الرئيسة حوارات د.المسند: لا علاقة بين الكسوف والذنوب والمعاصي
 
الأربعاء 27 يناير 2010

كَشَف الدكتور عبد الله المسند عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في جامعة القَصِيم أنه لا علاقة بين الظواهر الكونية المختلفة, كالخسوف والكسوف, وبين الذنوب والمعاصي, وذكر في حوارِه أن الحوادث الفلكية بأنواعها وألوانها وأحجامها محطّ اهتمام الإنسان قديمًا وحديثًا، إذ إن الحوادث الفلكية النادرة والخارجة عن المألوف تصيب الإنسان بالذهول والهلع والخوف, فتردّ القلوب الحية لبارئها خاضعة خاشعة, لذلك فقد قال الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(يونس:101), وفي هذا السياق وبمناسبة الكسوف الجزئي للشمس الذي ستشهدُه المملكة الجمعة القادمة 29 محرم 1431هـ ـ بإذن الله تعالى ـ كانت هذه الأسئلة.

بدايةً, وقبل التطرق للحديث عن الكسوف الذي أعلن عن اقتراب ظهورِه علماء الفلك, كيف يحدث الكسوف علميًّا ؟

يحدث كسوف الشمس عندما يقع القمر بين الشمس والأرض، وتكون الأجرام الثلاثة على خطٍّ واحد؛ وذلك آخر الشهر القمري، شريطة أن يكون القمر قريبًا من إحدى العقدتين الصاعدة أو النازلة؛ لأن مدارَ القمر حول الأرض مائلٌ خمس درجات عن مدار الأرض حول الشمس، لذا فإن الكسوف لا يقعُ نهاية كلِّ شهر، بل يكون القمر عادةً فوق أو تحت العقدة أو النقطة التي يتقاطع عندها المداران، وتحدُث هذه الحوادث الكونية بصورة تدفع الإنسانَ إلى تعظيمِ وتبجيل الخالق وتوحيده والخوف منه سبحانه وتعالى، ولتغيّر مكان القمر وقت الكسوف, فإن له ثلاثة أنواع "جزئيّ", و"كليّ", و"حلقيّ", كما أنه يحدث من مرتين إلى سبع مرات في العام الواحد.

أطول كسوف في القرن..

سمعنا أن كسوفًا للشمس سيحدث في الفترة المقبلة, هل يمكن لسكان المملكة أن يشاهدوا هذا الكسوف ؟

نعم, فالكسوف القادم سيكون حلقيًّا Annular Solar Eclipse , وهو الكسوف الأطول في القرن الحالي؛ حيث سيستمر لمدة 11 دقيقة و 8 ثواني، وسيشاهد فوق وسط أفريقيا والمحيط الهندي وجنوب الهند وبورما والصين، وسيكون ظلّ الكسوف الحلقي على الأرض بعرض 300 كم، وسوف يسير ظلّ الكسوف على الأرض من الغرب إلى الشرق (من أفريقيا إلى آسيا)، وسيرى في الغرب قبل الشرق، وفي السعودية يشاهد الكسوف جزئيًّا Partial Eclipse   ونسبة المنكسف من قرص الشمس حوالي 21% وفقًا للمشاهد في مدينة الرياض، والله أعلم.

معنى هذا أن رؤية الكسوف ووقته يختلفان من مكان إلى آخر, فهل ينطبق هذا الأمر على الأماكن داخل المملكة أيضًا؟

بالطبع تختلف؛ فعلى سبيل المثال, سيبدأ الكسوف في الجهات الغربية (خاصة الجنوبية الغربية) من المملكة قبل الجهات الشرقية، وينتهي في الجهات الغربية قبل الشرقية، وقد يصل الفارق الزمني بين الساحلين الشرقي والغربي للمملكة حوالي نصف ساعة هذا من جهة الوقت، أما من حيث هيئة الكسوف فنسبة المنكسف من الشمس تكون أكثر كلما اتَّجَهْنا جنوبًا من المملكة، حيث يكون في جنوب جازان 38% والله أعلم.

تحديدًا, متى سيشاهَد الكسوف القادم في السعودية؟

يومَ الجمعة 29 محرم 1431هـ الموافق 15 يناير 2010م، ووفقًا لأفق الرياض سيكون على النحو التالي "بداية الكسوف 8.00 ص", "منتصف الكسوف 9.20 ص", "نهاية الكسوف 10.53 ص", "طول فترة الكسوف 2:53", و"الجزء المنكسف من الشمس حوالي 21% ، وأتوقع أن ينادَى لصلاة الكسوف في الرياض عند الساعة 8:10 تقريبًا والله أعلم".

يُذكر أن آخر كسوف كلي شوهد في المملكة كان قبل 59 سنة، وبالتحديد في 25 فبراير 1952م, ووقع قبله في 30 أغسطس 1905م أي قبل 106 سنوات، والله أعلم.

ومتى سيشاهَد كسوف (كليّ) في المملكة؟

خلال المائة سنة القادمة (من عام 2010 حتى 2110م) بإذن الله تعالى سيشاهد السعوديون كسوفًا شمسيًّا كليًّا مخيفًا ونادرًا؛ حيث سيشاهد السعوديون في وضَح النهار النجوم والكواكب، وذلك عام 2027م، يليه كسوفٌ كليٌّ آخر عام 2034م والفترة الفاصلة بينهما ست سنوات فقط، ويلاحظ أنه لن يشاهد هذا الكسوف في جميع مناطق المملكة ككسوفٍ كليّ، بل هو محدود في شريط جغرافي ضيق من الأراضي السعودية، لذا فمَن شاهد الكسوف (الكلي) في مدينة معينة فلن يشاهده مرة أخرى في المدينة نفسها إلا بعد مرور 375 سنة (بالمتوسط) والله أعلم وأحكم.

علاقة الظواهر الكونية بالذنوب والمعاصي

سادَ بين بعض العلماء وبين الكثير من العامة الربط بين الكسوف والخسوف من جهة والذنوب والمعاصي من جهة أخرى, فما حقيقة العلاقة بينهما؟

لا علاقة بينهما, وقد كتبتُ بحثًا في هذا الخصوص عام 1417هـ، والهدف منه تصحيح مفاهيم شرعية وعلمية بشأن ظاهرتي الكسوف والخسوف، حيث سادتْ بعضٌ من المفاهيم الخاطئة, منها "الاعتقاد بأنه ليس للكسوف والخسوف دورة ثابتة", و"الاعتقاد بأنه بالإمكان أن يحدثَ الكسوف في أي وقت من الشهر وأنه غير مرتبطٍ بوقت الاستسرار!!، وأيضًا أن الخسوف ربما يقع في أي ليلة من الشهر وأنه غير مرتبط بليالي الإبدار!!", و"الاعتقاد بأن هناك علاقة ورابطة بين حوادث الكسوف والخسوف من جهة والمعاصي والفتن من جهة أخرى!!".

والمشكلةُ تكمن في أن هذه المفاهيم الثلاثة تُربط بالشريعة, وبصورة تُحمِّل النصوص ما لا تحتمل، وتأصل مفاهيم غير صحيحة، وتنسب إلى الشريعة ما ليس منها وهي بريئة منها.

وأين تكمن المشكلة في الربط بين عدد حوادث الكسوف والخسوف والذنوب؟

يترتبُ على الربط بينهما مفاهيم خاطئة؛ وهي أن كثرة المعاصي تستدعي كثرة حوادث الكسوف والخسوف، وقلة المعاصي تستوجب قلتَها, وأن حوادث الكسوف والخسوف في هذا العصر أكثر من العصور التي قبله, كما أننا لو افترضنا جدلًا وجود عباد أتقياء أنقياء أصفياء لا يعصُون الله ما أمرهم فإن حوادث الكسوف والخسوف تعدم بناءً على المعادلة السابقة, كذلك يترتب على هذا الربط إبطال ما يعرف بـ (دورة ساروس) والتي ثبتَت صحتُها.

كما أنه لو صح هذا الرأي, فستثور عدد من الأسئلة: "هل وقوع الكسوف العظيم يوم وفاة ابن الرسول صلى الله عليه وسلم الموافق 29 شوال من عام 10هـ كان بسبب كثرة الذنوب في المدينة؟", كذلك "هل ظاهرة الكسوف والخسوف لا تقع في الكواكب والأجرام الأخرى لعدم وجود بشر يذنبون؟!

هذه جملة من اللوازم (المنكرة والعجيبة) تلزم من يقول بالارتباط بين الذنوب وحوادث الكسوف والخسوف.

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حصلَ الكسوفُ فزع ونادى للصلاة؟

هذا صحيحٌ ونبينا صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون موتُ ابنِه إبراهيم سبب الكسوف آنذاك، وفي الوقت نفسِه لم يربط الكسوف بذنوب ومعاصي الناس، بقدرِ أن الظاهرة آيةٌ عظيمة مخيفة وتذكير من الخالق لخلقِه أن يفزعوا إليه بالصلاة والصدقة والاستغفار والتكبير وعمل الصالحات وترك المنكرات.

وما الجواب على المقولة المغلوطة السابقة؟

الفلكيون قديمًا وحديثًا يعلمون وقت حدوث الكسوف والخسوف في اليوم والساعة بل وحتى في الدقيقة وفي مكانه وشكله وحجمه، وهذا أمرٌ واقعٌ مشاهد فلا يمكن حسيًّا أن يحدث الكسوف في غير أوقاته المقدرة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر, فقد قال تعالى‏:‏ {‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ‏}(الرحمن: 55), وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب", وعليه أقول: إن القول بأن حوادث الكسوف والخسوف كثُرت في هذا العصر بسبب المعاصي والفتن قول يحتاج إلى دليل شرعي أو حتى حسي، إذ إن الواقع المشاهَد والمرصود لحوادث الكسوف والخسوف دلَّ على خلاف ما ذكر.

وكما أن عدد هذه الحوادث غيرُ مرتبطٍ بموت أحد أو حياته كما دلت على ذلك النصوص، أيضًا كثرة الكسوف وقلته ليست مرتبطة بالمعاصي والذنوب؛ كما هو الحال في بعض الحوادث الأرضية التي يمكن إيجاد ربط بينها وبين ذنوب البشر على ما دلَّ عليه الشرع والواقع.

وهل لديك دليل يدعم ما ذهبتم إليه؟

بالنسبة للدليل الشرعي, فهو واجب على الذين يثبتون العلاقة بين المعاصي والكسوف والخسوف، أما من ينفي فهو على الأصل وهو العدم حتى يقوم الدليل، ومع ذلك أقول: الدليل الشرعي هو عدم وجود الدليل.

أما بالنسبة للدليل العلمي, فإن للكسوف والخسوف دورةً معروفة لم تكثرْ في هذا العصر عما كانت عليه من قبلُ مع أن المعاصي والفتن في أول القرن الماضي أقلُّ منها في آخر القرن والجدول يوضح عدد الكسوفات والخسوفات الواقعة على الأرض منذ عام 1929م حتى عام 2000م.

بل إن عدد الكسوفات في القرن الماضي بلغت 228 حدثًا، بينما القرن الحالي سيكون مجموعها 224 حدثًا، وعبر  خمسة قرون من عام 2000 قبل الميلاد وحتى 3000م سيصبح عدد الكسوفات 11898 كسوفًا.

كيف لا توجد علاقة بين المعاصي والفتن وحوادث الكسوف والخسوف والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولكن الله تعالى يخوِّف بهما عبادَه)؟.

شروق الشمس وغروبها آيتان، والليل والنهار آيتان، والأرض ودورتها آيتان، والبرق والرعد آيتان، والسماوات ونجومها آياتٌ بيِّنات، والآيات على ضربين كما قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله " منها مستمرة عادة؛ فيشقّ أن تحدث بها عبادة، ومنها ما يأتي نادرًا فشرع للنفس البطَّالة الآمنة التعبد عند جريان ما يخالف الاعتياد تذكيرًا لها وصقلًا لصدئِها ", والكسوف (تخويف) في حد ذاته وليس (عقوبة) كما قال صلى الله عليه وسلم: (يخوف الله بهما عباده) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "... فذكر أن من حكمة ذلك تخويف العباد كما يكون تخويفهم في سائر الآيات ", قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}(الإسراء: 59).

إذًا ما الحكمة من وقوع هذه الحوادث؟

البرُّ والفاجر، والمسلم والكافر يحتاجون إلى مشاهد كونية كالكسوف كيما تحمله على التوبة والأوبة، ولذلك يُجرِيها الله تعالى على خلقه كلَّ حين، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن كسوف الشمس وخسوف القمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، والعباد في أشد الحاجة إلى التخويف والإنذار من أسباب العذاب في كل وقت ", ومشروعية الصلاة والدعاء والصدقة عند حدوث الكسوف والخسوف ليست بسبب زيادة المعاصي والفتن، بل كما قال ابن القيم رحمه الله: "وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عنده بما أمر به من العتاقة والصلاة والدعاء والصدقة كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزوال".

مع تقدم العلم والرصد: هل تم اكتشاف خطورة حسية ناتجة عن الكسوف؟ وهل وصل ذلك إلى الحقيقة العلمية أم لا يزال نظرية تحتاج إلى استقراء وتثبُّت؟

في حالة الكسوف تكون الشمس والقمر على خط واحد، وهذا -واللهُ أعلم- سيضاعف جاذبيتهما على الأرض فيحدث المد والجزر بشكلٍ مضاعَف، والأخطر من ذلك باطن الأرض المنصهر يتأثر بتلك الجاذبية العظيمة (وقد) تتفاعل القشرة الأرضية باهتزازات زلزالية تحدُث مع الكسوف أو بعده في محيط مسار الكسوف الكلي أو حوله، وهناك شواهد مرصودة لهذا من بعض المراقبين، لأن ظاهرة الجذب من قِبل الشمس والقمر لا تؤثر على السوائل فقط، بل وحتى على اليابس من قشرة الأرض! حيث يرتفع اليابس وينخفض مرتين في اليوم بمقدار 28 سم، والإنسان طبعًا لا يشعر بهذا بسبب أن هذا يقع في وقت واحد للقارة بأجمعها والله تعالى يقول: {ءَأَمِنتُم مَّن فِى ?لسَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ?لْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}(الملك: 16) أي تتحرك، تذهب وتجيء وتضطرب، لذا وجّه عليه الصلاة والسلام حال الكسوف بقوله: (فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ) علها تدفع الشرور والنكبات عن الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا) ولم يقل: (فإذا وقعا فصلوا) لأن منطقة الخطر تكون محصورةً في منطقة الرؤية التي تتعرض لشدٍّ مضاعَف من النَّيِّرَيْنِ خاصةً منطقة الكسوف الكلي وما حولها، هذا وقد تتكشف لنا حكمة وعلَّة أخرى في المستقبل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}(الإسراء: 85) ولله في خلقه شئون.

أخيرًا.. هل هناك خطورةٌ كامنةٌ عند مشاهدة الكسوف بالعين المجردة؟

النظر إلى الشمس خطر جدًّا على شبكية العين سواء أكانت الشمس كاسفةً أم لا، وعليه فإني أهيب بالجميع بتجنب النظر إلى الشمس مباشرةً أو حتى باستخدام نظارات شمسية أو أفلام محترقة ونحوها؛ نظرًا لخطورة الأشعة الشمسية المرئية والمباشِرة على العين، والتي قد تصيب بالعمى المؤقت أو تلحق بالعين أضررًا دائمة، ويُشار إلى أن هناك نظارات خاصة لمتابعة الكسوف تدعى Eclipsers Glasses .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  لا علاقة بين الكسوف والذنوب والمعاصي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7