الرئيسة كلمة المرصدإسلاميون وعلمانيون وثورة
 
السبت 1 ديسمبر 2012

 

يمكن تلخيص قصة ميدان التحرير كالآتي: احتوى في البداية ثورة الشعب المصري ضد الاستبداد والظلم دون أن تتمايز داخل هذا الشعب أطياف مذهبية علمانية أو إسلامية، وكانت ذروة تألق الميدان هي لحظة الانتصار على بلطجية مبارك التي كان يقف وراءها من عرفوا لاحقا بالفلول، أولئك الذين دحرتهم الثورة تماما فأصبحوا منبوذين اجتماعيا.

ثم شهد الميدان نفسه بعد نجاح الثورة، وعلى فترات متقطعة، تمايزات مذهبية علمانية تارة وإسلامية تارة أخرى، وفي تلك الأثناء كانت الرموز الإعلامية والثقافية والسياسية للنظام تقوم بتأهيل نفسها مرة أخرى للعودة لما كانوا عليه قبل الثورة، وشيئا فشيئا أخذت المسافة بينهم وبين المجتمع تتلاشى.

وبالنظر إلى أن المجتمع، من الناحية النخبوية، كان ولا يزال مصبوغا بصبغة علمانية، فإن المسارات التي اتخذها الفلول كانت مسارات علمانية الطابع أيضا، وهو ما أدى في النهاية إلى أن المسافة بين الفلول وبين الطرف العلماني صارت أقل من نظيرتها لدى الطرف الإسلامي، الذي لم يكن مبرأ تماما من عار القابلية الجزئية للتسلل الفلولي عبر العسكر في فترة من الفترات.

مؤخرا، وبعد الإعلان الدستوري الأخير للدكتور محمد مرسي، حدثت طفرة في التقارب العلماني/الفلولي، وآل الأمر إلى ما يشبه ردة علمانية جماعية عن الثورة ومبادئها، فاعتصم الطرفان العلماني والفلولي بالمظلة الدستورية للدولة التي تتناقض بطبيعتها مع طبيعة الثورة إذ هي أصلا عمل غير دستوري. وبدأ الحديث عن مؤسسة القضاء كخط أحمر، مع العلم بدوره السياسي المتلائم مع مبارك ثم مع العسكر، ثم ظهر، لدى بعض من كانوا ثوريين يوما، نوع من عدم الممانعة لفكرة عودة الجيش مرة أخرى للساحة السياسية. وأحيانا كان الاستدعاء العلماني للجيش يتم بصورة مقَنّعة عبر (توقّع) عودته، وأخيرا صار ميدان التحرير في النهاية ملتقى أعداء الثورة بعد أن كان منطلق الثورة.

*

والغرض من هذه المقالة هي تفسير الأحداث على ضوء من طبائع الأمور ومنطقها، بحيث تبدو مفهومة ومتوقعة، ومن ثم، يسهل السيطرة عليها. والحقيقة أن ذلك لا يكون إلا عبر النظر إلى طبيعة العلاقة بين الظاهرة العلمانية والظاهرة الإسلامية وظاهرة الاستبداد السياسي، إذ هذه الظواهر هي الفاعلة على الساحة السياسية الآن.

 قد يبدو للوهلة الأولى أن علاقة الاستبداد السياسي بالظاهرتين الإسلامية والعلمانية لا يعدو كونه شيء غير مرحب به منهما، أو عدو مشترك بينهما، غير أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك رغم صدقه على المستوى السطحي. إذ أن الاستبداد السياسي تربطه بهما علاقة وجودية، أي هو مرتبط بهما وجوداً، أي قبل أن يلحق بهما منه ضرر، وبغض النظر عن ذلك الظرر أصلا.

والعنصر الذي يمكن من خلاله فهم العلاقة بينه وبينهما هو الهيمنة الغربية على المنطقة، فالاستبداد السياسي هو شرط تلك الهيمنة وأداتها، إذ هو يمثل تسوية ضرورية لحل التناقض بين رغبة الغرب في الهيمنة وبين رغبة الشعوب في الحرية، أما الظاهرتين الإسلامية والعلمانية فهما استجابتين متناقضتين لتلك الهيمنة بقصد التخلص من القلق الحضاري الذي تخلفه، الظاهرة الإسلامية وسيلتها هي المواجهة لتلك الهيمنة، والظاهرة العلمانية وسيلتها هي التوحد بالغرب والتخلص السحري من وضع الخصومة معه.

إذا كان الأمر كذلك، فثم تناقض بين الظاهرة العلمانية وبين الثورة يعود إلى أن الثورة إنما كانت ضد الاستبداد السياسي، وهذا الاستبداد السياسي هو الوجه الداخلي والمكمل لعلاقة التبعية للغرب، فهو كما ذكرنا شرطه وأداته. وفي ذات الوقت، فهذه التبعية السياسية للغرب، هي الجانب الواعي والمتناغم مع حالة الإعجاب بالغرب على المستوى النفسي للظاهرة العلمانية التي لا تعي أن هذا الإعجاب هو جوهر وجودها. لذلك كانت العلمانية في علاقة تكافلية ضمنية مع الاستبداد في المنطقة العربية، وإن بدا الأمر على خلاف ذلك أحيانا.

إذا فتفاعل العلمانية مع الثورة كان خطأ علمانيا غير مقصود، خطأ ارتكبته العلمانية في حق نفسها دون أن تنتبه إليه إلا بعد فوات الأوان، في الوقت الذي انتبهت إليه الأقليات الدينية مبكرا لتجذر وعيها بالخطر اللإسلامي مقارنة بالعلمانية.

وعلى النقيض من ذلك فالربيع العربي هو إسلامي بحكم حركة التاريخ، حتى لو كان الإسلاميون مجرد مشاركين فيه لا أكثر، وذلك بالنظر إلى أن  الظاهرة الإسلامية هي من تمثل النزعة للمواجهة مع الهيمنة الغربية الذي يعد الاستبداد السياسي أداتها وشرطها، والذي هو في الوقت ذاته موضوع الثورة.

أما تردد الزعامات الإسلامية في الثورة ما بين الترقب وبين الرفض الصريح، ثم اشتراكها مع العلمانية جزئيا في عار القابلية لعودة رموز النظام السابق (علاقة الإخوان والدعوة السلفية بالعسكر)، فلا يعود بالأساس إلى طبيعة الظاهرة الإسلامية، بل يعود إلى تشوه حصل في تلك الظاهرة نتيجة تكيفها مع الاستبداد السياسي وتكيفها مع رفض المجتمع لها طيلة عقود.

الخلاصة أن الظاهرة العلمانية، من حيث هي كذلك، أي من حيث طبيعتها العلمانية ذاتها، هي خطر على الثورة، وأي نزعة ثورية علمانية هي نتيجة ومحصلة قصور في وعي الظاهرة العلمانية بذاتها، أما الظاهرة الإسلامية فهي أمل الثورة، وأي نزعة توافقية تعايشية إسلامية فهي نتيجة ومحصلة قصور في وعي الظاهرة الإسلامية بذاتها.

وبهذا التفسير وحده نفهم حالة الردة عن الثورة التي تعيشها الظاهرة العلمانية الآن.


 
 
   Bookmark and Share      
  
 إسلاميون وعلمانيون وثورة

د.رقية رفاعي  - مصر الأحد 2 ديسمبر 2012 19:6:14 بتوقيت مكة
   أصبت
أستطيع تفهم طبيعة التوحد بين الاتجاه العلماني بالنظم الاستبدادية باعتبار تلك النظم هي الوسيط الحميم للهيمنة الغربية فهي الوجه الداخلي والمكمل لهذه الهيمنة بحسب تعبير الكاتب ، ولذلك كانت الدعامة الأساسية لنظام مبارك طوال الثلاثين سنة الماضية هو الفكر العلماني نفسه ، وربما كان الاستجداء بالهلوكوست والمناداة بتدويل الدستور هو انعكاس للعلاقة بين العلمانية والتبعية السياسية للغرب وأرى أن الحالة الاستثنائية في التحام العلمانية بالثورة قد يكون بسبب تجاوز الاستبداد عن الحد المقبول في التعامل مع المجتمع العلماني نفسه مثل حادثة صحة الرئيس وابراهيم عيسى و قصة الابراشي مع قانون الضرائب .
أما النزعة التوافقية مع العسكر التي شابت التيار الاسلامي فأنا شخصياً سعيدة بتطرق الكاتب اليها والإشارة عليها لإن فهم هذه النقطة بالتحديد هو السبيل لوضع الثورة مرة أخرى في مسارها الثوري الاسلامي الصحيح خاصة ونحن غير مضطرين لدفن رؤوسنا في الرمال والعالم من حولنا يتحدث عن الظاهرة النفسية المجتمعية المعروفة بـ stockholm syndromeوالتي ربما تصح ان أسقطناها على بعض تيارات الاسلام السياسي المتصدرة حالياً .
 
محمد - ارض الله السبت 1 ديسمبر 2012 18:43:14 بتوقيت مكة
   طواغيت ضد طاغوت في الميادين
ليس للإسلام دخل في العراك... نحن قضيتنا الشريعة
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7