الرئيسة قراءة في كتاببناء المفاهيم ..دراسة معرفية ونماذج تطبيقية
 
السبت 21 يوليو 2012

الطبعة الأولى لدار السلام 2008م

يمثل هذا الكتاب الصادر في جزئين ثمرة يانعة لمشروع علمي حضاري تأسيسي يسعى لبناء وصياغة المفاهيم الإسلامية الأساسية، وهي المفاهيم التي تعاني من محاولات دائبة للطمس والتشويه، وتفريغها من معانيها الأصلية وملئها بمعاني ومضامين غربية، ومحاولات الإقصاء والإنكار، أو الإدعاء بأنها مثالية لا تصلح للاستخدام الواقعي. وهذه الحرب المفاهيمية ضد المفاهيم الإسلامية الأساسية تعد ساحة كبرى من ساحات الصراع بين الإسلام الحضاري والغرب العنصري المادي. والمشروع قام بإنجازه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقام به نخبة بحثية مميزة أغلبهم من أساتذة العلوم السياسية ذوي المرجعية الإسلامية. والكتاب غاية في الأهمية للباحثين الإسلاميين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والشرعية، بل لا نغالي إذا قلنا أن تمثل هذا الكتاب بخاصة والاهتمام عامة بقضية المفاهيم وقضية الصراع المفاهيمي يجب أن تصير أحد الأساسيات التكوينية للباحث العلمي المسلم. ولأن الكتاب أكاديمي ومتخصص ويتجاوز 700 صفحة فسنكتفي هنا بعرض لأحد فصوله عن مفهوم إسلامي هو مفهوم الشرعية، والاختيار هنا ملائم للجدال السياسي المتأجج منذ اندلاع ثورة 25 يناير، ففي هذا الجزء يؤسس د. سيف الدين عبدالفتاح لمفهوم الشرعية السياسية كأحد تطبيقات الشرعية الدينية الإسلامية، ويبرز بكل وضوح وقوة وجلاء جوهر الدين الإسلامي من حيث أنه دين يهدف إلى " سياسة" الدنيا وتحقيق مصالح العباد في الدارين الدنيا والآخرة، وكلمة دين نفسها تتضمن مفهوم الدولة ومعانيه. وبعد قراءة هذا العرض سيرى أغلب القراء إن لم يكن كلهم أن مصطلح الشرعية هو المصطلح الإسلامي الدقيق في مجال السياسة، وعليه فان كلمة الإسلاميين في السياسة هي إقامة الدولة الشرعية، وعليهم أن يحذروا من مصطلح الدولة الدينية لأنه مصطلح غربي الدلالة ومضامينه سيئة وناشئة عن الخبرة الأوربية التاريخية في صراعها الدموي مع الكنيسة، وبعض المتحمسين الإسلاميين ينزلقون إلى منزلق استعمال هذا المصطلح بدون وعي وبدون الانتباه إلى أن خصومهم يجرونهم إلى استعماله بما له من دلالات ومعان ومضامين بغيضة.

مفهوم الشرعية

أ.د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل

الشرعية مفهوم جوهري في منظومة المفاهيم الإسلامية، وقد واجه مثل المفاهيم الأخرى الكثير من عناصر التلبيس بالتضييق منه أو تهميشه أو باحتلال مضمونه كلية وغض النظر عن مصادره الأساسية ومرجعيته الإسلامية.

أولا مفهوم الشرعية: معانيه الغربية:

أ- مفهوم الشرعية في الرؤى الغربية:

يعرف قاموس العلوم الاجتماعية مفهوم الشرعية بأنه " حالة الصلاحية الإيجابية والقبول التي يتمتع بها الحكام والمؤسسات السياسية والحركات السياسية بسبب توافق هؤلاء الحكام والمؤسسات السياسية والحركات السياسية مع القوانين والمبادئ التي تحدد طبيعة السلطة وممارستها" وتعرفه الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية بأنه " الأسس التي تعتمد عليها الهيئة الحاكمة في ممارستها للسلطة وتقوم على حق الحكومة في ممارسة السلطة وتقبل المحكومين لهذا الحق. ومفهوم اغتصاب السلطة يعني عدم الشرعية، والثورات ليست بالضرورة غير شرعية طالما نجح القائمون في إيجاد مبادئ جديدة للشرعية تحل محل شرعية النظام القديم، والحكومات التي تعتمد على مبادئ تقليدية أو ثورية في شرعيتها تفقد شرعيتها عندما تنتهك هذه المبادئ ".

و يختلف مفهوم الشرعية الذي يدور حول فكرة الطاعة السياسية عن مفهوم المشروعية بمعنى خضوع نشاط السلطات الإدارية ونشاط المواطنين للقانون الوضعي.

ب- نشأة وتطور المفهوم:

الأصل اللاتيني للكلمة هو  Legitimus  وظل  معناه مرتبطا بالتطابق مع القانون حتى القرن السادس عشر، وفي القرن السابع عشر كان الفيلسوف جون لوك أول من استخدمه سياسيا في تحليل ظاهرة السلطة.

ج-إتجاهات التعريف بالمفهوم:

الإتجاه الأول: الشرعية هي سيادة القانون: السلطات العامة تخضع للقانون وتلتزم حدوده. وسيادة مبدأ الشرعية بالمعنى القانوني يستلزم مبدأ فصل السلطات، لكن هذه السيادة ليست مطلقة فهي مقيدة بأعمال السيادة والحظر التشريعي والظروف الاستثنائية. ومن حيث المضمون فإن أبرز نقد لهذا الاتجاه هو طرح أهم سؤال: من الذي يصنع القانون؟ فحسب خبرة البلاد المتخلفة فإن صياغة القوانين يتم من أعلى، من الهيئات الحاكمة وليس من الإرادة الجماعية للشعب.

الإتجاه الثاني: الشرعية هي تنفيذ أحكام الدين. والدولة الدينية هي تلك الدولة التي يكون فيها الدين أساس التشريعات الداخلية والخارجية. وبدايات هذا الاتجاه ظهرت مع الرواقيين الذين قالوا بوجود قانون طبيعي يتساوي في ظله جميع الناس في العالم، وأخذ الرومان هذه الفكرة وقالوا إن الإله هو خالق هذا القانون الأبدي والذي يجب أن يكون دستور العالم أجمع، واستخدم الفكر الكنسي مفاهيم القانون الإلهي والقانون المقدس، وكان الحاكم يستمد شرعيته من هذه التصورات فهو نائب عن الإله لتنفيذ القانون الإلهي. ومع عصر النهضة وسيادة العلمانية أصبح اختيار المحكومين للحكام هو أساس الشرعية.

الإتجاه الثالث: الشرعية هي الطاعة السياسية وتعني " تقبل غالبية أفراد المجتمع للنظام السياسي وخضوعهم له طواعية لاعتقادهم بأنه يسعى لتحقيق أهداف الجماعة ويعبر عن توقعاتها وقيمها ويتفق مع تصورها عن السلطة وممارستها". ويعتبر هو الاتجاه السائد في علوم الاجتماع والسياسة، وتتبنى هذه الدراسة هذا التعريف، والذي يتصف بعدة سمات، منها  أنه مفهوم نسبي، وأنه حركي، وأنه يتضمن عنصري الرضا والطاعة.

ثانيا: مفهوم الشرعية في اللغة العربية:

الشرع والشريعة والشرعية والتشريع والمشروع والشرعة كلها من جذر لغوي واحد " شرع" ويعني جعله طريقا ومذهبا، والشريعة هي الطريق في الدين. والمعاني العربية حاسمة بشأن مفهوم الشرع والشرعية، فالشرع نهج الطريق الواضح، والشريعة ما شرع الله تعالى لعباده، والمشروع ما سوغه الشرع..وفي المعاجم الحديثة نجد استخدامات حديثة مثل إدارة الفتوى والتشريع، وزواج شرعي وطبيب شرعي.. وتم تدنيس هذا المفهوم بإعطائه دلالات وضعية فالشرعي هو المتوافق مع القانون الوضعي. وقد تناولت موسوعتان حديثتان هذا المفهوم باللبس والإخفاء والتشويه، فموسوعة معن زيادة زعمت أن مفهوم الشريعة قد تطور فهو مفهوم غير ثابت وربطه المؤلف بكتابات علم الاجتماع وعلم القانون الوضعي، أما الموسوعة السياسية فقد أصلت مباشرة للمفهوم في المصادر الغربية بدون التطرق إطلاقا للمعاني اللغوية العربية والاستعمالات القرآنية لهذا المفهوم.

ثالثا: مفهوم الشرعية في الرؤية الإسلامية ( النسق القياسي للشرعية):

* مفهوم الشرعية مفهوم متكامل الجوانب: الشرعية في الرؤية الإسلامية شرعية دينية، وتتضمن الشرعية القانونية والشرعية السياسية بداخلها، فهي شرعية شاملة وعامة، وتتبدى في تطبيقات أخلاقية واجتماعية وقانونية وسياسية. وبناء النسق القياسي للشرعية يؤثر على تأسيس الأمة وتنصيب السلطة وحركة الأمة وتوجهاتها، ويرتبط مفهوم الشرعية في الإسلام بنسق المفاهيم الإسلامية الأخرى كالطاعة والحاكمية والرضا والولاء والمصلحة الشرعية.

* السياسة الشرعية والسياسة العادلة: مفهوم الشرعية السياسية يجمع بين مفهومي الشرعية الإسلامية ومفهوم السياسة، والسياسة الشرعية تعني ممارسة السياسة وفقا للرؤية الإسلامية، وهي الرؤية التي تتجلى في القرآن والسنة، وأيضا في التراث الفقهي السياسي. ووصف السياسة الإسلامية بالشرعية هو تأكيد للجانب القيمي فيها، فالسياسة الإسلامية هي تدبير مصالح المجتمع بما يتفق مع العدل والقيم الإسلامية.

*  الشرعية بين الحاكمية والعلمانية: تبدو هذه الفكرة أساسية في تحليل الواقع العربي المعاصر في الحقبة العلمانية وتحليل قضية العلاقة بين الدين والسياسة منذ أن فجرها الشيخ علي عبد الرازق  في كتابه الإسلام وأصول الحكم في عام 1925، وعلى الرغم من امتداد المساحة الزمنية والتي شهدت الرد على أفكار الكتاب إلا أن مجمل الردود وقعت في خطأ جوهري حيث تحدثوا عن أن الإسلام دينا وسياسة أو دينا ودولة، مقرين بذلك الفصل- بدون وعي- بين الدولة والسياسة من جهة والدين من جهة أخرى في الإسلام، والسؤال نفسه حول ما إذا كان الإسلام دينا ودولة أم دينا فقط هو سؤال غريب ومستورد، بينما الفهم الحقيقي للإسلام يؤكد دينية السياسة وسياسة الدين، وهو ما تسنده المعاني اللغوية لكلمة الدين، والخليفة أو الإمام هو نائب عن الرسول في الدفاع عن الإيمان وهو مسؤول بمقتضى الشرع عن تحقيق الحياة الطيبة لمجموع المؤمنين في العالم. هذا الفهم المتميز للدين الشامل لسياسة الدنيا يشكل مفهوم الحاكمية وهو مفهوم مناقض للعلمانية أو الدنيوية المناهضة للدين.

* الشرعية: الطاعة والرضا والولاء والتغلب والخروج: يجب فهم مفهوم الطاعة في إطار الفهم الكلي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندئذ سندرك تميز هذا المفهم وحدوده، فالطاعة لا تعني حركة سلبية بل هي حركة إيجابية لا تتنافى مع الاختيار وحرية الحركة في الحكم والتقويم، ولا طاعة فيما هو مخالف لأسس الشرع والشريعة، وتقويم المنكر أمر قطعي حسب حديث الرسول وعليه فان تقويم المنكر الذي يأتي به الحاكم أمر لا يتعارض مع مبدأ الطاعة. وإذا كانت الآية تقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [ النساء: 59]

فإنها ترتب مراتب الطاعة فلا يصح طاعة الحاكم إذا كانت في طاعته مخالفة لأوامر الله ورسوله. هذا الفهم الصحيح للطاعة يستدعي أيضا مراجعة مفهوم إمامة المتغلب والذي قبل في الخبرة التاريخية الإسلامية تحت مبدأ سد الذرائع ومنع الفتنة، والذي حدث هو العكس حيث أدى إلى الوقوع في الفتنة من أوسع أبوابها. ويلحق به مفهوم الخروج والذي فشل الجميع في مناقشته من خلال منظومته الكلية، وهي منظومة فقه الخروج وهو فقه قائم على المصلحة الشرعية والضرورة الشرعية وعلى فهم بين لترتيب المصالح والمفاسد، وعلى هذا فان استبعاد الخروج على الحاكم باسم الطاعة لا يجد سندا فقهيا شرعيا إذا ما فهمت الأدلة بصورة كلية.

* الدولة الشرعية في الرؤية الإسلامية: هي دولة ركيزتها الشرعية المنبثقة عن عقيدة التوحيد، وتمثل العقيدة المستوى التأسيسي الذي يحدد مفهوم السلطة باعتباره قيمة، كذلك فان قواعد ممارسة هذه السلطة تخضع لقواعد الشريعة.

عقد الخلافة وإسناد الشرعية: عقد البيعة بين الرعية وصاحب الولاية هو توكيل له للقيام بمهمته الأساسية في حراسة الشريعة، والعقد يقوم على موافقة ورضا الرعية وهذا يفترض بالتالي قيام المحكومين بدور رقابي على السلطة الحاكمة. وتتكون الدولة الشرعية من أركان أساسية هي: السلطة الممثلة في الخلافة أو الإمامة، والأمة الممثلة للجماعة الإسلامية، والقيادة المكونة من الأمراء والعلماء وهم أهل الحل والعقد. ومناط الشرعية في هذه الدولة يكمن في تحقيقها جوهر الاستخلاف من الجهة السياسية، والذي يتمثل في الجمع بين الحق والقوة، فحينما تمارس السلطة أسباب القوة والجبر من أجل إحقاق الحق وإعمال العدل وإبطال الباطل فإنها تجعل من التلازم بين القوة والشرعية عنصري تكوين السلطة، وهذا التحديد لاستخدام القوة لا نجد له نظيرا في الفكر الغربي. والدولة الشرعية في الإسلام نموذج يجب أن يتحقق دائما لما له من خلود وثبات يتسق مع ثبات الإسلام نفسه، لكن هذا لا يعني الاكتفاء بإحياء النموذج التاريخي الذي تحقق فعليا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، بل يجب أيضا الرجوع إلى الأصول الأساسية لمفهوم السلطة في القرآن والسنة مع فهم وتمثل الواقع الحضاري المعاصر بكل متغيراته، وهكذا تتفاعل منهاجية الاجتهاد مع منهاجية التغيير في إيجاد أنماط  شرعية تنظيمية جديدة.

* الدولة الشرعية: رؤية مقارنة:

الدولة الشرعية والدولة الدينية: ارتكاز كلا الدولتين على الدين لا ينفي الفروق العديدة بينهما فالدولة الدينية كما عرفتها العصور الوسطى الأوربية اتسمت بالجمود القائم على ارتباطها بمؤسسة الكنيسة، وهي المؤسسة التي شكلت مصدر صياغة القواعد للدولة، وكانت هذه القواعد تعمل لصالح الكنيسة والتي تحولت إلى طبقة ذات مصالح اقتصادية واجتماعية مميزة وانفصلت عن مصالح الرعية. أما الدولة الشرعية فتؤسس لها عقيدة منزلة تضع المبادئ والأسس العامة وتترك التفاصيل لظروف المجتمع الزمانية والمكانية، كما أن حق استخراج أحكام جديدة من الأصول الثابتة ليس حكرا على أحد بل هو متروك لكل من يتحقق فيه شروط الاجتهاد والتفسير، كذلك فان الحاكم ليس معصوما كما تحيط به قاعدة شورية تعينه على الحكم.

الدولة الشرعية ودولة القانون: تتأسس دولة القانون على المصدر البشري الوضعي للقانون مما يجعلها تتسم بالجمود لأن هذا المصدر قاصر محدود الرؤية بطبيعته، ويتطلب التغيير المتجدد في القواعد القانونية، وهنا تلعب القوى المؤثرة في المجتمع دورها النافذ في عملة التغيير القانوني لتحقيق مصالحها الجزئية. أما الدولة الشرعية فان الأصل الإلهي للقواعد والمبادئ ينفي صفة الجمود، كما أن تفسير هذه القواعد المتجدد يناط فيه بالمجتهدين والذين يجب أن يكونوا على علم بفقه الواقع المعاصر.

الدولة الشرعية والدولة المدنية: الدولة المدنية هي النموذج الغربي الجديد الذي قام على أنقاض الدولة الدينية، وتفترض هذه الدولة الحرية والتعدد في بنية المجتمع بما يؤدي إلى تضارب المصالح، والمصلحة العامة في الدولة المدنية الليبرالية هي نتاج لتوازن القوى، وحيث لا توجد معايير ضابطة للمصلحة العامة فان هذه تكون عرضة لتدخل القوى المؤثرة وخاصة القوى الاقتصادية في تحديدها، فالقرار النهائي في هذه الدولة يكون للأقوى؛ بينما المصالح في الدولة الشرعية مصالح شرعية منضبطة بحدود وشروط الشرع، وليس لطبقة أو فئة معينة أن تفرض ما تراه بحجة أنه يمثل المصلحة العامة.

الدولة الشرعية والدولة الأيديولوجية: تفترض الدولة الأيديولوجية الصراع في المجتمع وتتدخل لحسمه لصالح الطبقة العاملة. وتعتبر هذه الدولة امتدادا للدولة الدينية في العصور الوسطي على الرغم من التناقض الظاهر بينهما، فالحزب الحاكم يقوم بنفس وظيفة الكنيسة، وبينما تهدف الدولة الدينية إلى الخلاص في الآخرة فان الأيديولوجية تهدف إلى خلاص الطبقة الكادحة في الدنيا، والانتماء إلى الحزب يمثل ما كانت تمنحه الكنيسة من صكوك الغفران، ولا يختلف الاثنان في التعامل العقائدي المتعصب مع المخالفين فمعسكرات الاعتقال وعمليات التطهير الأيديولوجي لا تختلف عن محاكم التفتيش. أما الدولة الشرعية فإنها تتأسس على العقيدة- والتي تعد أساسا للعمل- وتقوم على مجموعة متبادلة من الحقوق والواجبات، وتتأسس على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيم الممثلة في العدالة والتكافل السياسي وموازنة الحقوق والالتزام بكل ذلك أمام الله عز وجل.

* الشرعية: كلية الشرعية ومستوياتها: أول سمة في واقعنا المعاصر هي غلبة " العلمانية" في مجتمعاتنا بكافة مستوياتها. ومن ناحية الحكم على هذه المرحلة العلمانية فقد وقع الباحثون في منزلق الحكم السهل بعدم شرعية الأنظمة الحاكمة لعلمانيتها وإقصائها للدين، وهو أمر خطير لأن الشرعية لها تدرجاتها ومستوياتها التي يجب النظر من خلالها لإصدار الأحكام التقويمية.

أولا التمييز بين مستويات الشرعية: فهناك شرعية الابتداء والتأسيس، وشرعية إسناد الولاية والسلطة من حيث تحقق شروطها، وشرعية ممارسات السلطة من حيث مدى توافقها مع عناصرها التأسيسية، و شرعية الخروج على السلطة في حال مخالفة هذه السلطة المستويات السابقة.

ثانيا التمييز بين عناصر الرابطة السياسية الشرعية:  شرعية النظام السياسي، وشرعية العلماء والقيام بوظيفتهم السياسية، وشرعية الرعية والحركة الجماعية.

ثالثا التمييز بين عوامل تؤدي إلى نقصان الشرعية وعوامل أخرى ناقصة تؤدي إلى فقدان الشرعية بالجملة. ويفيد هذا في التمييز بين الحاكم الكافر والحاكم العادل، والفاسق.. إلخ

رابعا يجب التمييز بين التدريج والتجزئ في الشرعية، والشرعية الإسلامية كلية وتفترض التكامل بين الفكر والنظم والحركة، كما تفترض التفاعل فيما بينها. والتدرج يمكن قبوله أما التجزئ بمعنى تبعيض الشريعة فهو أمر مرفوض.

خامسا قبول التمييز بين الفرد والأمة لا ينفي أبدا أن الأمة شخص معنوي، فالأمة هي مقصد الشرعية، وخطاب التكليف القرآني أمرا ونهيا يتوجه إلى الأمة أو الجماعة { يأيها الذين آمنوا}، ويتجه التكليف إلى الفرد عينا وإلى الأمة كفاية.

سادسا يجب التمييز في السلطة السياسية بصدد إضفاء الشرعية على نفسها بين سلطة ترجع إلى الشريعة رجوع استظهار- وهو رجوع يضفي لمسات وقشور خارجية فقط  بغرض الاحتيال على المحكومين- ورجوع افتقار بمعنى أن السلطة السياسية تقوم على الشريعة الإسلامية فعلا محققة مبدأ الحاكمية.

* فقه الإنكار والشرعية: إنكار شرعية السلطة القائمة له شروط ثلاثة: 1- العلم بواقع استبدال السلطة القائمة لحكم الشرع بحكم آخر وضعي 2- عدم التوبة والاستمرار في حكم الاستبدال. 3- الاستمرار في الرجوع إلى الشرع استظهارا وليس حقيقة.

والتحقق من هذه الشروط يحسم مسألة " المرحلة الانتقالية" وهي المرحلة التي تتحجج بها النظم العربية القائمة في مخالفتها للشريعة. وفقه الإنكار أو الخروج يتضمن عدة مستويات اعتقادية وقولية وحركية على مستوى الفرد والجماعة بما يجعل الخروج على الحاكم بالسيف هو المستوى الأخير لهذه المستويات في حال التيقن من الكفر الصريح للحاكم. لكن هناك أيضا خروج في حال المعصية ولكنه يتضمن شروطا أخرى منها: القيام بحق البلاغ ثم حق التذكير ثم حق الإنذار ثم حق النصح والتنبيه ثم التقويم ويقوم به العلماء ثم حق الخلع بمعنى مطالبة الحاكم بخلع نفسه، ثم حق العزل، ثم أخيرا ممارسة حق الخروج إن لم ينفذ العزل.

* مميزات تأسيس الشرعية في ضوء النسق الإسلامي: نقد أساس الشرعية في الفكر الغربي والوضعي:

- مصدر الشرعية وتأسيسها: تأسيس الشرعية السياسية على أساس وضعي يترتب عليه وجود خليط من النظريات والدراسات والتعميمات المتداخلة والمتعارضة أحيانا، كما أن الجمع ما بين ما هو وضعي وما هو ديني في تأسيس الشرعية السياسية لا يعد إطارا منضبطا لأساس شرعية النظم الحاكمة. والرؤية الإسلامية هي الوحيدة  التي بإمكانها تقديم الأساس المنضبط للشرعية السياسية. ويتصف التأسيس الوضعي للشرعية السياسية بعيوب منها: أ- عدم وجود مقياس عام ثابت. ب- وعلى افتراض إمكانية الوصول إلى مقياس عام فإنه ينبني على ظواهر عارضة ومؤشرات متغيرة تعمي الأمور أكثر مما تبرزها. ج- كذلك فان التأسيس الوضعي للشرعية السياسية ينظر للشرعية بطريقة تجزيئية منفصلة، فهو يبحث في الشرعية السياسية بمعزل عن الشرعية القانونية وبمعزل عن الشرعية الدينية، بينما في الرؤية الإسلامية تنضوي الشرعية السياسية والقانونية تحت المظلة الشاملة للشرعية الدينية؛ وهي الشرعية التي تنتظم التنوع والتضاد في المجتمع بما يحوله إلى تكافل ومجتمع إخوة بينما الرؤية الوضعية للشرعية ترسخ من قيام العملية السياسية على الصراع وتنازع المصالح.

- إطار الشرعية ( الرضا- القناعة): يمثل الرضا أساس مشتركا للشرعية السياسية سواء في الرؤية الإسلامية أو الرؤية الوضعية لكن  المعنى يختلف بينهما، فبالمعنى الوضعي فإن الرضا ذو طبيعة نفسية تتجاذبها الأهواء والمصالح الشخصية مما يجعلها متغيرة؛ بينما الرضا في الإطار الإسلامي يقوم على أصول وقواعد ثابتة وواقع ينضبط باعتبار أحكام الله ومراعاة حدوده دونا عن الاعتبارات الشخصية.

رابعا: خاتمة: الشرعية ودلالاتها المعاصرة بين التلبيس والتضييق:

1- أهم مداخل التلبيس في قضية الشرعية حدث بالتدريج كما يلي: أولا تم استعمال الشرعي في مقابل الوضعي، والشرعي هو الديني، ثم بعد وضع القانون استقلالا عن الشريعة تم استرداد أو بالأدق اغتصاب مفهوم الشرعية لاستعماله في المجال القانوني الوضعي.

2- وامتد الاستيلاء على مفهوم الشرعية إلى المستوى الدولي وامتزج بمفهوم القوة، وصار مفهوم الشرعية الدولية انعكاسا لعلاقات القوة داخل المجتمع الدولي.

3- لكن احتكار المفهوم داخليا أخطر من استعماله في السياسة الدولية، حيث يتم فرض الدلالات المستحدثة من صاحب القوة، سواء أكان من القوي الخارجية أو القوي الداخلية التابعة لها.

4- ومن مداخل التلبيس في مفهوم الشرعية أن مجاله أصبح يتعلق بالسياسة والسلطة فقط بينما مفهوم الشرعية في الرؤية الإسلامية مفهوم شامل يتضمن فاعليات الحياة المختلفة.

 

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 بناء المفاهيم ..دراسة معرفية ونماذج تطبيقية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7