الأحد 11 مارس 2012

 

تعيين العلة الفاعلة لتشوه الأنماط والتي هي الفاعلة لتدهور التيار الإسلامي

إذا كان مفهوم الاعتدال لا يصلح لتفسير ذلك التداخل والتشوه بين نمطي الهروب والمواجهة، فهو على الأقل يساعدنا في الكشف عن حقيقة ذلك التشوه، فهو يشير «ضمنيا» إلى الجهة المؤثرة والضاغطة على النمطين والمحدثة لهذا التشوه، إنها ببساطة تلك الجهة التي منحت «التشوه» لقب «الاعتدال».

مقولة «الاعتدال» غالبا تعني: «التماثل مع الحالة الوسطى الفكرية والوجدانية للمجتمع»، وفيما يخص الأنماط فهي تعني: «تنازل النمط للمجتمع عن النقاط الحادة والجوهرية في منطقه الداخلي تحت تهديد فقدانه للمجتمع كبيئة حاضنة له». وهي حالة لا تثير الضيق أو القلق أو الإحراج داخل النمط لأنها تتسم بالبطئ والتواطؤ بين المجتمع والنمط على عدم سفورها وتمريرها بنوع من الخداع المتفق عليه. ولا تتبدى إلا في لحظات خاطفة تسودها رغبة عابرة في الصدق مع النفس، مثل تلك اللحظة التي أقدمت فيها الروائية الماركسية «أروى صالح» على الانتحار بعد نجاح المجتمع في ترويض النمط الماركسي وإجباره على خيانة نفسه، وبعد أن دونت تجربة خيانة النمط لنفسه في مذكراتها بعنوان «المبتسرون».

فهذا التشوه ليس اعتدالا أو تقاربا بين النمطين، بل هو في حقيقته تقاربا بين كل نمط على حدة وبين المجتمع، يدل على ذلك ما نراه من أن العلاقة بين النمطين لا زالت كما هي: النفور التام والاتهام المتبادل بخداع المجتمع.

إذا كانت «صدمة الهيمنة الغربية» والتي عانى منها المجتمع هي ما تفسر إخراجه لنمطي الهروب والمواجهة في البداية، فإن «صدمة الاغتراب عن المجتمع» والتي عانى منها كل من النمطين هي ما تفسير ما طرأ على كل منهما من تشوهات وتداخل بيني وخلو من المضمون.

سبب ضغط المجتمع على نمطي الهروب والمواجهة رغم أنه هو من أفرزهما في البداية

ولكن، كيف نزعم اضطراب العلاقة بين النمط وبين المجتمع، رغم أننا قد أكدنا في البداية أن المجتمع هو من أفرز النمط ليقوم بوظيفة معينة يحافظ من خلالها المجتمع على ذاته، فنمط المواجهة هو لحشد قوى المجتمع ضد الهيمنة الغربية، ونمط الهروب هو لتحويل الخصم الغربي إلى صديق وحليف ومثل أعلى.

الحقيقة أن الوسيلتان اللتان قصد بهما المجتمع أن يحافظ على ذاته ضد أزمة «الهيمنة الغربية » هما وسيلتان متضاربتان أصلا، فمن يعزم على حشد طاقة العدوان ضد خصمه لا يمكن أبدا أن يلين معه لحظة واحدة بقصد أن يحوله من خصم إلى مثل أعلى صديق، لكن وجود النمطين معا في المجتمع يعني أمرا هاما، هو أن ذلك المجتمع متردد بشأن كل منهما، ولم يقرر المجتمع بعد أن يتبنى أحدهما وتماما ويتنكر للآخر إلى الأبد، فكل نمط هو أمام المجتمع ما بين قبول ورفض، ما بين رضا وسخط، ما بين دعم وخذلان.

فمن جهة: الاستفزاز الغربي المستمر للمجتمع يفوت على المجتمع البيئة الملائمة للتوحد بالغرب كمثل أعلى صديق، لأن هذه البيئة تتطلب نوعا من الخصومة المستترة حتى يتمكن المجتمع من خداع نفسه فينكر وجودها أو يستطيع تبريرها، فيتخيل الغرب صديقا بأي شكل. ولما كانت خصومة الغرب تزداد سفورا يوما بعض يوم، فإن المجتمع غير قادر على منح نمط الهروب كل ثقته، ولا يزال ينظر للعلمانية نظرته لشيء غريب عنه، ولكنه يحتاج إليه لتبرير خديعة الإعجاب بالغرب.

ومن جهة أخرى: فالمواجهة الصريحة مع الغرب أمر فوق طاقة المجتمع وفوق استعداده للتضحية، فهو لذلك عاجز عن منح نمط المواجهة كل ثقته، ولا يزال ينظر للإسلاميين نظرته لشيء غير مرغوب فيه، ولكنه يحتاج إليه كلما شعر بالمهانة أمام الغرب.

والحاصل أن كل من النمطين يشعر تجاه المجتمع بالاغتراب بمقدار رفض المجتمع له، كما يشعر تجاه المجتمع بالألفة والحماية بمقدار قبول المجتمع له. لأن الشعور بالاغتراب هو «اللعنة» التي يصبها المجتمع على أي نمط هو غير راض عنه، و «الآلية» التي يسلكها المجتمع للتخلص من كل ما هو غريب عنه.

علة أن المجتمع أكثر قسوة مع نمط المواجهة في مظهره الإسلامي مقارنة بنمط الهروب.

قدمنا ما يدل على أن كلا من نمطي المواجهة والهروب يعاني من أزمة «اغتراب عن الواقع»، لأن المجتمع متردد بينهما، فكل منهما مرفوض من المجتمع من وجه، ومقبول من وجه آخر، وأن ذلك الاغتراب هو علة كل الانحرافات داخل النمط لأن النمط يتشوه ويخلي نفسه من مضمونه كسبا للقبول الاجتماعي.

لكن ليس كل من النمطين سواء بالنسبة لأزمة الاغتراب عن الواقع، فصدمة «الاغتراب عن المجتمع» لدى التيار الإسلامي، أو تحديدا لدى «نمط المواجهة » هي أضعاف نظيرتها الواقعة على نمط الهروب، وذلك لسببين ، أحدهما متعلق بطبيعة المجتمع، والآخر متعلق بطبيعة التراث الإسلامي.

السبب الأول: وهو المتعلق بطبيعة المجتمع، أن نزعتي الهروب والمواجهة ليستا متماثلتين كميا في المجتمع، فالمجتمعات هي أكثر نزوعا إلى الهروب. وابن خلدون عندما كان يتحدث عن ظاهرة «الاقتداء بالمتغلب» لم يكن يتحدث عن فصيل منزوي في المجتمع يمارس التوحد بالمعتدي في هدوء، بل كان في الحقيقة يتحدث عن "المجتمع المغلوب"، أي كان يعني أن تلك النزعة تستغرق كافة أفراده تقريبا. ولذلك يجدر بنا إذا كنا بصدد المقارنة بين قابلية المجتمع لكل من نمطي الهروب والمواجهة، ألا ننخدع بتلك العزلة الشعبية التي يعانيها التيار العلماني، لأن النمط نفسه أوسع انتشارا من غطاؤه الفكري المتمثل في فئة العلمانيين والتي لا تمثل مظهره الوحيد بأي حال من الأحوال، بل تمثل في نزعة الإعجاب بالغرب فقط ذلك الجزء المتحور إلى أفكار.

أي مظهر من مظاهر الإعجاب بالغرب يشير إلى توفر مساحة لنمط الهروب أمام الغرب، وبالتالي يشير إلى أن هذه المساحة مملوءة نفورا من نمط المواجهة معه، الشعور بالكراهية لا يتواجد أبدا مع الشعور بالإعجاب (حتى لو توفرت أسباب طبيعية للإعجاب). ويمكن من خلال مظاهر الإعجاب بالغرب أن نستدل على مدى سيطرة نمط الهروب على المجتمع وتوغله في عقله الجمعي. ويمكن إدراك مدى كارثية الوضع برصد سلوكيات بعينها تبدأ بالاستعراض بالمفردات الأجنبية أثناء الكلام وتنتهي بتأييد المواقف السياسية للغرب ولو كانت مواقف موجهة ضد الأمة.

هذا الإعجاب بالغرب قد يتوارى لحظيا خلف مشاعر سخط قد تنتاب عموم الناس من تصرف عدائي غربي سافر، لكن مشاعر السخط هذه لن تتجاوز كونها (حالا) وليست (مقاما) بالتعبير الصوفي، أي تبقى طارئة سطحية غير متأصلة في البناء النفسي للإنسان المعجب بالغرب. وغالبا ما تجد هذه المشاعر الساخطة تتحول من الغرب إلى الأسباب الداخلية للهزيمة، (التشتت العربي.. صدام حسين.. الحكام العملاء.. إلخ )، «نقد الذات» عادة ما يستخدم لا في «تقويم الذات» بل في «صرف الانتباه عن الآخر»، أما عند الاضطرار إلى الحديث عن العدوان الغربي فستجد ميلا غريبا إلى حصر ذلك العدوان في (دولة معينة) أو (إدارة معينة) في تلك الدولة، أو (إسم معين) في تلك الإدارة، لكنك لن تجد نفورا واضحا من (الحضارة الغربية) بشكل عام، أما لو فرض الحديث عن الميول الاستعمارية للغرب فستجد ما يشبه التبرير لتلك الميول (هذه طبيعة السياسية)، وستجد تلك العقليات ترتاح سريعا لأي اعتذار غربي، وتتمسك سريعا بأي بادرة أمل في تغيير إرادته العداونية (حسين أوباما سيحل الأزمة)، المهم أن مشاعر السخط هذه لن تتحول إلى نمط مستقر يعمل على تطوير نفسه في اتجاه المواجهة.

وما يهمنا هنا من هذا الوضع الذي يبدو فيه نمط الهروب الحضاري مهيمنا على مجتمعاتنا بشكل عام هو وضع تلك الهيمنة على نمط المواجهة كأزمة نفسية هي اغتراب ذلك النمط عن المجتمع وظهوره كنغمة نشاز فيه. ويجب التذكير هنا أن هذا الاغتراب وبين نمط المواجهة وبين المجتمع هو أكبر مما قد نرصده داخل إطار الإدراك الواعي،

السبب الثاني: وهو المتعلق بطبيعة التراث الإسلامي، لقد ذكرنا أن نمط المواجهة في أي مجتمع يتضمن حركة نحو تراث ذلك المجتمع، وحركة إحياء التراث تعني في سياقها الحضاري عملا من أعمال الحرب، وأن الإنسانية شهدت ذلك البعد الصراعي للتراث بوضوح من خلال النازية والفاشية والصهيونية وما صاحبهم من إحياء للتراث التيوتوني والروماني واليهودي.

وهذا ما فعله مجتمعنا بعد تعرضه لأزمة الهيمنة الغربية، غير أن مجتمعنا قد فوجئ باختلاف جوهري وعميق يميز  التراث الإسلامي عن أي تراث إنساني آخر، فبعد أن هرع المجتمع إلى التراث بقصد الحفاظ على وجوده أمام الهجمة الغربية، إذا بهذا التراث هو نفسه مصدر تهديد للمجتمع.

كل تراث إنساني يهدف إلى تمجيد الإنسان من حيثية معينة، إلا التراث الإسلامي الذي يؤكد على تمجيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك ففي الوقت الذي لم يجد فيه أي مجتمع أي مشكلة في استدعاء تراثه، وجد مجتمعنا في التراث الإسلامي تكاليف هي أكثر وطأة عليه من وطأة الهزيمة أمام الغرب.

فمجتمعنا يمجد ذاته، ومظهر تمجيده لذاته هو تشبعه بنمط «عبادة الحاكم» أو «النموذج الفرعوني»، وهو نمط متوغل داخل مجتمعنا منذ آلاف السنين، ومستقل في وجوده تماما عن أزمة الهيمنة الغربية، ومعاد تماما للتيار الإسلامي  ليس من حيث هو نمط مواجهة مع الغرب، لكن من حيث هو نمط معاد  للنموذج الفرعوني في الحكم.

وتتبع أنت بنفسك هؤلاء الأفراد المتشبعين بالنموذج الفرعوني في السلطة، ومن العلامات التي تساعدك على العثور عليهم هو أن أفرادهم عادة ما يعشقون شخص عبد الناصر، تتبعهم وستجد ارتباطا دالا بين هذا النمط النفسي وبين معاداة كل ما هو إسلامي.

وهذا النمط، أي نمط «عبادة الحاكم» شأنه شأن نمط التوحد بالغرب، غير محصور في فئة ظاهرة معروفة، لكنه منتشر في المجتمع كله انتشارا متفاوتا وضمنيا وغير واضح المعالم.

وهكذا فوجئ التيار الإسلامي بأنهم في مجتمع ينفر منهم مرتين، مرة حين ينظر إليهم بعين الغرب فيشعرون تجاههم بأنهم مصدر التخلف، وتارة ينظر إليهم بعين الحاكم الإله فيرونهم كمتطاولين على أسيادهم ويستحقون منهم كل مكروه.

رغم أن المجتمع نفسه كان يحتاج إليه في أزمته الأولى، لكن يبدو أن معاناته من الغرب هي أيسر عنده من إنكاره لذاته وتمجيده لله.

الخلاصة

أن التيار الإسلامي يعاني منذ نشأته من شعور جارف بالاغتراب عن المجتمع، شعورا يصل إلى درجة «الصدمة»، من حيث هو نمط مواجهة مع الغرب، ومن حيث هو نمط توحيدي قائم على إفراد الله تعالى بالعبودية، وأنه وجد في مجتمع يرفضه تماما.

وأن «صدمة الاغتراب» هذه هي أكثر وقعا على «الأنا الإسلامية» من وقع «صدمة الهيمنة الغربية» على المجتمع، وأنه مثلما تكيف المجتمع مع صدمة الغرب بخلق نمطي الهروب والمواجهة، فإن نمط المواجهة نفسه قد تكيف مع أزمة الاغتراب عن الواقع بأنماط داخلية عرفت باسم «التيارات الإسلامية» والتي تحمل كل منها شكلا من أشكال التكيف.

إننا نستطيع، بناء على ذلك، أن نصل إلى المستوى الأعمق في فهم الحركة الإسلامية، فقط علينا أن نرد كافة الأنماط الداخلية تلك إلى معنى التكيف مع صدمة الاغتراب.

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نقد الحركة الإسلامية (5)

محمد - ارض الله الأحد 23 سبتمبر 2012 8:8:1 بتوقيت مكة
   كلام نادر
بارك الله فيك وجزاكم الله خير، لا اعتقد احد تطرق لهذا الموضوع بهذه الطريقة والتفاصيل
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7