الرئيسة قراءة في كتابالمدخل لدراسة علوم القرآن
 
الأحد 1 يناير 2012
المدخل لدراسة علوم القرآن

المدخل لدراسة علوم القرآن

محمد محمد أبو شهبة

الطبعة الثالثة 1407ه- 1987م

دار اللواء- المملكة العربية السعودية

·أمينة محمود

هذه العبارة تتصدر غلاف الكتاب فتمثل الحقيقة التي يجب على الجميع وعيها بعمق وهي أن كل محاولات دراسة وفهم وشرح وتفسير وتأويل القرآن الكريم وكل محاولات استوعابه  والوقوف على مقاصده ومعانيه ومراميه نحويا ولغويا وجماليا وفقهيا وعلميا تظل في النهاية محاولات إنسانية قاصرة لا يمكن الزعم لأحد بأنها نفذت إلى أغوار القرآن أو أحاطت بحقائقه الكلية أو فهمت دقائقه التفصلية. وسيظل القرآن الكريم المعجزة الكبرى للبشرية جمعاء إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها.

الكتاب كتبه مؤلفه- تغمده الله برحمته ورضوانه-  خصيصا لطلبة الدراسات العليا عندما كان أستاذا لعلوم القرآن في جامعة الأزهر كمدخل لهم للولوج إلى دقائق علوم القرآن، ولكنه لوضوح عبارته وسلاسة صياغته ونصاعة حجته واتساق منطقه يصلح أن يكون بامتياز مدخلا للقارئ العادي غير المتخصص، وقد جمع الكتاب في مباحثه العشرة بين الجانب المعلوماتي أي تقديم المعلومات حول الموضوعات المطروحة والجانب النقدي الرؤيوي الذي يقدم فيه المؤلف رؤيته في بعض المسائل الخلافية، وقد برع وتمكن في حسم مسائل وأهمها نزول القرآن على سبعة حروف، كما صال وجال في دحض ونقض أهم شبهات المستشرقين وأذنابهم ممن يفترض انتسابهم إلى الإسلام.

وبالطبع يبدأ المؤلف بتحديد المقصود من اصطلاح علوم القرآن فيقول إنه " علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم" أما كل علم من علوم القرآن فيتناول القرآن من جهة واحدة فقط فعلم التفسير يتناول القرآن من جهة معانيه وفهمه وشرحه بقدر الطاقة البشرية، وعلم القراءات يتناول القرآن من جهة لفظه وأداؤه، وهكذا."

وقد ظهرت بوادر علوم القرآن منذ عهد النبوة، وسارت في نموها وتطورها إلى أن ظهر اصطلاح علوم القرآن في القرن السادس الهجري، أما تمام نضج هذه العلوم فكان مع السيوطي في القرن التاسع الهجري( توفى السيوطي 911 هجريا) والذي يعد كتابه " الإتقان في علوم القرآن" أهم ما كتب في هذا المضمار. ومع التسليم بأهمية هذا الكتاب يوجه د. أبو شهبة نقده المنطقي لأخطاء السيوطي والتي جاءت في أغلبها من اعتماده أحيانا على روايات زائفة مدسوسة لا تثبت للنقد، وكما يقول أبو شهبة كان الأولى للسيوطي أن ينبه عليها أو ألا يذكرها في كتابه، وقد اتخذ المبشرون والمستشرقون وأذنابهم هذه الروايات مادة للطعن في القرآن الكريم، ويدعو أبو شهبة إلى تحقيق كتاب السيوطي والتعليق عليه للتنبيه على ما فيه من روايات زائفة وتمحيصها حتى لا يقع القارئ العادي والذي لا يتمتع بحس نقدي سليم في براثن أخطائها. ولا نعلم إذا كانت هذه الدعوة من المؤلف قد تحققت أم لا.

وقد نزل القرآن الكريم نزولين، فنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجما أي  مفرقا علي سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من دلائل عظمة القرآن وتفرده عن الكتب السابقة والتي نزلت كلها جملة واحدة كما يخبرنا القرآن نفسه. وهذا التنجيم في نزول القرآن على مدى ثلاثة وعشرين عاما له فوائد عظيمة يخصص المؤلف صفحات كثيرة لتعدادها وبيانها، كما يتناول بالتفصيل معنى الوحى وكيفية تلقي الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن عن جبريل عليه السلام، وقد أسهب المؤلف في عرض منطقي قوي لمسائل مختلفة تتعلق بالوحي الإلهي وكان في ذلك توطئة لدحض " شبهة الوحي النفسي" وهي الشبهة التي يطلقها الملاحدة وأعداء الإسلام ممن يزعمون أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن موحيا به من الله عز وجل وإنما من دواخل نفسه ومما استقر في شعوره من خبرات حياتية، وقد شبهوه بحالة الفتاة الفرنسية جان دارك التي حاولت تحرير فرنسا من الاستعمار البريطاني بناء على أصوات زعمت أنها سمعتها كوحي لها. والحق أن شبهة الوحي النفسي شبهة خائبة لا تصدر إلا من عقول ضعيفة ونفوس ضالة مضلة، ويلحق بها في هوانها وتهافتها شبهة الصرع الذي ادعوه على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومع ذلك أفرد د. أبو شبهة- رحمة الله عليه- صفحات طوال لدحضهما وهدمهما في أروع بيان وأقوى حجة

ويخصص المؤلف مبحثا آخر بعنوان أول ما نزل وآخر ما نزل، وهو مبحث يمثل أهمية خاصة لمن يشتغل بالتشريع والفقه حيث يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي ومعرفة التدرج فيه. وينبه المؤلف فيه إلى خطأ شائع بين عموم المسلمين وهو ظنهم أن آية " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" هي آخر ما نزل من القرآن الكريم، وهذا محض ظن لم يقل به أحد من العلماء على الإطلاق.

وإذا كان هذا الخطأ الشائع بين عموم المسلمين خطأ يمكن اعتباره بسيطا فإن المؤلف عالج في مبحث مستقل إشكالية من أهم إشكاليات علوم القرآن وهي إشكالية شاع فيها كثير من الاضطراب والأخطاء، وهو شيوع ليس بين عموم المسلمين بل بين خواصهم وعلمائهم، ونقصد إشكالية " نزول القرآن على سبعة أحرف" وحسب ما أرى فان هذا المبحث يمثل تمام تمكن د. أبو شهبة رحمة الله عليه من أدواته المنهجية العلمية فقد استطاع باقتدار رائع تفنيد المشكلة التي خلقها العلماء السابقون بسبب سوء فهمهم وتأويلهم للروايات الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلها صحاح  في نزول القرآن على سبعة أحرف مثل قوله صلى الله عليه وسلم " أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ويعد ما وصل إليه د. أبو شهبة من نتائج هي الأصوب والأدق.

وننوه أخيرا أن من مزايا هذا الكتاب هدمه ونقضه لشبهات المستشرقين حول القرآن الكريم، وتتبعه لهذه الشبهات عند تلاميذهم ممن ينتسبون إلى الإسلام بحكم الولادة ، وهم التلاميذ الذين ارتضوا بالنسب إلى فكر أساتذتهم المستشرقين المشبعين بالحقد والغل تجاه الإسلام والذين تمردوا على ما حباهم به الله عز وجل من نعمة الانتساب إلى الإسلام فصاروا أبواقا للأراجيس والأباطيل، ولو كانوا أحياء لسألنا لهم الهداية ولكنهم بين يدي الرحمن" كل نفس بما كسبت رهينة" وأهم مثالين لهما طه حسين ومصطفى مندور ويقدم المؤلف نقضا كافيا لترهاتهما وأباطيلهما.  

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المدخل لدراسة علوم القرآن

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7