الجمعة 21 ديسمبر 2012

 

تحديد موضوع الدراسة: التمييز بين (الإسلامي) و(المتدين).
فاشلة هي محاولات تمييع الفروق بين الشخص (الإسلامي) والشخص (المتدين)، إننا في دراستنا للظاهرة الإسلامية لابد أن ننزعج كثيرا من ذلك الخلط، إذ هو تضييع لموضوع الدراسة الذي يجب أن يبقى محددا معينا بما فيه الكفاية، وذلك كي نتلمس أعراض الظاهرة بشكل دقيق، فلا ننسب إليها ما ليس منها، ونفهم جيدا ما هو منها.
المفارقة العجيبة هي أن تلك المحاولات لتذويب الفروق بين (الإسلامي) و(المتدين) تأتي من بعض المناطق في المعسكرين المتخاصمين على حد سواء، من الإسلاميين ومن خصومهم، غير أنها تحمل في كلا من المأتيين غرضا هو على النقيض من الآخر، فـ(الإسلاميون) يقصدون من نفيهم للفرق بينهم وبين (المتدينين) أن يتخففوا من عبئ الاختلاف بعض الشيء، هربا من عدوان المجتمع عليهم، فكأنهم يقولون: «كفوا عنا نظراتكم المرتابة، نحن مثلكم تماما لا نتميز عنكم في شيء، لسنا من كوكب آخر، نحن مجرد (متدينين) غير أننا نصبو إلى بعض ما لا تنكرونه أنتم أيضا من أمور تتعلق بتطبيق الشريعة وما إلى ذلك».
أما خصوم الحركة الإسلامية فمقصدهم من نفس الفكرة هو مهاجمة (الأنا) الإسلامية ونفي شرعية وجودها ككيان متميز، ودحض مبرراتها كظاهرة، وكأنهم يقولون: «من أنتم؟ أي شيء أضفتموه إلى المجتمع؟ وعلى أي أساس تستندون في دعواكم أنكم عنوان الهداية ومعقد الأمل؟ ليس شيئا مما تحرصون عليه إلا ويحرص عليه غيركم من أخلاق حميدة ومناسك دينية بل وأمل في تطبيق الشريعة. لستم سوى مجموعة ادعاءات.»
لكن.. ورغم تلك المحاولات.. إلا أنه يبقى الشعور بالاختلاف ثابتا مستقرا سواء في وعي الإسلاميين أو في وعي المحيطين بهم، وفاعلا يفرض نفوذه على الجميع، ويأتي بآثاره رغم كل شيء، فلقب (الأخ) أو وصف (الملتزم) المتداولين في الوسط الإسلامي يعبر عن شعور قوي بأنه ثم فرق نوعي بين الإسلاميين وبين غيرهم، يعبر عن شعور بأنه ثم هدف مشترك ومقصد واحد ومصاعب وعقبات واحدة تحول بينهم وبين هذا الهدف وذلك المقصد، حتى وإن تباينت واختلفت المناهج والاتجاهات الإسلامية، بين (التبليغي) وبين (الإخواني) رابطة ما، رغم تباعد الشقة بينهما في الظاهر، يظل كلا منهما أقرب لصاحبه من (العامي) الذي لا يحمل ما يحملانه من هم.
أما لقب (السُنّي) الذي لصقه (العوام) بالإسلاميين فلم ينبت من فراغ، بل يقوم بنفس الوظيفة التي يقوم بها لقب (الأخ) عند الإسلاميين، إنه تعبير عن وعي بالاختلاف، اختلاف ضمني قد لا يحسن التعبير عنه بدقة حتى الإسلاميون أنفسهم أو (العوام)، ومهمتنا هي إخراج ذلك الشعور بالاختلاف من حيز الغموض إلى نطاق الوضوح.
الفرق بين المتدين وبين الإسلامي
المقصود بـ (المتدين) هنا هو ذلك الذي يشكل الوازع الديني عنصرا هاما في حياته اليومية، غير أنه راض عن المجتمع الذي ينتمي إليه، فلا يُطلَق عليه من المحيطين به لقب (سنّي) أو (أخ)، والفرق بين (المتدين) وبين (الإسلامي) لا يتعلق (بدرجة) التدين، بل هو فرق نوعي كامن في (وظيفة) التدين، الدين لدى (المتدين) لا يقوم إلا بوظيفة راحة الضمير على المستوى الفردي، أما (الإسلامي) فوظيفة التدين عنده أبعد من حدود شخصه، إنها وظيفة حضارية بامتياز، مضمون تدين (الإسلامي) ليس فقط إراحة ضميره كشخص، ولكنه استدعاء للتراث الإسلامي بوصفه مصدر للطاقة النفسية والمدد الفكري اللازمَيْن لمواجهة خطر الحضارة الغربية، حتى مسألة تطبيق الشريعة عند (الإسلامي)، رغم أنها اعتمدت في منطقيتها على أفضلية شرع الله على شرع البشر، إلا أنها اتكأت، في أحد المستويات النفسية، على أن «شريعة حضارتنا أفضل من قانون الفرنسيين».
ليس علينا أن نكرر هنا أن الوعي بالمسألة الغربية عند كل الإسلاميين ليس شرطا لتأكيد كلامنا، فكل التفاعلات الواردة في تلك الدراسة، وكما أكدنا مرارا، هي تفاعلات لا شعورية هي أقرب إلى الشعور الضمني الغامض منها إلا الموقف الصريح، فصائل إسلامية كاملة أسقطت مفردات الصراع الحضاري مع الغرب من قاموسها، ومع ذلك فهي نشأت كنوع من الممارسة العدوانية الضمنية للغرب.
الموقف من المجتمع إذا هو ما يميز (الإسلامي) عن (المتدين)، فالأول منهما يضع المجتمع المحيط به بين قوسين، إنه غير راض عنه لأن موقفه من الهيمنة الغربية سلبي وغير ملائم من وجهة نظره (أو بحسب شعوره الغامض غير الواعي)، إنه مجتمع دنيء رضي بأن يتعايش مع وضعه كمقهور مستباح، فهو إذا غير جدير بالاحترام ولا يصلح أن يكون مرجعا حياتيا، ويسهل عليه جدا أن يُضمِّن برنامج حياته بعادات قد يستغربها المجتمع، إذ ما عاد يأبه لاستغرابه بعد.
أما (المتدين) فصحيح أنه لا يرضى عن الانحرافات الدينية للمجتمع بكل صورها، إلا أنه لا يتحفظ على المجتمع ككل، ولا ينكر انحرافاته إلا بوصفها أمرا مألوفا، هي وإنكاره لها على حد سواء، وكأنه يحدث نفسه: «هكذا تسير الأمور.. وهكذا (يجب) أن تسير.. مجتمع منحرف وبعض أفراده ساخطين من تلك الانحرافات، وأنا منهم»، إن رضاه عن انحراف مجتمعه كامن في طيات سخطه المزيف، وهي تلك المسرحية التي قرر (الإسلامي) عدم الانخراط فيها، واستبدلها بتهديد حقيقي لثوابت المجتمع لصالح مثل أعلى مفارق له وللمجتمع.
تحفز المجتمع إذا ضد الإسلاميين مفهوم من خلال هذا الموقف الإسلامي، مفهوم بكل مظاهره، فتراهم مرتابين في كل ما يفعل، متشككين في كل ما يقول، متربصين بكل يا ينوي، ولعلك تندهش حين تراهم مشمئزين جدا تجاه أي سلوك مشين قد يختلط بالظاهرة الإسلامية، وحاسمين جدا في ردهم لكل مظاهر الدين في تلك الظاهرة لأجل ما اختلط بها، لكنهم فيما بينهم، تراهم يقنعون حتى بحجّة راقصة أو صدقة عربيد دليلا على التقوى الكامنة وصفاء السريرة، إنه في الحقيقة عداؤهم للظاهرة الإسلامية وليس للسلوك المشين.
(الإسلامي) إذا هو إنسان متميز، ومتفوق، وأفضل من الإنسان (المتدين) من الناحية الإنسانية، حتى لو حدث أن كان هذا (المتدين) هو أكثر منه تدينا. الإنسان (المتدين) يبقى أسير المجتمع حتى في تدينه، لا يستطيع أن يُحلّق خارجا عنه، بل يعمل دائما على تهذيب تدينه وتطبيعه وتطويعه للمجتمع بكل آفاته، وأهمها الآفة الأكثر عراقة فيه، وهي السلبية السياسية التي لا يتسامح أبدا في تجاوزها إلا بشكل صوري طبعا.
(المتدين) إذا بمنأى عن عقاب المجتمع للـ (إسلامي) بسبب موقفه المتحدي له، (المتدين) لا يعيش أزمة الاغتراب التي يعيشها (الإسلامي)، فلا نتعجب حين يكون أكثر اتزانا في بعض الأحيان من الناحية النفسية من الإنسان (الإسلامي)، غير أن ذلك لا يعني بحال أنه أفضل منه، بل يعني أنه جبان قد نأى بنفسه عن المواجهة مع المجتمع أصلا، تلك المواجهة التي تركت كثير من الجروح النفسية لدى (الإسلامي).
صحيح أن التشارك في التدين قد جعل (المتدين) هو أقرب إلى (الإسلامي) من غيره، غير أننا ونحن بصدد رصد الظواهر وردها إلى طبائع الأشياء لابد من إخراج ذلك الجبان من حيز دراستنا.
الأزهر والصوفية خارج موضوع الدراسة.
إننا أيضا كما استبعدنا (المتدين) من مجال الدراسة، فإننا نستبعد مؤسسة الأزهر ورجاله، فليس هناك أي مشكلة بين الأزهر وبين المجتمع إذ تأصلت واستقرت العلاقة بينهما بامتداد عمر الأزهر نفسه، فرغم أن المجتمع يسخر من رجل الأزهر دائما ويرسم له صورة الديكور الديني المنافق للسلطة والنهم الذي لا يشبع من (اللحوم وحواشيها) والدرويش المعزول عن مفردات عصره، إلا أنه مع ذلك يبقى مرجعا دينيا لا سبيل إلى إنكاره أو استبعاده، خاصة إذا ظهر (الإسلامي) في الصورة.
والأزهر في ذلك شأنه شأن الفرق الصوفية التي تعتبر مرجعية المجتمع فيما يتعلق بالأمور الروحانية والغيبية، ومهما أظهر المجتمع من تحفظ على (خرافات) المتصوفة، إلا أن الصوفي والمجتمع قد قبل كل منهما على علاته، وأيا منهما لا يشكل تهديدا للآخر.
ما هو غير جوهري عند الإسلاميين
لقد استبعدنا الظواهر الشبيهة بالظاهرة الإسلامية كي نحررها من غيرها ونميزها كحركة رفض للمجتمع، بقي أن نستبعد بعض العناصر الداخلية في الظاهرة الإسلامية والتي قد تعكر صورتها كوحدة اجتماعية.
قد يتبادر إلى الذهن أن (المعتقد) هو ما يميز الإسلامي عن غيره، أليس الإسلاميون هم حملة لواء أهل السنة والجماعة في زماننا الحاضر في الوقت الذي انتشر فيه الجهل والخرافات عند غيرهم؟ الحقيقة أنه من الخطأ أن نتساهل مع تلك الفكرة رغم ما لها من غواية وبريق، ومن المؤكد أننا نلاحظ أن بعض (الإسلاميين) هم أكثر انحرافا عن معتقد أهل السنة من بعض من هم خارج النمط الإسلامي، وأن مفهوم (معتقد أهل السنة) نفسه هو نسبي يدعيه شركاء متشاكسون في مسمى (الإسلاميين)، وإلا فهل تظن أن المسافة يمكن تجاهلها بين التكفيري الذي يكفر كل من يستخرج بطاقة هوية، وبين الإرجائي الذي يتحرج في تكفير الساخرين صراحة من تشريعات الإسلام وحضارته؟ أم هل تظن أن الجهادي الذي لا يعرف سوى العمل المسلح هو قريب من السلفي الذي يحرِّم حتى المظاهرات، بل يحرم نقد الحاكم على الملأ، بل يرى وجوب أن يعمل لديه مرشدا على من يعتبرهم خوارج؟ ومع ذلك فالجميع (إسلاميون)، وكل فرد منهم يرى في كل فرد من الفريق الآخر وجه شبه وقربى، يرى فيه شيئا يشترك به معه دون (العوام) الذي لا يحملون هم (تغيير المجتمع).
(المظهر) أيضا لا يميز بين الإسلامي وغيره، فالتبليغي والسلفي المفرطان في مظهرهما غير الاجتماعي يشعران أن الإخواني المفرط في محاكاته للمجتمع يهدف إلى ما يهدفان إليه من (تغيير المجتمع) غير أنه قد سلك طريقا آخر يعتمد على خداع ذلك المجتمع ومجاراته، ودعك من أي نقد قد يوجهه أيا منهما للآخر بخصوص الملبس، إنما نحن نبحث عن (النقطة العميقة) التي تجمع بينهما قبل أن يسلك كل منهما سبيلا خاصا.
إذا فـ  تغيير المجتمع هو (المؤامرة النبيلة) التي تجمع بين كل الإسلاميين، وشعور المجتمع بالتهديد تجاههم يستغرق كل فصائلهم على اختلافها، و(تغريب) المجتمع كسلوك دفاعي هو مصدر المعاناة لدى كافتهم.
وسنرى فيما بعد بالتفصيل، كيف أن جميع التباينات الداخلية بين الإسلاميين لا تنفي القول بوحدة الظاهرة، بل هي شاهد إثبات على تلك الوحدة، وذلك حين نرد كل تلك الاختلافات المظهرية إلى أن تكون آليات دفاع مختلفة ضد أزمة نفسية واحدة هي أزمة الاغتراب عن المجتمع.
تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن إن شاء الله
 
 
   Bookmark and Share      
  
 التمييز بين (الإسلامي) و(المتدين)

يحيى رفاعي سرور - مصر الإثنين 24 ديسمبر 2012 23:29:16 بتوقيت مكة
   رد على أسئلة
• القول بأن الإسلامي لا يقدر على الاندماج في المجتمع هو غير دقيق، هو لا يرغب أساسا في الاندماج وهو من اتخذ قرار الانسحاب، عدم الاتزان النفسي هو ظاهرة محدودة جدا لكن لها دلالة لا يجب التغافل عنها، الانسحاب من المجتمع هو أحد أسبابها لأن علاقة الفرد بالمجتمع هي أهم أركان الصحة النفسية، وليست هذه طبيعة جوهرية للحركة الإسلامية ولكنها أحد أعراض الاغتراب وهو بدوره عرض مؤقت. أما الحلول ففيما يأتي من حديث سنتطرق له.
• العناصر الداخلية التي تعكر صفو الوحدة الداخلية للحركة الإسلامية هي تعدد المناهج والأمزجة.
• الأنماط النفسية المهيَّئة للاندماج في الحركة الإسلامية هي الأنماط التي يبلغ عدم رضاها عن المجتمع نوعا من الشمول والجدية، سواء كانت أسباب ذلك السخط موضوعية أو نفسية داخلية.
• قيام الدولة دولة الإسلام مع بعض الانحرافات سيكون عاملا حافزا في اتجاه زوال الشعور بالاغتراب لدى الحركة الإسلامية، لكنه لن يكون العامل الحاسم، فالمناط الأكثر أهمية هو المجتمع وليس الدولة، مع العلم بأنه لا تلازم بين الحركة
 
مسلم - مصر الأحد 23 ديسمبر 2012 9:56:12 بتوقيت مكة
   أسئلة
أسئلة أتمنى أن تهتم بالرد عليها ولو في الحلقة القادمة
- ما معنى أن المتدين هو أكثر اتزاناً نفسياً من الإسلامي ؟ هل المقصود بذلك الاتزان الاجتماعي والقدرة على الاندماج مثلاً ؟
وهل هذه مشكلة تحتاج إلى دراسة وحلول أم أنها طبيعة الحركة الإسلامية وجوهرها ؟
- ذكرت ان المتدين والصوفي والأزهري خارج نطاق الدراسة لإنها ظواهر شبيهة بالظاهرة الإسلامية ، فما هي العناصر الداخلية في الظاهرة الاسلامية والتي قد تعكر صورتها خاصة وقد ذكرت في آخر المقال ان جميع التباينات الداخلية بين الاسلاميين لا تنفي القول بوحدة الظاهرة بل هي شاهد اثبات على تلك الوحدة ؟
- ما هو أثر النمط الشخصي للفرد في التأثير على خياراته إذا ما قرر الإندماج في الحركة الإسلامية ؟
- إذا حدث وقامت الدولة على أسس الشريعة أو قامت خلافة إسلامية ، هل نتوقع استمرار انزواء بعض التيارات كحركة رافضة للمجتمع عند حدوث أي شبهة قد تشوب آلية تطبيق الشريعة ؟
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7