الخميس 27 ديسمبر 2012

الحركة الإسلامية بين جوهر الكمال وعوارض النقص (9)

فك طلاسم الحركة الإسلامية: (الشخصية الإخوانية)

كل فوضى سلوكية هي خاضعة في النهاية لنظام، وكل سلوك عبثي يمكن في النهاية تفسيره، ولن نمحو (اللامعنى) من حياتنا نحن الإسلاميين باعتلاء كل منا لمنصة قضاء وتسويد قائمة بما استطاع رؤيته من أخطاء، هذا أمر قد اكتفينا منه وتخمنا به، وانظر حولك فستجد نفسك أنت ومنصة قضائك مدان في نظر إسلاميين آخرين لا يفتقرون إلى منصة قضاء أيضا، فدعك من (النقد) وهلم نجرب (الفهم)، هذا إن كنت طموحا لا يشغلك الحكم على الأشياء من بعيد، بل تروم السيطرة عليها.

هل تحاذر دائما من (الغفلة) وتخشى من أن تكون من (الغافلين)؟ أراك تظن أن غفلة الإنسان هي فقط غفلته عن مصيره، أخبث الغفلة هي غفلة الإنسان عن وجوده، عما هو عليه الآن، عن هوى بين جنبيه لا يعلمه، أو بغيا في دواخل نفسه قد ذهل عنه.

لا تحاول أن تتنصل من غيرك، أن تتشرنق داخل فصيلك الذي تنتمي إيه وتصب لعناتك على من هو خارج شرنقتك تلك، اختلافنا عن بعضنا البعض مصدره (الهوى)، خيط  رفيع يضم اعوجاجات متفرقة أنت وشرنقتك جزء منها.

كل فرد من الإسلاميين هو مسؤول عن خطايا كل الإسلاميين حتى لو يقترف إلا بعضها، وكل فرد من الإسلاميين هو عليل بأمراض الحركة الإسلامية كلها ولو لم يتوعك إلا ببعضها. فإن لم تكن رجلا فيما مضى، فلا أظنك تعمى عن حاجتنا إليك كي تكون رجلا في هذه المرحلة، أي أن تكون مسؤولا عن الجميع.

*

تذكر هذه القاعدة جيدا لتفهم ما يجري: «التيارات الإسلامية هي أنماط نفسية مشوهة انحرفت بأفرادها عن غاية هجومية هي تغيير المجتمع وقصدت بهم إلى حالة دفاعية هي التكيف مع أزمة الاغتراب عنه، وهو المصير الذي نجح المجتمع عن قصد في أن يصيّر الحركة الإسلامية إليه بعد تهديدها له».

ويمكن رصد خمسة أنماط تحكم سلوك الحركة الإسلامية، لا يمكن فهم أي منها إلا من خلال وظيفتها في حل أزمة الاغتراب عن المجتمع.

أولا: نمط محاكاة المجتمع.

ثانيا: نمط الانسحاب من المجتمع.

ثالثا: نمط عسكرة العلاقة مع المجتمع.

رابعا: نمط إلغاء قيمة المجتمع.

خامسا: نمط الاختفاء من المجتمع.

وما نقصده بكلمة نمط يختلف عما تعنيه كلمة تيار أو فصيل أو حركة، النمط هو بناء نفسي وليس هيكلا تنظيميا أو اجتماعيا واضحا، إنه إرادة أو نزعة نفسية ضمنية تسيطر على تيار أو حركة ولكنها قد تسيطر على غيرها، وكل نمط هو إرادة  تميزت عن نظيرتها باختيارها شكلا من أشكال التكيف مع أزمة الاغتراب، وليس تناولنا لحركات بعينها سوى وسيلة للخلوص إلى النمط المسيطر عليها، أي النزعة النفسية الحاكمة لها والتي تتدخل في صياغتها لما تعتبره منهجها في التغيير،  لا أكثر.

الإخوان المسلمون: نمط (محاكاة المجتمع).

لم يُقدّر لعبارة من عبارات الأستاذ  «حسن البنا» أن تكون ذات فاعلية وأثر في الأخوان أكثر من هذه العبارة: «لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد».

فمنذ ذلك الحين وفن التعايش عند الإخوان هو الفن الرائج، ومهارة تجنب الصراع عندهم هي معيار الكفاءة، والمرونة عندهم هي النوع المفضل من التضحية،  والإصلاح الناعم عندهم هو طريقة التغيير، والشخصية الإخوانية الواعدة هي التي تجيد الردود الديبلوماسية. أما كل سيئات الإخوان وخطاياهم فليست سوى ما سبق من سمات ولكن من منظور آخر، فكلها تدور أيضا حول فكرة عدم الصراع ولكن من منظور سلبي، فهي بحسب خصومهم: مداهنة، وتنازل عن الثوابت، وانتهازية، ونفاق، وجبن، ولجوء لأنصاف الحلول.. إلخ. وهذه هي صورة الواقع الذي جسدته مقولة «حسن البنا»، سواء كما يراها الإخوان أم خصومهم.

لسنا هنا مضطرين لاستعراض قائمة بتنازلات الإخوان، يمكنك الرجوع لأي مصدر بهذا الشأن، وأولها كتاب «الحصاد المر للإخوان المسلمين» للدكتور «أيمن الظواهري»، ولسنا هنا أيضا بصدد الدفاع أو الهجوم، ولا يعنينا هنا الترجيح بين (الحنكة والحصافة ) وبين (اللاأخلاقية واللامبدأ)، وأي من النظرتين هي الأدق في وصف الإخوان، لكننا معنيون بـ (إعادة توصيف الحالة) في ضوء ما توفر لنا من حقائق سابقة حول التفاعلات الخفية والعميقة بين الإسلاميين وبين المجتمع.

محاكاة المجتمع كحل لأزمة الاغتراب عنه:

بمقدورنا الحصول على منظور أشمل للإخوان إذا عقدنا صلة بين ما استنتجناه من تغريب اجتماعي للإخوان، بالنظر إليهم كنوع من الإسلاميين، وبين المداهنة الإخوانية للمجتمع كنوع من التكيف مع أزمة الاغتراب. الاغتراب حقيقة نفسية تستند إلى واقع موضوعي هو(الاختلاف)، والمحاكاة هي نفي للاختلاف كوسيلة لإنكار الاغتراب.

ينبغي هنا التأكيد على ما سبق وذكرناه من ضرورة التمييز بين مستويين من التفاعل بين المجتمع وبين الإسلاميين، مستوى مضمر يتضمن شعور بالتهديد تجاه كل منهما للأخر، ويعود إلى الوجهة الطبيعية المضادة للمجتمع، ويترتب عليه (حالة نفسية) عند الإسلاميين، ومستوى صريع يعود إلى ما يراه كلا منهما من الآخر من عداء سافر، سواء كان العداء مختلقا أم مضخما أو حقيقيا، ولنعلم أن المستوى المضمر في التفاعل بينهما هو سيد الموقف في النهاية. ووظيفة ذلك التمييز في الحالة الإخوانية هو الكشف عن حقيقة مؤلمة للغاية: هو أن تنازل الإخوان كان وسيكون دائما غير ضروري ومبالغا فيه من ناحية الموضوعية، وسيستمر حتى لو وصل الإخوان للحكم، لأنه يعود لا إلى حسابات منطقية، بل إلى (حالة نفسية) تحكمت في الشخصية الإخوانية ويصعب اقتلاعها.

إننا نقف موقفا وسطا بين الثقة بالإخوان وبين احتقارهم، إننا ببساطة: مشفقون عليهم. فليسوا هم بأهل ثقة لأن مراوغتهم ومرونتهم ومداراتهم وحصافتهم الاجتماعية ليست  (خيارا سياسيا واعيا)، بل هو في حقيقته (حالة نفسية غير واعية).

إننا مع ذلك لا نحتقرهم شأنهم في ذلك شأن أهل النفاق والانتهازيين والنفعيين، فأغراضهم ليست شخصية، ومراميهم نبيلة، وليس ذلك النفاق والتنازل سوى اضطرارا يعالجون به شعورا جارفا بأنهم موضع عداء المجتمع وكراهيته.

لذلك قلت أننا نقف موقفا وسطا بين الثقة بهم وبين احتقارهم، وأن الشفقة عليهم يجب أن تجد إلى نفوسنا سبيلا. ويمكن التعبير عن موقف الإخوان المضمر من المجتمع في هذه العبارة: «لم كل ذلك الارتياب منا، إننا لا نريد لكم إلا الخير، إننا لسنا غرباء عنكم، إننا نشبهكم تماما، كل ما تجدونه ثابتا من ثوابتكم هو مُبرَّر مباح في عقيدتنا، حتى معارضتنا للنظام لن تتجاوز حد معارضتكم له، ولن يرتفع سقف سخطنا عليه فوق سخطكم أنتم عليه، ومحاولاتنا الإصلاحية لن تعتمد إلا ما ترضونه من وسائل، نرجوكم أن تترفقوا بنا ولن تجدوا منا ما يزعجكم، بل سنكون لكم خيرا مما تظنون».

«حسن البنا» يتحدث في عبارته الشهيرة عن (النواميس الكونية) التي لا ينبغي الصدام معها، إنه في الحقيقة يتحدث عن المجتمع لا النواميس، وليس حديثه عن النواميس سوى شعور بالرهبة من المجتمع، وخوف من غضبته، ويقين بقدرته على سحق ما يهدده، وهو الشعور المسيطر على الإخوان إلى الآن والذي سيظل مسيطرا عليهم في المستقبل.

*

لقد استنتجنا، من خلال الوضع النفسي غير السوي للإخوان، أن التشاؤم فيما يتعلق بمستقبل حالة (التنازل الإخواني للمجتمع) له ما يبرره، وأن الأمر سيطول هكذا إلى أمد غير قريب، وليس بيدي هنا أيضا أن أستنتج فاجعة أخرى ليست بأقل من الأولى وطأة، هو أنه طالما أن أخطاء الإخوان ليست في النهاية سوى (آلية دفاع ضد الاغتراب الاجتماعي)، وطالما أن أزمة الاغتراب مستغرقة لكافة الإسلاميين، فمن المؤكد أن سلوكيات التيارات الأخرى ليست هي بدورها سوى طرائق مختلفة لحل نفس الأزمة، أي أزمة الاغتراب، وأن ما يميز كل فصيل عن الآخر هو شكل الدفاع الذي ارتضاه للدفاع عن نفسه. وأن علينا إذا أن نفحص سائر التيارات انطلاقا من هذا الاستنتاج، وأن نجيب على هذا السؤال: إلى أي مدى يمكن اعتبار الدعوة السلفية والتبليغ والدعوة والقطبيين والتكفير والهجرة وحركات الجهاد، ليست طرائق في الهجوم بقصد تغيير المجتمع بقدر ما هي طرائق في الدفاع عن الذات الإسلامية ضد أزمة الاغتراب؟

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  (الشخصية الإخوانية)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7