الثلاثاء 25 ديسمبر 2012

 

المجتمع يستبق الضربة

الإسلاميون، بحسب مجتمعهم، قد ارتقوا مُرتقا صعبا حين تجرؤوا على الخروج على خياراته وتهديد ثوابته والاستهانة بوجوده، أي حين رفضوا (رفضا حقيقيا) ما رفضه هو رفضا صوريا هزليا، من هيمنة غربية واستبداد سياسي تابع لها مدعوم منها، أي رفضوا العار الذي تكيف وتعايش هو معه، فطبيعي ينال ذلك من احترامهم له، بل وأن يمثل أمامهم كعقبة يجب أن تزول، وكبناء يجب أن يهدم، وطبيعي أيضا، على الطرف الآخر، وبغريزة البقاء لدى المجتمع، أن تكون مهمة تحطيم الحركة الإسلامية هي أولى أولوياته وأكثرها إلحاحا.

ولقد أثبتت الأيام أن المجتمع كان أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على تحقيق هدفه، وأن الإسلاميين فعلا قد خاطروا بوجودهم حين انشقوا بخياراتهم عن مجتمعهم، لكن لم يكن أمامهم سوى ذلك، فانشقاقهم ليس خيارا، بل هو وجودهم ذاته. المهم أن المجتمع قد نجح في تحويلهم في النهاية إلى مسخ عديم الخطر ولا معنى له وحجمه أضخم من فعالياته. وانعكس هذا على مرحلة ما بعد الثورة، إذ لا يستطيع أحد إنكار أن التقدم السياسي لدى الإسلاميين لا يوازي أو يناسب إمكاناتهم العددية وجاذبيتهم الجماهيرية. وليست هذه الحالة الحزينة التي آل إليها الإسلاميون سوى حالة ترنح طويلة الأمد حصلت بفعل ضربات متتالية ومستمرة من خصمهم الأقرب والذي هو المجتمع المحيط بهم.

وإعادة المشهد ببطء هو أمر لازم الآن، أقصد مشهد (الضربات) هذا، بقصد تحليل ما حدث وتفكيك عناصره وتحويله إلى خبرة أعتقد أنها ضرورية جدا إن كنا لا زلنا نأمل في استمرار ما يسمى بالحركة الإسلامية. أين هي مكمن قوة المجتمع؟ وكيف كنا غير محصنين ضد ضرباته؟ وما هي تحديدا أعراض الإصابة؟

المجتمع يملك ورقة رابحة دائما ضد كل إرادة تعلن استقلالها عنه وتأبيها على الخضوع له والرضوخ لمزاجه، فهو، بطبيعته، من بيده صياغة وعي أفراده وتشكيل صورتهم أمام أنفسهم، هذه هي العلاقة بين الفرد والمجتمع بشكل عام، حتى المزاج الجنسي نفسه يحدده المجتمع لأفراده بناء على احتياجاته، وهي ملاحظة رائعة ضمّنها د. محمد جلال كشك في كتابه: «خواطر مسلم في المسألة الجنسية»، الفرد بالنسبة للمجتمع شأنه شأن الطفل بالنسبة للأسرة، فهي من تمنحه صورة ذاته، وتلقنه بما هو عليه.

من الميسور لنا الآن استنتاج أن رد فعل المجتمع تجاه إرادة الحركة الإسلامية هو تفتيت وتشتيت تلك الإرادة بحيث تضمنت في النهاية صورة عن ذاتها أنها  كيان: «« مذنب.. وقبيح.. وضار.. ومكروه.. وحقير.. وغير مرغوب فيه». وباختصار: تغريب الحركة الإسلامية، أي زرع الشعور بالاغتراب داخلها بحيث تنحرف أعراض ذلك الاغتراب بالحركة الإسلامية عن أهدافها غير المسالمة للمجتمع.

*

إننا نتحدث إذا عن الدعاية المضادة للحركة الإسلامية على مدار عقود هي عمر الحركة نفسها، وأرجو أن لا نذهب بتفكيرنا إلى السلطة وإعلامها حين نتحدث عن تلك الدعاية، قد يبدو إعلام السلطة بنظرة سطحية هو الفاعل والصانع للرأي العام خاصة في المجتمعات الاستبدادية، غير أننا على المستوى التحليلي لا نعتبر ذلك الإعلام سوى أداة ووسيلة من وسائل المجتمع، إذ لا يمكن أن يحتوي إلا على رسائل هي على قدر من الموائمة والانسجام مع مخيلة الجمهور نفسه، حيث لا تقوم إلا بصياغة نوازعه وتجسيد خيالاته الكامنة فيه، إننا إذا نتحدث عن (المجتمع) كمجرم أصيل في حق الحركة الإسلامية، نتحدث عن كل حركة وكلمة وإشارة صدرت من أي فرد من أفراد ذلك المجتمع ضد أي فرد ينتمي بأي شكل من الأشكال إلى التيار الإسلامي، كل حركة أو كلمة أو إشارة مشحونة بشحنة نفسية سلبية ومعبأة بالشعور بالترصد أو التربص أو التحفز أو الاستغراب أو الاستنكار أو السخرية أو الرفض.

وتحليل محتوى الدعاية المضادة للحركة الإسلامية هو: تحديد السمات السلبية التي استُهدف الإسلاميون كي يروها في أنفسهم ويقيموا ذاتهم من خلالها. أما ضرورة تحليل تلك الدعاية فهي مزدوجة:

ثانيا: التحفيز لتطوير دعاية إسلامية دفاعية مضادة ومنظمة وعلمية تعتمد على فهم الآخر بدلا من الاكتفاء بنقده من الناحية الشرعية أو الأخلاقية. رغم أنه لا أمل في القريب العاجل من بلورة تلك الدعاية الإسلامية، إذ لا يعقل أن يقوم بذلك العمل كيانات وشخصيات لا زالت هي نفسها واقعة تحت تأثير الدعاية التي يحاولون نقضها.

ثانيا: التأكيد على ما سبق وافترضناه كتأسيس، من طبائع تحكم كلا من الظاهرة الإسلامية والظاهرة العلمانية والمجتمع الذي يضمهما، ومن تفاعلات لا شعورية بين تلك الظواهر هي نتيجة لتلك الطبائع الجوهرية فيها. إذ أن محتوى الدعاية نفسه له علاقة دلالية وثيقة بما ذكرنا.

*

لقد رمى فرعون وملأه موسى وهارون بتهمة (الاستكبار) رغم أن الاستكبار هو أصلا مضمون الفرعونية، قال تعالى: «قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين»(يونس 78). وهذه إشارة قرآنية إلى سيادة آلية (الإسقاط) على مضمون الدعاية الموجهة من أهل الباطل ضد أهل الحق.

لقد تحدثنا عن أن رفض المجتمع للظاهرة الإسلامية كان لتشبعه بنمطين كل منهما مضاد للنمط الذي تمثله تلك الظاهرة، وهما نمط (تقديس الحاكم)، ونمط (الإعجاب بالغرب)، وذكرنا أن كلا منهما معادٍ للظاهرة الإسلامية من حيثية مختلفة، فنمط تقديس الحاكم معادٍ لها من حيث طبيعة التراث الذي استندت إليه في وجودها، وهو التراث الإسلامي المضاد لفكرة (الحاكم الإله)، أما نمط (الإعجاب بالغرب) فمعادٍ لها من حيث هي تمثل استجابة للهيمنة الغربية هي على النقيض من الاستجابة التي يمثلها، أعني التناقض بين استجابتي الهروب والمواجهة.

لقد كان لهذه الازدواجية في الرفض للإسلاميين انعكاسه على ازدواجية الدعاية المضادة له، فبإمكاننا تمييز محتوى تلك الدعاية إلى حزمتين من السمات السلبية كل منهما مرتبطة في محتواها بالنمط المُصدّر والراعي لها، ثم رصد مجموعة من السمات المرتبطة مباشرة بفكرة المجتمع ذاتها.

أولا: سمات سلبية مرتبطة بنمط (تقديس الحاكم)، وتتعلق كلها بفكرة السلطة وبحرمة الحاكم وبجريمة تهديد الاستقرار، فالإسلامي بحسب هذا النمط هو شخص: «طامع في السلطة.. عميل للقوى الأجنبية.. غامض يعيش حياة سرية.. ماكر.. يخفي بوجهه البشوش قسوة لا حد لها.. وهو انتهازي يضحي بكل شيء في سبيل تحقيق أهدافه.. لا يبالي بدماء الأبرياء.. ولاؤه فقط لجماعته ومن هم على شاكلته.. يخطط بدهاء ويحقق أهدافه ببطء شديد.. يجيد استخدام الورقة الدينية بمهارة مع البسطاء مع الناس..  انتهازي يتخلى عن معتقداته نفسها طالما كان في ذلك تحقيق لمصالحه.. يلقي باللوم على النظام لأتفه الأسباب ويثير عليه الناس في كل مناسبة».

ثانيا: سمات سلبية مرتبطة بنمط (الإعجاب بالغرب)، وكلها مرتبطة بنفس الوشائج التي ربطت أفراد ذلك النمط بالغرب، فالإسلامي بحسب ذلك النمط هو شخص متخلف.. يعيش الماضي بكل مفرداته، فالأعشاب هي موضع ثقته بدلا من العقاقير الصيدلية، الإسلامي هو إنسان همجي، غير منظم، لا يعرف قيمة الوقت، هو متواكل على الأقدار، عقليته غيبية خرافية، عاجز بطبيعة تكوينه عن التفكير العلمي والمنطقي، ثم هو عاطل عن العمل وغير منتج، وهو مع ذلك مهووس جنسيا (لاحظ أن الهوس الجنسي سمة غربية).. الإسلامي هو أيضا مرائي يخفي بمظاهر تدينه كل رذيلة (الرياء الديني هو أولى مآخذ الغربيين على رجال الدين والمسيحية بيئة خصبة للرياء بطبيعتها المفرطة في المثالية) .. وكل حديث الإسلامي عن الغرب إنما هو حقد منه عليهم.

ثالثا: سمات مرتبطة بفكرة المجتمع ذاتها، وتعتبر محصلة ومآل للدعاية المرتبطة بالنمطين السابقين، وبحسب ذلك الجانب، فالإسلامي غريب الأطوار.. معقد.. حاقد.. صلف.. نرجسي.. عدواني.. يحسد المجتمع على كل ما يتمتع به من دفئ وأنس.. سيء الظن أخلاقيا بكل من حوله لأدنى سبب.. مستخف بمشاعر الآخرين.. شخصية ناقصة حساسة تجاه نظرة الآخرين لها.. حالة مرضية لا تعي نفسها.. منافق لا يتورع عن إتيان كل ما هو غير أخلاقي طالما زالت العوائق وأمن العواقب.. انطوائي لا ينبسط إلا مع أمثاله.. لا يميز بين أهل ملته وبين غيرهم وكأنه يعتنق دين مستقل عن الجميع.. يعيش في عالم مغلق ولا يسيطر عليه سوى جماعته.. ينتابه الحنين بين الحين والآخر إلى المجتمع والانخراط فيه لكنه يقاوم ذلك. تافه يعوض حقارته باستغلال مقام الدين عند الناس.

الملاحظ أن الفئات الثلاثة السابقة رغم تمايز مصادرها إلا أنها في الواقع متداخلة ومتلازمة مع بعضها البعض عند نفس الأفراد، حيث يحدث ما يشبه (الاستعارة) بين الأنماط في نظرة كل منهم للظاهرة الإسلامية، فالعلماني المنبهر بالغرب قد يكون معارضا سياسيا معادٍ للنظام، لكنه مع ذلك يأخذ على الإسلامي عدائه للسلطة، أما رعاع القوم والذين يغلب عليهم نمط (تقديس الحاكم) فستجدهم أحيانا يأخذون على الإسلاميين أنهم (لا يعيشون عصرهم)!

*

لقد قمنا برد مفردات الدعاية المضادة للحركة الإسلامية إلى مكامن وأسباب رفض المجتمع لتلك الحركة، بقي أن نعالج نقوم بتحليل آثار تلك الدعاية المضادة بنفس الطريقة، أي أن نرد جميع أعراض الخلل في الحركة الإسلامية إلى حالة (الاغتراب) التي نشأت من تلك الدعاية، وهي طريقة جديدة لا بد منها لتفسير سلوكنا نحن الإسلاميين ثم تقويم ذلك السلوك.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تحليل محتوى الدعاية المضادة للحركة الإسلامية (8)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7