الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012قراءة في غـزوة الأحزاب
 
الخميس 1 مارس 2012
فتح القسطنطينية

قراءة في غـزوة الأحزاب
تعد غزوة الأحزاب (الخندق ) من أشد الغزوات بأسا على المسلمين , رغم أنه لم يكن فيها قتال يذكر ؛ لأن المسلمين قد عانوا فيها من الآلام النفسية والعصبية ما لم يعانوه في غزوة من الغزوات , وقد صور القرآن الكريم تلك المعاناة أبلغ تصوير في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً "
ومما يلفت النظر أن اليهود الذين لم تنفع معهم كل سبل المعايشة السلمية من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا هم المحرض الأول لهذه الغزوة, حيث أثاروا حفيظة المشركين تجاه المسلمين مرة أخرى بعد أن كادوا يسلّمون بوجودهم كقوة حقيقية على أرض الواقع , وأخذوا في تأليب زعمائهم على رسول الله , وبثوا في قلوبهم العداوة والكراهية للإسلام وأهله ، مستغلين جهل هؤلاء بدين الله وشرعه , كما يفعل اليهود الآن مع الشعوب غير المؤمنة , حيث أوهموا الكثيرين منهم بأن المسلمين عدو لدود لهم ...
ذلك أنهم بعد أن أُخرجوا من المدينة عقب جلاء بني النضير قاموا بجولات تحريضية في شتى الجزيرة العربية ؛ لكسب التأييد العام العربي لهم ، وكانت أول محطة لهم في مكة , حيث التقوا بشيوخها من كبار المشركين وقالوا لهم : نَحْنُ مَعَكُمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمّدًا ..
ومع إن قريشا بدأت تجنح إلى تجنب الاحتكاك بالمسلمين بعد أحد إلا أنهم أثاروا حميتهم وأقنعوهم بفكرتهم , بل وزعموا لهم أنهم بعبادتهم الأوثان على الحق دون رسول الله وأهدى من المسلمين ، تماما كما يصف أمثالهم الآن الخارجين على الإسلام بأنهم هم المعتدلون في الدين ، وأن غيرهم من المسلمين إرهابيون , فأخزاهم الله في قوله تعالى " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ".
وبعد أن أخذوا من أبي سفيان العهود على المشاركة معهم خرجوا من مكة إلى " غطفان " حيث كانت المحطة الثانية لهم , فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم , وأخبروهم أنهم معهم عليه , وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك فوافقوهم على الخروج معهم ..
وظلوا يطوفون على القبائل العربية قبيلة تلو قبيلة حتى اجتمع معهم عشرة آلاف مقاتل بعدتهم وعتادهم ـ أي ما يفوق عدد سكان المدينة رجالا ونساء وأطفالا ـ وجعلوا قيادتهم العامة تحت لواء أبي سفيان وزحفوا تجاه المدينة .
ووصلت أنباء زحفهم إلى رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَدَبَ النّاسَ سريعا ، وَأَخْبَرَهُمْ بما جاءه , وَشَاوَرَهُمْ في الأَمْرِ كما فعل في الغزوات السابقة , فَقَالَ:" أَنَبْرُزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ، أَمْ نَكُونُ فِيهَا وَنُخَنْدِقُهَا عَلَيْنَا، أَمْ نَكُونُ قَرِيبًا وَنَجْعَلُ ظُهُورَنَا إلَى هَذَا الْجَبَلِ؟ " .
وأخذ كل واحد يعرض ما عنده من آراء , فَقَالَ سَلْمَانُ الفارسي : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا إذْ كُنّا بِأَرْضِ فَارِسَ وَتَخَوّفْنَا الْخَيْلَ خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَهَلْ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ نُخَنْدِقَ؟ فَأَعْجَبَ رَأْىُ سَلْمَانَ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرُوا حِينَ دَعَاهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُقِيمُوا وَلا يَخْرُجُوا، فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الْخُرُوجَ وَأَحَبّوا الثّبَاتَ في الْمَدِينَةِ .
ومما حبذا هذه الفكرة لهم أن المدينة كان يحيط بها حرتان (جبلان ) من الشرق والغرب , وفي الجنوب منازل اليهود من بني قريظة وهم حلفاء معاهدون للمسلمين، كما إن بيوت المدينة المتلاصقة تمنع دخول جيوش الأحزاب من جهة بني قريظة ، فلم يَبْقَ إذن إلاّ شمال المدينة بين الحرّتين , وهي المسافة التي حفر فيها الخندق , وتقدر باثنين كيلو مترا ...
لم يتمهل رسول الله في تنفيذ القرار ، فما هي إلا أيام وتصبحهم جيوش المغيرين , فبدأ بتقسيم أصحابه إلى مجموعات , كل مجموع عشرة أفراد حسب ما قيل , وحدد لكل مجموعة مسافة معينة تقدر بأربعين ذراعا تقريبا , يحفرونها وينقلون التراب الذي يخرجونه إلى جهة المدينة ليقيموا به حاجزا ترابيا بجوار الخندق .
وسابق صلى الله عيه وسلم إلى العمل في الحفر ونقل التراب كما فعل عند بناء المسجد , حتى غطى غبار التراب سائر جسده , فكان من ينظر إليه لا يجد بياض جسمه من كثرة التراب , يقول الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: وَلَقَدْ رَأَيْته يَوْمَئِذٍ يَحْمِلُ التّرَابَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتّى حَالَ الْغُبَارُ بَيْنِى وَبَيْنَهُ, وَإِنّى لأَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ بَطْنِهِ, وقد بلغ به الإرهاق يوما مبلغاً شديداً فاتكأ على حجر لحظةً وغلبته عيناه فنام ، ثم انتبه -صلّى الله عليه وسلَّم- فقام يقول: أفلا أفزعتموني ؟ وَكذلك كَانَ كبار الصاحبة حوله ، فهذان أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْقُلانِ التّرَابَ في ثِيَابِهِمَا مِنْ الْعَجَلَةِ ، إذْ لَمْ يَجِدَا مَكَاتِلَ يحملان فيها ..
كل ذلك من أجل أن ينشروا الدين الذي نعتنقه الآن , ولو لم يفعلوا ذلك لقضى الأحزاب على دولة الإسلام في مهدها , وأحسب أن المسلمين الآن الذين يناصرون الإسلام لن ينتصروا على أحزاب العصر الحديث الذين يريدون القضاء على نور الله إلا إذا جدوا وشمروا عن ساعدهم وزجروا نائمهم , ورضوا بحمل التراب على أكتافهم وجلابيبهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ...
أعود فأقول جد المسلمون في العمل ، وصارت كل مجموعة إذا اعترضتها صخرة من الصخور , وتعبوا في تكسيرها استعانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في تحطيمها , فيسرع إليهم ويبشرهم أن النصر سيكون حليفهم إن شاء الله , فارتفعت روحهم المعنوية , وأقبلوا على الحفر بهمم عالية ، وصاروا ينشدون الأشعار التي تذهب عنهم السآمة , وتنسيهم الألم والتعب والرسول يردد معهم ...
وصار يمازح بعضهم بعضا ، ويتندرون بما يضحك حتى فرغوا من الحفر بعد ستة أيام تقريبا , نعم ستة أيام فقط يحفرون فيها خندقا طوله حوالي 2 كيلومترا , وعرضه نحو تسعة أذرع ، وعمقه بين سبعة وعشرة أذرع.ً.
وبعد الفراغ من الخندق َشَبّكُوا الْمَدِينَةَ بِالْبُنْيَانِ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ حتى صارتَ كَالْحِصْنِ, ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع النّسَاء وَالصّبْيَان داخل الحصون , وجعل حامية عسكرية لحمايتهم , ثم خرج صلى الله عليه وسلم بالمسلمين المقاتلين وعددهم ثلاثة آلاف مقاتل ، فجعل ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعل الخندق أمامه , ثم جعل نقاط مراقبة على طول الخندق ، وحاميات لصد أي محاولة لاقتحام الخندق ...
ووصلت جيوش الشرك إلى المدينة ليحيطوا بها من كل مكان , ولكن خابت ظنونهم , ووجدوا الأمر على غير ما توقعوا ، إذ فوجئوا بهذه الحيلة التي لم يسمعوا بها من قبل , وأخذ فرسانهم يطوفون بالخندق ويقولون : هذه مكيدة لم تكيدها العرب من قبل .
وحطوا رحالهم حول المدينة , ونزل كل جيش على حده , حيث ضربوا خيامهم قريباً من الخندق، لا يفصل بينهم وبين المسلمين غيره , وأخذوا يبحثون عن ثغرة في الخندق يقتحمون منها المدينة فلم يجدوا ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وزع الرماة على طول الخندق في الضفة المقابلة للمدينة , فكانوا يرمون كل من يحاول الاقتراب منه , ومن حاول اقتحامه كان مصيره القتل .
وبقوا على هذه الحالة بضعا وعشرين ليلة ، يرمون المسلمين بالنبال ويرمونهم , والمسلمون مرابطون ليلا ونهارا ، لا يستطيع أحد منهم مغادرة مكانه وقضاء حاجته إلا إذا أناب من يقف على ثغرته حتى يقضيها ويعود إليه , حتى إذا يأس المشركون من عبور الخندق والوصول إلى المسلمين بجموعهم بدءوا يفكرون في مكيدة أخرى , ألا وهي حض يهود بني قريظة على نقض عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجمته , فإذا ما انشغل بالرد عليهم عبر المشركون الخندق بعد ردمه , وبذلك يطوقون المسلمين من أمامهم ومن خلفهم .
فذهب حيي بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد القرظي صاحب عهد بني قريظة وعقدهم ليعرض عليه هذا الأمر ، فرفض أن يقابله وأغلق دونه الحصن ، فناداه : يا كعب افتح لي لا, فلما كلمه بما جاء به قال كعب : إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً, فقال حيي: ويحك يا كعب!! جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، وبغطفان على قادتها وسادتها ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه.
فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر يا حيي ، فدعني وما أنا عليه , فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء.
فلم يزل حيي به حتى أقنعه بنقض عهد رسول الله , وأوهمه بأن جيش الأحزاب لن يعود حتى يقضي على المسلمين , فلا خوف إذن من نقض عهدهم , فنقض حينئذ هو ومن معه العهد , ومزقوا الصحيفة التي كُتب فيها , فلما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث نفرا من أصحابه , وهم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة , وعبد الله بن رواحة , وخوات بن جبير رضي الله عنهم، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء؟ فإن كان حقاً فألحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس " وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم الحرص على رفع الروح المعنوية لأصحابه .
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم ، وقالوا : من رسول الله ؟؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد , ونالوا منه صلى الله عليه وسلم ، فرجع الرسل إليه وقالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين.
ومع إنه -صلّى الله عليه وسلَّم- كتم الخبر عن النّاس إلا أنه سرعان ما انتشر , بدعاية المنافقين الذين كانوا يتصلون باليهود سرا ، فاشتدّ البلاء على المسلمين , وتعاظم عليهم الخطب , وظنوا أنهم هلكى لا محالة , حتى وصفهم الله تعالى بقوله : " إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً" .
وجدّ المنافقون في بث الخوف في قلوب الناس , إذ كانوا يذيعون بين الحين والحين أن الأحزاب تسللوا إلى بيوت المدينة كما حكي القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى : وقال :" وإذا جاءهم أمر من الخوف أو الأمن أذاعوا به " .
وأخذوا يحرضون المسلمين على ترك أماكنهم المرابطين فيها على الخندق ليعودوا إلى بيوتهم , ففضح الله صنيعهم هذا وأنزل فيهم " وإذ قالت طائفةٌ مِنْهُمْ يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لَكُم فارجعوا ويستئذنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبيَّ يقولون إنَّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورةٍ إن يُريدونَ إلا فراراً ".
ووضح للمسلمين أن هذا الفعل منهم لن ينجيهم من قدر الله , وأن فرار الإنسان من القتل لن ينجيه من الموت إذا كان الله كتبه عليه , فقال سبحانه وتعالى " ولو دُخِلتْ عليهِمِ من أقطارِها ثُمَّ سُئِلُواْ الفِتنَةَ لأَتَوها وما تلبَّثوا بها إلاَّ يسيراً * ولقد كانوا عاهدوا الله من قبلُ لا يُوَلّونَ الأدبارَ وكانَ عهدُ اللهِ مَسؤولاً * قُل لن ينفعَكُمُ الفِرارُ إن فررتُمْ مِنَ الموتِ أو القتلِ وإذاً لا تُمَتَّعُونَ إلاّ قليلاً * قُلْ مَن ذا الذي يعصمُكُم مِن اللهِ إن أرادَ بكم سُوءاً أو أرادَ بِكُم رحمةً ولا يجدونَ لَهُم من دونِ اللهِ ولياً ولا نصيراً"
وصاروا يسخرون من قول الرسول صلى الله عياه وسلم : إن الله سيفتح عليكم اليمن والعراق وفارس والشام , وقالوا : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط , وسخروا من وعد الله لعباده المؤمنين , فقالوا كما حكى القرآن "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ".
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه أصحابه من الخوف , عزم على أن يرسل إلى غطفان ويعرض عليهم أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة في مقابل أن ينصرفوا عنه , واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ـ رضي الله عنهما ـ في ذلك فقالا: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا منه، أم شيئاً تصنعه لنا؟ .
قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم ، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطعمون أن يأكلوا منا تمرة إلا قَرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله .
ونفدت بذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الأسباب الممكنة , ولم يبق أمامه سوى السلاح الذي اعتاد أن يلجأ إليه بعد نفاد أسلحة الدنيا , ألا وهو سلاح الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى , فأخذ يردد هو وأصحابه : "‏اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا‏" "‏اللّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللّهم اهزمهم وزلزلهم‏".‏
وجاءت نتيجة الدعاء الأول بأن بث الله الفرقة بين اليهود والمشركين , فصار كل منهم لا يثق بالآخر , فأما اليهود فخافوا أن ينصر الله نبيه فيفر الأحزاب ويتركونهم يواجهونه بمفردهم , فطلبوا من حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من أهل مكة وغطفان رهنا ؛ ليتأكد لهم أنهم لن يتخلوا عنهم إذا كانت الدائرة لرسول الله , فساءت نية المشركين ، وتخوفوا منهم الغدر , وأحسوا أن هزيمتهم ممكنة أمام المسلمين فرفضوا هذا الطلب .
حتى إذا طال عليهم المقام أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة من يقولون لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً, فردوا عليهم أن اليوم يوم السبت , وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً ، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً، فإنا نخشى إن اشتدت الحرب عليكم أن تعودوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا به .
وستر الله بذلك عورة المسلمين ، حيث كانوا يخافون أن يغير بنو قريظة على نسائهم وأطفالهم وهم مشغولون بالأحزاب خارج منازلهم , وأمنهم من أن يؤتوا من الخلف .
ثم جاءت نتيجة الدعاء الثاني إذ زلزل الله سبحانه وتعالى الأحزاب ، وأرسل عليهم بردا قاتلا , وريحاً شديدة كفأت قدورهم , وأطفأت نيرانهم , وانتزعت خيامهم ، فانكشفوا أمامَ نبال المسلمين , وسلط عليهم جنودا لم يروها ملأت قلوبهم رعبا , مما جعل أبا سفيان القائد الأول لهم يسرع إلى جمله فيركبه قبل أن يحل عقاله من شدة الخوف , وهو يقول: يا معشر الناس، ارتحلوا فإني مرتحل ؛ فأسرع الناس يلتقطون متاعهم , ويجمعون حوائجهم، بعد أن فرقتها الرّيح ، فما طلع الصبح إلاّ وقد صرف الله كيدهم , وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيراً.
فَلَمَّا طلع النهار ولم يجد الْمُؤْمِنُونَ لهم أثرا غير أطلالهمقَالُوا : " هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا‏‏ " فقد أتم الله نعمة النصر عليهم دون قتال , ونزل القرآن الكريم يأمرهم بشكر الله على هذه النعمة , فقال تعالى : " يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اذكروا نِعمَةَ اللهِ علَيكُم إذ جاءَتْكُم جُنُودٌ فأرسلنا عليهِمْ ريحاً وجُنوداً لَم تَرَوها وكانَ اللهُ بِما تعمَلُونَ بصيراً، إذ جاؤوكُم مِن فوقكم ومِنْ أَسفلَ مِنكُم وإذ زاغتِ الأبصارُ وبلَغَتِ القلوبُ الحَناجِرَ وتَظنُّونَ باللهِ الظُّنونا، هُنالِكَ ابتُليَ المؤمنونَ وزُلْزِلوا زِلزالاً شديداً "
وانتهت بذلك غزوة الأحزاب التي أشعل نارها اليهود لتقدم للمسلمين خيرا ما كانوا يتوقعونه ؛ وعلموا أنه لن يجرؤ أحد من المشركين على مهاجمة المدينة مرة أخرى , لأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بجمع أقوي مما أتوا به في الأحزاب ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"الآن نغزوهم، ولا يغزونا، نحن نسير إليهم‏" ..
ولتقدم لمن بعدهم دليلا على أن الله نصر الله قريب وإن يأسوا من مجيئه ..
وقد سجل الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله : " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " ولتُعلم المسلمين أيضا أن أي خطر ينزل بهم يمكن مواجهته , والتغلب عليه , لو جدوا في الأمر كما جد رسول الله والمؤمنون معه‏‏ ، وليعلموا أيضا أن النصر ينتظر منهم فقط استنفاذ الأسباب وبعدها لن يتأخر عليهم لحظة واحدة .‏
المصدر : موقع التاريخ




 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 قراءة في غـزوة الأحزاب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7