الرئيسة حواراتيوسف زيدان: هناك من يغذي الشباب المسيحي كذباً بأن البلد بلدهم.. وأن المسلمين ليسوا إلا غزاة
 
الثلاثاء 2 فبراير 2010

لا يمكن أن تعرف الدكتور يوسف زيدان من كتاباته الصاخبة فقط، ولا من حالة الجدل التي يصنعها نقاده وخصومه ومريدوه من حوله، وهي الحالة التي تثير غبارا كثيفا يحجب رؤيتنا لباحث قل أن تجده في المؤسسات الأكاديمية العربية، كي تعرف يوسف زيدان جيدا لابد أن تجلس معه.

حتي سنوات قليلة ماضية لم يكن يوسف زيدان نجما إعلاميا كما هو الآن، لكنه كان ومنذ سنوات بعيدة عالما في تخصصه وأحد المجتهدين الكبار في إعادة الروح للتراث، الزخم الإعلامي الذي أحاط به تحديدا بعد معركته مع الكنيسة علي خلفية روايته "عزازيل"، أعاد صياغته من جديد، قد تعتقد أنه صدامي وصادم، لكن فور أن يبدأ حديثه تكتشف أن الأضواء لم تزده علما لكنها كشفت فقط عن بريقه الذي كان كامنا.

كانت الأحداث ملتهبة في نجع حمادي عندما جلست إلي الدكتور يوسف زيدان، وكان طبيعيا أن يفرض الحدث نفسه علي الحديث، دخلت به إلي منطقة الجد مباشرة، قلت له: هناك من يشير إليك تحديدا ومن خلال مقالاتك الأخيرة عن الأقباط أنك أحد المحرضين علي الكراهية والفتنة الطائفية، لم يلتفت إلي هذا الاتهام كثيرا، فقط قرر أن يستعرض القضية بشكل مجرد دون شخصنة.

يقول يوسف زيدان: دعني أولا أوضح ما أعتقد أنه مفهوم الفتنة، وهنا يعجبني جدا نص الحديث النبوي الذي يقول"الفتنة نائمة"، لأنه بقطع النظر عن التصور الديني لهذه الحقيقة باعتبارها حقيقة نبوية، إلا أن هذا القول يدل علي إدراك عميق لطبيعة النفس الإنسانية.

ففي كل إنسان نزوع فطري للعنف، وهذا النزوع يتم كبته بأساليب كثيرة ونظم تضعها المجتمعات الإنسانية لضبط حركة الفرد والجماعة، ومع تراكم هذه النظم يتم كبت هذا النزوع الفطري وإزاحته إلي منطقة عميقة في نفوس الأفراد، ومع اعتياد هذا الأمر تغيب مفاهيم العنف لكنها لا تنعدم، بل تظل دائما هاجسا في نفوس الأفراد، وإن كانت لا توصف في هذه الحالة بأنها فتنة، لأن الفتنة عمل جماعي بالضرورة.

وإذا حدث التحام بين هذا النزوع الفردي للعنف بين بعض الأفراد تتكون جماعة ما أو اتجاه ما علي أفكار عنيفة وليس أفعالاً، فالفكرة هي الأصل، لكن الناس في العالم لا تتخذ التدابير حيال الأفكار، وإنما تتصرف حينما تتحول الأفكار إلي أفعال.

اعترضت طريق الدكتور يوسف، قلت له: وهل ينطبق هذا التفسير علي ما حدث في نجع حمادي؟ قال: أنا لا أري الأحداث الأخيرة والسابقة واللاحقة أيضا كلها تنضبط وفق مفهوم الأفكار العنيفة التي غالبا ما تكون خاطئة ومخالفة للوقائع الفعلية، التي يتم تعاطيها بشكل مستتر، وتظل كامنة تحت السطح إلي أن تحركها أحداث تفجر حوادث قد تدهش من لا يعرف أصول هذه الأحداث.

فمثلا الكثيرون ممن علقوا علي ما يحدث في مصر منذ ما بعد معاهدة كامب ديفيد وحتي الآن ميالون لأسباب سياسية في طرح الأمر باعتباره مواطناً احتك بمواطن، وأنها أحداث فردية، فهذا النهج خاطئ تماما، لأنه يسطح الجذور ويخفيها من ناحية، ومن ناحية ثانية يسطح وعينا ثم لا يعالج أي شيء، فهو مجرد خطاب سياسي يقوم علي التراخي وتفويت الأمر أملا في ألا يحدث مرة أخري.

قلت له: لكن التجارب أثبتت أنه يحدث وربما بنفس التفاصيل في كل مرة، قال: بالطبع فما دامت الأسباب الداعية له موجودة فسوف يحدث، وبالتالي ما حدث في نجع حمادي وفي دير أبو فانا، وما جري خلال العشرين سنة الماضية هو نتاج للحالة ذاتها، يتكرر لأنه نتاج للحالة ذاتها، وإذا بقيت المقولات الجاهزة والإجابات المعتادة تتكرر فإنه لن ينتهي، وبالتالي فلا يمكن النظر إلي حادث نجع حمادي علي أنه منفرد بل هو انعكاس للحالة العامة.

قلت له: أنت تتحدث عن الخطاب السياسي، لكن معظم الأحداث الطائفية لا تكون كذلك، لكن التعامل معها يحولها علي الفور إلي أمور طائفية، قال: لا يمكن اختزال الظواهر الاجتماعية الكبيرة في سبب واحد، فالمسألة الدينية تلعب دورا محوريا في تفسير الظاهرة، وبالقطع الجانب السياسي مهم، لكن هناك جوانب أخري، لا يمكن أن نغفل الجانب الاجتماعي، فمثلا عقلية وتفكير الناس في صعيد مصر هذا يؤثر في الموضوع، والسياق العام الذي حدثت فيه واقعة نجع حمادي لا يمكن أن نغفله.

أخذت يوسف زيدان من العام إلي الخاص، طرحت عليه اتهاما يلاحقه وهو أنه يمارس نوعا من الاضطهاد الفكري للأقباط، فقد قدم رؤية بحثية عن مقولات راسخة لديهم، مثل دفعهم للجزية وأن البلد بلدهم، وهو ما تسبب في خلخلة فكرية للأقباط، جعلتهم يتهمونه بأنه يكرههم أو أنه ينتقم من هجوم الكنيسة عليه بعد روايته "عزازيل".

يقول يوسف زيدان: أنا حين أكتب أو أبحث أو أصيغ أدبا لا أفكر في مسيحي أو مسلم، أو مصري أو غير مصري، فالكتابة عندي لها علاقة بالمطلق، بدليل أنني في نفس الشهر الذي ظهرت فيه "عزازيل"، صدر لي كتاب "كلمات" وفيه انتقادات لأشياء كثيرة في التاريخ الإسلامي، والنقطة الوحيدة التي أرد بها علي من يهاجمونني هو أن الأديان مقدسة لكن التاريخ ليس مقدسا، فالتاريخ يصنعه الرجال.

ثم إن طبيعة النص الديني أنه يسمح بقراءات متعددة بحسب ما يوافق الناس في كل زمان ومكان، لكن أن يأتي شخص ما ويضع صيغة ويقول هذه هي الصيغة الوحيدة، فهنا يبدأ عنف الفكرة الذي سرعان ما يتحول إلي عنف فكري جماعي ينقلب بعد ذلك إلي فعل وأحداث، وهذا ما تكرر في التاريخ كله، ليس مهما ما تعرضت له في "عزازيل" و"كلمات" وهذه مسيحية وهذا إسلام، فأنا هنا أفكر في تاريخ هذا البلد من خلال الرجوع إلي أصوله كي أعرف مصدر الخلل الذي نعاني منه الآن.

قلت له: وهل تعتقد أن المناخ المصري بتركيبته الفكرية والسياسية والطائفية يمكن أن تقبل بهذا النوع من التفكير؟

قال: بالطبع لست واثقا، خاصة أن النهج المتبع الآن يحول الكاتب إلي متهم عليه أن يدافع عن نفسه، فأنا أفاجأ مثلا في الصحف بمن يقول إن يوسف زيدان يدافع عن روايته، كما لو كانت الرواية تهمة، فأنا لست متهما وروايتي ليست جريمة، لأنني أقدم رؤي مستندة إلي وقائع في التاريخ.

استوقفت الدكتور زيدان قلت له: رؤية من وجهة نظرك لكنها مؤامرة من وجهة نظر مناوئيك وهو أمر لا يمكن تجاهله، الأنبا بيشوي قال إنك مسحت بالمسيحية الأرض.. وهو ما يجعل التسليم بما تقوله صعبا.

رد علي الفور: من يقول ذلك هل ينكر أنني جمعت أكبر كم من المخطوطات المسيحية في مكان واحد وأتحتها للباحثين عبر سنين من العمل، وهل يمكن أن ينكر أحد أن الآباء في الأديرة المصرية قرأوا "عزازيل" قبل صدورها وفور صدورها، وأن الضجة التي أثيرت حولها كانت سياسية ولم تظهر علي السطح إلا بعد 6 شهور.

التقطت كلمة ضجة سياسية وقلت للدكتور زيدان: رغم كل ما قيل عن الرواية إلا أنني أعتقد أن السبب الحقيقي للضجة التي افتعلها الأنبا بيشوي لم يتحدث عنه أحد، هناك شيء غامض في هذه الأزمة.. ألا تتفق معي في ذلك. اتفق معي الدكتور زيدان قليلا لكنه لم يبدد الغموض قال: هناك قصدية غير معلنة بالطبع، فبعد صدور الرواية بـ5 شهور، وعلي مائدة الغداء جمعتني ببعض الأصدقاء ومنهم الأنبا بيشوي طلب مني نسخة أو اثنتين من الرواية، وكان يعرف أن الآباء قرأواها، وكل ما ورد سلبا عن "عزازيل" قبل الضجة كان من واحد من أجلاء الآباء، الذي قال لي مازحا: إنت اتعديت علي البابا كيرلس وده خالي، فقلت له: أنت تعرف أنه كان عنيدا.

في مقابل هذا التعليق الساخر فإن كثيرا من الآباء كما يقول زيدان بكوا من بعض المشاهد في "عزازيل"، وقال له بعضهم إن النص الذي كتبه يبرز جمال المسيحية، وهناك من يري أن هذه الرواية أبشع كتاب عرفته المسيحية، وأنا أسأل كيف لعزازيل أن تهدم الديانة، أنا لا أعرف دينا يمكن هدمه برواية، وإلا كان ما أيسر هدم الديانات جميعا.

أنت لم تفصح عن السبب الحقيقي الذي يقف وراء الهجوم عليك يا دكتور أليس كذلك؟ ابتسم يوسف زيدان ابتسامة محايدة وقال: أنا لا أعرف دوافع الأنبا بيشوي الكامنة، لكن يبدو لي أنها حالة سياسية أكثر منها عقائدية، ولذلك كتبت له صارخا مستبقا الأحداث وقلت له بالحرف الواحد: أرجو ألا تشغل بالك بكتاب اللاهوت العربي لأنه لم يكتب لأفاضل الرهبان من أمثالك، وهو مجرد كتاب، وقد أخذت موثقا غليظا علي كاهن كنيسة العذراء بمسطرد عبد المسيح بسيط ألا يتعرض للكتاب.

بمناسبة عبد المسيح بسيط سألت يوسف زيدان: لماذا سحبت القضية التي رفعتها ضده تتهمه بالسب والقذف، وهل اشترطت أن يعتذر أولا كنوع من الإذلال له؟

قال: آلمتني فكرة أن يقف كاهن تلقي اعترافات الناس في قفص الاتهام، وأنا الذي طلبت منه أن يعتذر لأسحب القضية، وكان هذا بمبادرة مني وكان الدافع الوحيد رسالة من سيدة قبطية كانت أشبه بابتهال إلي الله، اتصلت به وطلبت منه أن يعتذر لأسحب القضية وهو ما حدث فعلا.

قادنا الحديث إلي الخلاف مع رجال الدين المسيحي إلي ما يمكن اعتباره ذهنية العنف لديهم، قلت للدكتور زيدان: العنف الذي يبدو في أداء رجال الدين المسيحي هل تقف حياة الرهبنة الخشنة وراءه؟

قال: هذا غير صحيح بالطبع. . فالتجارب العميقة في التصوف والرهبنة تبعد هاجس العنف إلي أبعد المناطق في الذات الإنسانية، وبالتالي يصعب التعميم بأن هذه الحياة تؤدي إلي العنف بل إنها تؤدي إلي نقيضه، أما عن العنف في رجال الدين المسيحي، وأنا لا أريد أن أشخصن الأمر، فالسبب قد يكون افتقاد اللغة المشتركة، وعندما قمت بطرح المقولات الفلسفية في أعمالي الأخيرة بعد سنوات طويلة من العمل في قلب التراث ومخطوطاته وإبرازها إلي النور، كان من الطبيعي ألا تناسب هذه الأفكار بعض الأشخاص، ربما ارتبطت مصالحهم بأوضاع معينة يحرصون علي استبقائها والدفاع عنها، سواء كانوا علي الحق أو علي الباطل، ولذلك حدثت المصادمات التي أعتبرها محدودة وخاصة بأصحابها، فالكنيسة لم تأخذ موقفا رافضا من "عزازيل" حتي الآن.

سألت الدكتور زيدان سؤالا مباشرا: هل كانت هذه الضجة لأن أصحابها رأوا أنك تهدد بمقولات المصالح الخاصة التي يحققها رجال الدين؟رد: بعض رجال الدين، فالغالبية منهم سليمو الطوية ولا يأتي منهم العنف أو الخطر.

والبابا شنودة. . ماذا كان موقفه منك ومن الرواية؟ قال زيدان: كان الرجل هادئا جدا كعادته، وقوراً جدا، ولم يتعرض لمسألة "عزازيل" بشكل مباشر، لأنه يعلم أنني لا أعمل ضد المسيحية، وقد زارني في مكتبي مرتين قبل "عزازيل" وتحدثنا طويلا، ويعلم حرصي علي التراث المسيحي عموما، وساعدني في بعض المشروعات التي قمت بها لحفظ هذا التراث، لم يأخذ البابا موقفا مضادا لكنه قال إنه لم يقرأ "عزازيل" وأنه يعتقد أن الخلاف بشأنها خلاف شخصي، ودعا الأشخاص المختلفين إلي الهدوء، وهو موقف يحمد له بالطبع.

كان لابد هنا من تقاطع، فهل فعل البابا شنودة ما فعله لأنه مقتنع فعلا بما فعله زيدان، أم انه أدرك أن رجاله لا يمكن أن يصمدوا في المواجهة الفكرية مع باحث جاد ومتمكن من أدواته؟طرحت هذه الرؤية علي يوسف زيدان فخفف من حدتها وقال: أنا لن أفتش في ضمائر الناس، نحن نتعامل مع الآخرين حسب ما يظهر لنا من سلوكهم وأفعالهم وأقوالهم، ثم إنني لا أفكر في مسلم أو مسيحي، أنا أفكر في مصر، وهو ما أردده كثيرا لأني أكره المتاجرة بهذه المدرسة، لكنني أقدم رؤي لأنني يعز علي أن تسقط مصر في المأزق الذي نراها فيه جميعا، وهو ما سيحدث في كتاب "اللاهوت العربي الذي من المفروض أن يصدر خلال أيام. قلت له: هناك أشياء مريبة فيما يتعلق بكتابك "اللاهوت العربي" تمت عروض صحفية مكثفة له وأجريت حوارات معك عنه، وفجأة لم يصدر الكتاب، رغم أن الفرشة الإعلامية كانت تؤكد أن صدوره أصبح وشيكا، هل هناك ما منع صدور الكتاب يا دكتور؟

قال: لا بل كانت هناك أسباب فنية في شكل الغلاف الذي نشر مع العروض الصحفية، وهي مشكلة متعلقة بفصل الألوان، وهو ما كان سببا في التأخير وهو ما قاله لي المهندس إبراهيم المعلم، ومؤكد أن هناك اعتبارات للناشر لا أعلمها، فأنا حين أدفع بكتاب إلي المطبعة ينتهي دوري تماما وتعلمت منذ سنوات أنه علي الكاتب أن يكتب وعلي الناشر أن ينشر.

حاول زيدان أن يكون دبلوماسيا، لكنني قلت له: ولماذا لا تقول إن هناك ضغوطاً لمنع الكتاب من الصدور خاصة أن ما نشر منه كان يبشر بعاصفة من النقد والتكفير، فما جاء بها أكثر وطأة مما كتبته في "عزازيل"؟

قال: تقصد أن هناك ضغوطاً علي دار الشروق حتي لا تنشر الكتاب؟أنا لا أعرف بالضبط ماذا يجري، فأنا أنهيت عزازيل وبعد أربعة أيام كنت منهمكاً في اللاهوت العربي، وأنهيته قبل شهور وأعطيته للمطبعة وما يشغلني الآن هو رواية "النبطي"، وسوف أنتهي منها لأنتقل إلي ما بعدها، وهذا منهجي الذي لم أغيره منذ سنوات طويلة، فعندما أنتهي من عمل لا أتدخل فيه إلا إذا طلب مني ذلك. عدت بالدكتور زيدان للشأن العام مرة أخري، سألته علي ضوء صراعه ومعاركه مع كثير من الأقباط: ماذا حدث للأقباط في مصر منذ 52 وحتي الآن؟قال: مدارس الأحد ولن أزيد علي هذا، قلت له: فسر لي، قال: الحكمة تحب أن تستر، والحكماء مغموزة ولا رد علي الغمز.

وعلي ذكر مدارس الأحد قلت له: هناك حالة من الصراع الديني يتم استخدامها في تغذية حالة الاحتقان الطائفي في مصر.. كيف تري هذا الخطر؟

يقول يوسف زيدان: استغلال الدين خطير جدا ومنذر بأهوال والأخطر أن كلا من الطرفين يقوم بتفعيل الآخر، ولا أظن أن التأسلم يسير مستقلا عن التأقبط، كلاهما ذو طبيعة واحدة، وهذا يستند إلي فهم ما في الإسلام وفهم ما في المسيحية، فكلاهما يعتقد أن فهمه هو الوحيد وهنا مكمن الخطر، فالأديان تمنح عباقرة وتمنح في الوقت ذاته سفاحين، والأمثلة علي ذلك كثيرة في المسيحية وفي الإسلام علي السواء.

إن الثنائيات التي تقوم علي الصراع تخلق بعضها البعض، فحزب شاس في إسرائيل يحتاج إلي الجماعات الإسلامية المتطرفة وحماس، والتأقبط في مصر يحتاج إلي التأسلم، قد تختلف مفردات كل مجموعة لكن آليات الخطاب واحدة، ولابد أن ننتبه لهذا إذا أردنا أن نحل المشكلة الطائفية فعلا، أما إن نتعامل مع هذه الأحداث تعاملا سطحيا اختزاليا ساذجا فهذا يعني علي أحسن تقدير أننا لا نريد الحل من الأساس.

قلت: المشكلة الأكبر أن الصراع الديني يخرج من معرفة من علي حق إلي السؤال عن أهل البلد وأصحابها الحقيقيين وقد تعرضت أنت إلي هذه المشكلة.

قال: أنا لا أفهم هذه المقولة وكان أول احتكاكي بها في ساقية الصاوي منذ عام تقريبا، عندما وقف أحد الأقباط وسط ألف شخص كانوا يحضرون الندوة، قال: يا دكتور لا تنس أننا أصحاب البلد، فرددت عليه من فوري قائلا: إذ أعطيتني اسم حاكم قبطي واحد لمصر طوال التاريخ سأقول إنك علي حق، سكت الشاب فرأيت أن أفسر هذا الموضوع، فأفردت له مقالا بعنوان "القبطية صناعة عربية إسلامية" وقدمت ما يقوله التاريخ الفعلي غير المزيف، وببساطة شديدة لم يحكم مصر حاكم قبطي واحد، بل إن هذه القبطية نفسها لم تكن كمفهوم موجودة قبل مجيء العرب الفاتحين أو الغزاة فالكلمتان عندي متساويتان.

البعض أخذ عليك يا دكتور أنك وصفت دخول العرب مصر بأنه غزو؟ قال: نحن نقول غزوات النبي ولا نقول فتوحات النبي، لكن جرت العادة للتمييز بين هذا وذاك أن الانتصار إذا أنتج بقاء يسمي فتحا، وإذا كان لتحقيق هدف مؤقت يسمي غزو، وبالتالي فبعض المناهضين للثقافة الإسلامية يقولون إن دخول العرب ليس فتحا بل غزوا، ليكن فقد انتهي هذا الدخول إلي إقرار مفهوم القبطية، فالمفهوم لم يكن موجودا، وآباء كنيسة الإسكندرية الكبار الذين حددوا الملامح الكبري للمسيحية لم يكونوا أقباطاً ولم يسمعوا كلمة قبطية أصلا.

لم تكن فكرة الكنيسة القبطية أو المرقسية موجودة، لكنها وجدت بعد الفتح الإسلامي، ثم تأكد هذا المفهوم مع الاضطهاد الذي مارسه الفاطميون ضد المسيحيين، كان هناك مسيحيون في مصر سماهم اللسان العربي أقباطاً فلما جاء العرب المسلمون الفاتحون أقروا هذه التسمية واستعملوها، وتشكل كيان الكنيسة المرقسية في الزمن الإسلامي وليس قبله، فعلي الناس أن تدرك هذا وتعرف أن الرعاية الأولي التي نالتها الكنيسة القبطية هي الرعاية العربية الإسلامية، وقبلها بـ4 قرون كان هناك اضطهاد سواء من الوثنيين أو من الأباطرة المكانيين المخالفين معهم في المذهب، ولولا مجيء عمرو بن العاص إلي مصر لكان المقوقس ملك مصر أنهي علي المسيحيين تماما، لأنه كان يقوم بمذابح هائلة لإقرار المذهب الذي وضعه هرقل وجاء إلي مصر كي يطبقه، وهذه حقائق تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن للأسف الشديد هناك من يقوم بتغذية الشباب المسيحي بأن العرب غزاة وأن الأقباط هم أصحاب البلد. تقول هناك من يغذي الشباب المسيحي بذلك. . أنت تعرفهم إذن؟ قال: لا أستطيع أن أتهم أحدا في إحداث هذه الحالة ولكني أرصدها وأكشف زيفها الشديد وخطورتها علي الأيام القادمة، لأنه كلما تعمق هذا الوهم سوف يفرز في المقابل أوهاماً أخري، وبالتالي يكون الصراع بين توهمات تحرق الأخضر واليابس لصالح وهم غير حقيقي، ولكنه يراهن علي الخوف لذلك تجد دائما الخطاب المناقض له يستعمل خطاب الترهيب.

ويذهب يوسف زيدان إلي تفسير ما يقصد يقول: والدليل علي ذلك أن آباء الكنيسة في الهجوم عليّ استعدوا عليّ علماء المسلمين، كما لو كانوا حريصين علي الإسلام، فتجدهم يقولون: يا علماء الإسلام انتبهوا إلي هذه الهجمة علي الديانات، وهو أمر مضحك طبعا لأنه يعكس تصورهم، وكأن علماء الإسلام سذج، وما لا يعرفه آباء الكنيسة أنني قدمت آلاف الصفحات من التراث الإسلامي وبالتالي أنا لست متهما عندهم من الزاوية الإسلامية، ولكن هذا الاستعداء يظهر نمط التفكير، فهو يحاول أن يجند المسيحية ككل ولكنه لا يستطيع لأنه يجد آباء من كنائس أخري يمتدحون هذه الكتابة ويرونها في صف المسيحية، فيلجأ إلي تكنيك آخر سياسي لاستعداء علماء المسلمين أملا في أن يحدث شيء غير متوقع، وإذا حدث فيعلن أن عدالة السماء تحققت.

لم يفصح الدكتور يوسف زيدان عمن يقصد بكلامه، لكنني سألته عما وصلت إليه خصومته مع الأنبا بيشوي فقال نصا: أنا أحتفظ للأنبا بيشوي بأثر المودة السابقة، وحتي الآن لم أكرهه، وتمنيت أن يكف عن التعرض لما أكتب، ولحسن الحظ أنه فعل ذلك بشكل تدريجي وتواري عن الأنظار رغم أنه دفع بكاهن كنيسته "ديسقورس ليرد عليّ: لكن هذا لا بأس به، فقد اعتبرت أن تراجع الأنبا محمود، فأنا أميل إلي عدم منازعة الأنبا بيشوي رحمة بمن يصدقون ما يقوله لهم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  هناك من يغذي الشباب المسيحي كذباً بأن البلد بلدهم.. وأن المسلمين ليسوا...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7