الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2010العلاقة بين التبشير والاستعمار
 
الأحد 11 أبريل 2010

ويطرح السؤال نفسه هل ثمة علاقة بين العلاقة الاستعمارية والحركة التبشيرية ؟ وهل من الممكن أن يلتقي الجنود القساة الذين يقتلون الأبرياء ويسرقون قوت الشعوب هل من الممكن أن يلتقي هؤلاء مع الذين أمروا بمحبة أعدائهم ومباركة لاعنيهم (انظر متى 5/44)؟

وما الذي يجمع المبشر وهو يحمل رسالة دينية مع المستعمر الذي يحمل رسالة دنيوية ؟ وهل اللقاء بين الجانبين مجرد لقاء عابر فرضته ظروف وحدة المنشأ بين التبشير والاستعمار (أوربا) أمر أن هناك علاقة حقيقية تجمع هاتين الحركتين ؟

وفي الإجابة عن هذا كله نقول بأن التبشير والاستعمار وجهان لعملة واحدة، فالمبشرون هم الواجهة الدينية للمستعمر، والاستعمار هو الحقيقة الاقتصادية والسياسية للمبشرين.

وهذا الأمر يتضح عند دراسة العلاقة الحميمة بين الحركتين اللتين تزامنتا طوال التاريخ المسيحي، بل إن الحروب الصليبية التي شنت على العالم الإسلامي طوال قرون طويلة هي حلقة من سلسلة الترابط والوحدة بين التبشير والاستعمار، فلقد قام ملوك أوربا بتلك الحروب بمباركة الكنيسة، ولبى الأوربيون نداء الملوك لهذه الحروب طمعاً في الملكوت الذي وعدهم به بابوات الكنيسة.

وقد بدأت خطوات الاستعمار تدب من جديد مع بداية حركة الكشوف الجغرافية التي قادها الأسبان والبرتغال، وانطلقت سفنهم تمخر البحار وهي ترسم على أشرعتها شعار الصليب.

وقد أصدر البابا نيقولا الخامس مرسوماً في عام 1454م يعطي البرتغاليين حقاً في أراضي حقاً في أراضي الكفرة على الساحل الغربي لإفريقيا، وأكد ذلك البابا كالكستس الثالث عام 1456م، ثم أصدر البابا اسكندر الثالث في عام 1493م مرسوماً يمنح التاج الأسباني الحق المطلق في المتاجرة مع البلاد التي اكتشفت، ووضع قيداً، وهو أن تجلب تلك الشعوب إلى المسيحية. ([1])

ومن جانب آخر فإن الحركة التبشيرية وليدة أطماع استعمارية صليبية، وقد وضع أسسها الملك لويس التاسع حينما كان في سجن المنصورة فكتب داعياً إلى " تحويل الحملات العسكرية الصليبية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه، لا فرق بين النوعين إلا من حيث نوع السلاح المستخدم في المعركة.... تجنيد المبشرين الغربيين في هذه المعركة السلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنوداً للغرب.

وقد أجاب المبشرون إلى هذه الحرب الصليبية الجديدة فيقول القس مييز : " إن الحرب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه ".

ويقول اليسوعيون " ألم نكن نحن ورثة الصليبين... أولم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتحدي المسيحي... وهكذا تستطيع الكنيسة المسيحية بلا حرب أن تسترد تلك المناطق التي خسرتها منذ أزمان طوال ". ([2])

وقد عمل الكثيرون من رجال الكنسية تحت مظلة الاستعمار، وداروا في فلكه، فقد تولى الراهب دولا فورست طلب الامتيازات للفرنسيين من الباب العالي، وكان أول سفير لفرنسا في الأستانة عام 1583م، كما عين الأمريكيون المنصر ناثان قنصلاً للولايات الأمريكية بالإنابة في طنجة، وعين المنصر تاهنسال قنصلاً للنمسا في الخرطوم سنة 1293هـ، وكان المنصر لا فيجري الفرنسي رئيساً للبعثة المرافقة للجيش الفرنسي المحارب في القرم، وتولى المنصر جون فان أيس خلال الحرب العالمية الأولى أمر القنصلية الأمريكية في البصرة. ([3])

وقد أكد المستعمرون على أهمية عمل المبشرين، وصرحوا بالمهمات المنوطة بهؤلاء الرهبان فقال نابليون الأول في جلسة مجلس الدولة عام 1804م : " إن في نيتي إنشاء مؤسسة الارساليات الأجنبية، فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عوناً كبيراً لي في آسيا وأفريقيا وأمريكا، سأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نوايا اقتصادية أو سياسية ".

ولما عقد مؤتمر الكنائس المسيحية في سالونيك باليونان (1959م) أكد المؤتمر على مساهمة الكنائس للجاسوسية لحساب المستعمر، فطالب "الكنائس في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أن تراقب خطة التنمية، فتميز بين ما يتفق وإرادة الله وبين عمل الشيطان ".

وفي مؤتمر دلهي (1961م) قالوا "الكنيسة يجب أن تكون متأهبة للصراع مع الدولة في أي وطن،وتحت أي نظام سياسي".([4])

وينقل المبشر جاك مندلسون قول ملك فرنسا " الدين ضروري لكل الناس، لكنه أكثر ضرورة في المستعمرات الآهلة بالعبيد التي لايمكن أن تحوي أملاً في حياة أفضل إلا بعد الموت" فالدين يستعمله هؤلاء الساسة في تخدير الشعوب، وليكون مطية يحكمون من خلالها الخناق على الشعوب.

وينقل القس المبشر مندلسون ثانية شعور المستضعفين الذي سرقت بلادهم وثرواتهم من قبل تحالف الاستعمار والتبشير فيقول: " إن المبشرين جاءوا إلينا وقالوا : إننا نريد أن نعلمكم العبادة، وقلنا: حسناً. إننا نريد أن نتعلم العبادة. وطلب المبشرون منا أن نغلق أعيننا، وفعلنا ذلك، وتعلمنا التعبد، وحينما فتحنا أعيننا وجدنا الإنجيل في يدنا، ووجدنا أراضينا قد اغتصبت".

 ثم يواصل مندلسون فيقول " لقد تمت محاولات نشيطة لاستعمال المبشرين، لا لمصلحة المسيحية، وإنما لخدمة الاستعمار والعبودية "

يقول رئيس الأساقفة لونز ماركس في عام 1960م عن نشاط الإرساليات الذي يديره في موزمبيق : " إن النشاط الإرسالي يمنح البرتغال فخراً في المنظمات العالمية السامية، ويكون سنداً قوياً للسيادة البرتغالية ". ([5])

ومن المهمات التي أداها التبشير للاستعمار تجميل صورته القبيحة التي رسمها بظلمه وجبروته عند الناس يقول رينيه بوتيه في كتابه " الكاردينال لا فيجيري " : " إن العمل الوطني الذي قام به لافيجيري بدأ مع عمله التبشيري، بدأ بنشره على السوريين تلك العطايا التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية، إنه جعل فرنسا محبوبة ( لدى السوريين )، وأضاف إلى الحقوق القديمة التي كنا نملكها نحن الفرنسيون على تلك المنطقة حقوقاً جديدة.... في الجزائر استطاع أن يهب كل ما في استطاعته لإظهار حبه لفرنسا.... أراد لافيجري أن يحبب فرنسا إلى الناس باسم المسيح ". ([6])

ويقول القس سيمون في مؤتمر لكنو في الهند ( 1911م ) : " إن العامل الذي جمع هذه الشعوب ( الإسلامية ) وربطها برابطة الجامعة الإسلامية هو الحقد الذي يضمره سكان البلاد للفاتحين الأوربيين، ولكن المحبة التي تبثها إرساليات التبشير النصرانية ستضعف هذه الرابطة، وتوجد روابط جديدة تحت ظل الفاتح الأجنبي ". ([7])

وقد كان إغراء الساسة ببلاد المسلمين واستعمارها أحد أعمال المبشرين، يقول المبشر إشعيا بولمان في مجلة " العالم الإسلامي " بأن الخوف من الإسلام ينبغي أن لا ينساه الغربيون، ذلك أن الإسلام كما يقول إشعيا بومان يتسع دائماً متسلحاً بالجهاد، وما من أمة حاولت قهره إلا وخسرت أضعاف ما خسر، ولذا فهو يقترح اتفاق فرنسا وبريطانيا على سياسة السيطرة على الشواطئ الإسلامية حتى تصل بسهولة الإمدادت العسكرية.

وهذا ما صنعه الإيطاليون حين جاءوا إلى ليبيا، وغيرهم فعل مثله عند احتلالهم بلاد المسلمين.([8])

والذي دفع حركة التبشير إلى التفاني في خدمة الاستعمار والتمكين لهم إيمانهم بأن نجاح التنصير متوقف على نجاح الاستعمار وبقائه، وهو ما عبر عنه المنصر لورانس براون حين قال " لم يحدث انتقال واسع من الإسلام إلى النصرانية في قطر ما إلا بعد أن يخضع ذلك القطر لحكومة غربية مسيحية ". ([9])

ولما وقع التنافس بين المستعمرين وتضاربت مصالهحم؛ انعكس ذلك على الآباء المبشرين الذين كانوا في الحقيقة جنوداً مدنيين للاستعمار، فوقع بين المبشرين الفرقة، ودب بينهم ما بين الساسة من تخالف وتنافس، كما حصل بين الإرساليات التبشيرية في لبنان والتي كان كل منها يتبع دولة استعمارية معينة، ولذا أيضاً استأصلت انجلترا وفرنسا جميع المبشرين الألمان من مناطق نفوذهما، ولم تسمح انجلترا في وقت لاحق لغير مبشريها بالعمل في مناطق نفوذها إلا حين الحصول على إذن مسبق.

يقول المبشر هنري جب : " إن المبشرين استغلوا جهودهم لخدمة دولهم. ([10])

وفي المقابل فإن المستعمرين ردوا الجميل للمبشرين بأن فتحوا لهم البلاد على مصاريعها فيقول بوجو سكرتير الحاكم الفرنسي في الجزائر مخاطباً القس سوشيه الوكيل العام لأسقف الجزائر: " إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين عاماً لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا الشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكننا أن نشك على أية حال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد.

أما العرب فلن يكونوا ملكاً لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعاً ". ([11])

ولم يكتف المستعمرون بالكلام ودغدغة العواطف، بل شرعوا يصدورن المراسيم والقوانين التي تسهل عمل المبشرين، ففي عام 1900م أمر الاستعمار البريطاني لكينيا أن يكون التعليم في العاصمة ممباسا إجبارياً، وتولت البعثات التبشيرية تعليم الطلاب في ممباسا حيث افتتحوا أربعة مدارس ابتدائية، ثم أسندت السلطات لهؤلاء المتعلمين في مدارس التبشير وظائف رسمية حكومية بحجة أنهم متعلمون.

وفي عام 1930م أقيم مؤتمر كنائس في قرطاجة بمناسبة مرور 1600 سنة على موت القديس أوغسطينوس، وأجبرت تونس على قبول ذلك المؤتمر على أراضيها المستعمرة من قبل فرنسا حينذاك، دفع التونسيون من خزينتهم على مليوني فرنك فرنسي، وحين ثار المسلمون على عقد هذا المؤتمر في بلد إسلامي تولت الجيوش الاستعمارية الفتك بالشباب الثائرين، وزجت بهم في السجون.

وفي عام 1931م أصدر شوفلر مسئول فرنسا في بلاد العلويين قراراً يسهل الانتقال إلى النصرانية، فسهل الإجراءات أمام المتنصرين، وجعل ذلك يتم في جلسة لمحكمة عادية، وألغى الإجراءات المعقدة التي كانت قائمة حينذاك. ([12])

وفي الجزائر دفع القائد الفرنسي روفيجو بأجمل مساجد الجزائر ليحوله إلى كادرائية الجزائر ويتحدث القس سوشيه الوكيل العام لأسقف الجزائر في كتابه " رسائل مفيدة ومشوقة عن الجزائر" فيقول واصفاً الجنرال الفرنسي فاليه : " إنه يرغب أن يستتب الدين المسيحي، وأن يحترمه الجميع إنه يريد أن يضاعف من عدد الصلبان والكنائس في الجزائر. إن مولاي - الملك - يستطيع أن يفعل ما يشاء مع رجل مثل المسيو فاليه الذي اختار أجمل مسجد في قسطنطينة ليجعل منه أجمل كنيسة في المستعمرة ". ([13])

ولم تتوقف العلاقة بين حركتي التبشير والاستعمار عند نقطة المصالح المشتركة بل إنا نجد أن الأخلاقيات السيئة للاستعمار من قتل وبطش قد حصلت بمباركة وأحياناً بمشاركة رجال الكنيسة.

ويقول المسيو أوجين يونج وكيل حكومة التونكين الفرنسية في كتابه " استعباد الإسلام - الحرب الصليبية الجديدة " بأن بابا الفاتيكان يخطط دون ملل وكلل لحروب صليبية جديدة.

كما أن النظرة الاستعمارية الفوقية للشعوب المستعمرة هو أمر آخر تأثرت به حركة التبشير، وفي ذلك يقول ستيفن نيل : " في القرن التاسع عشر خضع المبشرون إلى العقد الاستعمارية التي تقول بأن الرجل الغربي فقط هو الإنسان بكل ما تعنية هذه الكلمة ... فحتى عام 1914م لم يكن لدى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية أي أسقف من أصل غير أوربي - سوى أربعة -.... طالما كان الجنس الأبيض في استطاعته أن يقدم مورداً لا ينضب من الأساقفة فإنه لا يمكن أن يوجد رجل واحد من الأجناس الصفراء والحمراء والبنية والسوداء يستطيع حمل ثقل الأسقفية ". ([14])

وقد كان محاربة الإسلام هدفاً أصيلاً للمستعمر، ومن صوره ما ذكره الكاتبان الفرنسيان كوليت وفرانسيس جانسون فقالا : " لعل العبث بالدين الإسلامي كان هو المجال المفضل لدى القائد الفرنسي في (الجزائر) روفيجو، فقد وقف هذا القائد الفاجر، ونادى في قومه : إنه يلزمه أجمل مسجد في المدينة ليجعل منه معبداً لإله المسيحيين، وطلب إلى أعوانه إعداد ذلك في أقصر وقت ممكن " ثم أشار إلى جامع القشاوة، فحولوه إلى كنيسة بعد شلالات من الدم، وسمي "كادرائية الجزائر ". ([15])

ومن أعمال المستعمر أيضاً إيجاده للفرق الإسلامية الضالة ورعايته لها، فالقاديانية والبهائية نشأتا في ظل الاستعمار ولتحقيق أهدافه، فقد نشأت القاديانية في الهند إبان الاستعمار الإنجليزي 1901م، وكان من أهم دعاوى غلام القادياني المتنبئ الكذاب أن زعم بوجوب موالاة الإنجليز وتحريم قتالهم وإبطال الجهاد بعد أن كانت حركة ابن عرفان الشهيد قد أقضت مضاجعهم عام 1842م، فكتب غلام قاديان في مقدمة كتابه " ترياق القلوب " يقول : " لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة ".

ولما أراد أحمد خان بهادر ( من الهند ) أن يتقرب إلى المستعمرين الإنجليز كتب في عام 1862م كتاباً تحدث فيه عن أصالة الكتب المقدسة عند النصارى وعدم تحريفها، ثم نادى بالإلحاد، وكتب تفسيراً للقرآن ملأه بالتحريف والتخريف، ثم بنى مدرسة سماها مدرسة المحمديين تغريراً بالمسلمين.

وظهرت البهائية في حين سيطرة الروس على شمال إيران، ولما قتل الباب عام 1266هـ، ظهرت البهائية على يد تلميذ الباب،وما تزال إلى هذا اليوم برعاية دولة إسرائيل،ولها مركز في مدينة حيفا المحتلة. ([16])

وعلى هذا المنوال نسج المستعمرون في كل بلد نزلوا فيه، فاثاروا الفتن الداخلية والدعوات الشعوبية أو القبلية أو المذهبية بغية تمزيق الأمة وإضعاف وحدة الشعوب المغلوبة لتحقيق أكبر المكاسب الممكنة. ([17])

ولدى خروج المستعمر من بلاد المسلمين سلم مقاليد الأمور إلى أصحاب الولاءات المختلفة، ففي الهند التي حكمها المسلمون عشرة قرون، وعملوا سنين طويلة على طرد المستعمر وبذلوا في ذلك الغالي، ولما تحقق الاستقلال عام 1947م أسلم الإنجليز مقاليد السياسة والجيش والتعليم إلى الهندوس ليبدأ هؤلاء في إذلال وتجهيل المسلمين.

 وفي عام 1948م أعطى الإنجليز أرض فلسطين للعصابات اليهودية لتؤسس ما يسمى اليوم بدولة إسرائيل، فيما ألحقت جزيرة زنجبار المسلمة بدولة تنـزانيا النصرانية.

كما قد حرص المستعمرون على إفساد الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين وهو ما عبر عنه نابليون في رسالته إلى نائبه في مصر كليبر حيث يقول :" كنت قد طلبت مراراً جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتماماً خاصاً بإرسالها لك، لأنها ضرورية للجيش، وللبدء في تغيير تقاليد البلاد "، كما طلب إليه في نفس الرسالة أن يجمع 500 أو 600 شخص من المماليك أو العمد أو المشايخ وأن يرسلهم إلى فرنسا " يحجزون لمدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولما يعودون إلى مصر يكون لنا فيهم حزب يضم إليه غيرهم ". ([18])

ولما دخل الفرنسيون لبنان فتحوا خمسين حانة لشرب الخمر وعدداً كبيراً من بيوت الدعارة، ففشى السكر والدعارة إلى حد لم يكن معهوداً من قبل. ([19])

كما عمل المستعمرون في البلاد التي احتلوها على القضاء على اللغات الوطنية، وخصوا العربية بمزيد من حربهم، فقد فرضت فرنسا اللغة الفرنسية في مستعمراتها خاصة الجزائر، فيما شجعت إنجلترا اللغة الإنجليزية في جنوب السودان على حساب العربية.

وفي مصر فرض نابليون وجلادوه الضرائب في مصر، وينقل الجبرتي في تاريخه صوراً لما صنعه الفرنسيون فيقول : " دخل الافرنج ( الفرنسيون ) المدينة كالسيل، ومروا في الأزقة والشوارع لايجدون لهم ممانع، كأنهم الشياطين أو جند إبليس، وهدموا ما وجدوه من المتاريس... ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفوقوا ( أي قاءوا ) بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهّارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف، وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها.

وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب وكسروا أوانيه ". ([20])

وفرض نابليون الضرائب على المصريين فكان لكل شيء ضريبة، فعلى المولود ضريبة، وعلى الميت ضريبة، وكل ما كان بينهما من معاملات رسمية عليها ضرائب.

كما تحدث الجبرتي عن سرقة أموال المماليك ونهب قصورهم وبيع الأمان لمن بقى من نسائهم بأعلى الأثمان، وكان منهن من اشترت الأمان مرات ومرات، ولما كثر سطو الفرنسيين على المتاع والدواب اشترى بعضهم الأمان لدوابهم وثيرانهم، وقد طلب نابليون من أعضاء الديوان الذي شكله من المصريين ليحكم من ورائه طلب منهم أن يجمعوا له سلفة من التجار تبلغ 500 ألف ريال، دفعها التجار بالقوة، ثم ما لبث بعد يومين فقط أن طلب مبالغ أخرى يعجز عنها هؤلاء المساكين ففعلوا الأفاعيل وسرقوا ما في الدكاكين والبيوت.......  ([21])

وهكذا نصل إلى نهاية مطافنا، وأجدني مضطراً للاعتذار للقارئ الكريم عما سببته له من كآبة وألم وضجر، لكنها جميعاً لا تعدل دمعة واحدة من أنهار الدموع، بل والدماء التي سببها الاستعمار البغيض لبلادنا، والله نسأل أن يكشف كروبنا، وأن يزيح الهمَّ عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 



([1]) انظر : أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، عبد الرحمن حبنكة الميداني، ص (170 – 172)، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (129).

([2]) انظر : حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (154)، التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (127).

([3]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (133 – 134)، ملامح عن النشاط التنصيري في الوطن العربي، إبراهيم عكاشة، ص (48 – 49)، المسيحية، أحمد شلبي، ص (160-161).

([4]) انظر : حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (127 - 128).

([5]) انظر : المصدر السابق، ص (127 - 128، 133 - 134).

([6]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (126).

([7]) انظر : الغارة على العالم الإسلامي، شاتليه، ص (102 – 103).

([8]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (130 – 131)، التبشير والاستشراق، محمد عزت الطهطاوي، ص (85).

([9]) انظر : الإسلام والتحدي التنصيري، عمر بابكور، ص (116).

([10]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (158، 242).

([11]) انظر : الاستعمار. أحقاد وأطماع، محمد الغزالي، ص (39).

([12]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (152، 157)، التبشير والاستشراق، محمد عزت الطهطاوي، ص (88 - 89).

([13]) انظر : الاستعمار. أحقاد وأطماع، محمد الغزالي، ص (39).

([14]) انظر : حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (141)، التبشير والاستشراق، محمد عزت الطهطاوي، ص (84).

([15]) انظر : الاستعمار. أحقاد وأطماع، محمد الغزالي، ص (37).

([16]) انظر : أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، عبد الرحمن حبنكة الميداني، ص (273 – 280)، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار، محمد البهي (41 - 42، 49، 63 - 65).

([17]) انظر: التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (140 – 143)، التبشير والاستشراق، محمد عزت الطهطاوي، ص (86)، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، أحمد عبد الوهاب، ص (174 – 177).

([18]) انظر : رسالة الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر، ص (109).

([19]) انظر : التبشير والاستعمار في البلاد العربية، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص (199).

([20]) انظر : تاريخ عجائب الآثار، الجبرتي (2/220 – 221)، رسالة الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر، ص (91).

([21]) انظر: تاريخ عجائب الآثار، الجبرتي (2/196 - 197).

 
 
   Bookmark and Share      
  
  العلاقة بين التبشير والاستعمار

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7