الأحد 11 مارس 2012


تشوه نمطي الهروب والمواجهة, وفائدة ذلك في فهم تدهور التيار الإسلامي.

إذا كان ما افترضناه صحيحا، من أن التيار العلماني والإسلامي يعبران عن نمطي هروب ومواجهة أمام «صدمة الهيمنة الغربية»، أو ما أطلق عليه: «صدمة الحداثة»، فإنه ينبغي أن نجد على أرض الواقع، تبعا لهذا الافتراض، نمط مواجهة  ممتلئ تماما مفاهيم الاستعلاء والتحدي، ويخلو تماما من أي نزعة تعايشية مع الغرب، ونمط هروب ممتلئ تماما بمظاهر الإعجاب بالغرب، ويخلو تماما من أي نزعة عدائية أو ممانعة أو استعصاء، وعلاقة بين هذين النمطين لا مكان فيها لأي تسوية أو قبول.

غير أن العين لا تكاد تخطئ ذلك التشوه المتزامن والمتماثل والذي أصاب النمطين معا، وجعل كل منهما يفقد حدته أو نقاوته، ويتداخل مع النمط النقيض له مستعيرا منه بعض خصائصه دون حرج.

وهي ملاحظة يجب علينا أن نعيرها ما تستحقه من اهتمام، ذلك أنها تقف بنا مباشرة أمام العلة الفاعلة لتدهور التيار الإسلامي، وذلك أنه إذا كان التيار العلماني متدهور هو أيضا بالنسبة إلى شكله الأصلي، وإذا كان هذا التدهور متماثل مع نظيره الإسلامي ومتزامن معه، فالنتيجة التي يمكن أن نظفر بها من ذلك هي أن تدهور التيار الإسلامي يعود في أسبابه إلى مرحلة نفسية هي مرحلة «ما قبل تجلي إرادة المواجهة في شكلها الإسلامي» ، أي يعود إلى إرادة المواجهة ذاتها كإرادة مواجهة، بل يعود إلى ما هو قبل ذلك أيضا، إلى «إرادة التكيف مع أزمة الغرب أساسا»، وذلك استنادا إلى ما أصاب نمط الهروب كذلك، أي أن النمطين باعتبار ما ينطويان عليه من نسب مشترك ومعنى واحد، وكونهما استجابة اجتماعية لمثير الهيمنة الغربية، يبدو أنهما واقعين معا تحت طائلة التدهور الحتمي.

وقيمة هذه النقلة البعيدة التي تحولنا خلالها من فحص السلوك الإسلامي المباشر إلى فحص« إرادة المواجهة» نفسها، أي إلى «ما قبل تمظهر نمط المواجهة في شكله إسلامي»، ثم إلى «إرادة التكيف مع أزمة الغرب» مطلقا، قيمة هذه النقلة هي أنها تضعنا مباشرة أمام العلة الأبعد لتدهور التيار الإسلامي، وتجعلنا قادرين على أن نمس بأيدينا موطن الانحراف وبدايته، وتخفف عنا عبئ هذا الكم الهائل من التفسيرات المزيفة لهذا التدهور والتي تعتمد كلها على فحص «الأعراض» لا أصل العلة، من قصور النظرة الإسلامية وقصة الفيل والعميان الثلاثة، إلى الأمزجة الخاصة بمؤسسي التيارات، إلى الظروف الضاغطة للإسلاميين عموما، إلى الأنانية الفردية أو العمالة أو ما إلى ذلك. وكلها تفسيرات مزيفة تُفقِدنا البداية الحقيقية لسلسلة الأحداث النفسية عند التيار الإسلامي.

مظاهر تشوه نمطي الهروب والمواجهة.

رغم أن مضمون الظاهرة العلمانية هي الإعجاب بالغرب والنفور من التراث، إلا أنه من السهل علينا أن نسجل تشاركا علمانيا ذي طبيعة نضالية ضد ممارسات عدوانية غربية، أبرزها المشروع الصهيوني مثلا، على الأقل على المستوى الإعلامي؛ أيضا الموقف العلماني من التراث لم يعد بتلك الوقاحة التي بدأ بها، فمثلا: العاهة البصرية عند (طه حسين) لم تنجح تماما في خلق تيار أعمى في رفضه للتراث وفي قبوله لقيم الغرب، بل على خلاف ذلك، انحسرت إلى حد ما دعوى إعلان القطيعة مع التراث، ولم تعد هي السائدة في الخطاب العلماني العربي. نموذج (عبد الله القصيمي) و(سيد القمني) لم يعد هو النموذج الأمثل للمفكر العلماني في المنطقة العربية.

لا يمكن تفسير ذلك على أنه نوع من انتصار لـ «نمط المواجهة» وحركة إحياء التراث، وذلك أن نمط المواجهة نفسه لم يعد بذلك الإخلاص المتوقع لنشأته كنمط مواجهة، فقد أصابه أيضا نوع من الشلل فقام بفرض حصارا داخليا حول كل المفاهيم المتعلقة بالصراع، فهذا الذراع الذي لم يخرج لحيز الوجود أصلا إلا لعصر عنق الهيمنة الغربية، قد أصبح مرتعشا لا يقوى على الفعل، لم يعد الإسلاميون يتعاملون مع المسألة الغربية بذلك الحسم المتوقع منهم. بعضهم أصبح تأكيده على قيم التعايش مع الغرب أكثر من تأكيده على ضرورة الاستعداد للتحدي الحضاري، وبعضهم عاش في حالة من (الجهل الاستراتيجي) بمفردات الصراع الثقافي مع الغرب، أيضا فالظاهرة الإسلامية أصبحت مترددة بشأن شرعية الأنظمة الموالية للغرب، وتميل إلى الإقرار له بالشرعية، ومترددة أيضا بشأن الفصيل الجهادي المشتبك عسكريا مع قوى الغرب ومع الأنظمة التابعة له، وتميل إلى التربص به ومحاصرته. وعلى مستوى القيم، فقد فرض الإسلاميون حصارا داخليا حول كل قيمة تسير بهم آجلا نحو المواجهة الحضارية، فُرِض حصار حول مفهوم (التكفير) كقيمة سالبة ضرورية لتحديد الهوية الدينية، كذلك مفهوم الجهاد كممارسة ضرورية للحفاظ على الوجود السياسي.

إذا فهي عطالة وظيفية للنمطين معا وليس انتصارا لأحدهما على الأخر، هذه الحالة قد خلقت جوا من الفوضى توج فيما بعد بما يسمى بـ «اليسار الإسلامي» أو «الإسلام المعتدل » أو « الإسلام المستنير »، وهي كيانات رغم أنها تبدو (فكرية)، إذ عادة ما يسبق اسم رموزها كلمة (المفكر الإسلامي)، إلا أن كل صخبها وضجيجها (الفكري)! لا يعدو أن يكون قدرة لغوية على الجمع بين النقيضين: التوجه نحو التراث والتعايش مع الغرب، ذلك التراث الذي لم ينشأ في الوعي إلا كإمكانية لمواجهة الغرب، وذلك التعايش الذي هو صيغة (صيغة ديبلوماسية) لنزعة (الإعجاب بالغرب) والتي بدورها آلية لـ (الهروب من الغرب كخصم حضاري).

ستجد دائما عند ذلك الكيان الهجين تلك العبارات ذات الشقين: « نحن نعتز بتراثنا لكن لا ننكر تراث الآخرين »، « نحن حداثيون لكننا نرفض الحداثة بشكلها الغربي »، « نحن نرفض الاستلاب النفسي بنوعيه: الاستلاب أمام الغرب أو أمام الأسلاف »، «كلا الأصوليتين خطر: الأصولية الدينية والأصولية العلمانية »، وهكذا.

«الغرب الإسلامي» هو الاسم الذي أطلقه بعض كتابهم على ذلك الكيان، في إشارة صريحة إلى وضعهم الجغرافي باعتبار أن أغلبهم من شمال أفريقيا ويقعون في غرب المنطقة العربية، (محمد عمارة/الجابري/ أركون/ طه عبد الرحمن/ المرزوقي/ الغنوشي)، ولكن هذا الاسم أيضا يشير على المستوى النفسي وبشكل مضمر إلى الرغبة في المقاربة بين «الإسلام » وبين « الغرب».

بالطبع لا يعنينا كثيرا تلك الفروق البينية عند أفراد ذلك الكيان، ولا يعنينا التفاوت في النسبة بين كمية المظاهر العلمانية والمظاهر الإسلامية بين أفراده، ولا يعنينا أيضا إن كان أحدهم لقح إسلاميته بمضمون علماني أو أن الآخر لقح علمانيته بمفردات إسلامية، فالمحصلة واحدة في النهاية، انظر مثلا إلى ذلك التطابق المدهش بين كتاب «الإسلام السياسي» لـ محمد سعيد العشماوي (العلماني) وبين كتاب «الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية» لـ محمد عمارة (المفكر الإسلامي)، التطابق قد يصل إلى شبهة الاقتباس في الموضوعات وحتى ترتيبها داخل الكتاب، هذا ما نعنيه بوحدة المحصلة وهي تشوه نمطي الهروب والمواجهة وتداخل مظاهر كل منهما مع الآخر.

تداخل نمطي الهروب والمواجهة.. تشوها وليس اعتدالا.

إننا نهدف إلى رصد «تشوه أنماط التكيف العامة مع أزمة الغرب» باعتبارها مدخلا لرصد «تدهور التيار الإسلامي كنمط خاص هو نمط المواجهة»، لكن هذا الهدف يقف أمامه عائق هو تلك الفكرة الراسخة في الأذهان والتي تنظر لهذا التداخل بين الأنماط ليس على أنه «تشوها» للنمطين كما نفترض، بل على أنه «اعتدالا» بينهما، وبحسب هذه الفكرة: فلا يجوز لنا رصد «التدهور» من خلال «الاعتدال»، وبناءا عليه فكل ما يتبع دعوى «التشوه» من نتائج هي باطلة بالضرورة.

الحقيقة أن ما ساعد على فكرة الاعتدال هو «الصواب النسبي» أو حتى «الصواب المطلق» لبعض السلوك الناشئ عن هذا التشوه والتداخل، فالتقارب العلماني مع التراث هو صواب في ذاته، يصعب أن يوصف بأنه تشوه حادث في العلمانية، كذلك فتبني الإسلاميين لفكرة التعايش مع الغرب هو صواب بالنسبة للعلمانيين يصعب وصفه بأنه تشوه حصل عند الإسلاميين.

وهذا الضرب من التفكير يتجاهل أهمية تتبع المسار النفسي للسلوك، ومن ثم يغفل عن «الدلالة النفسية » له، ويمكن بسهولة إبراز الخلل المنطقي في فكرة الاعتدال هذه والناشئ عن ذلك التجاهل من خلال عدة أمرين:

أولا: «التوحد بالمعتدي» و «الصراع معه» رغم أنهما يحققان وظيفة نفسية واحدة هي «نفي حالة الهزيمة»، أحدهما نفيا موضوعيا والآخر نفيا تخيليا، إلا أنهما ليس كل منهما طرف للآخر على متصل واحد حتى يمكن العثور بينهما على نقطة «توسط » أو «اعتدال»، فالاختلاف بينهما هو اختلاف كيفي وليس كمي، والعلاقة بينهما لا تماثل مثلا العلاقة بين طرفي (الإسراف والبخل) أو (التهور والجبن) حتى يكون بينهما توسط، بل هما مسلكين متناقضين تماما بحيث لا يمكن العثور بينهما على حالة «اعتدال». بمعنى أنني أستطيع أن أحب باعتدال، أستطيع أن أكره باعتدال، لكني لا أستطيع أن أمارس الاعتدال بالجمع بين مظاهر الحب ومظاهر الكراهية، فالتراث لم يظهر أمام الوعي إلا كأداة من أدوات المواجهة، والجمع بين التوجه نحو التراث وبين التعايش مع الغرب هو تشويه لـ (معنى) التوجه نحو التراث.

ثانيا: يستحيل أن يكون «الاعتدال» قرارا نابعا من داخل أي من نمطي الهروب والمواجهة، بل تبقى دائما أي مقولة الاعتدال، وصفا خارجيا للتشوه الحادث، وصفا للمظاهر من خارجها، أما من داخل نمطي الهروب والمواجهة فيختفي تماما منطق الاعتدال هذا، لأن كلا من الهروب والمواجهة غريزتين تهدفان للبقاء وللوجود، وغريزة البقاء لا تعرف معنى الاعتدال، أي أن كل من النمطين ينظر للآخر على أنه حالة موت أو حالة عدم، وليس هناك توسط اختياري بين الوجود والعدم.

وهذا ما يدعونا إلى التأكيد على أن «التداخل بين نمطي الهروب والمواجهة» ليست «قرارا داخليا عقلانيا بالاعتدال» ، لكنه «انفعال غير عقلاني بمؤثر خارجي» يجبر كلا النمطين على خيانة نفسه بدرجة أو بأخرى.

الخلاصة

ما نستطيع التأكيد عليه هو أن التدهور الحاصل في التيار الإسلامي يعود إلى تشوه حاصل في إرادة التكيف مع أزمة الغرب، وأن علينا أن نفحص أسباب هذا التشوه جيدا، حتى نصل إلى مبتغانا.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نقد الحركة الإسلامية (4)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7