعب يطلب هذا المطلب.

أما النماذج التي نستلهمها في دعوى إمكانية إقصاء الوسائط بين الشعب والنظام فهي:

1. الثورات بشكل عام.. وهي اللحظات التي يعبر فيها الشعب بكامله عن مطالبه وقد طرح جانبا كل وسائط سياسية بينه وبين نظام الحكم، والتاريخ أثبت أنه لو اجتمع الشعب على مطلب واضح، فإنه لا محالة يناله. والثورة المصرية نفسها وإن كانت قد فتحت الباب لممارسة العمل السياسي، فإنها في الوقت ذاته، وهذا ما لا يذكر غالبا، قد كتبت على هذا الباب: "ليس من الضروري أن تدخل من هذا الباب لأنني قد وصلت لمراده دون أي يدخله"، والمعلوم أن ثورة مصر لم تكن وراءها أي أحزاب، بل ومعلوم أيضا أن هذا من أسباب نجاحها.

2. تاريخ الإخوان المسلمين.. والخبرة المستفادة منه هو أنه رغم كونهم أصحاب فكرة العمل الحزبي، إلا أنهم كانوا في أقوى حالاتهم قبل ممارسة العمل الحزبي، أي أثناء ثورة يوليو وبعدها مباشرة، حيث كانوا شركاء حقيقيين للجيش فيما يخص الشأن العام قبل انقلاب عبد الناصر عليهم، كانوا قوة شعبية ليس لها أي طابع حزبي.

3. تجربة الأستاذ أبو الأعلى المودودي في باكستان تمنحنا نموذج تطبيقي لهذا الطريق، فمع قيام دولة باكستان عام 1947 انتقل المودودي إليها وأسس الجماعة الإسلامية، ولم تكن ذات صفة سياسية رسمية، وما لبث أن طالب النظام الباكستاني، شعبيا، بعد تأسيس جماعته بتطبيق الشريعة، وكان عنوان إحدى محاضراته عام 1948 هو: "المطالبة الإسلامية بالنظام الإسلامي". واعتقل عام 1949 لمدة عام واحد، ثم استأنف نشاطه بعد إطلاق سراحه بكتابة دستور مقترح وعرضه على الحكومة وذلك عام 1953 فرفضته الحكومة وفرضت الأحكام العسكرية، واعتقل المودودي وحكم عليه بالإعدام وخفف بضغط الشعب الباكستاني إلى السجن مدى الحياة ثم إلى العفو، وأخيرا استجابت الحكومة عام 1956 لمطلب الدستور الإسلامي ثم تراجعت عنه عام 1963.

فهذه تجربة الأستاذ أبو الأعلى المودودي، يمكن استعارتها مع تجنب ما وقعت فيه التجربة من خطأ الاستعجال في مطلب تحكيم الشريعة، حيث لم يكن المجتمع الباكستاني في استعداده للنزول إلى الشارع بشكل جماعي لأجل هذا المطلب والإصرار عليه.

·        أليس في طريقة الحشد الشعبي لمطلب تحكيم الشريعة نوعا من الممارسة الديمقراطية المباشرة التي تخلو من الوسائط الحزبية والبرلمانية؟ فكيف ننكر على أصحاب الحل الحزبي تقريرهم للمبدأ الديمقراطي غير المباشر ثم ندعو لممارسة ديمقراطية مباشرة؟

ليس كل تفعيل لإرادة الشعب هو إقرار بالمبدأ الديمقراطي، في الديمقراطية معنى زائد عن تفعيل إرادة الشعب، وهو الاعتقاد بأن هذه الإرادة هي الحق المطلق، أما توجيه الشعب بحيث يريد الإسلام فلا يتضمن هذا الاعتقاد.

الإرادة الحرة هي شرط الأهلية لاعتناق الإسلام على مستوى الفرد، وصحيح أن دولة الإسلام لا يشترط لها اعتناق المجتمع للإسلام، لكن تأتيها من طريق إرادة الشعب للإسلام لا يمت للمبدأ الديمقراطي بصلة.

·        فكرة الكفّ عن حمل السلاح وحشد الجماهير هي فكرة الأستاذ سيد قطب ومن يرى رأيه، ومنهج السلفية الجهادية هو الممارسة المستمرة للعمل المسلح واسنزاف قوى التحالف الصهيوصليبي، فكيف نرجح بين هذين الطريقين المتعارضين؟

ليس هناك تعارض أصلا حتى نبحث في الترجيح، هذه المسائل هي أقرب ما تكون إلى "الحلول العسكرية" التي تتغير وتختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، بحسب ما تقتضيه الحاجة وتمليه الضرورة، و"نمذجة" هذين النمطين من المواجهة هو أمر سيئ للغاية لأن "نمذجة" الحل بطبيعتها تؤدي إلى استبعاد غيره من الحلول، وتؤدي أيضا إلى تحريف النظرة للواقع كي يلائم "النموذج"، والصواب هو أن نتخلص من كل "نموذج" مسبق، ونفحص كل واقع على حدة كي نقف على أي الطرائق لتغييره هي أولى بالرعاية. ولا يصح أن تكون لواءا معقودا أو فكرا معتقََدا. والمسألة كلها مرهونة بكل واقع على حدة وبمدى قابليته للتغيير بوسيلة دون غيرها، وذلك يعرف بالنظر في كل تفاصيله، وليس بالنظر في "النموذج" المسبق للتغيير.

·        العمل الإسلامي الحزبي باطل شرعا لما يترتب عليه من مفاسد، لكنه مفيد لما فيه من إقصاء للعلمانية ومزاحمة لها، فكيف تتعلق مصلحة الإسلام بباطل؟

الارتباك يأتي من الخلط بين حقائق الشرع وحقائق القدر، فأن يكون الصالح لأمر المسلمين هو فعل مخالف للشرع هو أمر إلهي لا دخل لنا به، فهذا من تقدير الله ولا يسأل عما يفعل، والثورات العربية كلها مع ما فيها من خير قد حصلت من قتل إنسان لنفسه هو "البوعزيزي"، والإنسان التقي قد يولد من فعل زنا، وهكذا الخير والشر في العالم مختلطان يأتي أحدهما من الآخر. فأن نستفيد من مصلحة العمل الحزبي مع مخالفته فلا حرج لأن الله هو صاحب الأقدار.

وجود المسلمين في المجلس هو فعل غير شرعي، لكنه أيضا قدر إلهي داخل في جملة ما سيحاسبنا الله عليه من إمكانات قد آتاها إيانا، قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ".

·        العمل الإسلامي الحزبي باطل شرعا، فكيف أبرأ على الله من فعل أنا أحتمي به؟

هذا هو الجانب الأخلاقي في الموضوع، الحقيقة أنه لا مِنّة للمنخرطين في العمل الحزبي الإسلامي على غيرهم من المخالفين لهم، ولا فضل لهم عليهم، لأنهم بانخراطهم في العمل الحزبي قد أوهنوا الإسلام وحقائقه، فبحمايتهم للهوية الإسلامية للبلاد يصلحون بعض ما أفسدوه، ويجمعون بعض ما ضيعوه.

·        العمل الإسلامي الحزبي باطل شرعا، ومن الناحية القدرية قد تأتي المصلحة الشرعية من فعل باطل، لو فهمنا هذا فكيف نفهم أنه يتعين علينا محاربة هذا الفعل شرعا وأنا مستفيد منه قدرا؟

إذا كان الفعل مخالف للشرع ومفيد للمسلمين فائدة كبيرة فلا يتعين علينا اتخاذ موقف عدائي منه يبلغ درجة تهديد وجوده أصلا، ابن تيمية منع الناس من الإنكار على التتري شارب الخمر لأنه يمارس القتل حين يفيق، طبعا لا تماثل بين شرب الخمر وبين توسل منهج العمل الحزبي لتحقيق غايات إسلامية لكن المثال لتوضيح مبدأ هو جواز السكوت عن خطأ لدرأ مفسدة أو لجلب مصلحة.

ما يجب الحذر منه هو أن يستوعب العمل الحزبي كافة العمل الإسلامي بحيث يصعب التخلص منه عند زوال الحاجة إليه بزوال التهديد العلماني، أو يصعب التخلص من سلبياته المرتبطة بطبيعة الحياة السياسية.

العمل الحزبي هو، بلا شك وبلا مجاملة، انحراف عن أصل هو الإعلان الصارم للحق المطلق، بما يشمله هذا الحق من إفراد الله تعالى بحق التشريع، ومن نبذ التعايش مع وكلاء الفلسفات الغربية في بلادنا، فضلا عن أصحاب الديانات المخالفة للتوحيد أساسا مثل الأقباط، خاصة وهم في حالة حرب مستترة مع الإسلام وليسوا في مجملهم "أهل كتاب مسالمين".

وعلى أصحاب الحل الحزبي ألا يغيب عن أذهانهم هذه الحقائق، وألا يدينوا عدم الانخراط معهم من هذا الوجه، أما نحن فعلينا أن نطمئن تماما إلى موقفنا، وفي الوقت ذاته، ألا نستغرق في العداء مع موقف المخالفين.

وليس هناك خط زمني فاصل بين السكوت عنهم وبين إعلان السخط عليهم وتنفير الناس منهم، فهذا أمر متوقف على مدى انحرافهم واحتمالية إفادة العلمانيين من تشنيعنا عليهم، بحيث يسأل أحدنا نفسه: هل من الممكن أن يستفيد العلمانيين من هذا الإنكار عليهم أم لا؟ والمبدأ العام هو أنه بمقدار انحسار النفوذ العلماني تكون مكاشفتنا لهم والإنكار عليهم، فلا يكون نيلنا منهم مصلحة لمن هم دونهم من أهل الكفر. والسكوت عنهم مع مخالفتهم ليس ازدواجية في المبدأ، لأننا قد صرحنا بإنكارنا عليهم، لكن كل ما هنالك أن جهدنا يكون موجها إلى غيرهم.

·        لماذا نعتبر انحسار المد العلماني إشارة بدأ للتشنيع بالإسلاميين في السلطة ولا تعتبره بشارة لعودتهم إلى الحق وعدم اضطرارهم إلى الابتداع في الدين لانتفاء حاجتهم لذلك؟

هذا التشاؤم يعود إلى أمر طبيعي يجب ألا يغيب عن الأذهان، وهو أن أي فصيل اجتماعي يصل إلى السلطة يحمل معها خصائصه الضاربة في تكوينه، خاصة تلك الخصائص التي تجد دعما لها في طبيعة السلطة نفسها. أعني هنا، وخاصة فيما يتعلق بـ"الإخوان المسلمين"، عادة التخلي عن المبدأ لحساب مصلحة الوجود السياسي وهي العادة التي ميزت مسلك الجماعة منذ منتصف السبعينات وحتى الآن. المقام لا يتسع للبرهنة على هكذا مقولة ذات طابع تاريخي، لكن يمكن في هذا الصدد الإحالة واقعة استقالة الإخواني "هيثم علي أبو خليل" للوقوف على ما قصدته من كلامي والذي قصدت منه أن الإخوان سيتعاملون بطبيعتهم الزئبقية مع المجتمع الدولي بعد أن تعاملوا بتلك الطبيعة مع المجتمع المصري.. وفي كلا الحالين سيأتي سلوكهم على حساب المبدأ.

الرغبة في الوحدة والألفة شيء جميل جدا، لكن دعونا نترك للأطفال متعة رؤية الواقع بعين الرغبة، ولنحمل نحن ككبار هم رؤية الواقع كما هو.

لسنا أغبياء بحيث نفسد المشهد الآن برؤيتنا الواقعية.. ولكننا أيضا لسنا أغبياء بحيث نعتبر وصولهم للسلطة هو نهاية المطاف.

·        لماذا سوغنا لأنفسنا السكوت عن أهل البدع اضطرارا، ولم نسوغ لهم مشاركتهم للعلمانية بعض مقولاتها اضطرارا أيضا؟

نحن مضطرون إلى السكوت حاليا بحكم الاضطرار لقلة العدد، أما مشاركتهم العلمانية بعض مقولاتها فقد ألجأهم إليها هوى في النفس عرفناه من سكوتهم على أهل الباطل من قبل. فمنهم من كان يوبخ الخارجين على الظالمين ويضع نفسه عونا لهم عليهم، ومنهم من كان منخرطا في العمل الحزبي رغم يأسه من نتيجته.

·        موقفنا من العمل الحزبي هو المخالفة مع التجاهل، لكن ما هو تقييمنا الشرعي والأخلاقي للمنخرطين في العمل الحزبي؟

لا يجوز أبدا سحب حكمنا على فكرة الديمقراطية بأنها كفر على الإسلاميين الممارسين للديمقراطية على أرض الواقع، وذلك لأنهم يرون أن احتكامهم إلى الشعب إنما يعود في أساسه إلى أن هذا الشعب مسلم، ولن يرضى إلا بالإسلام، فمقصودهم هو الإسلام لا حكم الشعب. مقصودهم ومرادهم هو تفعيل حالة خاصة للإرادة الشعبية هي تلك الإرادة وقد اختارت الإسلام، وليس مقصوده هو تفعيل إرادة الشعب مطلقا. وخطؤهم ينحصر في الخداع حيث لا يجب الخداع لأن إظهار الحق واجب.

أما من الناحية الأخلاقية وهل هم مرتزقة وخونة ومبدلين إلى آخره، فالتعميم صعب لأنه لا يجوز المساواة بين من انخرط في العمل السياسي البرلماني قبل الثورة، أي وهو يعلم عدم جدوى الحل البرلماني، وتشبع بسلبيات العمل الحزبي السياسي التي ذكرناها، وبين من يخوض التجربة الآن وقد ظهرت علامات إمكانية نجاحها لتغير الظروف السياسية، ثم لم يسترسل ويتوغل في الإصرار على "تحسين صورته" بتقديم مزيد من التنازلات. وإن كان يخشى عليهم ذلك بالنظر إلى تجربة الإخوان كما ذكرنا، أي أن يتحول المجاهدين السابقين وأصحابهم من السلفيين في النهاية إلى.. سلفية كوستا.

·        ما هو موقفنا من السلطة التي تقر تفرد الله بحق التشريع لو استطاع الإسلاميون البرلمانيون الوصول إليها من طريق الممارسة الديمقراطية؟

رغم استبعادنا تحقق ذلك عمليا، وذلك بالنظر إلى الطبيعة غير الطموحة لأغلب القائمين على العمل الحزبي، إلا أن تلك السلطة بهذا الوصف النظري هي شرعية يجب الخضوع لها ومنحها كامل الولاء. اختيار الشعب للإسلام جملة وعلى الغيب، وبإرادته الحرة، هو اختيار صائب، وشرعية سلطة الشعب بناء على ذلك الاختيار هي الأثر الأول له، ولا يجب النظر حينها إلى محتوى المبدأ الديمقراطي بأن موقف الشعب هو الحق المطلق سواء كان اختار الإسلام أم لا، لأن هذا المحتوى النظري ليس معتقد الشعب في نفسه أثناء اختياره للإسلام، بل هو عارض خارجي على هذا الاختيار ولا يؤدي فساد هذا العارض إلى فساد الاختيار نفسه لأن إرادة الشعب لم تكن متوقفة عليه.

أما قول البعض بأن "الدّولة الوحيدة التي تملك الشّرعيّة وتمثّل صورة الإسلام الصّحيح، وتنطوي على جوهره هي الدّولة التي تقوم عن طريق الجهاد" فهو تعبير مبالغ فيه، صحيح أن الوظيفة الكفاحية للإسلام تجعل صورته النموذجية هي صورته كـ"حالة انتصار على الآخر"، لكن هذه الصورة تبدو كذلك عبر التاريخ الذي يبرز فيه "الآخر" بوضوح، أما في مواقف جزئية معينة فقد يختفي عنصر "الآخر" تماما، وتظهر سلطة الإسلام كاختيار شعب. يجب عدم الخلط بين "الحالة النموذجية" وبين "الحالة الشرعية".

وفي حالة نجاح التجربة الحزبية في الوصول للسلطة، يكون دورنا هو "أسلمة المجتمع" والقضاء على الأفكار المضادة للدولة، ومراقبة السلطة وتقييم وتقويم أدائها داخليا وخارجيا.

وليس في شرعية السلطة الإسلامية لو تحققت من طريق الديمقراطية أي تصويب للعمل الديمقراطي، لأن الحكم على بطلانه لم يكن أساسه الوحيد هو استحالة نجاحه، بل كان أساسه هو كتمان الحق وإظهار الباطل، أما ما تحقق منه من مصلحة فلا علاقة بعدم جوازه لأن الحق والباطل وإن كانا متمايزان عند الله إلا أنهما مختلطان في هذا العالم بحيث يأتي أحدهما من الآخر، فسبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تساؤلات ما بعد الثورة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7