الرئيسة قراءة في كتاب تركستان الشرقية والصين- صراع حضارتين
 
الأربعاء 27 يناير 2010


د. عز الدين الورداني

الكتاب:

تركستان الشرقية والصين- صراع حضارتين

المؤلف:

الدكتور عز الدين الورداني

الطبعة:

الأولى -2009 م

عدد الصفحات:

392 صفحة من القطع الكبير

الناشر:

مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر والدراسات- القاهرة- مصر

عرض:

نادية سعد معوض


 

تركستان الشرقية من الدول الإسلامية المحتلة، التي ابتلعتها الصين الشيوعية في سنة 1949م في ظل غفلة المسلمين عن قضاياهم الماسَّة، ونتيجةً لفُرقة المسلمين وتشتتهم. وهي أرض إسلامية خالصة. وقبل ما يقرب من أربعين عامًا كتب الأديب المسلم الدكتور نجيب الكيلاني –يرحمه الله – رواية تحت عنوان "ليالي تركستان"، ناقش فيها قضية المسلمين في تركستان، وتناول معاناتهم من قِبل الشيوعيين الصينيين.

ورغم سيطرة الصين على تركستان لفترات طويلة إلا أن الثقافة الصينية لم تُحكِم قبضتها عليها. بل إن الشعب التركي المسلم في تركستان الشرقية لا يكفُّ عن الثورة والمطالبة بالاستقلال، ولا يزال يحافظ على هويته الإسلامية.

يعاني الشعب التركي في تركستان الشرقية من احتلال صيني يستهدف طمس الهوية وإذابة التركستان ودمجها في الصين للاستفادة من ثرواتها الاقتصادية الهائلة، والقضاء على كل محاولة للاستقلال، وذلك من خلال أساليب متعددة، منها: الاحتلال العسكري وأساليبه القمعية، والعيش في وضع اقتصادي متردٍّ رغم ثراء تركستان الشرقية وثرواتها الهائلة، وعمليات استيطان سكاني واسعة النطاق لاللهان الصينيين في بلاد التركستان.

إن قضية تركستان الشرقية ربما مثلت مستقبلاً نقطة خلاف بين الحضارتين الإسلامية والصينية المرشحتين في بعض الدراسات للتحالف في مواجهة الحضارة الغربية، فهل تقبل الصين باستقلال تركستان الشرقية متنازلة بذلك عن الموقع الهام والثروات الهائلة؟

ولقد صدر مؤخرًا في القاهرة كتاب يتناول ذلك الموضوع تحت عنوان "تركستان الشرقية والصين- صراع حضارتين"، للدكتور عز الدين الورداني.

يتناول هذا الكتاب التاريخ السياسي لتركستان الشرقية، ويرصد الصراع الدائر منذ عقود طويلة بين تركستان والصين، والذي يمثل في أحد جوانبه صراعًا حضاريًّا بين تركستان بهويتها الإسلامية والتركية وبين الصين بهويتها الشيوعية الإلحادية. كما يعرض لتركستان الشرقية تحت الحكم الجمهوري الذي بدأ في الصين عام 1911م، وأهم الثورات التي حدثت في تلك الفترة، ثورة 1931م وثورة 1944م التي أعلنت استقلال تركستان الشرقية ثم انتهى الأمر إلى صيغة حكم ذاتي استمرت قائمة حتى دخول الشيوعيين الصينيين إلى تركستان الشرقية عام 1949م وابتلاعها ومحاولة طمس معالمها الإسلامية.

وتعد تركستان الشرقية أرض (الأويجور) الأتراك منذ القدم، ذلك الشعب العريق في وسط آسيا، الذي قاد المنطقة حتى الشرق الأدنى وأوروبا الشرقية خلال قرون قليلة، هذه الأرض كانت لها حضارتها قبل أن يعتنق أهلها الإسلام، ثم تبنَّى شعبها الحضارة الإسلامية، ولا يزال هذا الشعب يمارس حياته وحضارته في كل أرض وطأها.

ويبين الكتاب الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لتركستان الشرقية بحكم موقعها المحوري في وسط آسيا، وبالنسبة للصين من حيث المساحة وباعتبارها محور اتصال للصين بأوراسيا، ومن هنا كانت أهميتها استراتيجيًا واقتصاديًا، وأصبحت محط أنظار الصين التي احتلتها منذ عام 1760م، وكان الوجود الصيني بها وافدًا عرقًا وثقافة، وقد دأبت أنظمة الحكم الصينية على بذل المحاولات التي تهدف إلى (تصيين) تركستان الشرقية، وجعل الثقافة الصينية هي السائدة فيها، ولكن باءت محاولاتها بالفشل؛ لأن الحضارة الإسلامية، بصفة عامة، ذات قدرة على الانتصار في الصراع الحضاري في السلم والحرب، حتى في أوقات الهزيمة والانكسار.

كما يعرض الكتاب لسياسة الحكومة الشيوعية في تركستان الشرقية من الناحية الإدارية. وكذلك التقسيم الإداري داخل الصين بصفة عامة، ثم التقسيم الإداري لتركستان الشرقية، واختصاصات مجالس نواب الشعب المحلية، والمهام المنوطة بها حكومة تركستان الشرقية. وعلاقة سلطة الحكم الذاتي في تركستان الشرقية بالمركز، والمساحة الحقيقية لحرية العمل واتخاذ القرار المسموح بها لسلطة الحكم الذاتي.

ويبين الكاتب أثر الحكم الشيوعي الصيني على التركيبة السكانية لتركستان الشرقية، متناولاً سياسة تهجير الصينيين إلى تركستان الشرقية، وهي السياسة الأساس التي اتبعتها الصين للتأثير على الوضع الديموجرافي داخل تركستان الشرقية. وأشار إلى سكان تركستان الشرقية ونسبة مختلف الأعراق والقوميات بها قبل الحكم الشيوعي، ثم دوافع الصين الشيوعية للقيام بعمليات التهجير الواسعة النطاق لعرق الهان، والتي تستهدف في حقيقتها تصيين تركستان الشرقية، واستمرار سيطرة الصين عليها.

كما أشار إلى وسائل جذب واستيعاب المهاجرين الصينيين، ودور فرق الإنتاج والبناء في تلك العملية؛ ومناطق توطن الهان داخل تركستان الشرقية، ونتائج عمليات التهجير للصينيين الهان وأثر ذلك على ديموجرافية تركستان الشرقية ومواردها والتدهور البيئي الناجم عن الضغوط على تلك الموارد واستنزافها. ثم هجرة التركستانيين خارج تركستان الشرقية عقب الغزو الشيوعي ونتيجة لسياساته المطبقة داخل تركستان.

ثم تناول الكتاب سياسة تحديد النسل وهي سياسة مطبَّقة في الصين بعامة، وكيفية تطبيق تلك السياسة في تركستان الشرقية، والأساليب التي تستخدمها الإدارة الصينية لهذا الغرض، وهي في مجملها أساليب عنيفة مثيرة للاستياء في أوساط التركستانيين.

وبيَّن الكاتب التأثيرات الثقافية للحكم الشيوعي الصيني في تركستان الشرقية على مجالات: الدين والتعليم واللغة. والأساليب التي اتخذها الصينيون والتي من شأنها التأثير على قدرة التركستانيين في الحفاظ على هويتهم الحضارية المستقلة، باعتبار أن الدين يعدُّ أهم عناصر تشكيل وتوجيه هوية الفرد والأمة، والتعليم كوسيلة للتواصل ونقل الخبرات واستمرارية النهج الحضاري عبر الأجيال، واللغة كوعاء للثقافة ينقلها ويحفظ تراث الأمة.

كما تناول الحملات التي شنها الشيوعيون لإعداد سائر المجتمعات داخل الصين لكي تتقبل الفكر الشيوعي وتنخرط داخل المنظومة الشيوعية الصينية. ثم التناول النظري للمسألة الدينية عمومًا داخل الصين والممارسات العملية تجاه الدين الإسلامي في تركستان الشرقية، ومحاولات إضعاف المؤسسات الدينية، والتأثير على القائمين عليها، والدعاية ضد الدين الإسلامي ثم فترة الانفتاح وأثرها على الوضع الديني.

وكذلك سياسة الصين التعليمية العامة، وتعليم الأقليات، والتعليم داخل تركستان الشرقية، ومحتوى ذلك التعليم وما تستهدفه المناهج التي تدرَّس في المدارس التركستانية، وأيضًا تعليم الدين الإسلامي داخل تركستان والذي يسيطر عليه المركز كليًّا. ثم كيفية إدارة العملية التعليمية ومدى تدخل السلطة المركزية في تلك العملية.

كما عرض للغات الموجودة داخل تركستان الشرقية، وتعامل الإدارة الصينية مع مسألة اللغة، والمشكلات التي يواجهها التركستانيون للحفاظ على لغتهم، والتغيرات التي طرأت عليها، ومدى حضور تلك اللغة في التعليم والحياة العامة. وأيضًا موقف التركستانيين الشرقيين تجاه سياسة الحكم الشيوعي الصيني والمقاومة التي يبديها التركستانيون للحكم الشيوعي والتي كانت على المستوى الداخلي والخارجي، وبدأت قبل قدوم الشيوعيين لتركستان وبعده، فعلى المستوى الداخلي شن التركستانيون حرب عصابات قوية ضد القوات الشيوعية، كما حدث الكثير من الثورات والاحتجاجات ضد الوجود الصيني وسياساته في تركستان الشرقية، وتشكل العديد من الأحزاب والتنظيمات للعمل على مقاومة الشيوعيين.

ويبيِّن الكاتب دور التركستانيين في المهجر في حركة المقاومة من خلال تنظيماتهم المختلفة التي تعمل على الدفع بالقضية التركستانية داخل أوساط المجتمع الدولي، كما تعمل على تنسيق جهود المقاومة مع ممثلي شعوب المستعمرات الصينية الأخرى كالتبت ومنغوليا الداخلية، وتبذل جهودها للحفاظ على الثقافة والهوية التركستانية بين تركستانيِّي المهجر، والتنسيق فيما بين سائر المنظمات ومحاولة توحيدها لتقوية الصف التركستاني.

كما عرض الكتاب لموقف المجتمع الدولي تجاه تركستان الشرقية، وحركة المقاومة الساعية لاستقلال تركستان الشرقية عن الصين من خلال بعض المواقف والسياسات التي تتخذها بعض الدول والنخب السياسية بها، والتي قد تعنى بما يجرى في تركستان، كتركيا وروسيا ودول آسيا الوسطى الإسلامية التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي المنهار عام 1991م، وسعي الصين للسيطرة على علاقة تلك الدول بتركستان الشرقية لتأمين الأوضاع داخل تركستان وعلى حدودها من خلال مجموعة شنغهاي.

وأيضًا يعرض لموقف باكستان وأفغانستان، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتها بالصين ومدى حضور القضية التركستانية في تلك العلاقة. ويعرض أيضًا الموقف الأوروبي وموقف مصر والمملكة العربية السعودية، وموقف بعض المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ورابطة العالم الإسلامي ومنظمات حقوق الإنسان والتي تعد أكثر المهتمين بالوضع في تركستان الشرقية.

وفى النهاية تمثل تركستان الشرقية بؤرة للتوتر والصراع داخل الصين، تلك القوة الصاعدة ذات الإمكانات الاستراتيجية الكبيرة وإحدى القوى العظمى في عالم متعدد الأقطاب، والمرشحة لتكون القوة الثانية أو الأولى في عالم ثنائي القطبية.

ومما يذكر أن الدكتور عز الدين الورداني خبير في شئون تركستان الشرقية، وحائز على ماجستير الدراسات الآسيوية عام 2002 بتقدير امتياز من جامعة الزقازيق برسالة تحمل عنوان "تطور قضية تركستان الشرقية في الفترة ما بين 1760- 1949"، ونال أيضًا في العام 2007 درجة الدكتوراه في الفلسفة في الدراسات الآسيوية قسم الحضارات الآسيوية بمعهد الدراسات والبحوث الآسيوية في جامعة الزقازيق بامتياز مع مرتبة الشرف برسالة تحمل عنوان "تركستان الشرقية تحت الحكم الشيوعي الصيني في الفترة من عام 1949 إلى عام 2000

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تركستان الشرقية والصين- صراع حضارتين

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7