الرئيسة حوارات إجلال رأفت: انفصال نصارى السودان الخيار الأقوى والعرب غائبون
 
الأربعاء 27 يناير 2010

لا تُخفي د. إجلال محمود رأفت -أستاذ الدراسات الإفريقية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة- قلقَها الشديد على مستقبل الأوضاع في السودان، ووحدته واستقراره، مشددةً على أن المؤشرات تؤكد أن خيار انفصال جنوب السودان هو الأقربُ للواقع في ظلّ خضمّ الأحداث التي شهدها في الفترة الأخيرة، لكن د. إجلال ربطت احتمال تنفيذ هذا السيناريو برؤية القوى الدولية -خصوصًا الولايات المتحدة والصين- فإذا رأت هذه القوى أن الانفصال سيؤدي لنوع من الفوضى فإنها ربما تعمل على فرض خيار الوحدة، وفقا لاستراتيجية دولة واحدة ونظامين.

وترى د. رأفت أن الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالسودان لم تحمل جديدًا، باستثناء وضعها جميع مشاكل السودان في سلَّة واحدة وتغليبها لغة الحوار والدبلوماسية بعيدًا عن استراتيجية المواجهة والضغوط التي تبنَّتها إدارتا كلينتون وبوش الابن، مشيرةً إلى أن هذه الاستراتيجية ترتبط برغبة أمريكا في منع الصين من الهيمنة على نفط السودان، وتأمين الاستثمارات الأمريكية في هذا القطاع الحيوي.

ولفتت أستاذ الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة إلى وجود حالة من الغموض تكتنف الاستراتيجية الأمريكية تجاه انفصال الجنوب، فضلًا عن وجود اختلافات في توجهات أركان الإدارة، فهناك من يفضِّل دعم الانفصال، وآخرون يطالبون بالتريُّث قبل تحديد الخطوة القادمة، وفريق ثالث يفضل استمرار الأوضاع القائمة حاليًّا، أي دولة واحدة ونظامين، موضحة أن ترجيح أي من هذه الخيارات سيكون محكومًا بمصالح الولايات المتحدة ووصولها لتسوية ما مع القوى الكبرى والحكومة السودانية.

قضايا عديدة يتناولها الحوار مع د. إجلال خليفة أستاذ الدراسات الإفريقية، والتفاصيل في السطور التالية.

أعلنت الإدارة الأمريكية عن استراتيجية جديدة للتعامل مع الأوضاع في السودان، فهل ترين في هذه الاستراتيجية جديدًا؟

أعتقد أن هذه الاستراتيجية لم تحمل جديدًا باستثناء أنها وضعت جميع المشاكل في سلة واحدة "الديمقراطية– العلاقة بين المؤتمر الوطني والجيش الشعبي- الأوضاع في دارفور" وغيرها من القضايا، وذاك انطلاقًا من ضرورة الوصول لتسوية شاملة لمشاكل السودان، وخدمة الاستراتيجية الأمريكية الراغبة في منع الصين من الهيمنة علي الأوضاع في السودان وتأمين الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط السوداني.

وإدارة أوباما تفضل لغة الحوار مع الحكومة السودانية مع إبقاء سيف العقوبات مسلطًا على رقبة الخرطوم، في حالة عدم استجابتها للمطالب الأمريكية، وترتبط هذه الاستراتيجية برغبة أوباما في فرض نوع من الاستقرار والتوصل لتسويات بين الفُرقاء السودانيين بشكلٍ يمنع خروج الأوضاع عن السيطرة، وهي تختلف بذلك عن إداراة كلينتون التي سعت بقوةٍ لإسقاط النظام، وكذلك إدارة بوش التي استخدمت سلاح الضغوط والعقوبات لاحتواء الحكومة السودانية الحالية.

وأعتقد أن ضعف المعارضة السودانية وعدم وجود بديل لنظام البشير حاليًا هو من فرضَ لغة الهدوء على تعامل إدارة أوباما مع الملف وتغليب لغة الحوار على المواجهة، رغم وجود ضغوط من لوبيات عديدة داخل الكونجرس ومراكز الدراسات، وفي الطليعة منها اللوبي الإفريقي الراغب بقوة في استمرار تبني نهج المواجهة مع النظام السوداني للوصول لتسوية للأزمة في دارفور.

غموض مقصود

لكن الأمر الأكثر التباسًا تمثَّل في حالة الغموض التي التزمت بها الإدارة الأمريكية تجاه مسألة انفصال جنوب السودان؟

المسألة الأكثر غموضًا في استراتيجية أوباما، هي موقفها من مسألة احتمال انفصال الجنوب وتأسيس دولة جديدة هناك، وأظن أن إدارة أوباما لا تمتلك رؤية استراتيجية في هذه الصدد، وربما هناك اختلافات في توجهات أركان الإدارة تجاه هذه القضية الحساسة، فهناك من يفضِّل دعم الانفصال، وآخرون يطالبون بالتريُّث قبلَ تحديد الخطوة القادمة، وفريقٌ ثالث يفضِّل استمرار الأوضاع القائمة حاليًا، أي دولة واحدة ونظامان.

وأعتقد أن ترجيح أي من هذه الخيارات سيكون محكومًا بمصالح الولايات المتحدة، فإذا رأت في خيار الوحدة تدعيمًا للاستقرار في السودان وتأمينًا لاستثماراتها فربما تدعمه في ظلّ مخاوفها من احتمال وجود تداعيات سلبية للانفصال واحتمال تكرار نفس السيناريو في دول الجوار، ومنها دول تشكِّل رأس حربة في الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا، خصوصًا إذا تكررت الأحداث الدامية التي تضرب الجنوب من آنٍ لآخر، ومنها الصراع بين القبائل الكبرى ورفض قبائل النوير والشلوك لهيمنة قبائل الدينكا التي ينتمي إليها قادة حكومة الجنوب وعلى رأسهم الفريق سليفا كير ميرديت، وفي هذه الحالة ستفكِّر واشنطن في سيناريوهات أخرى غير سيناريو الانفصال، خصوصًا إذا استجدَّت أمورٌ أو برزت مواقف متغيرة من دول الجوار التي لا تخفي خشيتها من امتداد سيناريو الانفصال إليها في المستقبل.

فيما يتعلق بقضية حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، أي الخيارات هي الأقرب، هل الوحدة أم الانفصال؟

لا أخفيك مخاوفي الشديدة من بروز الانفصال كخيار محتمَل للجنوبيين في استفتاء تقرير المصير رغم عدم إلمامي بما يجري في الكواليس، فهناك إشارات عديدة صدرت من ساسة في الجنوب تحثّ الجنوبيين على دعم الانفصال، فضلًا عن وجود توترات عديدة بين شريكي اتفاقية نيفاشا وأحداث دامية في الجنوب لا تعطي فرصةً للتفاؤل بدعم الجنوبيين للوحدة، خصوصًا أن دعم الوحدة لم يعد الخيار المفضل حتى لأجنحة نافذة داخل الحكم في السودان أو في صفوف المعارضة الشمالية على حد سواء، حيث أصبحوا ينظرون للجنوب كعبءٍ شديد على الشمال سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية.

وفي ضوء هذه الحقائق أصبح الانفصال هو الخيار الأكثر واقعية حتى الآن، إلا إذا استجدت متغيراتٌ أخرى، ربما تنحصر في خوف القوى الكبرى على مصالحها، من فوضى تعمُّ السودان خصوصًا في الجنوب بعد الاستفتاء، وهو ما يهدِّد الاستثمارات الغربية، خصوصًا النفطية، وفي هذه الحالة ربما تتدخل القوى الكبرى لفرض خيار الوحدة وتحبيذه بالنسبة للجنوبيين.

غياب كامل

وماذا عن الدور العربي تجاه كل هذه التطورات؟

لا أعتقد بوجود أي دور عربي مؤثِّر في الأحداث بالسودان، لا سيَّما فيما يخص احتمالات انفصال الجنوب، فالمسألة لا تتعدى تدخل دولة ما أو أخرى في الأمر، بشكلٍ يحفظ مصالحها الخاصة، بدءًا من بناء مدرسة أو تشييد مستشفى في الجنوب، وغير ذلك لم تظهر في الأفق أي استراتيجية عربية للحفاظ على وحدة السودان، وسأضرب لك مثلًا بالاستثمارات الزراعية العربية في السودان، وهي استثمارات نظرت للأمر بشكلٍ ضيِّق ولم تحسنْ توظيفها لتحقيق أهداف سياسية، بل كان تركيزها فقط على تأمين احتياجاتها الغذائية، وليس أدل على غياب الرؤية العربية الواضحة من خروج تصريحات من عاصمة عربية مؤثرة في الشأن السوداني تحبِّذ خيار الانفصال للجنوبيين بدلًا من دعوة السودانيين للالتفاف حول خيار الوحدة.

هل ينطبق هذا على مصر، رغم تضرُّرها بشدة من تداعيات انفصال الجنوب، خاصةً من جهة حصتها من ماء النيل؟

مصر تتعاملُ مع احتمالات انفصال الجنوب بشكل براجماتي، رغم أنها تفضل خيار الوحدة بشكل كبير وأساسي، إلا أنها لا تستطيع إغلاق النوافذ مع أي من أطراف الصراع حتى تكون لها القدرة على إدارة حوار جادّ مع الجنوبيين يحافظ على مصالحها في حالة ترجيحهم لأي خيار، انطلاقًا من عدم قدرة مصر على إجبار الجنوبيين على دعم خيار الوحدة، لذا أعتقد أن سياسة مصر فيما يخصُّ جنوب السودان تسير في الطريق الصحيح رغم أنها أبدت تحفظاتٍ شديدةً لدى توقيع اتفاق نيفاشا على منح الجنوبيين حق الانفصال، لكنها تتعامل حاليًا وفق رؤية براجماتية تعمل على الحفاظ على وحدة السودان متى كان الأمر ممكنًا، كما أنها تتعامل بواقعية مع الانفصال.

تجنب الإحراج

كيف تنظرين لقبول مصر بنقل القمة العربية الفرنسية من شرم الشيخ إلى باريس بضغوط شديدة من حكومة ساركوزي، لمنع الرئيس السوداني عمر البشير من المشاركة؟

الملف السوداني وخصوصًا الأحداث في دافور وصدور أمر توقيف بحق الرئيس البشير من قِبل محكمة الجنايات الدولية كان حاضرًا بقوة لدى اتخاذ مصر قرارًا بنقل القمة من شرم الشيخ لباريس تجنبًا لحرج شديد يواجه القيادة المصرية في حالة انعقاد القمة في مصر دون توجيه الدعوة للبشير، في وقت ترفض فرنسا هذا الأمر، وليس سرًّا أن علاقات القاهرة وباريس كانت ستتضرَّر كثيرًا في حالة توجيه الدعوة للرئيس السوداني في وقت تدعم فرنسا محاولات توقيفه لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وفي اعتقادي أن قرار نقل القمة يوضح حجم الضغوط التي يتعرض لها البشير ومدى الحرج الذي تستشعره العديد من الدول العربية في توجيه دعوة له لزيارتها.

هناك محاولاتٌ عدة جرت لتسوية صراع دارفور، ومنها جهود عربية وإفريقية، إلا أن الأوضاع لا زالت على حالها هناك، فكيف تفسرين ذلك؟

المشكلة في دارفور معقدة ولها تداعيات دولية وإقليمية خطيرة، وقد سمح امتداد الصراع لقوى بعينها بالتدخل لتأجيج المواجهة بين الفرقاء في دارفور مستغلين تباعد المواقف بين الأطراف المختلفة ووجود صراع بين الحكم السوداني والمعارضة في سبل التسوية واشتعال الخلافات السياسية بين الطرفين بشكل وضع العراقيل أمام نجاح الجهود لتسويته، ومن ثم فأنا أعتقد أن الكرة في ملعب الحكم السوداني وفصائل التمرد للوصول لتسوية تؤمن المساواة والعدالة بين مواطني دارفور دون تمييز، ويمكن تكرار سيناريو تقاسم السلطة والثروة الذي تم تطبيقه في شرق السودان ومع فصيل مني أركو ميناوي في الإقليم، لا سيَّما أن استمرار الأوضاع في دارفور على حالها يضرُّ بأمن واستقرار السودان كثيرًا ويزيد من احتمالات توتر العلاقات بين الخرطوم وعواصم القرار الدولي.

تصعيد وتوتر

شهِدت الساحة السودانية خلافاتٍ شديدةً بين الحكومة وأحزاب المعارضة تخلَّلتها مظاهراتٌ ومطالباتٌ بإسقاط نظام البشير بشكلٍ يُنذِر باحتمال تدهور الأوضاع؟

أعتقد أن التباينات الشديدة بين الحكومة والمعارضة تمتدُّ لملفاتٍ عديدةٍ منها مسألة الديمقراطية والحريات وتشريع قانون انتخابي ومسألة التعدد السكاني وكيفية تنظيم استفتاء الجنوب في 2011 وقضايا الأوضاع الأمنية المتدهورة في الجنوب وهي قضايا تعامل معها الطرفان وفق نهجٍ متوترٍ فرضته لغةُ التصعيد، لا سيَّما أن كل طرف أراد الاستفادة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وردَّت عليه الحكومة بشن حملة اعتقالات، مما فاقم من الخلافات، غير أنني أرى أن هذه الخلافات تستوجب الدخول في حوار علي قاعدة "لا غالب ولا مغلوب" يمهد الأجواء لعودة الاستقرار، كي يتفرَّغ الجميع للتعامل مع التحديات الشديدة التي تواجه السودان، وعدم التعامل مع هذه التحديات بشيء من الانتهازية من الفرقاء لسياسيين بشكل يضع هذا الاستقرار الهش على المحكّ.

في النهاية إلى أي الطرق يسير السودان، للوحدة والاستقرار أم للانفصال والشرذمة؟

الأوضاعُ في السودان تخضع لاعتبارات عديدة، منها الإقليمي ومنها الدولي فضلًا عن التطورات الداخلية، وأعتقد أن التنافس الدولي على النفوذ في السودان خصوصًا بين قوى مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا سيكون له دور مهم في تحديد مستقبل هذا البلاد، فإذا جرى التوافق بين هذه البلدان على ضرورة استعادته للاستقرار فإن هذا التوافق سيصبُّ في صالح السودان، وربما يجعل خيار الوحدة هو الأقرب للواقع، أما في حالة عدم التوافق فإن الأمور ستأخذ أبعادًا دراماتيكية قد تُسهم في شرذمة البلاد وتحويلها لساحة صراع، وقودها المصالح الدولية ورائحة النفط، ومن المؤسف أن كل هذه الصراعات تقع في ظلّ غياب عربي تام يوحي بأن هذا البلد ذا الأهمية الاستراتيجية لم يعدْ يشغل اهتمامًا لدى الدول العربية.

الإسلام اليوم

 
 
   Bookmark and Share      
  
  انفصال جنوب السودان الخيار الأقوى والعرب غائبون

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7