الأربعاء 3 مارس 2010

كانت طائفة اليهود المتنصرين  Jewish Christians  تتألف ممن آمن بالمسيح  من اليهود فى فلسطين قبل وبعد رفعه  وأحيانا يشار إليهم بالتسمية " إبيونيين " Ebionites وهى مشتقة من كلمة عبرانية  Evyonim وتعنى الفقراء ، وألتفت هذه الفرقة من بعد المسيح حول أحد أقرباء المسيح ، وقيل أخوه  ،  وكان يسمى يعقوب وكانوا يعدونه لسان حالهم والمتحدث عنهم (1) Spokesman و إليه تُنسب أحد رسائل العهد الجديد  وهى رسالة يعقوب إلا أنه بحسب دائرة المعارف البريطانية فإن  هذه النسبة لاتؤيدها الدراسات العلمية الحديثة (2)

وكانوا لا يقولون  بألوهية المسيح ولا  بأزليته و لا وجوده السابق على ميلاده من مريم عليها السلام ثم انهم حفظوا السبت والشريعة وتمسكوا بكافة الفرائض كما أنهم قاوموا تعاليم بولس ولم يعتبروه رسولا ورفضوا رسائله واعتبروه مبتدعا ومرتدا عن الشريعة الموسوية وجاء أقدم ذكر لهم خارج العهد الجديد فى كتابات يوستينيوس ( حوالى 140 م ) تحديدا فى تلك المسماة حوار مع تريفو اليهودى وفيه أن ثمة طوائف من اليهود المتنصرين الذى يتمسكون بالشريعة ويلزمون بها أنفسهم دون غيرهم وآخرون يلزمون بها سائر المتنصرين (9). غير أن ما ينسب  إليهم من قبل خصومهم من آباء الكنيسة الأولين يجب ألا يُعول عليه كثيرا  إذ أن هذا الذى ينقل فيه مظنة التشهير و التشويه والتقول .

وطبقا لما يرجحه بعض العلماء فإن هذه الطائفة عاشت متميزة عن بقية الطوائف النصرانية قبل وبعد خراب أورشاليم ( حوالى 70 م ) غير أنه تم اقصاء هذه الفرقة وتهميشها من قبل المتنصرين من غير اليهود بالرغم من أنها كانت أكثر ولاءاً للتعاليم الصحيحة ليسوع أو عيسى التاريخى  ومن هؤلاء جيمز تابور James D. Tabor فى كتابه The Jesus Dynasty ، وروبرت أيزنمان Robert Eisenman  فى كتابه James The Brother of Jesus  وهانز-جواكيم سكويبس Hans-Joachim Schoeps  فى كتابه  Jewish Christianity : Factional Disputes in the Early Church  ، وهيام ماكوبى Hyam Maccoby فى كتابه   Mythmaker: Paul and the Invention of Christianity  ، وبارى ويلسون Barrie Wilson  فى كتابه How Jesus Became Christian  ** . وقد ساعد على ذلك  أن كثيرا منهم قتل واسترق وانفرط عقدهم  نتيجة خراب أورشاليم ، وكانت معقلهم ، على يد الرومان .فضلا عن نتائج فشل التمرد الذى قام به باركوخبا Bar kochba   ما بين عامى 132 ـ 135  م والتى كانت كارثية للشعب اليهودى  وفى غمارهم اليهود المتنصرون  حيث لم يترك يهودى  فى أورشاليم إلا وقتل أو استرق أو طرد نهائيا من أورشاليم .

ومما يدل على أن عقيدة القديس يعقوب هى عقيدة اليهود المتنصرين و كذا لم تكن تختلف كثيرا عن اليهود التقليديين ، خلا إيمانه برسالة عيسى عليه السلام ،  أنه لما قامت السلطات الكهنوتية باعدامه  فإن هذا أثار سخط اليهود فى أورشاليم إذ أنه كان يتمتع فى وسطهم بسمعة طيبة لأجل تقواه وزهده  وتمسكه بالشريعة  (2)  حيث يذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس فى كتابه ( XX : 9 (   Antiquities of the Jews  أن رئيس الكهنة  استغل فرصة خلو منصب الحاكم الرومانى Procurator  بعد وفاة فيستوس Festus وقبل أن يتولى ألبينوس مهام منصبه فجمع " السنهدريم " وحكم على يعقوب بالرجم حتى الموت بتهمة  خرق الناموس وأن صنيع رئيس الكهنة هذا اعتبر من قبل  شريحة واسعة على أنه جريمة قتل وأزعج العقلاء والمنصفون فى المدينة المعروف عنهم الالتزام الصارم بالناموس ( الشريعة ) .  فكيف يعقل لو أنه كان يقول بمعتقدات يوصِّـفها اليهود التقليديون على أنها غير مستقيمة أن يغضب لأجله اليهود ؟!

 

كما يجب التنبيه أن القديس بولس لا يوجد ما يؤكد أنه كان يقول بألوهية المسيح  بل اعتقاده فيه فيما يبدو ، وهو ما يستنبط من الرسائل المنسوبة إليه ، أنه أشبه بما يعرف فى الفلسفة اليونانية بالديميورج Demiurge  أو Creative Principle وهذا يُوصف بانه  Subordinate god   أو إله من الدرجة الثانية (3) ، وهو الواسطة بين الله والعالم أو المادة والتى خُلق العالم من خلالها ، وكذا رؤية الفيلسوف " فيلو " السكندرى ( 15 ق م ـ 45 م )  لما يعرف بـ " اللوغوس "  وقد سوّى الفيلسوف اليهودى الهيلينستى * " فيلو"  بين " اللوغوس " Logos  وهذا " الديميورج " فيرى أن اللوغوس هو الواسطة التى خلق الله بها العالم  والوسيلة التى من خلالها يمكن للعقل البشرى أن يدرك الله ، وكان يصف اللوغوس بأنه  " الابن البكر لله " و رجل الله و " صورة الله " و " آدم السماوى " ، باعتبار أن الله ( كما فى التكوين 1 : 26 )  خلق آدم على صورته ،  وأنه فى المرتبة الثانية بعد الله (5) Second to God    وهذا شبيه بما قاله بولس  ، وفق الرسائل المنسوبة إليه ، فى شأن المسيح  كقوله وفق الترجمة الكاثوليكية : هو صورة الله الذي لا يُرى و بكر كل خليقة ، ففيه خلق كل شيء مما في السموات ومما في الأرض ما يرى وما لا يرى أأصحاب عرش كانوا أم سيادة أم رئاسة أم سلطان كل شيء خلق به وله ( كولوسى : 1 ـــ 15 ، 16) ، و قد يكون في السماء أو في الأرض ما يزعم أنه آلهة، بل هناك كثير من الآلهة و كثير من الأرباب، و أما عندنا نحن فـليس إلا إلـه واحد و هو الآب، منه كل شيء و إليه نحن أيضا نصير. و رب واحد و هو يسوع، به كل شيء و به نحن أيضا  ( كورنثوس الأولى : 8 ـ 5 ، 6 ) ، ولكني أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح ورأس المرأة هو الرجل ورأس المسيح هو الله. ( كورنثوس الأولى : 11 ـ 3 ) وهذا ما تعبر عنه الموسوعة البريطانية بقولها : يبرز " بولس " بشكل أوضح  كيهودى مسيحى والذى أقنعته تجربة التحول أن المسيح كان سيدا كونيا خاضعا لله و وكيلا  وقائدا  لمملكة الله .

Paul stands out more clearly as a Christian Jew, whose conversion experience convinced him that Christ was the universal Lord under God, the agent and leader of God's kingdom.

(7)

إلا أن كون المسيح كان له وجود سابق على ميلاده من العذراء  أو ما يعرف

 بسبق الوجود Pre-existence وبالتالى كونه هو اللوغوس أو الواسطة آنف الذكر فإن هناك من العلماء من ينازع فى أن هذا هو تصور بولس للمسيح وأن الشواهد التى تساق للدلالة على هذا  مجازية أو إشارات بلاغية لميلاد المسيح من العذراء ومن ثم خضوعه ، الذى يتخذ كمثال يُحتذى ، لإرادة لله  ، وأنه ثمَّ دليل فى التقاليد اليهودية فى ذلك الوقت أن سبق الوجود Pre-existence كان ينسب لبعض الأشخاص ويراد به مركزية دور هؤلاء الاشخاص فى بعض مقاصد الله  God's purposes . (8)

وقد يعزى هذا الانحراف الخطير ، بتقدير ثبوته ، فى تصور بولس ذو الخلفية الهيلينستية أنه أراد أن يروج  لصورة مقبولة ومستساغة لرسالة المسيح  فى أوساط الهيلينيين الذين بشر بينهم وأن يوفق بين دين المسيح وتصورات هؤلاء فما كان منه إلا أن قدم تصورا شائها للمسيح وديانته .

والجدير بالذكر هاهنا أن الذى استقر عليه البحث الأكاديمى ، وفق ما ذكرته " دائرة المعارف البريطانية " ،  فى شأن الرسائل المنسوبة للقديس بولس  أن من جملة 13 رسالة منسوبه إليه فإن ما يعرف بالرسائل الرعوية Pastoral letters ، وهى تيموثاوس الأولى والثانية  و " تيطس " ، هى رسائل ملفقة  وكذا الرسالة إلى أهل كولوسى  والرسالة إلى أفسس هى بيد أحد أتباع بولس اللاحقين  وكذا الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكى مشكوك فى صحتها ،  فضلا عن الرسالة إلى العبرانيين والتى من المتفق عليه على الأقل فى الغرب أن من كتبها ليس هو بولس (10) .

-----------------------   

(1)The Church in Ancient Society , Henry Chadwick , p. 38   

(2) "James, Saint." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).

The Chruch in Ancient Society , p. 45  

(3) "Demiurge." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).

(4) الموسوعة الحرة  مقال بعنوان الإبيونيين Ebionites . **

(5) "Philo Judaeus." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).

(6) "logos.." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).

(7) "Paul, the Apostle, Saint ." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).  

(8) Cambridge Companion to Saint Paul , Cambridge Companions Online , p. 197 .

(9) الأب متى المسكين ، التقليد وأهميته ، ص 106 ، 107 .

A.F.J. Klijn & G.J. Reinink (1973). Patristic Evidence for Jewish-Christian Sects

(10) "biblical literature." Encyclop?dia Britannica from Encyclop?dia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. (2009).

من الأدلة التقليدية التى تقدم فى سياق الدلالة على أن بولس كان يقول بألوهية المسيح ما ورد فى رسالة تيموثاوس 1 ( 3 ـ 16 ) : وَبِاعْتِرَافِ الْجَمِيعِ، أَنَّ سِرَّ التَّقْوَى عَظِيمٌ: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ ..

والصواب  : هو ( أى المسيح  ) ظهر فى الجسد .  راجع ذلك فى النسخة المعروفة بـ Contemporary English Version  :

Here is the great mystery of our religion

   Christ [g] came as a human.

حيث ورد فى حاشية الإصحاح :

1 Timothy 3:16 Christ: The Greek text has "he," probably meaning "Christ." Some manuscripts have "God."

هذا فضلا عن كون الرسالة ملفقة كما تقدم .

 

*هيلينى تعنى يونانى والهيلينستى Hellenistic نسبة للثقافة اليونانية التى كانت منتشرة فى حوض المتوسط والشرق الأدنى القديم ومنذ وفاة الإسكندر الأكبر .

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المسيحية المبكرة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7