الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010المسيح التاريخى ..دراسة موثقة
 
الأحد 28 فبراير 2010

محمد محمود

فى هذا المقال أتناول مسألة كيف ينظر المؤرخون وعلماء العهد الجديد للمسيح عليه السلام باعتباره شخصية تاريخية وكيف أن تصورهم له   Historical Jesus  يختلف عن مسيح العقيدة النصرانية  Christ of Faith  وكيف أن جمهورهم يرى بطلان القول بأن المسيح التاريخى يتطابق مع مسيح العقيدة النصرانية ، و كذا أن المسيح لم يدعى أنه الله أو " ابن الله " المتجسد الذى صلب  لأجل غفران الخطايا .

انقسم المؤرخون فى تصورهم لشخصية المسيح التاريخى ما بين اتجاهات متباينة وذهبوا فى ذلك غير مذهب إلا إن هذه التيارات فى مجموعها تضع تصورا للمسيح التاريخى مباينا لمسيح العقيدة النصرانية أو ما يعرف بـ Christ of Faith  .

الفريق الأول والذى يرى المسيح على أنه  رجل روحانى  Man of the Spirit  :

ومن القائلين بهذا  " ماركوس بورج " Marcus Borg  ، ولماركوس بورج  دعويان سلبيتان تختصان بعيسى ( عليه السلام ) التاريخى ، أولهما أن عيسى ( عليه السلام )  لم يكن مسيحانى  nonmessianic  بمعنى أنه لم يدعى أنه المسيح الذى كان يعيش فى وجدان الشعب الإسرائيلى وينتظر مجيئه  ولم تكن لديه رسالة تختص بتبصير الناس بهويته الشخصية أو تتمركز حولها ، كما أنه لم يكن " أُخرَوِيَّاً " ( من الآخرة أو نسبة إلى أمور الحياة الآخرة )  nonescatological  بمعنى  أنه لم يكن يتوقع مجىء ملكوت السماوات أو مملكة الله Kingdom of God  ،  كأمر خارق للعادة  ، مؤذنا بنهاية العالم فى فترة حياة الجيل الذى ينتمى إليه . (1)

ويلخص " بورج " رؤيته لعيسى التاريخى  بقوله : لقد كان رجلا روحانيا ، حكيما انقلابيا ، نبيا اجتماعيا , ومؤسس لحركة يدعو اتباعه وسامعيه  إلى علاقة  ، تغيرهم ،  مع نفس " الروح "  التى هو نفسه على علاقة و معرفة بها ، وإلى مجتمع  تشكل القيمةُ الجوهرية للتراحم compassion  رؤيتَه الاجتماعيةَ (2) .

وبالوصف " رجل روحانى "  فإن " بورج " يعنى أن عيسى عليه السلام كان " وسيطا للقدوس "  ، والقدوس هو الله ،  وأنه بالنسبة إليه فإن الله   كان حقيقة خَبَرَ  كُنْهَهَا .

ومن واقع هذه التجربة فإن الرحمة و العطف  بالنسبة لعيسى التاريخى هى صفة  جوهرية للإله  والصفة المحورية لحياة تتمركز حول الله .

ويرى " بورج " أن الجماعة المسيحية الأولى كانت ترى فى المسيح أنه " صوت الحكمة "  ، وأن صورة  المسيح على أنه  " ابن الله " و " حكمة الله " هى  مجازية تماما مثلما يُصور على أنه  " حَمَلُ الله "  Lamb of God .

آخر وهو ستيفان دافيز Stevan Davies  يرى فى عيسى عليه السلام أنه كان ينتابه تغير فى وعيه بحيث ينفصل عن شخصيته الواقعية ويتقمص شخصية أخرى يكون فيها مسكون بروح الإله

ويقول أن هذه الظاهرة  لها نظائر فى مختلف ثقافات العالم  ، وأن  مفهوم النبى فى التصور اليهودى هو من هذا القبيل فهو الذى ينطق بكلمات الله . "فحل عليه روح الله وتنبأ فى وسطهم". صموئيل الأول (10 : 11  ) ، " ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب "  إشعياء ( 11 : 2 )

ويضيف أن " فيلو "  ،  وهوفيلسوف يهودى معاصر للمسيح  ، كان يرى فى النبوة أنها كذلك   وكذا غيره لاسيما  عوام اليهود .

وهذا ، وفق رؤيته ، يجيب على السؤال عن الكيفية التى كان يبرىء بها المسيح المرضى  لأنه إذا ما كان قد وُصِّف من الناس وقبلوه على أنه مسكون بروح الإله فإن هذا يكسبه إيمان الناس به ومن ثم القدرة على الشفاء وطرد الأرواح الشريرة  لما لهذا الأيمان من أثر إيجابى على الجانب النفسى . (3)  انظر ملخص  لكتابه.

أما جيزا فيرمس Geza Vermes  فيرى فى المسيح أنه كان معلما صاحب شخصية كاريزمية  وكذا معالج وطارد للأرواح الشريرة والذى كان يؤمن أن قيام مملكة الله كان وشيكا . ويصوره  على أنه كان رجلا طاهرا شأنه فى ذلك شأن آخرين من أمثال  " حانينا بن دوزا " Hanina Ben Dosa  وكان هذا الأخير حبرا وصانع عجائب فى شعب إسرائيل فى القرن الأول الميلادى وتلميذا  ليوحانان بن زكاى . كما يرى فى  عيسى أنه كان  نبياً  ينتظر تدخلا حاسما من إله إسرائيل فى المستقبل القريب .

ويرى أن  عيسى ( عليه السلام )  استعمل مصطلح " ابن الإنسان " ، كإطناب ، للدلالة على نفسه أو غيره من الناس بوجه عام . وكغيره من  أهل الجليل فإن عيسى لم يشغل نفسه كثيرا بالأمور الفقهية المستمدة من التلمود وهى الأمر الذى كان  يملك  على طائفة " الفريسيين " جماع عقولهم ، بل لم يكن يأخذها بعين الإعتبار مثل ما كان منه من مخالطته لجامعى الضرائب والبغايا " التائبات"  .

ويرى أن النزاع بين عيسى الناصرى وبين الفريسيين شأنه شأن الصراعات الداخلية الدائرة بين  المذاهب التى تنتمى لديانة واحدة كما كان الحال فى العصور الوسطى بين طائفة  القرائين Karaites  ، والربانيين Rabbanites . (4)

أما الفريق الثانى هو الفريق الذى يذهب إلى أن عيسى عليه السلام كان  نبيا  ينذر بنهاية العالم Apocalyptic Prophet  :

وممن ذهب إلى ذلك  ى . ب ساندرز E. P. Sanders ،  يقول ساندرز : أن الرؤية الجلية التى يمكن تقديمها فيما يخص وعى عيسى عليه السلام بنفسه  أو كيف كان يرى نفسه هى أنه كان يتصرف على أساس أنه مُنح التفويض الكامل أو الصلاحية كى  يتكلم ويتصرف نيابة عن الله  كما أنه نَبَذ َ  لقب " المسيح " ولم يكن يتحدث عن نفسه باعتبار أنه " ابن الله "  وإن كان  قد أشار إلى نفسه بأنه " ابن الانسان "   فلا يمكننا ان نقرر ماذا كان يقصد بذلك . وكنبى يتنبأ بأمور الآخرة ، فلقد صور نفسه على أنه ما يمكن وصفه بـ " الممثل الدبلوماسى " عن مملكة الله ، وانه قدم نفسه كنبى مستقل لا يستمد الصلاحية من أى مؤسسة بشرية ولا حتى من الأسفار المقدسة  ، كما أن أصدق لقب يمكن خلعه على عيسى بناءا على رؤيته هو لنفسه  هو لقب " النائب " Viceroy ،  فالله هو " الملك " وهو نائبه وسوف يكون كذلك فى ملكوت السماوات او مملكة الله المزمع أن تكون . (5)

كما انه كان يتطلع لتدخل وشيك من قبل الله فى مجرى التاريخ ، يتطلع إلى إزالة الشر وفاعليه  وإلى بناء هيكل جديد وإلى جمع شتات شعب إسرائيل وإلتئام شمله من جديد بحيث يكون هو وتلاميذه فى موقع القيادة بالنسبة إليه . ويرى ساندرز فى صنيع عيسى فى الهيكل من قلب لموائد الصيارفة وباعة الحمام  ودعوته او اختياره 12 تابعا او حواريا على انه يضاهى عنصرين رئيسيين من عناصر المشهد الأخروى وهما تجديد الهيكل ولم شمل أسباط  اسرائيل الإثنى عشر . (6)

ومن أرباب هذا الاتجاه  أيضا كل من بارت إيرمان Bart Ehrman (7)   ،  وجون ماير (8) John P. Meier   ، و بولا فريدريكسن Paula Fredriksen  (9) ،  وجيرد  لودمان  Gerd Ludemann (10). ويرى لودمان أن  أية أقوال تُرجِّح عيسى  كـ  " رب " Exalted Lord  لا تتمتع بالمصداقية وليس مصدرها هو عيسى التاريخى .

الاتجاه الثالث هو القائل بأن عيسى عليه السلام كان نبيا معنيا بالقضايا الاجتماعية Social Prophet :

ومن أرباب هذه الرؤية  ريتشارد هورسلى Ritchard Horsley  ويرى فى عيسى عليه السلام أنه كان معنيا بصفة رئيسية بالشئون الاجتماعية والسياسية  فى أيامه . ويرى أنه كان مزارعا بسيطا Peasant يهدف من خلال نشاطه أو خدمته Ministry إلى إحداث انقلاب فى الأوضاع الاجتماعية لصالح الفقراء والمعدمين  وانه كان يدين الأغنياء  ويُطَوِّب الفقراء ويدعو للانفاق بسخاء والعفو عن الديون .

ويرى أن  عيسى عليه السلام  لم يكن يسعى إلى قلب نطام الحكم أو استبدال النخب الحاكمة بأخرى أو طرد المستعمر الرومانى إلا أنه ربما كان يرى أن هذا  منوطا بالله  وأن الله يوشك أن يحدث هذا الانقلاب فى الأوضاع السياسية .

ويرى أيضا أن ملكوت السماوات الذى كان يبشر به المسيح هو ظاهرة سياسية واجتماعية .

حيث يحيا الناس حياة اجتماعية وسياسية وفق ارادة الله . وان الخلاص فى وجهة نظر المسيح  هو السلام والعدالة فى هذه الحياة .

ومن أنصار هذا الاتجاه أيضا  هيام ماكوبى Hyam Maccoby والذى كان يرى أن المسيح أيضا لم يكن يهدف إلى انشاء دين جديد وأن المؤسس الحقيقى للمسيحية كدين مستقل هو " بولس "  ومن مؤلفاته :The Mythmaker : Paul and Invention of Christianity

الاتجاه الرابع Jesus The Savior  :  وهو ينظر لعيسى عليه السلام نظرة الكنيسة التقليدية من أنه  فى زعمهم  " ابن الله " الذى أتى للتضحية بنفسه على الصليب من أجل غفران الخطايا . ومن أعلام هذا الاتجاه فى صفوف الأكاديميين  لوك تيموثى جونسون Luke Timothy Johnson  ، وروبرت  هـ . شتاين Robert H. Stein  ، و ن. ت . رايت N. T. Wright .

الاتجاه الخامس Jesus the Myth : وهذا الاتجاه يرى فى المسيح أنه مجرد أسطورة وشخصية مختلقة ، فى زعمهم ، لم توجد يوما .

الإتجاه السادس  وهو رؤية ما يعرف بـ " ندوة يسوع " Jesus Seminar :

وبحسب هؤلاء فإن عيسى عليه السلام كان حكيما يهوديا زاهدا  يرى السعادة الحقيقية فى الفضيلة غير عابىء بالثروة والجاه  ، وهذا ما يعرف بالفلسفة الكلبية  Cynicism ،  كثير السفر لم يمت كبديل عن الخطاة  ولم يقم من الأموات لكنه بشر بإنجيل اجتماعي باستعمال الأمثال والحكم.  وكمهاجم للمعتقدات  Iconoclast  فإنه خرق عدة تقاليد اجتماعية وعقائد يهودية في تعاليمه وتصرفاته. وبشر بحكم إمبراطوري سماوي (ترجم تقليديا بمملكة الله أو مكلوت السماء ) على أنه موجود الآن لكن غير مرئي، وأنه تآخى مع الغرباء ونقد المقربين وصوّر الله على أنه أب حنون.

ولقد فصلت الكلام عن هذا التيار فى مقال سابق  راجع  مقال للدكتورة زينب عبد العزيز بعنوان ندوة عيسى .

ومن أعلام هذه الاتجاه  جون دومينيك كروسان John Dominic Crossan ، وروبرت فانك Robert Funk .

ويتضح من مجموع هذه التيارات والاتجاهات ـ  بخلاف التيار الرابع ـ أنها لا تنظر للمسيح التاريخى Historical Jesus على أنه هو عينه  مسيح العقيدة النصرانية Christ of Faith " ابن الله " الذى مات على الصليب  تكفيرا عن الخطايا  فى زعمهم ، بل يكاد يجمعهم القول بأن عيسى عليه السلام التاريخى لم يدَّعى ذلك !

وهذا ما يؤكد  عليه  اللاهوتى وفيلسوف الأديان جون هيك  John Hick بقوله : نقطة أخرى تحظى بالاتفاق العريض من قبل علماء العهد الجديد هى أن يسوع أو عيسى  التاريخى  لم يدَّعى الألوهية ـ  وهو ما نُسب إليه فى الفكر المسيحى  اللاحق ـ  فهو لم ينظر إلى  نفسه على أنه الله  او " ابن الله "  المتجسد  .(11)

وقد قال  Gerd Ludemann  بنحو هذا الذى ذكره  " جون هيك " (12)

 ويقول مايكل رامساى  Michael Ramsey  أسقف كانتربرى الأسبق : إن يسوع لم يدعى الألوهية لنفسه . (13)

وبنحو ذلك قال كل من اللاهوتى والكاهن الأنجليكانى تشارلز فرانسيس مول  C. F. D. Moule ، وبريان هيبلثوايت Brian Hebblethwaite   ، و الأسقف جون  روبنسون John A. T. Robinson ،  وديفيد براون David Brown ، و كذا اللاهوتى  جيمز دن James Dunn حيث يقول : لا نستطيع أن ندعى أن المسيح اعتقد أنه  " ابن الله " المتجسد . (14)

وكذا أستاذ العهد الجديد لارى  هيرتادو Larry Hurtado والذى يصف  الزعم بأن عيسى أوضح لتلاميذه أنه الله وأنه المسيا هو  زعم  ساذج ولا يتمتع بالمصداقية التاريخية . (15)

ونختم بقوله تعالى ــ ومن أصدق من الله حديثا ـــ  فى سورة المائدة : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  ( المائدة : 116- 117 )

 ----------------------------------------------------------

(1)       [ Meeting Jesus Again For The First Time , P. 29  ]

(2)       راجع نفس المصدر السابق ص 119

(3)       Stevan Davies , Jesus The Healer .

(4)    [ Jesus And The World of Judaism , PP. 11-12 ]

(5)   [  Jesus As a Figure in History : How Modern Historians View the Man From Galilee , Mark Allan Powell , p. 121  ]

(6)   نفس المصدر السابق ص 116  .

(7)   [ Jesus : Apocalyptic Prophet of New Millennium ]

(8)   A marginal Jew : Rethinking The Historical Jesus

(9)   [Jesus of Nazareth, King of the Jews, pp. 266-267

(10)                       [ Jesus After 2000 Years  ]

(11)                       The Metaphor of God Incarnate: Christology in a Pluralistic Age, Westminster John Knox Press, page 27

(12)                       An Embarrassing Misrepresentation" , Free Inquiry, October / November 2007

(13)                       Jesus and the Living Past (Oxford University Press, 1980), page 39

(14)                       Christology in the Making, (SCM Press 1980), page 254

(15)                       Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity, page 5

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المسيح التاريخى ..دراسة موثقة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7