الإثنين 31 ديسمبر 2012

كثيرا ما راودني ذلك السؤال المحيِّر: أيهما أكثر مكرا (وبالتالي: قبحا)، الإخوان أم السلفيون؟ لم أستطع أن أحسم تلك المسألة بعد، لكني على الأقل أميل إلى أن السلفيين أكثر خطرا، فهم حريصون على أن تبدو حٍيلهم كفضائل، وأن يبدو جمودهم كتقيد بما كان عليه السلف، وأن يعوضوا عقمهم بمظاهر المهابة التي برعوا فيها. لكن، ألم يعرِّف النبي، صلى الله عليه وسلم، الخوارج بعلامة مبالغتهم في شأن الصلاة.

والحكمة المستخلصة هي أنه لن يثنينا وجوب ما هو واجب (في ذاته) أو ضرورة ما هو ضروري (في ذاته)، لن يثنينا أيا منهما عما عزمنا عليه من اقتحام «المنتج الخيالي» الذي صنعه السلفيون، ولن يمنعنا أيا منهما النظر إلى السلفيين بارتياب ورثاء، إذ ليس أيا منهما (الواجب والضروري) بمحصن من أن يستخدم كـ (مسرح للجريمة). طبعا سيتجاهل هذا التنبيه كل (المجرمين) وسيصرخون: «إنه رجل يرفض ما هو (واجب)، ويتجاهل ما هو (ضروري)، ويدين ما هو (مباح)»،  فعلى (الأبرياء) إذا أن يتفطنوا إلى مغزى الصُّراخ، وأن يميزوا بين ما هو الشيء في ذاته، وبين كونه منفذا لمقاصد خبيثة.

*

الجميع متفق على أن البون شاسع بين السلفيين والإخوان، الاختلاف فقط في صيغة المقارنة بينهما، فإن كنت في الأرض الإخوانية فستكون الصياغة كالتالي: «شتان بين تشدد وتنطع وتحجر السلفيين وبين مرونة وكياسة ومعاصرة الإخوان»، أما لو وقفت في الأرض السلفية فستكون المقارنة التالي: «شتان بين اتباع الدليل، والصلابة في الحق، والسلفية في المنهج عند السلفيين وبين التسيب والجهل الشرعي والحربائية الإخوانية»، تناول الأمر من أي زاوية شئت، المهم أن التباين بينهما ملحوظ، حسنا.

لكن اسمحوا لي أن أوضح أمرا آخر، هو أن المسافة بينهما هي أقل مما تبدو عليه، لا أقصد أن مقاصدهم النبيلة واحدة، وأن كلاهما يسعى للتمكين لدين الله في الأرض، و.. ألخ. ولكن أقصد أن إرادة الاحتيال على الذات عندهم واحدة، إرادة الهروب السحري من أزمة الاغتراب عن المجتمع، وما تميز كل منهما عن الآخر إلا في وسيلة الهروب.

التحليل التراجعي للشخصية السلفية يعيدنا إلى النقطة التي كانوا يقفون عندها مع الإخوان قبل أن يفترق كل منهما عن الآخر، أي عند لحظة الشعور بأزمة الاغتراب، لقد انتهينا إلى أن الآلية التي اعتمدها الإخوان ضد قلق الشعور بالاغتراب هي: محاكاة المجتمع بغرض نفي الاختلاف وإزالته كأساس موضوعي للشعور بالاغتراب. السلفيون سلكوا طريقا معاكسا وأكثر خيالية، ولكنه يحقق يقوم بنفس الغرض ويحقق نفس الوظيفة، السلفيون قرروا الإغراق والمبالغة في الاختلاف عن المجتمع بغرض حمله على أن يتراجع عن مقارنتهم به، وبذلك تنقطع علاقة كل من الشخصية السلفية بالمجتمع من الطرفين، حيث يراهم المجتمع كـ (أناس آخرين) وهم يرون المجتمع كـ (بيئة مضيفة مؤقتة). وبذلك تنتفي إرادة التغريب، ويختفي الشعور بالاغتراب.

لكن، كيف يكون (الاستغراق في الاختلاف) حلا لمشكلة الاغتراب رغم أن الاختلاف هو الأساس الموضوعي للشعور بالاغتراب؟ هذا ما أود شرحه هنا: الشعور بالاغتراب هو انفعال وتأثر بنظرة المجتمع، والتي محتواها هو (اختلاف جزء من المجتمع عن سائر المجتمع)، أي أنه (اختلاف جزئي)، فإذا تحول هذا الاختلاف الجزئي إلى (اختلاف كلي)، ولم يعد الموضوع المختلف جزءا من المجتمع أصلا، انعدمت رغبة المجتمع في المقارنة بينه وبين ذلك الموضوع، كالسائح الذي يسير في الطريق بزي غريب عما اعتاده أهل البلدة، لكنه لا يخجل منهم لأنهم لا يتوقعون أن يشابههم في زيهم، إنه (مختلف كليا).

هكذا يطمئن الإخواني نفسه: «أنا طبقا لما عليه المجتمع، فلا اختلاف»، وهكذا يطمئن السلفي نفسه: «لست من هذا المجتمع أصلا، فلا مقارنة». 

كل خير في اتباع من سلف.. !!

المهرب الذي فرّ السلفي من مجتمعه إليه هو مهرب زماني ذو مسحة مكانية، كلمة (السلفية) قد تفسر على أنها: اتباع ما عليه السلف، لكنها على وجه الحقيقة تعني: الفرار إلى زمان السلف. ليس ما عليه السلف هو المطلوب الأول، بل تلك النقلة الزمنية ذاتها، إرادة مغادرة المجتمع. وإلا فبعض ما يقبله السلف عندنا الآن هو مرفوض عند الإنسان السلفي لا لشيء إلا لأنه (الآن)، وبعض ما لا وزن له عند  السلف قد احتفى به الإنسان السلفي لا لشيء إلا لأنه (هناك.. عند السلف).

أما البعد المكاني لعملية الهروب الكبير تلك فلعلكم لاحظتم زي الجزيرة العربية الذي تسرب إلينا في غفلة من أمرنا، أو بمعنى أدق: تم استدعاؤه.

القميص الأبيض والغطرة الخليجي

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ»، لكن لدينا ما يكفي من المبررات لنظن أن ظاهرة (الجلاليب البيضاء) تعود (في أصل نشأتها) إلى تقليد أهل الجزيرة أكثر من التزام الأمر النبوي، رغم أننا لا ننكر أن الكثير من الفضلاء حقا قد اعتبروها قربة إلى الله، وبعضهم كان يعي أنها مسايرة لما عليه الحال.

أولا: مناط الاستحباب في الحديث هو (اللون الأبيض)، في حين أن ترى عناصر مضافة إلى ذلك المناط دون وجه حق، فستجد عند السلفيين أن فتفصيلة القميص نفسها، حتى لو لم يكن أبيضا، لها أيضا دلالة الانتماء للكيان. ثم إن غطاء الرأس الخليجي (الغُطرة) لا يتعلق به أيضا وجوبا ولا استحبابا، والغطرة في ذلك شأنها شأن القميص الباكستاني (قميص إلى الركبة مع بنطال من نفس القماشة واللون)، فهو لم يكن زي النبي، صلى الله عليه وسلم، أصلا، ولا يتعلق به أي استحباب، بل إن النمط السلفي في نشوته الأولى في السبعينات قد صدر لنا والله من يرتدي الزي اليمني (رداء يلف حول الوسط).فليس الأمر إذا إلا  مجرد رغبة في الاختلاف.

سيستدلون بأن أحب الثياب إلى رسول الله القميص، هذا أمر مردود أيضا، لأنها من سنن العادات، والشيخ الألباني نفسه شيخ السلفيين قد اعتمد على هذا التمييز حين انتقد التبليغيين، فقد سُأل: « هل قول جماعة التبليغ: إن السنة للمدرس أن يدرس وهو جالس والسنة للداعي أن يدعو إلى الله وهو واقف ممسك العصا بيده، صحيح؟» فأجاب: «أنهم لا يفرقون بين السنة التعبدية والسنة العادية الرسول عليه السلام كان له عصا تسمى بالمحجم لها عكفة، وكانت تنصب له في العراء إذا صلى، خاصة في المصلى كانت تنصب له ليصلي إليها، فهذه كان يستعملها الرسول عليه السلام للحاجة لكن إذا خرج من بيته إلى المسجد، وهو قوي البنية شاب، فلماذا يتكئ عليها؟! لكن أنا أدري ما هو السبب: إنهم أولاً: لا يعرفون هذه القاعدة: التفريق بين سنة العادة وسنة العبادة». (وسنتحدث لاحقا عن مغزى العصا التي يمسك بها التبليغي.. فلها قصة مثيرة).

ثانيا: مسألة اللون الأبيض نفسها يتعلق بها ملاحظة هامة، وهي أن درجة استحبابها من النبي، صلى الله عليه وسلم، لا تتناسب مع درجة التزام السلفيين بها، فمن ناحية النبي، صلى الله عليه وسلم، وصحابته قد ارتدوا ما هو غير أبيض، فلا يدل حديثه على إلزام، ومن ناحية السلفيين فقد تركوا غير ذلك من المستحبات ففعلهم ليس موصولا إلى النبي كالتزام.

قال الشوكاني في «نيل الأوطار»: « والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب، أما في اللباس، فلما ثبت عنه، صلى الله عليه وسلم، من لبس غيره وإلباس جماعة من الصحابة ثيابا غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض». ورغم أن السلفيين يقرّون لك بأن الأمر هو مجرد استحباب، إلا أن الواقع يدل على أنه ثم (وجوب ضمني) قد اتفق عليه الجميع دون تصريح. فدل ذلك على أن المطلوب الحقيقي هو الاختلاف لا أكثر.

 حتى أسلوب المصافحة أصبح خليجيا، فوجدنا في مصر يرتدون القميص ويقبلون أكتاف بعضهم البعض عند اللقاء، حتى الأثمد الذي كان يتداوى به لأغراض طبية وقبل النوم، وجدنا بعضهم يزين نفسه به أمام الناس دون داعٍ طبيّ.

وعلى مستوى اللغة، فقد وفرت العربية الفصحى للسلفيين فرصة كبرى كي يدعموا مظهرهم كـ (أناس آخرين)، فقد استبدلوا كل ما استطاعوا من مفردات عربية بتلك المفردات (التي يستخدمها العوام)، مثل زعمهم الباطل بأن كلمة (صدفة) هي خطأ فاحش صوابه (قدرا). حتى علم التجويد قد وجدوا فيه ضالتهم كي يختلفوا عن المجتمع لا بمفرداتهم الخاصة، بل بلكنتهم الخاصة أيضا، فتجد السلفي يراعي أحكام التجويد في حديثه العادي، فتميزه عن غيره بسهولة من تقعره وتنطعه في طريقة الكلام، خاصة حرف العين التي يأتون بها من أسلف الحلق. حتى كلمة (إيش؟) المستفهم بها، قد وضعوها في دروسهم لغير سبب مفهوم بدلا من كلمة (إيه؟) المصرية.

بل لقد بالغ بعض الشيوخ المخلصين للنمط السلفي في مسألة اللغة فتعمد نطق بعض الألفاظ المعاصرة بطريقة خاطئة، فقد سمعت أحدهم في أحد دروسه يقول: «والزوجات في هذه الأيام لا يبالون بما عليه زوجه من تقوى، بل لا يهتمون إلى بالرحلات الصيفية وبالغسالة (الأوتاماتيك).. ألستم تنطقونها هكذا؟» فرد عليه الحاضرون: «أوتوماتيك يا شيخ»، فقال: «نعم هي كذلك». وما كلمة (إيش؟)، أي (إيه؟) التي كان يكثر منها بعضهم في دروسه من هذا المقصد ببعيد.    

الإنسان السلفي يخاطب المجتمع في مخيلته قائلا: «ما لك تنظرون إليّ هكذا؟ ليس لكم علاقة بي، لا أشبهكم ولا تشبهوني، أنا إنسان مختلف تماما، لست من هذا الزمان ولا من هذا المكان، هاهو مظهري ولساني يدلان على ذلك، طبيعي ألا أشبهكم في عاداتكم ونمط حياتكم، لكن لا بأس من أن تعتبروني ضيف عليكم  ومن ناحيتي لن أسبب لكم أي إزعاج، فقد لا تنظروا إلي هكذا باستغراب فهذا يحطمني».  

 لا عجب إذا من أنك ترى السلفي، رغم إصراره على أنه مختلف عن المجتمع، إلا أنه في النهاية مسالم له، وأي نقد يوجهه للمجتمع ليس بقصد تغييره ، بل فقط يؤكد لنفسه أنه مختلف عنه، فهو غير متحمس في الحقيقة لضرب المجتمع أو مهاجمته أو تفكيك لبناته وضمها إليه. ولا عجب من أن كل اعتراضات السلفيين على المجتمع إنها هي اعتراضات شكلية باردة، يتوجه بها السلفيون إلى أنفسهم لا إلى المجتمع، لأن المقصود هو خداع الذات لا تغيير المجتمع، وهي اعتراضات شكلية لأن الاختلاف في الشكل فقط هو ما يؤدي لهم مقصودهم من الإفراط في الاختلاف.

*

لكن يجب أن نعترف أن اعتراضنا على شكلية السلفيين هو نفسه اعتراض شكلي، لذلك لن نقف أمامه طويلا، لكن كان من الضروري أن نمسك أولا بإرادة الاختلاف عن المجتمع، وأن نستدل عليها حتى من أمور تافهة، ثم ننتقل من تلك الأمور إلى الحديث عن خطورة تلك الإرادة منذ نشأتها وما أحدثته من عرقلة لمسيرة الحركة الإسلامية.

ودعونا نطرح تلك التساؤلات: «ما علاقة موضوع (ولي الأمر) عند السلفيين بالنمط المسيطر عليهم والذي هو (الانسحاب من المجتمع)؟ وما هو دور (علم الحديث) وقضايا الأسماء والصفات في هذا الانسحاب؟ ولِمَ يتعامل الشيخ في النمط السلفي مع طالب العلم بنوع من العنجهية والصلافة يقابلها التلميذ بقبول ورضا؟.

وأمر آخر أكثر أهمية: لقد ذكرنا أن الإسلاميين يمثلون (نمط المواجهة) وأن استدعائهم للتراث هو عمل من أعمال الصراع الحضاري، وفي المقابل، زعم العلمانيون الذين يمثلون (نمط الهروب) أن الإسلاميين ماضويين وأنهم (هاربين إلى التراث) فهل صدق زعم العلمانيين بالإسلاميين في ضوء ما ذكرناه عن (ماضوية السلفيين)؟

وأمر ثالث: لِمَ نأخذ على السلفيين إرادة الاختلاف رغم أن الاختلاف عن أهل الباطل هو مطلب جائت به الشريعة؟ ورغم أن مطلب الهوية الحضارية يلبيه الاختلاف؟

يبدو أن للسلفيين معنا حلقة أخرى.

تم الجزء العاشر ويليه الجزء الحادي عشر إن شاء الله.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  البناء النفسي للشخصية السلفية (الجزء الأول)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7