الثلاثاء 6 مارس 2012
فتح القسطنطينية


وهل تزني الحرة ؟

بقلم الأستاذة : إيمان الوزير
غبار حوافر الخيل تملأ المكان.. ووقع الحوافر يتأجج ما بين مضرم بنار ثأر وآخر متحفز للدفاع عن معقل الإسلام الجديد... والأرض تخبئ تحت ترابها قصصاً لبطولات عانقت أكف السماء... والتراب متوهج يستعد ليرتوي من دماء الشهداء.. إنها أحد.. إحدى معارك الإسلام ومعلمة الأجيال بأن كلمات القائد لا بد وأن تكون نقشاً يعتلي جباه الجنود لا رجعة فيه.
بين صلال السيوف يطل وجه امرأة قرشية تعتلي هامة فرس تصول بين ذويها القادمين من براثن الوثنية الثملين على كأس الثأر صائحة..
مشي القطا البوارق
نمشي على النمارق
نحن بنات طـــارق
إن تقبلوا نعانق
والدر في المخانق
والمسك في المفارق
أو تدبروا نفــارق
فــراق غير وامق
حتى إذا ما التحمت الجيوش صلصلت مجلجلة تطلب ثأر أبيها وأخيها وعمها فتقول:
ويها بني عبد الدار
ويها حماة الدار
ضرباً بكل بتار
حتى إن صوت صليلها ليضايق المسلمين فيراودهم الخاطر في قتلها لولا أن كرامة الإسلام تأبى قتل امرأة لم تحمل السيف إلا بلسانها فقط.
لا بد وأنكم عرفتموها..إنها هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية.. زوجة أبي سفيان وصاحبة أكبر ثأر وأعظم مصاب تحدثت عنه كتب التاريخ.
حين تقابل المسلمون مع قوى الشرك في بدر كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يقدم للإسلام أعظم ضروب القوة والتحدي فقد استطاع في المبارزة التي سبقت التحام الجيشين في بدر أن يقتل عمها ويجهز على أبيها ثم أخيها لتستعر نيرات الثأر في قلبها على حمزة منذ تلك اللحظة.. فكان مصابها أوقع من خنجر مسموم في صدر امرأة عرفت بقوة شكيمتها التي فاقت بها بعض الرجال.. وإذا بالدمعة تتحجر في عينها فلا تدعها تخرج حتى لا يصل خبرها لمن أرادت أن تأخذ بثأرها منهم .. وحرمت على نفسها الطيب والقرب من فراش أبي سفيان حتى تثأر لقتلاها في بدر .. ولئن عزت دمعتها فإن لسانها وصف حالها حين قالت :
أعيني جودا بدمع سرب ** على خير خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة ** بنو هاشم وبنــــــو المطلب
يذيقونه حد أسيــــــــــــافهم ** يعُلّونه بعدما قد عطب
يجرونه وعفير التراب ** على وجهه عاريا قد سُلب
فكان يوم أحد هو يوم الثأر عند هند لتشفي به غليلاً جاش في صدرها وأضرم ناره عاماً كاملاً.. ترى هند بصيص أمل في تحقيقه في صورة (وحشي) ذاك العبد الحبشي الذي لم يخطئ رمحه الهدف قط فتمنيه بالفضة وعتق الرقاب قائلة : اليوم يومك أبا دسمة اشف واستشف.
ليقتل وحشي حمزة غيلة بظلم ثأر استشرت نيرانه لتطعن في أسود الإسلام حقداً على ضراوتهم.. لكن ذلك لم يشف غليل هند وبؤس جاهليتها.. فنرى أنياب الثأر تطل من أعماقها لتلوك كبد حمزة وهو في عرف البشر ميت.. ثم تجدع أنفه وتقطع أذنيه في أبشع صورة عرفها الانتقام في فعل امرأة ثم تعلقهما أقراطاً وسلاسل تتزين بها بعد أن خلعت كل ما اعتلى قدّها من جواهر لتعطيها لوحشي.
أي هند هذه.. والوحشية تعانق قلبها تمحو من خطواتها معالم الإنسانية.. تقطع في طريقها أوصال الحنان والرأفة من قلب امرأة.. في سبيل الثأر الذي سيطر على العقل في شيطانية تعلن عن انتصار روح العصبية القبلية من قلوب أعراب رفضوا دعوة رجل منهم يقول : ربي الله !!! رغبة منهم في التمسك بخطوات الضلالة يقدمونها قرابين في معابد الشيطان.
تلك هي الصورة الموحشة من حياة هند بن عتبة.. أقوى نساء العرب وأكثرهن شكيمة وشهرة على الإطلاق.
وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم أنها لاكت كبد حمزة على التوثق ممن شاهدوا فعلتها إن كانت بلعتها أم لا.. تحسباً من بلعها فيحرم الله جسدها بمضغة من كبد حمزة على النار.. يا لطهر قطعة من كبد حمزة حين يصعب على وثنية هند ابتلاعها.. فكيف للباطل أن يبتلع الحق.. وهل يقوى الشيطان على هضم نور من أنوار الله !!! لتظل هذه الصفحة نقطة سوداء تشوه حياة امرأة من أشرف بيوت العرب.
وهذا الأمر يدفعنا للتساؤل : هل لو كانت هند بنت عتبة مع المسلمين وعدوها الذي لاكت كبده من المشركين أكانت تفعل ذلك ؟؟ بالطبع لا فالإسلام يهذب الأخلاق ويزرع رياحين الخير في طباع أهله .. يقضي عبر أنواره على تعطشهم للدماء إلا ما كان دفاعاً عن دين الله وفي سبيل مرضاته.. وأيم الله لو أن نساء المسلمين قاطبة أمسكن بوحش معاصر كالصهيوني المتغطرس شارون الذي يرتوي كل صباح من دماء الشعب الفلسطيني لما فعلن به هذه الفعلة لأن إنسانيتنا كمسلمين أقوى من مطالب التشفي بالثأر إلا في غمار الخطوب.
وبعد أعوام على هذه الواقعة يفتح الله على المسلمين مكة.. ليعلو صوت الحق ممتشقاً عنان السماء محطماً لمعقل الوثنية الأول في جزيرة العرب.. معلناً عن عودة الإسلام إلى رحاب مهبط الوحي فترتعد هند من ذكرياتها الدامية.. ترتجف من إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لدمها اعترافاً منها بخطأ لحق بها جراء وحشية أثقلت كاهلها حتى أخذت بثأرها .. وكأن الاعتراف بالخطأ بات حملاً ثقيلاً يستوجب معه الصفح والغفران من صاحبه .. فخرجت مع نساء مكة لتلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تنقبت بنقاب يغطي وجهها حتى لا يعرفها أحد .. فلما دنت منه عليه السلام قالت له : يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر هذا الدين الذي اختاره لنفسه.. لتنفعني رحمتك يا محمد.. إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة لرسوله.. أنا هند بنت عتبة، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام : مرحبا بك ... لتنزل كلمات الترحيب على قلبها كغيث عذب يغسل في طريقه كل ضباب الجاهلية وأوحالها، فترد عليه قائلة : ( والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من خبائك .. ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يعزوا من خبائك).
ثم بدأت بيعة الرسول الكريم لنساء مكة وهند فيهن.. فيخاطبهن النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في بيعة النساء (تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً) ، فقالت هند بفطنة المرأة حين سمعت ببيعة النبي للرجال من قريش : وإنك والله لتأخذ علينا ما لم تأخذه على الرجال فسنؤتيكه. فقال النبي عليه السلام : (ولا تسرقن) ، فردت عليه معترفة بخطئها حين كانت تأخذ من مال أبي سفيان شيئاً لنفسها دون علمه قائلة : والله إني كنت لأصيبن من مال أبي سفيان الهنة والهنة. فقال أبو سفيان وكان حاضراً : أما ما مضى فأنت منه حل.
ثم أكمل نبي الله عليه الصلاة والسلام : (ولا تزنين) ، فردت هند بروح المرأة الصادقة الأبية (وهل تزني الحرة ؟!).. ليردف النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : ( ولا تأتين ببهتان تفترينه من بين أيديكن ولا أرجلكن)، فتقول هند : إنه لعمل قبيح !! كلمات عابرة مرت عبر غياهب التاريخ دون أن يتلمس حروفها أحد.. صاحبتها امرأة قوية الشكيمة لاكت كبد حمزة بن عبد المطلب وجدعت أنفه وقطعت أذنه.. اليوم تستهجن عبر حروفها قائلة : ( أو تزني الحرة ) .. تأنف باستنكار واضح رذيلة تعافها المرأة في جاهليتها وحتى يوم أباحت مضغ أكباد الرجال وأباحت لنفسها السجود للأصنام !! لنقف هنا وقفة مع المرأة الحرية حين تعاف الرذيلة وتبغضها قبل أن تعتنق الإسلام ، وتصفها بالقبح والإسلام بعد حديث عهد في قلبها لم يبلغ بها مبلغ السابقين.. فهل يعني هذا أن العفة تسكن قلب المرأة الحرة بغض النظر عن دينها ؟ وأن دماثة الخلق يمكن أن تأنس لقلوب لم يسكنها الإيمان بالله بعد ؟
نعم .. وهند أصدق دليل !!!
فكيف بنا نحن المجتمع المسلم وهذه الرذيلة تنهش في أعراضنا وتستشري نارها في ديارنا.. حين تغرق بعض النساء من مجتمعاتنا في خصلة هي قبيحة في الجاهلية فكيف بها في الإسلام.. يعلق البعض السقوط بها على شماعة الفقر والظروف !!! ألا يحق لنا الآن أن نطالب بحرية نسمو بها بفضائلنا قبل أن نسجد لخالقنا ونصلي لبارئنا !!!
وهذه الخصلة الدنيئة تأنف منها الأحرار النساء الجاهليات ، وصدق لسان العرب حين قال : (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) ، فكيف بنا ونحن نعيش في ظل مجتمعاتنا المسلمة التي ولدنا وتربينا في أحضانها.
هاتان صورتان للمرأة الصلبة التي دقت طبول الثأر تتحدى بها الصعاب رغم الأخطار الأبية التي تأنف القبح الذي لا يتفق مع الفطرة والأعراف .. ولنا من مواقف النساء عبرة لمن أرادت أن تعتبر.
مجلة المنار ، العدد 67 ، صفحة 50


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  وهل تزني الحرة ؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7