الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010دراسة للحالة الطائفية في مصر
 
الأربعاء 24 فبراير 2010

أ. هشام مصطفى عبد العزيز 

مقدمة:

لا أحد ينكر بأن في مصر أزمة كبيرة ومشكلة تتضخم يومًا بعد يوم، وهي مشكلة الأقباط، أو ما يمكن أن نطلق عليه الحالة القبطية في مصر.

وليس بخافٍ على أحد أن هذه المشكلة هي نتاج للتفاعل بين العديد من العوامل‏‏ بعضها خارجي والآخر داخلي‏, ولكن التاريخ يعلمنا أن تأثير العوامل الخارجية لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت هناك عوامل داخلية‏,‏ أو فلنقل بيئة داخلية‏,‏ مهيأة لزرع هذه المشكلة‏,‏ مثل ضعف البنيان الداخلي للمجتمع‏,‏ وعجزه عن امتصاص الصدمات الخارجية‏,‏ أو انقسام الولاءات داخله‏,‏ أو مروره بمرحلة تحول اجتماعي تتغير فيها المفاهيم والمعايير والقيم ولم تستقر بعد اختياراته الأساسية لتحديد مستقبله‏.‏

ولكن السؤال المهم هنا, هو: هل وصل تعمق هذه المشكلة في المجتمع إلى ما يمكن أن نطلق عليه المشكلة الطائفية؟

وفي هذا البحث الموجز نحاول أن نشخص المشكلة القبطية في مصر, ونتعرف على إجابة وافية لهذا السؤال المطروح, متلمسين الحل الشامل لهذه المشكلة, الذي يرتكز على رؤية صحيحة للثوابت الوطنية التي تشكل دعائم الأمن القومي المصري ومصالح مصر العليا، وينطلق كذلك من المنهج الإسلامي الصحيح في التعامل مع أهل الكتاب.

وسينتظم الحديث في عدة جوانب هي كالتالي:

أولًا: منهج الإسلام في التعامل مع الأقباط.

ثانيًا: هل هناك مشكلة طائفية في مصر؟

ثالثًا: روشتة علاج للحالة القبطية في مصر.

أولًا: منهج الإسلام في التعامل مع الأقباط

تعامل الإسلام مع المخالفين في العقيدة انطلاقًا من سماحته المعهودة, ووضع لأتباعه مجموعة من القواعد التي تضمن لهم الحفاظ على هويتهم ودينهم من غير تميع, وتحثهم في ذات الوقت على حسن معاملة أهل الملل والأديان الأخرى، وبهذا يتم التوازن المطلوب، ويتمكن المسلمون من التعايش السلمي مع أبناء وطنهم وجيرانهم من أهل الكتاب في الوطن الواحد.

ونشير فيما يلي لأهم هذه القواعد وما قد يتفرع عنها من معاملات حياتية وواقعية, ليس على سبيل الإحصاء, ولكن فقط كنماذج تكشف عن منهج الإسلام في التعامل مع المخالفين في العقيدة وخاصة الأقباط.

وهي على كثرتها يمكن حصرها في ركيزتين رئيستين هما:

·       حقوق أهل الكتاب في الإسلام.

·       ضرورة الحفاظ على هوية الدولة الإسلامية، وعقيدة الولاء والبراء.

الركيزة الأولى: حقوق أهل الكتاب في الإسلام:

1ـ كل نفس بشرية هي مكرمة بأصل خلقتها:

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء: 70].

فهنا, كما يقول ابن كثير في تفسيره: (يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها) [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (5/97)], فذرية آدم, على اختلاف عقائدها ودياناتها, مكرمة بتكريم الله لها, وتفضيلها على غيرها ممن خلق سبحانه.

ويؤيد ذلك ما جاء في الأثر, كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد، قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنهما من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: (إنها جنازة يهودي، فقال: (أليست نفسًا؟!)) [رواه البخاري، (1312)].

2ـ ضمان حرية الاعتقاد لأهل الكتاب، وعدم الإكراه على الدخول في الإسلام:

قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256].

وفي تفسيرها يقول ابن كثير: (أي لا تُكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا) [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (1/682)].

وبموجب هذه الآية الكريمة لا يجوز شرعًا اتخاذ أية وسيلة من شأنها إكراه أهل الكتاب على تغيير ملتهم والقبول بالإسلام, ومن فعل ذلك فقد خالف الهدي القرآني في فعله.

3ـ الدعوة إلى الإسلام تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن:

قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

أي, كما قال ابن كثير: (من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46], فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون عليهما السلام، حين بعثهما إلى فرعون فقال: {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 44]) [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (4/613)].

فلا يفهم من معنى عدم الإكراه, الامتناع عن دعوتهم, فهذا تكليف رباني لمن يقدر عليه, مراعيًا في القواعد الأصولية من جلب المصلحة ودفع المفسدة, وكون دفع الأخيرة [المفسدة] مقدم على جلب الأولى [المصلحة], ومراعيًا كذلك ضوابط الجدال والدعوة بالتي هي أحسن؛ من لين الخطاب وإظهار السمت الحسن والخلق الرفيع.

4ـ البر والصلة والمكافأة بالمعروف والعدل في التعامل:

قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة:8].

قال السعدي في تفسيره: (أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة) [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، ص(856)].

وقد خرَّج الفقهاء على هذه القاعدة القرآنية في التعامل مع أهل الكتاب عدة صور واقعية منها:

·       جواز إلقاء السلام على غير المسلمين:

ودليل ذلك عدم وجود نص يفرق بين المسلمين وغير المسلمين في وجوب إلقاء السلام, فهناك العديد من الأحاديث التي تفيد المساواة، كالذي أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) [رواه البخاري، (28)].

أما ما اعتمد عليه القائلون بحرمة إلقاء السلام على أهل الكتاب فهو حديث منـزوع السياق، وقد أخرجه مسلم في صحيحه عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) [رواه مسلم، (2167)].

فهذا الحديث- الذي لم تظهر مناسبة قوله في هذه الرواية هنا- قد رُوي مع مناسبته التي قيل فيها في روايات أخرى، كتلك التي أخرجها ابن ماجة في سننه عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ) [رواه ابن ماجة، (3830)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، (3699)], ويتضح من هذه الرواية أن المانع من إلقاء السلام هو حالة الحرب.

ونقل النووي في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن جمع من الصحابة والتابعين منهم: ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز.

·       عيادة مرضاهم:

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم, كما يقول ابن القيم في كتابه زاد المعاد, يعود من مرض من أصحابه، وعاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك.

وقد ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) [رواه البخاري، (1356)].

وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب أن أباه أخبره قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: (أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) [رواه البخاري، (3884)].

وقال المروذي: (بلغني أن أبا عبد الله سئل عن رجل له قريب نصراني: يعوده؟ قال: نعم, وقال أبو مسعود الأصبهاني: سألت أحمد بن حنبل عن عيادة القرابة والجار النصـراني، قال: نعم) [أحكام أهل الذمة، ابن القيم، (1/427)].

·       تهنئتهم في أفراحهم غير الدينية وتعزيتهم في موتاهم:

فتجوز تهنئة الكتابي إذا ولد له مولود، وإنما ينهى عن تهنئتهم بما كان مختصًا بدينهم وشعارًا من شعائره كالأعياد ونحوها, كما تجوز تعزيتهم, قال ابن القيم رحمه الله قال في أحكام أهل الذمة: (قال الحسن إذا عزيت الذمي فقل لا يصيبك إلا خير، وقال عباس بن محمد الدوري: سألت أحمد بن حنبل قلت له: اليهودي والنصراني يعزيني أي شيء أرد إليه، فأطرق ساعة ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا، وقال حرب: قلت لإسحاق: فكيف يعزي المشرك قال: يقول أكثر الله مالك وولدك) [أحكام أهل الذمة، ابن القيم، (1/439-440)].

·       جواز إهدائهم وقبول هديتهم:

ويدل على جواز قبول هديتهم حديث أنس (أن يهودية أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة) [متفق عليه].

كما أخرج البخاري في الصحيح عن أبي حميد (وأهدى ملك آيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردًا) [رواه البخاري، (1481)].

والأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها ما أخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: رأى عمر حُلَّة على رجل تباع، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت فيها ما قلت؟ فقال: (إني لم أكسكها لتلبسها ... تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم) [رواه البخاري، (886)].

وقال النووي في شرحه على مسلم: (جواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبًا وغيره).

الركيزة الثانية: ضرورة الحفاظ على هوية الدولة المسلمة وعقيدة الولاء والبراء:

 ـ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51].

يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى) [تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (2/132)], ويقول الشنقيطي في تفسيره: (ذكر في هذه الآية الكريمة، أن من تولى اليهود والنصارى مِن المسلمين؛ فإنه يكون منهم بتوليه إياهم, وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمنًا ما تولاهم، وهو قوله تعالى: {ترى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي العذاب هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ولكن كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 80-81].

ونهى في موضِع آخر عن تَوليهم مبينًا سبب التنفير منه, وهو قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور} [الممتحنة: 13]) [أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي، (1/437)].

والذي عليه أكثر العلماء أن الموالاة تشمل المحبة والنصرة والتأييد, أي أن المقصود بالنهي هنا, محبة ما هم عليه من الشرك بالله, ونصرتهم على المسلمين لا مجرد التعامل معهم بالعدل والبر كما أرشدت الآيات السابقة.

ومن صور الولاء المحرمة التي هي محل اتفاق بين العلماء:

1- مشاركتهم وتهنئتهم بأعيادهم الدينية التي تخالف شريعة الإسلام كعيد القيامة.

2- تمجيد دينهم ومدح ما هم عليه من الشرك بالله.

3- معاونتهم على المسلمين، والنصح لهم، وكشف عورات المسلمين لهم.

ومن العرض السابق يتبين لنا ضرورة التوازن بين الركيزتين السابقتين،  فلا يجوز أبدًا أن نهدم أصل الولاء والبراء بحجة التسامح مع أهل الكتاب، إذ أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وهو ناسخ لما قبله من الشـرائع السماوية، والمسلم عند الله جل وعلا لا يقارن بغيره بأي حال من الأحوال، فهو أعز وأكرم، بما معه من إيمان وإسلام، ولكن مع ذلك فلكل من الطرفين حقوق, وعليه واجبات لابد أن يؤديها كما أمر شرع الله تبارك وتعالى.

فلاشك أيضًا أن على أهل الكتاب في أرض الإسلام واجبات، كما أن لهم حقوقًا, فلابد لهم من الالتزام بالقوانين الشـرعية في بلاد الإسلام إلا ما أعفاهم شرع الله تبارك وتعالى منه.

وعليهم كذلك أن يراعوا مشاعر المسلمين في كون هذه البلاد بلادًا إسلامية؛ فلا يجوز منهم المجاهرة بما يخالف أحكام الإسلام جهارًا عيانًا، حتى ولو كان ذلك مباحًا في شريعتهم، كالمجاهرة بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وغير ذلك.

وأما إذا حدث منهم ظلم أو تعدٍ؛ فلابد لمن بيدهم مقاليد الأمور والمسئولين في بلاد الإسلام أن يأخذوا على أيديهم وأن يمنعوهم من ظلمهم؛ حتى لا يشعر المسلم أنه مهان في أرض الإسلام وأن عليه واجبات بينما ليست له حقوق؛ فيحدث من ذلك فتنة لا يعلم مدى شرها إلا الله جل وعلا.

ولا يجوز في مقابل ذلك أن نهدم أصل التسامح مع غير المسلمين من أهل الكتاب، بحيث يكون الأصل في معاملتنا لهم: الشدة والقسوة والغلظة، بحجة تحقيق الولاء والبراء، وأن ذلك من لوازمه، مع أن النصوص التي تأمر بمعاملتهم بالرأفة والسماحة والرحمة كثيرة وظاهرة، وحقوقهم في شرع الله تعالى محددة معروفة، بما يكفل لهم كرامة العيش في بلاد المسلمين، وعدم التحول إلى طابور خامس يعطي ولاءه لأعداء الوطن.

وخلاصة القول في منهج الإسلام في معاملة أهل الكتاب أنه يأمر بحسن معاملتهم وبرهم والعدل في التعامل معهم على اعتبار أن كل بني آدم مكرم بأصل خلقته التي خلقه الله عليها بغض النظر عن دينه الذي يعتنقه, وهذا ما يمكن أن نطلق عليه جانب القواسم الإنسانية المشتركة التي يحرص الإسلام على توقيرها واحترامها، وباعتبارهم كذلك أهل كتاب سماوي، فهم على كفرهم بالإسلام لكنهم أفضل حالًا في الدنيا من الملحدين الذين لا يؤمنون بوجود الله تعالى، وإن كانوا في الآخرة يستوون في العاقبة، ولذلك فقد حزن المسلمون لانتصار الفرس على الروم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكون الفرس مجوسًا وثنيين، أما الروم فقد كانوا أهل كتاب، فهم أقرب إلى نفوس المسلمين من الفرس، فأنزل الله تعالى قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 2-3].

ومن ناحية أخرى, وهي الناحية العقدية الدينية, ينهى الإسلام أتباعه عن إظهار الرضا بما هم عليه من الشرك, كما يحثهم على عدم مشاركتهم في شيء من أمور دينهم أو مناصرتهم على حساب أهل الإسلام.

وهذه الاستقامة المنهجية هي التي جعلت التعايش بين الإسلام وغيره من الملل الأخرى ممكنًا, من غير أزمات مجتمعية حقيقة, والشطط أو الغلو في فهمه وتغليب إحدى زاويتيه على الأخرى؛ سيكون بمثابة تفجير لبؤر التوتر والفتن التي تأخذ بعدًا دينيًّا طائفيًّا. 

ثانيًا: هل تعاني مصر من مشكلة طائفية؟

سنحتاج بداية أن نتعرف على معنى الطائفية, ثم نشير لواقع الحال في المجتمع المصري وما عليه الكنيسة, بعدما اتضح أن منهج الإسلام الصحيح لا يمكن أن يشكل أو يدعو إلى فتنة دينية أو طائفية.

معنى الطائفية:

الطائفية كمفهوم, ليست مجرد الانتماء إلى دين أو عرق أو مذهب‏,‏ وإنما تتجاوز ذلك إلى الانتماء إلى جماعة معينة داخل الوطن تقوم على هذا الأساس‏,‏ بحيث يؤدي ذلك إلى صراع بين هذا الانتماء‏,‏ والمشاعر الوطنية التي تربط أبناء هذه الجماعة بالوطن والمجتمع الذي تحيا فيه‏.

كذلك تتفق الأدبيات المطروحة حول مفهوم الطائفية على توصيفها بأنها عصبية تتجاوز المذهب أو العرق‏,‏ يحاول المنتمون إليها تحويلها إلى عصبية سياسية لتحقيق مطالب فئوية ومصالح خاصة‏,‏ قد تتعارض مع مصالح الوطن‏.‏

ويقول الدكتور برهان غليون في كتابه‏: "‏نظام الطائفية‏:‏ من الدولة إلى القبيلة" ‏أن الطائفية تنتمي إلى مجال السياسة لا إلى مجال الدين أو العقيدة‏,‏ وأنها تشكل سوقًا موازية أي سوقًا سوداء للسياسة ـ على حد تعبيره ـ أكثر مما تعكس دفاعًا متعصبًا عن دين أو مذهب‏.‏

وفي بعض الأحيان يقوم نظام سياسي طائفي عندما تنجح هذه الطائفية في أن تصبح جزءًا من النظام السياسي‏,‏ الذي يقوم على التقسيمات الطائفية التي تنتقص بطبيعة الحال مما حققته الدولة الحديثة أو الدولة القومية من وحدة بين كافة جماعاتها‏.

مصر والطائفية:

بالتتبع التاريخي سنجد أن مصر ومنذ الفتح الإسلامي لم تكن على الإطلاق مسـرحًا للفتن الطائفية, ولم تكن هذه المشكلة مثار حديث, فكان الأقباط يعيشون في المجتمع دون تمييز بينهم وبين المسلمين, خاصة على المستوى المجتمعي الذي شهد أنموذجًا فريدًا للتعايش بين الجانبين دون مشاكل حقيقة تذكر.

وأما المشاكل الحالية فالذي يبدو لنا أنها ترجع إلى جذرين رئيسين هما:

أولًا: الجذر القبطي: والذي يتمثل في السياسات التي اتبعتها الكنيسة في عهد البابا شنودة.

ثانيًا: الجذر الإسلامي: والذي يتمثل في الخطاب السلفي المتشدد، وبمقابله الخطاب الأزهري المتميع.

ونستعرض فيما يلي هذين الجذرين بشيء من التفصيل:

أولًا: الجذر القبطي:

بدأت المشاكل الحقيقية ذات الصبغة الطائفية في مصر مع تولي البابا شنودة الثالث قيادة الكنيسة الأرثوذكسية, حيث دخل في صراع مع الدولة تحت دعوى المطالبة بحقوق الأقباط, وأحدث صراعًا داخل الطائفة الأرثوذكسية ذاتها, وبين الأرثوذكس والطوائف والملل المسيحية الأخرى.

وبدت هذه الصـراعات متعددة الجوانب, وكأنها ناجمة عن الطريقة التي نهجها شنودة في إدارة الكنيسة, ومفادها على ـ ما يبدو ـ أن الطائفية التي يحاول غرسها في بنيان المجتمع المصري قد تحقق للأقباط كثيرًا من المكاسب.

أي أن المشكلة تكمن في رأس الكنيسة ورؤيتها وليس في الكنيسة ذاتها التي تناغمت في عصر الباباوات السابقين مع المجتمع المصري.

ويمكن التدليل والبرهنة على ذلك بالإشارة إلى سمات هذه المرحلة الكنسية, وما نشأ عنها من صراعات ملتهبة على مختلف الجبهات السياسية والدينية.

·     سمات المرحلة الكنسية في عهد شنودة:

ولد البابا شنودة الثالث في الثالث من أغسطس 1923م، ونشأ في أسيوط في أسرة مؤلفة من ثمانية أولاد وكان يدعى في شبابه بـ "نظير جيد" وتخرج من كلية الآداب في جامعة القاهرة, وقد ترهب في دير وادي النطرون في الصحراء الغربية.

وتم اختيار شنودة على رأس الكنيسة الأرثوذكسية خلفًا للبابا كيرلس في 14 نوفمبر 1971م، وقد اتسمت الحقبة التي تولى فيها شنودة سدة البابوية منذ ذلك التاريخ وحتى الآن بعدد من السمات، لعل أبرزها ما يلي:

أولًا: المزج ما بين الزعامة الدينية والسياسية:

كانت المهمات التي يقوم بها من يشغل المنصب البابوي تكاد تكون منحصـرة في الإرشاد والوعظ الديني والتوجيه الروحي لأبناء الطائفة, ولكن البابا شنودة منذ توليه منصبه أحدث تغييرًا في مهمات البابا, وانتقل به من مهمات الإشراف والتوجيه الديني إلى ما يشبه ويقترب إلى حد بعيد من الزعيم السياسي والممثل الرسمي لأبناء طائفته, الذي مع دوره الكلاسيكي المعتاد يقوم بتحديد الخيارات السياسية لهم ويتفاوض مع النظام نيابة عنهم.

فهو يقوم بمهمة الزعيم السياسي والمرشد الروحي في آن واحد, وقد حجَّم هذا الدور إلى حد كبير من دور الساسة الأقباط الذين توقَّف دور بعضهم على مجرد الخضوع للأوامر البابوية, في حين حافظ آخرون على درجة ما من الاستقلالية، ونأوا عن سلطة الكنيسة, وتمسكوا بكونهم ساسة مصريون يعبرون عن مجمل الحالة المصـرية لا القبطية على وجه التحديد وقليل ما هم.

فبابا الأرثوذكس في مصر سعى لكي تلعب الكنيسة بإمرته الدور القيادي في توجيه الأقباط وضبط مسارهم, وتمسك بيديها كل الأوراق السياسية والدينية بل والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالأقباط؛ بحيث يحفظ عليهم تكتلهم ومن ثَم يمنع الفراغ الذي يمكن أن تستغله أطراف أخرى مناوئة لسلطة الكنيسة.

ثانيًا: الكنيسة في مواجهة الدولة:

كان من الطبيعي ونظرًا لغياب الزعامات المدنية في الوسط القبطي، وسيطرة الكنيسة على مجمل حياة الأفراد منذ الولادة وحتى الوفاة مرورًا بالزواج، وحتى الترشح للانتخابات وممارسة العمل السياسي؛ أن تخندق الأقباط بقيادة الكنيسة في مواجهة الدولة، وأصبحوا رعايا الكنيسة لا رعايا الدولة.

وقد ظهر ذلك جليًا في عدد من المواقف والأحداث, منها على سبيل المثال, لجوء الأقباط إلى الكنيسة عقب نشر صحيفة مصـرية صورًا مخلة لراهب مشلوح؛ لاستلهام ما يمكن أن يكون رد الفعل المناسب على الحدث, وهو ذات المشهد الذي تكرر في حادثة "وفاء قسطنطين" عندما ذهبت الحشود مجتمعة إلى الكاتدرائية بالعباسية للبحث عن حل, فيما لم يتوجه أحد حتى على مستوى قيادات الكنيسة إلى الدولة، بل خرجت الحشود في الحالتين لتعبر عن "غضب الكنيسة" من الدولة ومؤسساتها وقيادتها.

هذه الحالات وغيرها أظهرت بوضوح أن الأقباط في عهد شنودة تخلَّو عن التعامل المباشر مع مؤسسات الدولة ولجئوا إلى الكنيسة التي رأوا أنها قادرة على حمايتهم, وإنفاذ رغباتهم حتى ولو كانت مخالفة للقانون.

ثالثًا: الاستفزازات والمواجهات الشعبية:

عرفت مصر خلال فترة زمنية سابقة حالات من الاعتداء من قِبل بعض الأفراد المنتمين إلى تيارات متطرفة فكرًا وسلوكًا على بعض الممتلكات القبطية, وانحصـرت المواجهات حينها في تصدي قوات الأمن لهذه التيارات, ولم تخرج عن هذا النطاق إلا في حالات قليلة نادرة, ولكن من الملاحظ أن المواجهات اتخذت منحى أكثر خطورة؛ كونها انتقلت نوعيًّا وكميًّا من مجرد مواجهات مع أفراد ينتمون لجماعات تتسم بالعنف والانحراف الفكري إلى مواجهات شعبية بين طائفتين في بلد واحد.

واللافت للنظر أن هذا الانتقال يقع العبء الأكبر منه على عاتق الكنيسة التي لجأت إلى قدر من الاستفزاز لمشاعر المسلمين لا يمكن وصفه بالعفوي أو غير المقصود, وقد تجلى ذلك ـ على سبيل المثال ـ في حادثة كنيسة محرم بك بالإسكندرية في عام 2005م, وإخراج مسرحية تسخر من بعض الشعائر والمقدسات الإسلامية في فترة كانت مشاعر المسلمين فيها ملتهبة من الأساس, ومن قبلها كان الإصرار على تسليم "وفاء قسطنطين" إلى الكنيسة واعتقالها في أحد الأديرة بوادي النطرون، حيث مقر اعتكاف البابا شنودة في عام 2004م, وفي العام 2006م خرجت حشود كنسية عقب مقتل كهل في كنيسة بسيدي بشر، وقامت بترديد هتافات معادية للمسلمين، ورفعت علمًا يرمز للأقباط في تحدٍ سافر للدولة وللمسلمين.

وقد عكس تصريح خطير للأنبا ماكس ميشيل المعروف باسم ماكسيموس الأول "راعي كنيسة المقطم" هذه الحالة في عهد شنودة بقوله: (لم تشهد مصر أية أحداث طائفية إلا في عهد البابا شنودة؛ نظرًا لتعامله مع هذه الأحداث بشكل تسبب في تأجيج الوضع الطائفي، فكان بسياساته بمثابة الذي يسكب الزيت على النار، فقد كان يحرض الأقباط على الثأر من المسلمين وحمل السلاح، وقد شاهدت إحدى هذه الوقائع بعيني، عندما كنت في الكنيسة وسمعته يطالب مجموعة من المسيحيين برفع راية الاستشهاد وعدم العودة إلى الكنيسة إلا وهم أموات) [المصري اليوم 2/7/2006م].

رابعًا: استثمار البعد الخارجي لتحقيق مكاسب داخلية:

لا يخفى الدور الذي لعبه شنودة في دعم وتكوين ما عُرف بمنظمات أقباط المهجر التي تزايدت أهميتها على المسرح الدولي، وقاربت على وضع "الحالة الدينية في مصـر" على خريطة الاهتمامات الدولية, وأدخلتها على خط العلاقات المصرية الأمريكية.

فعند تولي شنودة منصب البابوية لم يتجاوز عدد الكنائس القبطية في المهجر سبع كنائس فقط, منها اثنتان فقط في الولايات المتحدة وواحدة في أوروبا, أما الآن فقد قاربت على مائتي كنيسة منها 80 كنيسة تقريبًا في الولايات المتحدة, و50 في أوروبا.

وقد اعتبرت هذه المنظمات في حقبة شنودة بمثابة قنطرة التأثير من الخارج على صانع القرار المصري, وفي نفس الوقت وسيلة وورقة يمكن الاستفادة منها [قبطيًا بطبيعة الحال] حينما يتطلَّع النظام إلى الخارج لتحقيق هدف ومأرب ما.

فقد استطاع شنودة أن يستغل ضعف البنيان السياسي للنظام المصري، ووظَّف تلك المنظمات التي تدين في غالبها بالولاء له لتحقيق العديد من المكاسب لطائفته في الساحة المصرية.

فكثيرًا ما نددت تلك المنظمات بما وصفته باضطهاد الأقباط في مصر، وما يتعرضون له من مشكلات وعقبات تضعها أمامهم الحكومة المصرية, ويتذرعون بتلك المشاكل للتلويح بالسعي وراء التدخل الدولي لحماية الأقباط من الظلم والاضطهاد.

وعلى سبيل التمثيل فقد طالب المهندس الراحل "عدلي أبادير يوسف" كبير أقباط المهجر بفرض المظلة الدولية لحماية الأقباط في مصر من "الاضطهاد"، وقال: إن عددهم يبلغ 12 مليونًا [وبحسب الإحصائيات الرسمية فإن عدد الأقباط في مصر 6% من إجمالي عدد السكان]، ويتم تحويلهم إلى "دارفور المصرية" منذ 53 سنة.

ولاشك أن هذا الاستقواء بالخارج ترك تأثيره في العقلية القبطية ونظرتها لحل ما تقول: إنه مشاكل تعوقها في المجتمع المصري.

فعلى إثر صدور قرار من إحدى اللجان التابعة للأمم المتحدة يتيح لأول مرة النظر في قضايا لها علاقة باضطهادهم؛ قام أحد الأقباط في ضاحية مصر الجديدة التي تعيش فيها نسبة كبيرة من أثرياء الأقباط بتوزيع الحلوى, معتبرًا الحكم يمثل فرصة لجميع المضطهدين للجوء للأمم المتحدة لحمايتهم من الأسلوب القمعي للحكومة [القدس العربي 9/3/2006].

خامسًا: حملة التطهير الكنسي:

شهدت الكنيسة القبطية في عهد البابا شنودة، حملة تطهير لغالب القيادات التي أظهرت رأيًا مخالفًا لرأي شنودة, حيث جرت عمليات "شلح" وعزل للمئات, منهم: الأب متى المسكين, والأنبا غريورس أستاذ اللاهوت، والدكتور جورج بباوي وغيرهم.

ويقول ماكسيموس: (إن من جرى شلحهم وتهميشهم بلغ حوالي 300 قائد وعالم بالكنيسة، وأن المئات من الذين حاكمتهم محكمة البابا شنودة صدرت الأحكام ضدهم دون أن يرفق بها أية عريضة اتهام، وكانت الاتهامات المقدمة لا تستند إلى أي دليل) [المصري اليوم (2/7/2006)].

·     صراع الكنيسة الأرثوذكسية:

أدت هذا السمات المتشددة, للقيادة الكنسية, كما أسلفنا القول إلى ظهور صراعات جديدة كانت بعيدة كل البعد عن الكنيسة في العهود السابقة للبابا شنودة, ونشير إليها اختصارًا على النحو التالي:

أولًا: الصراع مع الدولة:

اعتمد البابا شنودة بصورة أساسية في تعامله مع الحكومة المصـرية على ما يسمى في الأدبيات السياسية بـ"النضال اللا عنفي"، والذي من أمثلتها سياسة المقاومة السلبية التي اتبعها المهاتما غاندي  في الهند  في نضاله ضد الاستعمار البريطاني بطرق سلمية وبأساليب من الضغط الاجتماعي والسياسي، كذلك دور الرهبان البوذيين في مينامار الذين طالبوا بوقف احتكار السلطة والجيش في مينامار وما ترتب على ذلك من تعاطف العالم مع مطالبهم.

ويطالب شنودة بقائمة لا تنتهي مما يصفه بحقوق الأقباط في مصر؛ ومن أهمها:

1- المطالب الدينية:

·            إطلاق بناء الكنائس أسوة بالمساجد, وعودة الأوقاف القبطية للكنيسة.

·            حظر أي تعرض للأقباط في وسائل الإعلام والتعليم والمساجد والعظات الإسلامية.

·            التعامل مع المرتدين عن الإسلام قانونًا كما التعامل مع المتحولين عن المسيحية.

·            رفع خانة الديانة من بطاقات الهوية, وكافة المستندات التوظيفية.

·            إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

2- المطالب السياسية:

·         المشاركة على قدم المساواة في المناصب التعينية السياسية والتنفيذية والعسكرية.

·         تعيين كوتة للأقباط في المجالس المنتخبة بحيث يتسنى لهم المشاركة.

3- المطالب الثقافية والتعليمية:

·     إعطاء مساحة متساوية للأقباط في الخريطة الإعلامية.

·     إلغاء مادة التربية الدينية من المدارس ووضع منهج مشترك.    

·     تنقية المناهج التعليمية من المفاهيم الإسلامية, ومشاركة الأقباط في وضعها.  

ويعتمد شنوده في تحقيق مطالبه على ما يلي:

 الأول: أقباط المهجر:

فأقباط المهجر يمارسون تأثيرهم على السياسة الخارجية المصـرية بطريق غير مباشر من خلال الضغوط التي يمارسونها على صانعي القرار في الدول الغربية والذين يمارسون بدورهم ضغوطًا على صانع السياسة الخارجية المصرية.

الثاني: التظاهر الكنسي والاعتزال البابوي:

فعند كل مشكلة كبرى تقع للأقباط, نجد التظاهرات "المنظمة" أمام الكنائس, ودخول شنودة في صمت وتهديده بالاعتكاف في دير وادي النطرون حتى يتم تلبية ما يصفه بالمطالب العادلة للأقباط.

ويلجأ شنودة للاعتكاف كنوع من إعلان عدم المسئولية عن النصارى والتهديد بفقد السيطرة عليهم, كما يشعل اعتكافه غضب النصارى على الدولة. 

فاعتكاف شنودة مثَّل وسيلة هامة للاحتجاج منذ توليه البابوية منذ ما يزيد عن ربع قرن، حيث قام بخمسة اعتكافات لأحداث وظروف مختلفة.

ثانيًا: الصراع الداخلي في الكنيسة الأرثوذكسية:

على مدار تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية لم تشهد صراعًا بين الأساقفة من أعضاء ما يسمى بالمجمع المقدس مثلما يحدث الآن على خلافة البابا شنودة, حيث يتصارع داخليًّا ما يقرب من عشرة من الأساقفة لتولي المنصب البابوي.

ومع هذا الصـراع الداخلي, وكنتيجة لممارسات البابا شنودة الداخلية, بدأت الانقسامات تعرف طريقها للكنيسة الأرثوذكسية, فبعدما طرد البابا شنودة الأنبا ماكس ميشيل المعروف باسم ماكسيموس الأول من الكلية الإكليريكية في السبعينات،  والتي منها يتخرج رجال الدين الأقباط؛ نتيجة لكتاباته التي رأى فيها توجهًا مخالفًا لرأي الكنيسة وتوجهها, توجَّه ماكسيموس إلى الولايات المتحدة، حيث عُيِّن أسقفًا في إحدى الكنائس الأرثوذكسية هناك, وبعد عودته إلى مصـر شنَّ حملة ضد قيادة البابا شنودة للكنيسة الأرثوذكسية، ووصفها بأنها الأسوأ في تاريخ الكنيسة، وقال: إن أفعاله عمَّقت التوتر الطائفي, وانتقد كذلك تشدده وحظره شبه التام للطلاق والزواج الثاني لأبناء الطائفة.

وقدَّم ماكسيموس نفسه ليس فقط كمنشق على البابا شنودة وكنيسته، بل أيضًا كرجل إصلاحي يرغب في إنهاء الأزمات التي يعاني منها أبناء طائفته، وعلى رأسها الطلاق والزواج الثاني.

ثالثًا: الصراع بين الأرثوذكس والملل النصرانية الأخرى:

فقد دخلت الكنيسة الأرثوذكسية في صراع مع الإنجيليين في محاولة لوقف انتقال مئات من الأرثوذكس المأزومين من علاقتهم بالكنيسة إلى الطائفة الإنجيلية, وهو ما تكرر مع السبتيين وغيرهم.

ويرفض شنودة أي تزاوج بين الملل على اعتبار أن غير الأرثوذكس "كفار" خارجين عن سلطان الكنيسة التي يقودها.

رابعًا: الصراع بين الكنيسة والعلمانيين الأقباط:

تعرض البابا شنودة لعديد من الانتقادات من الإصلاحيين داخل الكنيسة, حيث يطالب العلمانيون أو الإصلاحيون الأقباط بالمشاركة في إدارة أموال الكنيسة من خلال "مجلس أعلى" للكنيسة يشاركون فيه جنبًا إلى جنب مع الإكليروس "رجال الدين"، بديلًا عن المجلس الملي الحالي؛ وهي الدعوة التي شجبتها الكنيسة القبطية في مصـر بشدة، مشددة على أن المجلس الملي وحده هو المنوط بإدارة الشئون الإدارية والمالية للكنيسة.

نخلص مما سبق إلى أن الكنيسة الأرثوذكسية في عهد البابا شنودة تحولت كثيرًا من كونها مركزًا للممارسة الدينية إلى ما يشبه الحزب السياسي, وهو ما يفسـر هذا الكم من الصراعات التي أججتها سياستها وتحولاتها, وهو ما يعنى برأينا أن مصر لا تعاني حقيقة من مشكلة طائفية بقدر ما تعاني الكنيسة من أزمة في قيادتها التي حاولت نزعها عن مجتمعها وتغيير أهدافها من إشباع الجانب الديني إلى المعترك السياسي, وهو الأمر الذي ألقى بظله الثقيل على المجتمع المصري وبدا كأن مصر تعاني حقيقة من مشكلة قبطية.

ثانيًا: الجذر الإسلامي ما بين الإفراط والتفريط:

من استعراضنا السابق للمنهج الإسلامي في التعامل مع أهل الكتاب؛ نصل إلى عظمة هذا المنهج الواقعي الشامل، الذي يحدث التوازن المطلوب بين الحفاظ على هوية الدولة المسلمة، وبين إعطاء الحقوق لأهل الكتاب ومعاملتهم بالسماحة والعدل، بما يزرع في نفوسهم الانتماء للدولة المصرية والمجتمع المصري.

لكن الخروج على هذا المنهج الرباني بأحد طرفي الغلو من الإفراط أو التفريط، هو الذي يحدث المشاكل الحقيقية، وهذا للأسف ما وجدناه قد حدث في الواقع، فتنوع الخطاب الإسلامي تجاه قضية الأقباط في مصر ما بين الإفراط الذي يغمط أهل الكتاب حقوقهم، ولا يراعي محددات الأمن القومي المصري في إطار من ثوابت الشريعة الإسلامية، بحجة المحافظة على هوية مصر الإسلامية، وعقيدة الولاء والبراء، وما بين التفريط والتمييع في عقيدة المسلمين، وتضييع هوية الدولة المصرية بحجة سماحة الإسلام، وإعطاء أهل الكتاب حقوقهم؛ ويتبين ذلك فيما يلي:

جانب الإفراط: الخطاب السلفي المتشدد:

فلقد وقع الخطاب السلفي تجاه قضية الأقباط في جملة من الأخطاء الشرعية والسياسية، والتي تتعارض مع التصور الشرعي الصحيح للتعامل مع أهل الكتاب، وذلك بتغليب جانب الولاء والبراء على جانب العدل والسماحة في الإسلام في التعامل مع الأقباط، مما ساعد على احتقان الأوضاع الداخلية، وأوجد بعض المبررات القبطية لزيادة تأزُّم المشكلة، فمن هذه الأخطاء:

الخطأ الأول: توهم التعارض بين الولاء والبراء وبين إعطاء أهل الكتاب حقوقهم الشرعية والمدنية:

لقد قدمنا فيما سبق أن المنهج الإسلامي المتوازن يقيم العلاقة مع أهل الكتاب على ركيزتين:

·معاملتهم بالسماحة والعدل وإعطائهم كافة الحقوق.

·الحفاظ على عقيدة الولاء والبراء وهوية الدولة المسلمة.

وهذان الركيزتان بالنسبة للسلام الاجتماعي كالجناحين للطائر، والنصوص الشرعية تدل على كل منهما بلا أدنى ريب، ودين الله تعالى لا يمكن أن تتعارض أحكامه.

ولقد توهم بعض السلفيين هذا التعارض بين هاتين الركيزتين، فإذا تحدثوا عن أهل الكتاب لا يبرزون إلا النصوص التي تركز على قضية الولاء والبراء، ويصورون أوضاع الأقباط في ظل الدولة الإسلامية، وكأن الحق الوحيد لهم هو حق العيش في ذلة وهوان، بدعوى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

وهذا خطأ شرعي بيِّن، فالإسلام يعامل أهل الكتاب باعتبارهم رعايا في الدولة المسلمة، لهم كافة الحقوق وعليهم كافة الواجبات، فيعطيهم حقوق المواطنة الكاملة، ومن أمثلة تلك الحقوق:

الحق الأول: العدل والقسط: فالعدل مع أهل الكتاب, ومعاملتهم بالقسط, وتجنب ظلمهم؛ أمر يوجبه الإسلام, ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان, قال صلى الله عليه وسلم: (من ظلم معاهدًا, أو انتقصه حقًّا, أو كلفه فوق طاقته, أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه؛ فأنا حجيجه يوم القيامة) [رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود].

الحق الثاني: الأمن والأمان: فقد كفلت شريعة الإسلام لأهل الكتاب أقصى درجات الأمن والأمان التي يحلم أن يتمتع بها أي إنسان, بحيث يعيشون في ظلال المجتمع المسلم آمنين مطمئنين على أرواحهم وأنفسهم وأهليهم وأعراضهم وأموالهم, وفيما يلي تفصيل لبعض جوانب هذا الأمن:

·الأمن على الدماء والأبدان: فدماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا) [رواه البخاري], ولهذا أجمع فقهاء الإسلام على أن قتل الذمي كبيرة من كبائر المحرمات، وذلك للوعيد الوارد في هذا الحديث.

·         الأمن على الأموال: ومثل حماية الأنفس والأبدان حماية الأموال، هذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب، وفي جميع الأقطار، ومختلف العصور, جاء في عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما أن: (امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها) [نقلًا عن: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، د.يوسف القرضاوي، ص(15)].

·         الأمن على الأعراض: ويحمي الإسلام عرض الذمي وكرامته، كما يحمي عرض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يسبه, أو يتهمه بالباطل، أو يشنع عليه بالكذب، أو يغتابه، أو يذكره بما يكره في نفسه، أو نسبه، أو خَلْقِه، أو خُلُقه أو غير ذلك مما يتعلق به.

·         الأمن عند العجز والشيخوخة: وأكثر من ذلك أن الإسلام ضمن لغير المسلمين في ظل دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه، لأنهم رعية للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، (في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق ـ وكانوا من النصارى ـ: وجعلت لهم أيُّمَا شيخ ضعف عن العمل, أو أصابته آفة من الآفات, أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته, وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله) [كتاب الخراج، أبو يوسف، ص(144)].

·         الأمن من العدوان الخارجي: أما الحماية من الاعتداء الخارجي، فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين، بما له من سلطة شرعية، وما لديه من قوة عسكرية، أن يوفر لهم هذه الحماية, ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية، حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم قائدهم "قطلوشاه" في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: (لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة), فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له [مجموع فتاوى، ابن تيمية، (6/440)].

الحق الثالث: الحرية؛ فمنها على سبيل المثال:

1- حرية التدين: فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه ليتحول منه إلى الإسلام؛ قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء "القدس" نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم، فقال رضي الله عنه: ( هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الامان, أعطاهم أمانًا لأنفسهم, وأموالهم, ولكنائسهم, وصلبانهم, وسقيمها, وبريئها, وسائر ملتها, أنه لا تسكن كنائسهم, ولا تُهدم, ولا ينتقص منها, ولا من حيزها ولا من صليبهم, ولا من شيء من أموالهم, ولا يكرهون على دينهم, ولا يضار أحد منهم, ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ) [تاريخ الطبري، (3/105)].

2- حرية العمل والكسب: فقد قرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين, إلا أنه يمنع أهل الذمة من بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين، وفتح الحانات فيها لشرب الخمر, أو تداولها أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الشهرة والظهور، ولو كان ذلك لاستمتاعهم الخاص، سدًّا لذريعة الفساد وإغلاقًا لباب الفتنة.

الحق الرابع: تعاملات مميزة أباحها الشرع مع أهل الكتاب:

ومن أبرز تلك الجوانب التي تدل على سماحة الإسلام مع أهل الكتاب, ما أباحه الله تعالى من تعاملات خاصة مميزة للمسلم معهم, سَوَّى الله تبارك وتعالى فيها بين المسلم والكتابي, ومن أبرز هذه التعاملات جواز نكاح الكتابيات, وحل طعام أهل الكتاب.

فقد أباح الإسلام نكاح نساء أهل الكتاب وأكل طعامهم لتقوية التماسك  بين رعايا المجتمع المسلم؛ قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5]، ولما نزلت هذه الآية تزوَّج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسًا أخذًا بهذه الآية الكريمة.

ولأقباط مصر شأن خاص ومنزلة متميزة في الدولة الإسلامية، فقد أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية خاصة، فقد روت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال: (الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله) [رواه الطبراني في الكبير، (19067)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (3113)], وفي رواية لابن حبان: (... فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله) [رواه ابن حبان في صحيحه، (6802)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، (10/64): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح]، وعن كعب بن مالك الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا فُتِحت مصر؛ فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا) [رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر، (4614)], يعني أن أم إسماعيل منهم.

إن إغفال هذه الحقوق في التعامل مع أهل الكتاب بذريعة المحافظة على عقيدة الولاء والبراء يسهم ولاشك في زيادة الاحتقان الطائفي، فيشعر المواطن القبطي وكأنه لابد وأن يقبل بالعيش الذليل في ظل الدولة المصرية، مع أن هذا يتناقض تناقضًا صريحًا مع التصور الشرعي الصحيح، والذي في ظله أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشاب القبطي بأن يضرب ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه، بل ويضرب رأس عمرو نفسه، بعدما تعدى ابنه وضرب هذا الشاب القبطي قائلًا: (خذها وأنا ابن الأكرمين) [جامع الأحاديث، السيوطي، (25/478)].

الخطأ الثاني: عدم التفريق بين أوقات الحرب والسلم:

فهناك جمهرة من النصوص السالفة الذكر والتي تبين سماحة الإسلام وعدله في التعامل مع أهل الكتاب، وبإزاء ذلك هنالك نصوص تطبق في أوقات الحرب فقط، كما جاءت في سياقها عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الأمر بعدم إلقاء السلام على أهل الكتاب، أو اضطرارهم إلى أضيق الطريق، وانتزاع هذه النصوص من سياقها، وإبرازها باعتبارها هي الأصل في معاملة أهل الكتاب فيه خطأ شرعي بين، ويكرس للتناقض المتوهم في الفهم السلفي الخاطئ لأبعاد هذه القضية، فكيف يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الذمة من اليهود مثلًا، ثم يأمر بعدم إلقاء السلام عليهم، وأيهما أعلى في المودة والرحمة: إلقاء السلام، أم عيادة المريض؟!

فلابد أن تنزل النصوص الشرعية منازلها، فتطبق كما أمر الله تعالى في مواضعها المرادة، حتى يستقيم التصور الشرعي، ويحفظ التوازن المطلوب.

الخطأ الثالث: عدم اعتبار المصالح والمفاسد في الخطاب العام:

فإن الأمور بمقاصدها، وإذا كان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر سيؤدي إلى أشد منه، فإنه يُمنع شرعًا، كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله) [إعلام الموقعين، ابن القيم، (3/15-16)].

وجرى على ذلك هدي القرآن الكريم، في قوله تبارك وتعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108].

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ناهيًا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو.

كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}، وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله) [تفسير ابن كثير، (2/314)].

وما يفعله بضع السلفيين من التركيز على سب العقيدة النصرانية المحرفة على المنابر، بدعوى توعية المسلمين بذلك، مع ما يؤدي إليه ذلك من مفاسد متحققة لاسيما وقت الأزمات، فإنه ليس من الفقه في دين الله، ومخالف لهدي القرآن والسنة النبوية،  فهل المسلمون بعوامهم وخواصهم يحتاجون إلى بيان في هذه القضية؟ مع ما يؤدي إليه ذلك من إشعال لنار الفتنة، واستغلال المغرضين له من الأقباط لتأجيج الصراع الطائفي في مصر، بل وأكثر من ذلك سبهم لدين الله تعالى في منابرهم الإعلامية بذريعة الرد على بعض المشايخ؟!

الخطأ الرابع: عدم اعتبار ثوابت الأمن القومي المصري في إطار قواعد السياسة الشرعية:

فإن من القواعد الكلية في الإسلام أن الأمور بمآلاتها، وأنه عند تطبيق الحكم الشرعي لاسيما فيما يتعلق بمسائل الدول والمجتمعات؛ لابد أن ينظر إلى المقاصد الشرعية للأحكام ومآلات الأمور، لمعرفة ما يقال ومتى يقال، وما لا يقال، وما يصلح في أوقات قوة الدولة المسلمة، قد لا يصلح في أوقات ضعفها.

ولا تناقض أبدًا بين اعتبار المآلات السياسية لتطبيق الأحكام الشرعية، وبين التمسك بالثوابت التي شرعها الله تعالى، كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (اختلاف العلماء في العمل بالسياسة: وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم ولا يخلوا منه إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم  ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادقة في الأخاديد، ونفى عمر نصر بن حجاج.

قلت:  هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.

والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها؛ فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله.

وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان فثَم شرع الله ودينه ورضاه وأمره.

والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد.

ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟!) [إعلام الموقعين، ابن القيم، (4/372)].

ولذلك فإن الحكم الشرعي لا يطبق بمعزل عن الواقع الذي يطبق فيه، والنظر إلى مآلات الأمور لتحقيق المقاصد الشرعية، ومن ذلك تقرير بعض أهل العلم لجواز دفع المسلمين المال لعدوهم من الكفار عند الضرورة إذا كان المسلمون في حالة ضعف، لا يقدرون على مواجهة العدو، حفظًا لبيضة الإسلام، وحقنا لدماء المسلمين وأعراضهم [انظر: المجموع، النووي، (19/441)، المبسوط، السرخسي (12/182)، زاد المعاد، (3/267)].

ولذلك فالحديث الآن عن بعض القضايا والتركيز عليها مثل قضية دفع الأقباط للجزية مثلًا، في ظل الضعف الداخلي الذي تعاني منه مصر، واستغلال الأقباط لورقة الضغوط الخارجية لتلاقي مصالحهم المتوهمة مع توجهات الأجندة الغربية والمصالح الأمريكية في مصر والشرق الأوسط؛ فإن هذا ليس من الفقه في دين الله تعالى، ويتصادم مع أبسط قواعد السياسة الشرعية.

جانب التفريط: الخطاب الأزهري المتميع:

وبإزاء هذا التشدد الواضح في الخطاب السلفي تجاه هذه القضية، برز على النقيض من ذلك خطاب متساهل ينتهج تمييع الثوابت الإسلامية، بدعوى الحفاظ على السلام الداخلي، وتمثل سماحة الإسلام، ويتمثل ذلك في خطاب المؤسسة الدينية الرسمية وعلى رأسها الأزهر الشريف وشيخ الأزهر، وجمع من العلماء الأزاهرة.

فبدعوى سماحة الإسلام ظهرت في الخطاب الأزهري الرسمي بعض الأخطاء الشرعية الفادحة التي لا تنطلي حتى على عوام المسلمين، مثل قول بعض علماء الأزهر بإيمانه بالعقيدة المسيحية كما هي، أو أن المسلم يؤجر على تبرعه لبناء الكنيسة، أو أن المسلم والكتابي يستويان في الآخرة ولا يفرق بينهما إلا العمل، وغير ذلك مما يخالف ما انعقد عليه إجماع أمة الإسلام في كل زمان ومكان.

ورغم التساهل الواضح في مثل هذه الدعاوي، إلا أنها تُحدث بلاشك مفاسد ظاهرة، تؤدي إلى عكس المقصود منها؛ ومن هذه المفاسد:

1- فقدان المؤسسة الأزهرية لمصداقيتها عند غالبية المسلمين: ففي عصر الفضائيات الإسلامية التي التف حولها جماهير المسلمين، لم تعد قضايا الدين الأساسية غائبة عن أحد، وأدنى الجماهير علمًا بالشرع يعلم خطأ تلك الدعاوى، وبالتالي لم يعد الأزهر الشريف قادرًا على أداء دوره في تقديم الإسلام الصحيح الوسطي للناس، وفي حفظ التوازن المطلوب داخل المجتمع المصري.

2- لجوء الناس إلى الطرف المتشدد: فرغم تشدد الخطاب السلفي في هذه القضية، ومخالفته للتصور الشرعي الصحيح، إلا أنه أقرب إلى الثوابت العقدية الإسلامية من هذا الخطاب المتميع، ولذلك فإن هذا الخطاب الأزهري المتساهل يؤدي إلى التفاف الناس حول أصحاب الخطاب المتشدد، باعتبارهم الأقرب للحفاظ على العقيدة الإسلامية.

3- إشعار الطرف القبطي بالنفاق والمداهنة: فإن الكنيسة تعلم علم اليقين أن العقائد المختلفة لا يمكن أن تجتمع، أو أن يفرط فيها لحساب طرف آخر، ومثل هذه الدعاوي المتساهلة التي تتنازل عن ثوابت الدين والعقيدة الإسلامية تشعر الأقباط بأن في الأمر خدعة ما، وأن وراء الأكمة ما وراءها، فإذا كانوا هم أنفسهم يكفرون المسلمين داخل جدران الكنائس، وعندهم أن من لم يؤمن بالمسيح وفق العقيدة الحالية للأقباط فهو كافر، مستحق للنار في الآخرة، فكيف يكون عند المسلمين من أشرك بالله، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الجنة؟ فالعقائد المتعارضة لا يمكن أن تتوافق، وطبيعة الأديان أنه ينسخ بعضها بعضًا، فكيف يمكن التوفيق بينها؟

يقول الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله: (ليس من التسامح في شيء أن نذيب الفوارق الأساسية بين الأديان؛ فيتساوى التوحيد والتثليث والناسخ والمنسوخ؛ فمثل هذه الأفكار تأتي بعكس ما يراد منها؛ ولهذا تبعِّد ولا تقرِّب، وتفرِّق ولا تجمِّع، وتهدم ولا تبني، إن كل دين له مقوماته الجوهرية وخصائصه الذاتية؛ فلا يجوز إغفال هذه المقومات والخصائص من أجل مجاملات سطحية، أو كسب معارك وهمية) [غير المسلمين في المجتمع المسلم، د.يوسف القرضاوي، ص(87-88)].

4- زيادة الاحتقان الداخلي: إذ أن هذا الخطاب المتساهل يشعر جماهير المسلمين أن دينهم ليس له حرمة في بلادهم، وأن الحكومة تحاول إرضاء الأقباط بأي شكل، ولو على حساب عقائد المسلمين ومصالحهم، وأن المسلم مهان في بلده، مع أنه هو الذي يمثل الأغلبية الكاسحة، ولهذا سنجد الأعصاب على الدوام متوترة مشدودة، تتنتظر اللحظة المناسبة للانفلات، والوقوع في براثن الفتن الطائفية بين الطرفين.

والذي نخلص إليه ونؤكد عليه في هذه النقطة أن التمسك بالتصور الشرعي الصحيح في التعامل مع أهل الكتاب، هو العاصم بعد الله تعالى من الوقوع في الفتن، وهو أكبر ضمانة لحفظ الاستقرار الداخلي، والحفاظ على الأمن القومي المصري، وأن أي خروج عن هذا التصور بإفراط أو تفريط هو بداية الشـر المستطير، ويعطي الفرصة ويهيئ البيئة الملائمة لاستعار نار الفتن الطائفية على أرض مصر.

روشتة علاج للحالة القبطية في مصر

يحتاج حل المشكلة الناجمة من قيادة الكنيسة الأرثوذكسية والتي أعطت انطباعًا بوجود طائفية في مصر إلى تضافر عدة جهات على الوجه التالي:

أولًا: المؤسسة الدينية:

ويقع عليها عبء توضيح منهج الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب, بصورته الوسطية التي سبق وأشرنا إليها, وأما محاولة خداع الرأي العام وتذويب الفوارق الدينية فقد تأتي بنتائج عكسية وتسمح بنشوء وتمدد الأفكار المنحرفة, في الجانبين الإسلامي والقبطي, وهو ما يعنى تأصيل الطائفية في المجتمع المصري بدلًا من مكافحتها.

فمنهج الإسلام يحتاج فقط أن نصل به إلى أفهام المجتمع, دون لعبٍ أو عبث, لأنه بذاته وبدون تدخلات بشرية يشكل ضمانة وحصانة من الأفكار الطائفية.

وهنا لابد وأن نشير إلى حقيقة هامة: وهي أن الدعم الحكومي للخطاب الأزهري المتساهل الذي يحاول تمييع الثوابت الدينية التي انتشرت بين القاصي والداني من عوام المسلمين؛ يمثل مشكلة حقيقية قد لا تصب أبدًا في استقرار الأوضاع كما أسلفنا، بل تأتي بعكس المقصود منها.

وهذه السياسة قد أدت إلى فقدان المصداقية الحقيقة للمؤسسة الأزهرية في نفوس المصريين، ولذلك فقد يتوجه القول بأن تنتقى بعض الأطراف الإسلامية المعتدلة لنشر الخطاب الشرعي المتوازن من خلال المنابر الدعوية والإعلامية.

وفي رأينا أن من يصلح لأداء هذه المهمة لا بد أن يتوافر فيها عاملان:

1-  العمق العلمي الشرعي، والإلمام التام بقواعد الشريعة الإسلامية، وفقه السياسة الشرعية: حتى يتمكن من صياغة الخطاب الجماهيري وتحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية دون الخروج عن الثوابت الشرعية.

2-  الإدراك الكامل لمحددات الأمن القومي المصري وتعقيدات الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية: وذلك حتى يتمكن من صياغة الخطاب الشرعي بما لا يتصادم مع هذه الثوابت والمحددات، في إطار من قواعد فقه السياسة الشرعية.

ثانيًا: المؤسسة الأمنية:

وهذه معنية بتطبيق القانون دون تحيز أو مهادنة في حالة وجود مشكلة لها طابع ديني, وذلك لأن تأرجح تطبيقه ولو لصالح الطرف القبطي يؤدي إلى فقدان الثقة فيه, ودفع الأقباط إلى التمرد عليه, وادعاء وجود محاباة في تطبيقه, من أجل تحقيق مكاسب أكبر، ونظرة واحدة إلى المطالب السابق ذكرها للبابا شنودة تكفي للتدليل على ذلك، إذ أن تلك المطالب المبالغ فيها التي لا يمكن تطبيقها حتى في أرقى ديموقراطيات العالم، إنما تعني في الحقيقة تقويض دعائم الأمن القومي المصري، والتنازل عن الهوية الإسلامية للدولة المصـرية المدنية، تلك الهوية التي هي ركن أساسي في معادلة الأمن القومي لمصر، ولو طالب المسلمون مثلًا كأقلية بمثل هذه المطالب في أمريكا أو أوروبا لسخر العالم من مطالبهم، إذ أنها تعني في الحقيقة رضوخ الأغلبية لحكم الأقلية، وهو ما ترفضه قواعد الديموقراطية أصلًا.

وكل هذا لم يكن ليحدث أبدًا لو أن القانون تم تنفيذه بصـرامة منذ البداية على الجانبين, ودون استثناءات أو مجاملة لأي طرف على حساب الآخر.

ففي أحد تفسيرات ما جرى في الكشح 1999م التي راح ضحيته 21 مواطنًا غالبيتهم من المسيحيين، أن المسلمين كانوا يرون تحيزًا غير مبرر من قبل السلطات المعنية لأي طرف مسيحي باعتباره طرفًا مسنودًا، حتى ولو كانت مشكلة عادية ويعود الحق فيها إلى الطرف المسلم, وهو شعور لا يبدده إلا المساواة الكاملة أمام القانون، وعدم تدخل المؤسسات الدينية في النزاعات العادية بين الأفراد.

وهنا نشير إلى أن خضوع الدولة وأجهزتها الأمنية والقانونية للابتزاز تحت ضغط المظاهرات الكنسية قد يشكل سابقة خطيرة، وتعطى إشارات سيئة إلى الأطراف الدينية الأخرى بأن المطالب تنتزع بالضغط والابتزاز وليس وفق القانون.

ثالثًا: المؤسسة السياسية:

تحتاج المؤسسة السياسية أن تتعامل مع الأقباط على أنهم من مواطني الدولة بعيدًا عن سلطان الكنيسة, والعمل على الحد من تدخلاتها السياسية.

 وهنا نشير إلى أن التفاوض على تحقيق مكاسب فئوية للأقباط مع النظام المصـري، سوف يتيح لهم أوضاعًا ترفضها الأغلبية المسلمة، وستقبل بها الكنيسة في إطار مبدأ الصفقات، وسترى فيها ثمنًا لمكسب طائفي, وهنا لن تتوقف الصفقات ولن تتوقف الطائفية، بل ستعزز جرعات الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين.

فتعامل الدولة مع الكنيسة بمنطق الصفقات، سيعمل على تفاقم الأزمات وتزداد من جرائه جرعة الاحتقان.

رابعًا: تشجيع التعاون المشترك في الإطار الاجتماعي:

وهذا يمكن أن يساهم بصورة جدية في نزع فتيل التوتر, وإعطاء نماذج واقعية على إمكانية التعايش بدون مشكلات دينية بين المسلمين والأقباط, بل وخدمة المجتمع والوطن في برامج نهضوية مشتركة لا تحتاج من أي طرف التخلي عن عقيدته.

ويمكن في هذه الإطار طرح بعض الصور العملية مثل:

1- إنشاء مشروعات تنموية مشتركة بين القوى الاجتماعية العاقلة من الطرفين: مثل: حملات تنظيف الشوارع، ومكافحة البطالة، ومحو الأمية وغير ذلك.

2- إنشاء لجان أهلية في الأحياء والمناطق لفض المنازعات بمتابعة من المؤسسة الأمنية، تضم هذه اللجان في عضويتها شخصيات وجيهة وعاقلة من الجانبين المسلم والقبطي، وتكون مهمتها فض المنازعات وحل المشاكل التي قد تنشأ بين الطرفين في أي مجال من المجالات.

3- الاشتراك بين الطرفين في مشروعات وأنشطة مؤسسات المجتمع المدني، بل وفي عضويتها كذلك، مثل المشروعات الخيرية وتوزيع المعونات على المحتاجين من الجانبين، والأنشطة الثقافية والمعرفية وغير ذلك.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دراسة للحالة الطائفية في مصر

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7