الأربعاء 7 مارس 2012
فتح القسطنطينية

هذا نبي الإسلام (2)
د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين..
وبعد .. فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن ميلاد ونشأة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وعن طبيعة البيئة التي نشأ فيها ، وعن مشاركته منذ صغره في المجتمع من حوله ، واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى أكمل الحديث فأقول : إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بعيدا عن القضايا الهامة التي تعرّض لها مجتمعه في فترة شبابه ، وإنما شارك فيها مشاركة إيجابية ، فقد اشترك وهو في العشرين من عمره تقريبا في المعركة التي سميت بـ "حرب الفجار" (1)؛ نصرة للحق ودفعا للمعتدين .
كما اشترك صلى الله عليه وسلم في الحلف الذي سُمي بحلف الفضول ، وهو حلف عقد في مكة قبيل البعثة النبوية ، "وكان من مبادئه : ألا يجدوا مظلوما بمكة إلا كانوا معه حتى يردوا عليه مظلمته ، وتعاقد من حضروه ، وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم ؛ حتى يؤدى إليه حقه ، وقد أثنى صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف بعد بعثته بقوله : " لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حُمُر النعم ، ولو أُدعى إلى مثله في الإسلام لأجبت "(2) .
حتى يؤكد أن المسلم عليه أن يتعاون مع المدافعين عن الحق ، بغض النظر عن ديانتهم ، وأن ذلك من موجبات الإسلام ، بل فيه ثواب لا يساويه أي من مكاسب الدنيا .
كما كان له صلى الله عليه وسلم دور كبير في حسم القضايا التي كادت أن توقع قتالا بين قومه ، فقد ذكرت كتب السيرة أن شيوخ مكة اختلفوا فيما بينهم على من يقوم بوضع الحجر الأسود في مكانه بالكعبة ، بعد أن فرغوا من تجديدها حتى كادوا يقتتلون ؛ لما في ذلك من الشرف الرفيع ، وتنازعوا حتى كاد أن يتحول نزاعهم إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إذ قربت بنو عبد الدار( إحدى القبائل المكية) جفنة مملوءة دماً، وتعاقدت هي وبنو عديّ بن كعب بن لؤيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في تلك الجفنة ، ومكثوا على ذلك أربع ليال أو خمساً ، ثم استقر رأيهم على أن يحكّموا أول داخل عليهم من باب المسجد الحرام .
وشاء الله أن يكون الداخل هو محمد صلى الله عليه وسلم ـ وكان عمره إذ ذاك خمسة وثلاثين عاما تقريبا ـ فلما رأوه قالوا : هذا الصادق الأمين ، رضينا به حكما ، وما إن عُرض عليه الأمر حتى قال : هلمّ إليّ بثوب فأتي به ، فأخذ الحجر فوضعه فيه ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعا ، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه بيده ثم بنى عليه(3).
وأحسب أن ذلك كان إلهاما من الله لرجل يعده لقيادة البشرية إلى السلام .
ولم تكن هذه حوادث طارئة في حياته، بل تكررت مرارا ، فقد ذكر بعض كتاب السيرة أنه كان يُتحاكم إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- في الجاهلية قبل الإسلام، وروي عن الزهري أنهم كانوا لا ينحرون جزوراً إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.
وكأنهم قد اصطفوه مرشدا لهم قبل أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى ، ويوم أن يكون الإنسان الذي يعمل بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى مهيئا للقيام بأعباء دعوته كما هيأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا بد أن ينجح في دعوته مهما واجهته من صعاب وعراقيل كما نجح النبي صلى الله عليه وسلم ..
جنوحه للتفكير في الكون من حوله:
ومع تقدم العمر به بدأ يجنح إلى التفكير العميق في صنع الله وإبداعه ، والتعبد بطريقة غير مألوفة عند قومه في ذلك الوقت ، وكان يذهب كل عام في شهر رمضان إلى غار يسمى بغار" حراء " وهو غار في جبل على بعد بضعة أميال من جانب الشمال الغربي من مكة القديمة ، ودخل في حيز عمرانها الآن ـ ليقضي الشهر أو جله بعيدا عن لغو الناس وحديثهم الباطل ، مختليا بنفسه متفكرا في خلق الله .
في هذا الغار المهيب المخيف الذي يحتاج صعوده الآن إلى ما يربو على ساعة ، وربما سيطر الفزع والخوف على من مكث فيه دقائق ، كان محمد صلى الله عليه وسلم يتعبد ، ويصقل قلبه ، وينقي روحه ، ويقترب من الحق جهده ، ويبتعد عن الباطل وسعه ، ثم يعود إلى مواصلة مشوار حياته ، مشاركا الناس أمور حياتهم ، حتى وصل إلى مرتبة عالية من الصفاء (4).
بشارة الأنبياء السابقين به :
أشار القرآن الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إلى أن الأنبياء السابقين بشروا بمجيء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لتختم به الرسالات ، وما زالت بعد الآثار في الإنجيل والتوراة ـ رغم ما دخل عليهما من تحريف وتبديل ـ تشهد بذلك ، مثلما جاء في إنجيل "يوحنا" حكاية عن المسيح عليه السلام : "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ، ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله ؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم وفيكم " (5) .
وبعيدا عن الخلاف حول المقصود من كلمة "الآب " التي قد تعني السيد أو حرفت في ترجمتها ، فإن العبارة تشير إلى مجيء نبي " معزى" ولم نسمع عن نبي جاء بعد عيسى غير محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه باق إلى الآن يعرفه المسلم وغير المسلم ، وسيبقى إن شاء الله إلى الأبد
وجاء أيضا في إنجيل " يوحنا "ص 16 ف 5: "وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني ، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي ، لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم ، لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق ؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي . لكن إن ذهبت أرسل إليكم ، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيّة وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطيّة فلأنهم لا يؤمنون بي ، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا ، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ، وأما متى جاء ذاك روح الحق يرشدكم إلى جميع الحق ؛ لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به (6)وهذه العبارة أكثر وضوحا في دلالتها على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ..
هذا وقد تصرف المترجمون في هذه لفظة المعزي ، وهم ينقلونها عن اللغات الثلاث الأصلية وهي العبرانية والكلدانية واليونانية ، فتارة ترجمت بالمعزى ، وتارة أخرى بالمخلص ، وتارة بالفارقليط.
وأما في التوراة فقد جاء في الإصحاح الثامن من سفر التثنية أن اللّه تعالى قال لموسى عليه السلام : " أني أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه فيكلمكم بكل ما أوصيكم به ، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه... " (7).
ومعلوم أن كل الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى بعد موسى عليه السلام كانوا من بني إسرائيل ، غير محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل ، فالعبارة لا تقصد إذن غير محمد صلى الله عليه وسلم .
اصطفاء الله له ليكون رحمة للعالمين :
لما هل شهر رمضان من العام الذي أتم فيه محمد صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره ، وبالتحديد يوم الاثنين الموافق الحادي والعشرين من هذا الشهر والعاشر من أغسطس سنة 610 م تبدى له جبريل " الملك " ليلا وهو لا يدري من هو، فقال له " اقرأ" فرد عليه محمد صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ ، أي لا أعرف القراءة ، فأخذه وضمه إليه ضما شديدا حتى جهد أو تعب ، ثم كرر ذلك معه مرتين فقال له محمد صلى الله عليه وسلم : ما أقرأ ؟ (8).
فرد عليه " اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ..." (9) ثم اختفى عنه فجأة مما جعله يتوجف خيفة ، وهبط من توهه من الغار ، فسمع أثناء هبوطه صوتا يناديه يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ، فنظر فوجد ذلك الذي ظهر من قبل يسد ما بين السماء والأرض.
وقد صور هذا المشهد فيما بعد بقوله " بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجثئت ـ فرقت منه رعبا ـ حتى هويت إلى الأرض، وجئت (أي إلى أهله ) فقلت : زملوني زملوني فدثروني (10) فجاءه هذا الملك مرة أخرى بقوله تعالى " يا أيها المدثر قم فأنذر....." فعلم عندئذ أنه نبي وأن الله اختاره لرسالته ، فقال لزوجته "ذهب النوم يا خديجة " أي ذهب وقت الراحة ، وكيف ينام وقد كلفه الله بإرجاع البشرية في مشارق الأرض ومغاربها إلى مسارها الصحيح ، إلى رشدها ، إلى فطرتها التي فطرها الله عليها ، بعد أن أغواها الشيطان فضلت ، وانحرفت عن طريق الخير ؟! كيف ينام وقد كلف بنشر الرحمة بين الناس ؟ كما قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، رحمة للضعفاء من ظلم الأقوياء ، رحمة للفقراء من تحكم الأغنياء في أرزاقهم ، بل ورحمة للأغنياء من ثورة الفقراء عليهم ، بعد أن جعل لهم رزقا معلوما ، ثم أوصاهم بالرضا بقضاء الله ، وعدم حسد الغير على ما آتاهم الله من فضله ، ورحمة للحيوان والنبات كما سنرى فيما بعد.
ثم فتر الوحي أي غاب عنه المَلك (جبريل )عدة أيام ؛ ولعل الله أراد بذلك أن تسكن نفسه ، ويذهب عنه كما قال ابن حجر ما وجده من الروع ، ويستعد لما سيقوم به ، وتتهيأ نفسه لتحمل مصاعب الوحي ، فاتصال نفس بشرية بملاك يتلقى الوحي من الله لا يحس بهوله إلا من تفكر في عظمة هذا الكون الفسيح الذي لم يتعرف العلم الحديث ـ رغم تطوره المبهر ـ إلا علي اليسير منه ، وتلقي القرآن لا يتحمله إلا نفس أعدت إعدادا خاصا ؛ لذا قال تعالى : "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " (11) هذا الثقل الذي فُسر في قوله تعالى " لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " (12) .
كما يفسره أيضا قول ابن كثير: وللنبوة أثقال ومئونة لا يتحملها، ولا يستطيع القيام بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل- بعون الله وتوفيقه – لما يلقون من الناس ، وما يُردّ عليهم مما جاؤوا به عن الله عز وجل...
لكن ما عليه صلى الله عليه وسلم ألا يتحمل ما لا تتحمله الجبال من أجل رحمة البشرية وإسعادها...
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة إن شاء الله إن كان في العمر بقية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني
1 ـ سميت بذلك لأنها وقعت في الشهر الحرام.
2 ـ ابن هشام : السيرة جـ 1 صـ 116
3 ـ ابن سيد الناس : عيون الأثر ج1 صـ 121
4 ـ وهذا ما يفهم من بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى " ما كنت تدري ما الكتب ولا الإيمان " الشورى52 وقوله : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ..." القصص 86
5 ـ الكتاب المقدس , إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ( إنجيل يوحنا الإصحاح الربع عشر صـ 175
6 ـ الكتاب المقدس , إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ( إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر صـ 178
7 ـ الكتاب المقدس , إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط , سفر التثنية ـ الإصحاح الثامن عشر صـ 308,309
8 ـ ابن كثير : السيرة النبوية جـ 1 صـ 385 والسيرة لابن حبان جـ 1 ً صـ 63
9 ـ سورة " العلق " : آية 1 ،2 ، 3، 4)
10 ـ ابن كثير : البداية ج3 ص 16 والحديث في الصحيحين البخاري ومسلم
11 ـ سورة " المزمل " : آية 5
12 ـ سورة " الحشر" : آية 21
المصدر : موقع التاريخ


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 هذا نبي الإسلام (2)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7