الرئيسة حوارات نصر فريد واصل: الصهيونية العالمية وراء الفتنه الطائفية بمصر والعالم الإسلامي
 
الخميس 18 فبراير 2010

القاهرة/ أحمد عبد العزيز

- توليت الإفتاء كأمر تكليف بعدما اعتذرت ثلاث مرات

- اشترطت حرية الإفتاء والرئيس مبارك وافق دون تحفظ

- جمال البنا غير مؤهل للفتوى واجتهاده فاسد

- التطبيع مع الكيان الصهيوني حرام شرعًا

عندما يتحدث "الدكتور نصر فريد واصل" المفتي الأسبق لمصر والأستاذ بجامعة الأزهر، عن أمور الفقه والفتوى، فهو لا يعرف المجاملة أو المواربة، حيث يواجهك مباشرة بما يعتقده وما ينتهي إليه اجتهاده، ولذا لم يكن مستغربا أن يكون قبوله لمنصب المفتي حينما عرض عليه مشروطا بحرية الفتوى، وهو ما وافق عليه الرئيس مبارك دون تحفظ، كما يؤكد واصل.

الدكتور واصل، في حواره الشامل مع شبكة "الإسلام اليوم"، رفع الستار عن الملابسات التي أحاطت بعدم التجديد له في منصب المفتي عقب بلوغه السن القانونية للتقاعد، مشيرا إلى أن فتواه بتحريم المسابقات التليفزيونية كانت السبب الرئيس وراء ذلك، هذا بالإضافة للعديد من الفتاوى الأخرى مثل تحريم مصارعة الثيران وعبدة الشيطان وفصل شركة مصر للطيران للمضيفات المحجبات.

الحوار تطرق كذلك إلى الوضع الحالي لمؤسسة الأزهر، ولماذا تراجع دورها، وما هو السبيل لإعادة تلك المؤسسة العريقة لسابق عهده، وما موقف الدكتور واصل من اقتراح البعض بجعل اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب بدلا من التعيين، كما هو الحال حاليا.

كذلك طرح الدكتور واصل رؤيته لقضية الجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على حدودها مع قطاع غزة، وكيف يمكن الموازنة بين حق مصر في تأمين حدودها، وحق الفلسطينيين على مصر في أن تؤمن لهم الغذاء والدواء. وإلى نص الحوار:

لنبدأ من الأزهر وما آل إليه حاله الآن حيث التراجع على المستوى التعليمي والدور الريادي، كيف ترى هذا التراجع؟

لا أحد ينكر أن دور الأزهر تراجع كثيرًا في الفترة الأخيرة، قياسًا إلى دوره في السنوات الماضية، فكلنا يعرف ما هو قدر الأزهر في العالم الإسلامي وما هي نظرة المسلمين له في الدول الإسلامية؛ فهو مؤسسة دينية وتربوية عريقة، وبالتالي الحفاظ عليها مسئولية كبيرة، ولكن ما حدث أن هناك تراجعًا بدأ من التعليم الأزهري، حيث المناهج الدينية التي تعرَّضت كثيرًا للعبث بها، وتم حصار المواد الدينية وتقليصها بشكلٍ فجّ، وأصبح خريج الأزهر لا يدري الكثير من أمور دينه،  وثقافته ووعيه الديني محدود للغاية، وللأسف فإن البداية الحقيقية لهذا التراجع بدأت منذ الثمانينيات وليس الآن فقط، وإن كان الأمر قد أصبح واضحًا الآن.

هذا عن المؤسسة التعليمية، فماذا عن الأزهر كمؤسسة دينية وقبلة للفتوى؟

أما عن الأزهر كمؤسسة دينية فللأسف هناك العديد من المواقف التي صدرت عن الأزهر، منها على سبيل المثال مشكلة الحجاب في فرنسا وموقف الأزهر منها، حيث تَمَّ –حينئذ- عقد مؤتمر صحفي بحضور شيخ الأزهر وعلماء دين بارزين، وأعلنَّا موقفنا الرافض لذلك، إلا أننا بعد ذلك فوجئنا بانسحاب شيخ الأزهر من المؤتمر الصحفي أمام وسائل الإعلام، وأدلى بعدها بآراء مخالفة تمامًا لما اتفقنا عليه.

وصفة علاج

إذن كيف نعيد الأزهر سيرته الأولى؟

هذا يأتي بمزيدٍ من الجهد والإخلاص وصدق النوايا وتوحيد العمل والرؤية؛ لأن الخلافات هي السبب الرئيسي فيما يحدث فيه الآن، بمعنى أن الآراء التي تصدر عنه لا تحوز رضا عددٍ كبير من أبنائه، الأمر الذي أدى إلى إنشاء جبهة علماء الأزهر المعارضة لشيخ الأزهر، وهذا لا يليق بهذه المؤسسة، ولكن يجب أن يكون هناك مزيدٌ من التعاون وتبادل الآراء ووجهات النظر قبل صدور القرار.

وما رأيك في اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب وعودة هيئة كبار العلماء؟

أنا أرفض مبدأ الترشيح؛ لأن ذلك من شأنِه أن يؤدي إلى الإساءة للأزهر حيث سيتمُّ التعامل مع المنصب باعتباره منصبًا سياسيًّا، وسيكون هناك أكثر من شخص يتنافس عليه، وبالتالي لا نأمن الوسائل المتبعة في الوصول إليه، ومن هنا يمكن الإساءة إلى الأزهر.. الرمز والدور والتاريخ، ولكن الحل من وجهة نظري هو العودة إلى هيئة كبار العلماء والاختيار من خلالها طبقًا لمعايير ومواصفات تتصف بالشفافية والموضوعية وتتفق مع دور الأزهر ومكانته، وما يجب فعله هو حسن الاختيار وحسن الأداء دون تجريحٍ لأحد.

مناخ الفتوى

ماذا عن منصب المفتي ودار الإفتاء وكيف ترى أداء الدار في الفترة الأخيرة؟

كل من شغلوا هذا المنصب بعدي هم علماء أفاضل وأَجِلَّاء، ويحاولون الاجتهاد والوصول إلى الفتوى الشرعية الصحيحة، ولكن يجب توفير مناخ الفتوى الصحي لهم؛ بمعني أن يكون هناك المزيد من الحرية وعدم الضغط من جهة أو أخرى؛ لأن العالِم لا يستطيع أن يخالفَ ضميرَه أو يصدر فتوًى لا يرضى عنها، وبالتالي لا بد من مساعدته على ذلك وليس العكس.

ماذا عن الظروف التي توليتَ فيها هذا المنصب وكيف تَمَّ تكليفُك؟

أنا قبلتُ المنصب فيما يشبه بأمر تكليف؛ حيث رفضتُه أكثر من مرة ورشحتُ ثلاث شخصيات لتولي هذا المنصب، بل الأكثر من ذلك أنني عرفت بعد ذلك أنه كان هناك 18 اسمًا مرشحًا لهذا المنصب مدعومين من بعض الشخصيات، ومع ذلك تم تكليفي بالاسم، رغم أني كنت أعمل بالسعودية في هذه الفترة، ولم أكن متواجدًا بمصر، وعندما وافقتُ كانت لي بعض الشروط كلها تصبُّ في حرية إصدار الفتوى وعدم التأثير على مُجريات أي فتوى مهما كانت الظروف، وهو ما طلبته من الرئيس مبارك شخصيًّا، وللأمانة الرجل وافق على هذا الطلب دون أي تحفُّظ.

لكن كانت هناك علاماتُ استفهام كبيرة حول عدم التجديد لفضيلتكم في هذا المنصب؟

أودُّ في البداية أن أشير إلى نقطة مهمة؛ وهي أن تاريخ إنهاء خدمتي هو تاريخ تقاعدي بالضبط وهذا من الشكل القانوني لا شيء فيه.

فتاوى حاسمة

ولكن كان من الممكن أن يجدَّد لكم؟

هذا صحيح، وبالفعل كان قرار التمديد أمام رئيس الجمهورية وعلى مكتبِه، ولكن تدخّل بعض المسئولين الكبار بالمؤسسة الدينية وخارجها دون ذكر أسماء لوقف التمديد؛ هذا بسبب الفتاوى التي كنت أصدرُها ولم تصادف هواهم، ولأني كنت لا أخاف لومة لائم في الحق، بل حاولوا إثنائي أكثر من مرة عن الفتاوى التي أصدرها، فرفضت ذلك مطلقًا؛ لأن المسألة تتعلق بالدين والعقيدة وليس بأمر دنيوي، وبالتالي هذا التمسك كان يغضبُهم، فمثلًا فتوى تحريم المسابقات التليفزيونية عبر الهواتف باعتبارها قمارًا أثارت جدلًا واسعًا، وبَذَلَ البعض محاولات كثيرة لإثنائي أو إصدار فتوى أخرى تخفِّف من وقْع الأولى، فرفضتُ ذلك مطلقًا، وبعدها اكتشفت أن ابنَ مسئولٍ كبير كان يُشرِف على هذه المسابقات، لذلك حاول البعض إيجاد أي مخرج، فرفضت ذلك مطلقًا، وتسبَّب إصداري في غضب هؤلاء المسئولين، سواء داخل المؤسسة الدينية أو خارجها، وكان صدور هذه الفتوى قبل تقاعدي مباشرةً، وأعتقد أنها كانت السبب المباشر في عدم التمديد لي، بالإضافة لفتاوى أخرى مثل مصر للطيران ومسابقات مصارعة الثيران وغيرها.

نريد من فضيلتكم تفاصيل أكثر عن هذه الفتاوى التي تسببت لك في هذه المشاكل؟

هناك العديد من الفتاوى التي تشير إليها، ولكن نبدأ بأبرزِها -وربما هي التي كانت وراء عدم التجديد لي- وكانت خاصة بالمسابقات التليفزيونية التي تُجرى عبر الاتصالات التليفونية، أصدرتُ فتوًى بأنها قمار، والحقيقة هذا لم يكن رأيي أنا فقط، ولكن كان رأي مجمع البحوث الإسلامية كذلك؛ حيث عرضت الأمر على اللجنة الفقهية بالمجمع، والتي تضم علماء كبارًا، وتمت الموافقة على الفتوى وإقرارها، وبناءًا عليه أصدرتُها وتم تسجيلها بسجلّ الفتاوى، والحقيقة أن هذه المسابقات كان يديرُها ويشرف عليها ابن أحد المسئولين الكبار، ولم تعجبه هذه الفتوى ووسَّط لي بعض المسئولين الكبار وكذلك شيخ الأزهر للتراجع عن الفتوى، ولكن صمَّمْت عليها وتمسكت بها؛ لأنها كانت مستوفاةً من الناحية الشرعية والعلمية.

هل من فتاوى أخرى أثارت جدلًا ومشاكل مع أصحاب مصالح كانت الفتاوى في غير صالحهم؟

نعم كانت هناك فتوى خاصة بتحريم مصارعة الثيران، وكذلك فتوى ضد فصل شركة مصر للطيران لإحدى المضيفات المحجبات، وقلت: إن هذا قرار غير شرعي، أيضًا هناك فتوى بأن عَبَدَة الشيطان مرتدون، وكان سندي أن هؤلاء بالغون راشدون يستطيعون التفريق بين الحق والباطل، والأخطر أن هؤلاء كانوا يمارسون طقوسًا تؤكد أنهم منغمسون في المسألة بشكلٍ كبير جدًّا، وأن الأمر ليس مجرد وسوسة أو حالة تشويش، بل هي طقوس تؤدَّى، وهذا معناه أن الأمر بلغ مبلغًا خطيرًا، وبالتالي لا بد من قول كلمة الحق دون مواربة، وهذه الفتوى أصابت بعض المسئولين الذين تورَّطَ أبناؤهم في هذه الفتنة ومارسوا هذه الطقوس، فطلبوا مني تخفيف الفتوى ومحاولة التماس الأعذار، ولكني رفضتُ ذلك لأنها مسألة خطيرة وتتعلق بالعقيدة.

حرمة التطبيع

وماذا عن فتوى تحريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وضرورة مقاطعتِه؟

بالفعل أفتيتُ بحرمة التعامل مع هذا الكيان وقلت في الفتوى بحرمة التطبيع، وطالبت بضرورة المقاطعة الاقتصادية، والسند الشرعي في ذلك أن التعامل الذي يقوِّي العدو المحتلّ على أي مستوًى يضعفُنا نحن المسلمين وهو تعامل حرام شرعًا، ويمثل عدم اكتراث بالشرع وبمصلحة الأمة؛ حيث يحتل هذا العدو بلادنا ويعامل أهلها معاملة أقل ما يقال فيها أنها غير إنسانية، فكيف التعامل مع العدو بما يصبُّ في مصلحته من تبادل اقتصادي وثقافي وغيره؟!

وأيضًا قد أفتيتُ بمقاطعة الشركات التي تتعاون مع الكيان الصهيوني أو التي لها علاقة به من قريب أو بعيد، باستثناء الشركات التي نشأت برأسمال وطني وإشراف وطني ولا تربطها أي علاقة بهذا الكيان إلا أنها فقط تعمل تحت أسماء يهودية قديمة للاستفادة من الاسم التجاري، وأكدت أن التعاون الاقتصادي مع هذا الكيان البغيض شر كله، وأن ما يقال من أن هناك مصلحة اقتصادية للوطن غير صحيح، وحتى مشروع الكويز هو إضرار بالمصلحة الاقتصادية أكثر مما هو استفادة.

لكنك تعرضت لاختبارٍ صعب عندما عقد حاخامات يهود مؤتمرًا بالأزهر ودُعيتَ لحضوره من جانب شيخ الأزهر.

أنا رفضتُ حضور هذا المؤتمر دون التفكير في أي حسابات، وربما غضب البعض مني لعدم الحضور ولكن هذه قصة أخرى، لكن الأصل هو عدم مقابلة هؤلاء القتلة أو وضع يدي في يدهم؛ لأنهم لا يزالون يمارسون القتل والتدمير لإخواننا الفلسطينيين، وهم مسلمون يجب تعضيد مقاومتهم لهذا المحتل، كما يجب أن نتخذ موقفًا من هؤلاء القتلة.

على ذكر المقاومة هناك من يحاول التقليل من المقاومة سواءٌ في فلسطين أو غيرها ويقول بعدم جدواها بل وحصارها كما هو حادث الآن؟

مقاومة المحتل بشكلٍ عام هي حقٌّ شرعي، وبالتالي تأتي المقاومة في فلسطين والعراق في هذا السياق لأنها حق من حقوق الدفاع عن النفس وردّ كيد المعتدي وتحرير الأرض والحفاظ على النفس والشرف، وبالتالي على العالم الإسلامي أن يدعمَ الفلسطينيين وأن يخفِّف الحصار عنهم حتى يستطيعوا تحرير أرضهم وطرد المحتل.

وماذا تقول للفصائل الفلسطينية المتناحرة فيما بينها؟

أقول لهم قول الله عز وجل "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال:46) لأنه لا بدَّ من الوحدة في هذا الظرف العصيب والوقوف صفًّا واحدًا في وجه العدو، هذا العدو الذي يسعى دائمًا للفرقة وإذكاء روح الفتنة والاقتتال بيننا، وإذا فعلنا ذلك نكون قد قدمنا له هديةً على طبق من ذهب، وأنا بدوري أناشد الفصائل الفلسطينية أن تنهي الخلافات والصراعات فيما بينها وتلتقي على قلب رجلٍ واحد حتى يمكننا تحرير فلسطين والقدس الشريف.

فتنة خارجية

كيف ترى أحداث نجع حمادي الأخيرة بمصر ومدى تأثير ذلك على الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين؟

أولًا: أودُّ أن أوضح شيئًا مهمًّا، وهو أن مصطلح الوحدة الوطنية شيء مستحدث؛ لأن الطبيعي بالنسبة للشعب المصري هو النسيج الواحد والشعب الواحد، ولكن هذه المسميات قفزت إلى السطح بسبب الاستعمار والأيادي الخارجية الأخرى، وتحديدًا الصهيونية العالمية التي تريد أن تفتِّت هذا البلد وباقي البلاد الإسلامية والعربية من خلال إثارة المشاكل والنَّعرات الطائفية، ويأتي ما يحدث في مصر في هذا السياق، وللأسف ربما تحدث بعض الاستجابة سواء بقصد أو من غير قصد؛ بسبب الجهل الديني سواء لدى هذا الطرف أو ذاك؛ لأن الأصل في الإسلام أو المسيحية هو السلام والأخلاق الحميدة.

كيف ترى ما حدث نجع حمادي تحديدًا؟

ما حدث بنجع حمادي أراه في السياق الذي أشرتُ إليه، وهو الجهل بمبادئ الدين وأخلاقِه، خاصةً الدين الإسلامي الذي يحضُّ على السلام واحترام الآخر والمحافظة على أمنه وأمانه طالما لم يرفع في وجهك السلاح، وإذا رجعنا إلى الشخص المتَّهَم بالقيام بهذه العملية هو ومن معه سنكتشف أنهم جميعًا جهلاء بقِيَم الدين الإسلامي وتعاليمه بغضّ النظر عن الأسباب، والمؤكد أنهم ليسوا على دراية كافية بتعاليم الإسلام التي تحثُّ على الأخلاق والسلام والمحافظة على أي صاحب دين آخر طالما لا يؤذيك ولا يقاتلك.

وما الحل من وجهة نظر فضيلتكم لوضع حد لمثل هذه الأحداث؟

الحل هو التعليم ومناهجه، خاصة في البدايات، أي أن يدرس الطفل من سنّ مبكرة مناهج تعلمُه التسامح وتثبت فيه الأخلاق الكريمة وتمقت التعصب، ويُفهم من خلالها أن الدين لله والوطن للجميع، وتحديدًا منهاج للتربية الدينية لدى الطرفين سواء مسلم أو مسيحي، خاصة أن الإسلام والسلام وجهان لعملة واحدة، وهو يتعامل مع الإنسان كمخلوق وبشر بغض النظر عن دينه ومعتقداته، ولا بد من معاملته بإحسان، وكذلك الحال بالنسبة للمسيحية التي هي في جوهرِها دعوة للسلام والمحبة.

الجدار الفولاذي

ما تقييمك لما أُثير مؤخرًا حول قضية الجدار الفولاذي الذي تقوم به مصر على حدودها مع غزة؟

بدايةً أنا أرى أن من حق الدولة -أي دولة- بسط سيطرتها ونفوذها على أرضها وتأمين حدودها، وهذا حق طبيعي لأي دولة، ولكن في حالة مثل هذه الحالة نجد أن هناك على الطرف الآخر من الحدود أُخوة لنا في الإسلام والعروبة ومحاصرون، ومن حقهم أن تأمن لهم حياتُهم وتصل إليهم الأغذية والأدوية، وبالتالي أطالب وبالتوازي مع بناء هذا الجدار بضرورة فتح المعابر وتأمين الحياة والغذاء والدواء لأهلنا في غزة؛ لأننا في النهاية أمة واحدة، والأصل ألا توجد حدود لأنها من صنع الاستعمار، والأصل في الإسلام هو الإحسان للجار، حتى وإن لم يكن مسلمًا، طالما أنه لا يؤذيك، فما بالك بجارٍ مسلم وعربي؟!

أهل فلسطين يجب العمل على إغاثتهم والعمل على نجدتهم، خاصة أنهم يتعرضون لعدوانٍ غاشم من جانب عدو محتلّ، وهذا واجب ديني ووطني، وبهذه المناسبة أدعو الفلسطينيين إلى الوحدة ونَبْذ الفرقة؛ لأنها هي السبب الأساسي فيما وصل إليه الحال الآن، ولو اتحدوا معًا لأُزيلت كل هذه المشاكل التي ندعو الله أن تنتهي في أقرب وقت.

كيف ترى سيل الفتاوى المنهمر على الناس عبر شاشات الفضائيات دون ضوابط؟

ما تشير إليه من هذه الفتاوى وبهذه الطريقة ليس في صالح الإسلام والمسلمين؛ لأنه يترك المسلم في حَيْرةٍ من أمره ولا يعرف كيف يأخذ بفتوى محددة، لأنه لا يوجد تنسيق بين من يصدرون الفتاوى والمنوطين بالفتوى، وهذه مشكلة كبيرة، الشيء الآخر يتمثل في أنه يجب أن يعرف الجميع أن الفتوى هي نقل الحكم عن الله، وبالتالي المسألة خطيرة للغاية ومسئولية كبرى، ولا بد لمن يتصدى لها أن يكون أهل علم ويحقُّ له الاجتهاد.

لكن هناك فتاوى غريبة صدرت من علماء وأساتذة بالأزهر لهم سُمعتُهم وشُهْرتُهم؟

لا بدَّ أن يعرف الجميع أن تولي المنصب وحده ليس كافيًا لإصدار الفتوى، ولكن لا بد من توافر شروط فيمن يتصدى للفتوى، وأنا هنا أقصد المتخصصين في العلوم التي تؤهِّل للفتوى، كالفقه والشريعة، وألا يكون التخصص بعيدًا عن مجال الفتوى، أما بالنسبة لمن يحملون درجة الدكتوراه فالشهادة العلمية ما هي إلا مفتاحٌ للفتوى، ولكن لا بد من الاطِّلاع والبحث.

فتاوى جمال البنا

هناك على سبيل المثال بعض الفتاوى التي أفتى بها الكاتب جمال البنا والتي أثارت جدلًا كبيرًا مثل قبلات الشباب والحجاب وغيرها؟

بدايةً أودُّ توضيح نقطة مهمة بالنسبة لجمال البنا، وهي أن هذا الرجل لا علاقة له بالفتوى من قريب أو بعيد؛ لأنه ببساطة لم يتعلم قواعد الفقه وأصوله، وأنا هنا أتساءل عن تاريخه الفقهي والشرعي، إنه كالمهندس الذي يفتي في الطب فهو ليس مؤهلًا، لأنه لا يعرف الفرق بين الناسخ والمنسوخ مثلًا، وليس لديه فكرة عن الترجيحات والتعارضات في الفقه الإسلامي.

لكنه يبرِّر ما يقوله بأنه يجتهد ولا يفتي؟!

حتى لو كان اجتهادًا، فهو اجتهادٌ فاسد؛ فهو وأمثاله ينزلقون إلى ما انزلقوا إليه بحثًا عن المال والشهرة، وعمومًا فشتانَ بينه وبين أخيه حسن البنا الذي كان له عملُه ومنهجه ومدرسته العلمية الراشدة، أما جمال فيحاول أن يضاهيَه وينافسه ويحصل على نفس شهرته، ولكن لا يجوز أن يكون بهذه الطريقة، فهذه الصورة لا شك تسيء إلى ديننا الحنيف من خلال مخالفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة وبالفتاوى المضلة وأطالبه بالعودة لصحيح الدين.

وماذا عن أولئك الذين قالوا إن أسماء الله الحسنى كلام فارغ؟

هذا كلام عجيب؛ لأن هذه الأسماء تم إقرارها علميًّا من مجمع البحوث الإسلامية استنادًا إلى الحديث الصحيح والذي يقول فيما معناه إن لله 99 اسمًا فادعوا بها أو كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبالتالي ما قيل في هذه الجزئية لا يمكن قبولُه.

لكن مَن قالوا بهذا استندوا إلى أن هذه الرواية مأخوذة عن الوليد بن مسلم، وهو من أشهر واضعي الحديث؟

إذا كان هذا اجتهادًا توصَّل من خلاله إلى هذه القناعة بأن راوي الحديث من واضعي الأحاديث، ففي المقابل هناك مجمع البحوث الإسلامية الذي يضمُّ نخبة من علماء الأمة التقاة المعروفين بعلمِهِم وتخصصهم الدقيق كلٍّ في مجاله، سواء في الحديث أو التفسير إلى آخره، والمجمع يضمُّ في عضويتِه الدكتور أحمد عمر هاشم، وهو عالِم من علماء الحديث ومعروف بتميزه في هذا العلم، وكان ضمن من أقرُّوا هذا الحديث مع باقي علماء المجمع.

ظهر مؤخرًا من يطالبون بقارئات للقرآن في وسائل الإعلام المختلفة مثل إذاعة القرآن الكريم، ماذا تقول لهم؟

هذا غيرُ جائز شرعًا لأن الأصل في صوت المرأة أنه عورة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تجهر في صلاتها أو ترفع أذانًا، وهذه هي القاعدة، ولكن يمكن لها أن تقرأ وسط نساء ولا حرج، أما فكرة القراءة في الإذاعة وغيرها فهذا غير محبب وغير جائز.

الشيء الآخر هو أن هناك قضايا أكبر وأهم تواجه الأمة الإسلامية ولا داعٍ لإثارة مثل هذه القضايا الثانوية والابتعاد عن القضايا الجوهرية التي تمسّ الأمة وتمسّ كيانَها.

الاسلام اليوم

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الصهيونية العالمية وراء الفتنه الطائفية بمصر والعالم الإسلامي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7