الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010مريم العذراء…عروس وأم في سن مبكرة(مترجم)
 
الثلاثاء 6 أبريل 2010

ترجمة / كرم شومان

يجيب هذا المقال على سؤالين اثنين من أكثر الأسئلة شيوعًا ألا وهما

كم كان عمر مريم (أم عيسى) حينما كانت حبلى بوليدها؟ وكم كان عمرها حينما ولدت سيدنا المسيح، عيسى؟

تصور الآلاف من اللوحات والتصاوير الزيتية والتماثيل بل و«المشاهد السينيمائية للمِزْوَدِ» مريم، أم عيسى، في زمن إنجابها لعيسى. مع ذلك، فغالبية هذه التصاوير ترسمها وكأنها امرأة شابة في العشرينات من عمرها. ولا شك أن مريم كانت بالفعل امرأة غير عادية. والسبب في ذلك هو أنها فهمت ما يعنيه أن تضحي من أجل تنفيذ إرادة الله فهما سليما، وهو النموذج الذي كان ابنها عيسى قد لاحظه وسوف يحتذيه فيما بعد. على سبيل المثال، يبدو جليا أنه حتى ذلك الوقت لم يكن أحد، بما في ذلك مريم نفسها، يتوقع أن المسيح سيولد من فتاة عذراء. ولهذا السبب تحديدا سألت مريم جبرائيل كيف ستلد ابنا في حين أنها كانت عذراء لم يمسسها  بشر (لوقا 1 : 34 )، ولهذا قرر يوسف أن يطلقها ولهذا السبب كذلك ما زال القادة الدينيون، ولسنوات بعد ذلك، يتهمون عيسى بأنه ابن زنا وولد من سفاح(يوحنا 8 : 41 ترجمة الملك جيمس). كانت مريم تعلم أن قبولها للحبل بكلمة الله سيتسبب  في حدوث فوضى وآلام لها ولأحبائها، لكنها قبلت خطة الله لحياتها، قائلة: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ»(لوقا 1 : 38 من النسخة الإنجليزية القياسية ).[1]

أحد الأشياء غير الاعتيادية فيما يتعلق بمريم هو أن عمرها على الأغلب كان بين 12 و 14 حينما ظهر لها الملاك جبرائيل.  مصدر معرفتنا بخصوص سن مريم هو العادات التي كانت شائعة في هذا الوقت فيما يتعلق بالزواج المبكر للفتيات  في مثل هذه السن. لم يذكر الكتاب المقدس سن مريم حينما حبلت أو حينما ولدت يسوع، والسبب في ذلك أن الأمور الشائعة في ثقافة ما، لا يذكر عنها أي شئ. حتى أسلوب كتابتنا هذه الأيام تنطبق عليه القاعدة ذاتها: فقد نتجاهل ذكر أي تفاصيل يعرفها كل إنسان بحكم العادة وبحكم الثقافة السائدة. لو قرأنا في الصحافة أن لصا «قاد سيارته» خلال الطريق لأميال بينما كان البوليس يطارده، فلا نتسائل: قاد سيارته؟ ما معنى  «قاد»؟ كيف قاد سيارته كل هذه المسافة؟» فكلنا نعرف بحكم العادة ماذا يعني كونه قاد سيارته عبر الطريق، ولذلك نتحاشى ذكر التفاصيل حينما نكتب عن هذه القيادة.

وبالمثل، لو أخبرت أحدًا أنني:« «اتصلت»(استخدمت الفعل الإنجليزيcall  ) ب«دان» وتحدثت معه»، فمن الواضح بحكم ثقافتنا أنني اتصلت به مستخدما التليفون، وحتى لو لم أذكر هذا بالنص. منذ سنوات كنت أعلم أطفالي درسا من الكتاب المقدس، وقرأت لهم أن دبورة النبية دَعَتْ (واستخدمت الفعل call  مرة أخرى) باراق وتحدثت معه(سفر القضاة 4 : 6 ). فقاطعتني طفلتي الصغرى وأرادت مني أن أعطيها رقم تليفون باراق. تعليقها كان ذا  معنى إذا وضعنا في الاعتبار فهم الفتاة  للعادات والثقافة.

في إسرائيل القديمة كانت الفتيات يتزوجن في سن المراهقة، بل وقبل سن المراهقة.[2]  بالنسبة لمريم إذا كانت مخطوبة ، ومع ذلك كبيرة بما يكفي لأن تلد وتربي المسيح، فلابد أن سنها كان بين الثانية عشرة والرابعة عشرة. تلفت موسوعة زوندرفان المصورة  للكتاب المقدس(The Zondervan Pictorial Encyclopedia of the Bible) الانتباه إلى أنه:« من الواضح أن الفتيات والأولاد كليهما كانوا يتزوجون في سن مبكرة جدا. وفيما بعد(أي بعد فترة العهد الجديد) حدد الحاخامات  السن الأدنى للزواج بالثانية عشرة بالنسبة للفتيات والثالثة عشرة للذكور.»[3]

بعض العادات التي كان سكان فلسطين في عصر الكتاب المقدس يعتادونها استمرت عبر القرون، لذلك، نجد«ألما وايت» حينما زارت الشرق الأدنى قريبا من عام 1910 تعلق على سن الزواج في فلسطين قائلة:« عادة ما تتزوج الفتاة في سن الثانية عشر أو الثالثة عشر، وفي كثير من الأحيان في سن قريبة من عشر سنوات.»[4]  أما دبليو.إم.ثومبسون، الذي عمل بالتبشير في الشرق الأوسط لثلاثين عاما، فيشهد بالأمر ذاته.[5]  ويشير «جيمس نيل» إلى أن كل شخص من هؤلاء يتزوج لأنه يشعر بأنه ملزم بتنفيذ إرادة الله بالتكاثر والتناسل، وبأن«الفتيات يزوجن في سن الحادية عشر أو الثانية عشر، على الرغم من أن هذا السن لا يمثل سقفًا لسن الزواج. وأنهن يتزوجن مرارًا وتكرارًا في سن أقل من التاسعة…»[6]

كان الزواج بالفتيات صغيرات السن عادة في ثقافات كثيرة قديمة. ثقافتان كان لهما تأثير كبير على العالم في زمن الكتاب المقدس وهما الثقافة الإغريقية والثقافة الرومانية. إيزوماكوس، وهو شخصية ورد ذكرها في مقالة زينوفون «الاقتصاد»، يذكر عن نفسه أنه عندما تزوج امرأته لم تكن قد بلغت الخامسة عشر بعد.[7] والوضع نفسه يصْدُق على الفتيات الرومانيات اللائي كن يتزوجن في سن صغيرة  جدا، وفي أحيان كثيرة كن يتزوجن قبل سن البلوغ.[8]

كانت النساء يتزوجن مبكرا لأنهن من كن ينجبن الأطفال الذين يحافظون على نسب الأسرة ويقومون بتوفير القوة الاقتصادية والحماية الجسدية للعائلة، وكان إنجاب الكثير من الأطفال أمرًا مرغوبا به عمومًا. بالإضافة إلى ما سبق، كان كثير من الأطفال يموتون صغارًا وكان هناك نسوة يمتن في أثناء الولادة. نحن نعرف من اطلاعنا على إنجيلي لوقا ومتى أن مريم كانت عذراء، وأنها لم تتزوج من قبل على الإطلاق، ولهذا فالسن التي تزوجت فيها يمكن أن يحدد بواسطة العادات العامة. وكذلك، كما كان شائعًا، كان لمريم عائلة كبيرة بها على الأقل سبعة أبناء. الذكور منهم كانوا يحملون الأسماء التالية: عيسى، يعقوب، يوسف، سمعان ويهوذا(متى 13 : 55 )، وكان لها على الأقل بنتان، وذلك لأن عيسى كان له «أخوات» من الإناث  كما له أخوة من الذكور(متى 13 : 55 و 56 ).[9]

وقد كان الذكور يتزوجون كذلك في سن مبكرة، ولكن  هذا السن كان أكبر نوعًا ما من السن الذي يتزوج فيه الإناث. كان من المتوقع أن يتزوج الأطفال اليهود في سن السابعة عشر أو الثامنة عشر.[10]  مثل ذلك نجده في العالم الروماني ، فالسن التي يتخلى فيها الفتى الروماني عن ردائه الأبيض المحدد بحدود حمراء، وهو ما يرمز إلى مرحلة الشباب، ويرتدي رداءًا ناصع البياض لا يلبسه إلا الإنسان الروماني وكذا المواطنون، يحدد عموما بين العامين الرابع عشر والسابع عشر.[11]  لكن تحديد العمر يوسف الذي تزوج فيه فحسب ليس بالسهولة التي سار عليها تقريرنا لعمر مريم عليها السلام، لأنه على الرغم من أن الرجال في العادة كانوا يتزوجون في الفترة التي تبدأ من أواسط سني المراهقة وحتى أواخرها، فإنهم لعدد من الأسباب كانوا يتزوجون في كثير من الأحيان في وقت متأخر من عمرهم.

غالبا ما يسود الاعتقاد بأن يوسف تزوج مريم في وقت متأخر من حياته، لأنه قد توفى ،وهذا تقريبا في حكم اليقين، قريبا من الوقت الذي بدأ فيه عيسى كرازته. هذا الاستنتاج استنبطناه من عدد من النصوص الكتابية كان يوسف خلالها غائبا على نحو ظاهر، ونقول هذا لأسباب راجعة إلى الثقافة السائدة آنذاك. أحدها حينما نقل عيسى مركز كرازته من كفر ناعوم، جاء إليه أمه وأخوته لكن أباه لا يرد له ذكر(يوحنا 2 : 12 ). والحادثة الأكثر أهمية هي عندما كان عيسى على الصليب، فقد أمر الرسول يوحنا بأن يعتني بأمه وأخبر مريم أن تعامل يوحنا كابن لها، وهو ما لم يكن ليحدث لو كان يوسف حيا(يوحنا 19 : 26 و 27 ). مع ذلك، فحقيقة أن يوسف كان ميتا قريبا من الوقت الذي بلغ فيه يسوع الثلاثين من عمره لا يعني بالضرورة أن يوسف كان رجلا طاعنا في السن حينما تزوج العذراء، وذلك لأن كثيرين كانوا يموتون لأسباب مرضية أو لحوادث.

لو كنا ننتوي رسم صورة لحادثة ميلاد المسيح، أو نختار امرأة للعب دور في مشهد سينيمائي يحكي قصة الميلاد، فهناك إذن حرية كبيرة متاحة لتفسيراتنا، أما لو رغبنا في إظهار مريم على طبيعتها في الواقع، فإن اختيار فتاة في الفترة العمرية بين الثانية عشر والرابعة عشر كممثلة سيكون أكثر الأمور التي سنفعلها صوابا.  

 

 

 

[1] 1. Scripture quotations marked (ESV) are taken from The Holy Bible, English Standard Version™ © 2001 by Crossway Bibles, a division of Good News Publishers. All rights reserved.

[2] Philip King and Lawrence Stager, Life in Biblical Israel, (Westminster John Knox Press, Louisville, 2001), p. 37.

[3]  Merrill C. Tenney, editor, The Zondervan Pictorial Encyclopedia of the Bible (Regency Reference Library, Grand Rapids, MI, 1976), Vol. 4, “Marriage,” p. 96.

[4]  Alma White, Jerusalem, Egypt, Palestine, Syria, (Pillar of Fire, Zarephath, New Jersey, 1936), p. 83, 173.

[5]  W. M. Thompson, The Land and the Book, (Baker Book House, Grand Rapids, MI, 1880, reprinted 1973), p. 293.

[6]  James Neil, Everyday Life in the Holy Land, (Society for Promoting Christian Knowledge, London, 1913), p. 223.

[7]  Robert Flaceliere, Love in Ancient Greece, (Crown Publishers, Inc., New York, 1962), p. 110; Mary Johnston, Roman Life, (Scott, Foresman and Company, Chicago, 1957), p. 145.

[8]  Robert Flaceliere, Love in Ancient Greece, (Crown Publishers, Inc., New York, 1962), p. 115.

[9]  يقول البعض أحيانا أن هؤلاء الأخوة والأخوات ليسوا في الحقيقة أبناءً لمريم، لكن هذه الحجة ليست مبنية على  تفسيرات مقبولة أو على القراءة الطبيعية للنص. فشعب الناصرة الذين قالوا هذه الجملة كانوا يقصدون بتعليقهم الحديث عن عائلة عيسى ، وليس الحديث عن أقاربه.

[10]  Alfred Edersheim, Sketches of Jewish Social Life, (William B. Eerdmans Publishing Company, Grand Rapids, MI, reprinted 1979), p. 147.

[11]  Mary Johnston, Roman Life, (Scott, Foresman and Company, Chicago, 1957), p. 146.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مريم العذراء…عروس وأم في سن مبكرة(مترجم)

ahmed - maroc الجمعة 9 أبريل 2010 17:24:1 بتوقيت مكة
   قاتلهم الله
إنا لله و إنا إليه راجعون
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7