الرئيسة قراءة في كتاب الاسـتـشراق قراءة نقدية
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

عزيزة السبيني

الاسـتـشراق قراءة نقدية  

الكتاب: الاستشراق/ قراءة نقدية

المؤلف: د. صلاح الجابري

الناشر: دار الأوائل/دمشق 2009

عدد الصفحات: 264 صفحة

لم تكن الثقافة الغربية بمفهومها الواسع، ثقافة حوارية تجيز هوية الثقافات الأخرى، إنما هي ثقافة تسلطية قمعية، تلغي الآخر، وتمارس عليه دور الوصاية السلطوية، وهو دور يعيد تشكيل الواقع، وفقاً لرغبات وقناعات ومخططات استثمارية هادفة، وليس وفقاً لواقع موضوعي. فاتخذ الاستشراق صورة التبشير الديني تارة، وصورة التمثيل التصويري تارة أخرى، وصورة الاستعمار المباشر تارة ثالثة، وفي كل التجسدات والتحققات، فإن طبيعة الثقافة السائدة، والمسيطرة، هي ثقافة إمبريالية، تمثيلية وليست انعكاسية، وقد تمَّ توظيف الاستشراق كوسيلة معلوماتية لاستعمار العالم الثالث، حيث حاول إعادة بناء الشرق بعيداً عن واقعه، فالمجتمعات الإسلامية كما يتصورون، هي مجتمعات بدائية، يقتضي الواجب نقلها إلى حالة المدنية، باستخدام سياسة التماثل، وإن تفكيك الاستشراق سينهي تلك الصورة التمثيلية في الذهن الغربي، وسيكشف الطابع الوهمي لتلك الأحكام المسبقة، ويدرك أن الطابع الإنساني للبشرية يفرض عليه معاملة البشرية بمثل معاملته لذاته، وإن الموقف العلمي الموضوعي يفرض عليه المساهمة الجدية في نقل الشرق من حالته الساكنة إلى حالة جديدة متحركة ومتقدمة، من دون قيود إيديولوجية وأفكار مسبقة، وخطط استثمارية لمصالح ذاتية، يقتضي تحقيقها إفناء الشعوب الفقيرة.

هذه الإشكاليات طرحها الدكتور صلاح الجابري في كتابه (الاستشراق/قراءة نقدية) في محاولة منه لبناء منهج، وإيضاح رؤية، من منطلق سياق حضاري إسلامي، يتجاوز الأحكام الانفعالية، والرؤى السطحية، والنظر إلى الإسلام بوصفه قيمة معرفية، وارتقاء حضارياً.

سلطة الاستشراق- الاستشراق السلطة

يشكّل الاستشراق حالة من حالات تخارج الثقافة الغربية التي تتحكم فيه معيارية التفوق الغربي على الشرق، والفوقية العرقية، والمركزية الثقافية والسياسية الغربية، وقد عززت التطورية الاجتماعية تلك النظرة، لتحقق رغبة الإنسان الأوربي في القرن الثامن عشر، في ترتيب سائر الشعوب الأخرى في سلم التطور، ومحاولة منه للعثور على تبرير وتعليل علمي لتنوع الثقافات، وتباينها، وتفاوتها، لتسويغ الهيمنة الأوربية، وهو ما وجد صيغته الفلسفية في أفكار هيجل، وماركس، وروبنز.

وإذا كان منطلق الاستشراق من هذه النظرة الاستعلائية، فإن قيمته تكمن في النظر إليه، لا بوصفه رؤية موضوعية حيادية للشرق وثقافته، بل بوصفه تعبيراً عن القوة الأوروبية- الأطلسية إزاء الشرق، وتكمن قيمته الأداتية، في كونه إنشاء لغوياً عن الشرق، هدفه السيطرة عليه، وهذا ما يؤكد حقيقة التمثيل، في إعادة بناء الشرق بعيداً عن واقعه، ووفق مسلمات ذهنية غريبة عن ذلك الواقع، يُراد لها أن تحتل موقع الحقيقة الواقعية، مستبعدة الواقع التاريخي والنفسي للأمم الشرقية، ومستبدلة إياه بصورة خيالية، ابتكرها مخيال الإنسان الغربي، أما سياسة التماثل التي سعى إلى تكريسها، فهي الغاية النهائية للإمبريالية، وبحسب النظرية التطورية، فإن التماثل يشكل نهاية الاستعمار- لكن ذلك لايعني بالضرورة، إنهاء الإمبريالية بمعناها السياسي أو القضائي.

 

الإنثروبولوجيا علم أم أيديولوجيا؟

إن العلاقة بين الاستشراق والإنثروبولوجيا، علاقة وثيقة، فقد شكلا رافدين أساسيين للسلطة الاستعمارية، ويشتركان في موضوع واحد، هو الشرق أو العالم الثالث، لكن الاستشراق أسبق من الإنثروبولوجيا من الناحية التاريخية، ورغم ذلك فإن الدراسات الإنثروبولوجية زودت المستشرقين بمادة غنية لبناء تصوراتهم، بمادة منظمة عن الحياة الفردية والاجتماعية للمجتمعات المتخلفة/ البدائية. ويمكننا إجمال موضوع الاستشراق في نظام حياة الشرق، وثقافته/ لغته، دينه، علمه، فنه.... وهذه هي الموضوعات عينها التي عنت بتحليلها الإنثروبولوجيا، والحقلان –أي الاستشراق والإنثروبولوجيا- لا ينفصلان عن الأيديولوجيا التي تشكّل ذهنية الباحث الغربي. ففي الإنثروبولوجيا الكلاسيكية كانت المرجعية المعيارية في الأحكام هي المركزية الإثنية الغربية، وبالمثل، كان الحال في الاستشراق، وإذا كانت الإنثروبولوجيا قد انتهت إلى وضع علمي يسعى إلى التخلص مما علق بها من اتهامات بمساندة الإمبريالية الغربية، فالأمر نفسه حصل للاستشراق. لكن الأمر مختلف بالنسبة للإنثروبولوجيا، فهي بما أنها بحث تجريبي ميداني، يمكن تصور دخولها ميدان البحث العلمي الموضوعي في دراسة أصول الشعوب وثقافتها بحياد وتجرد، وهذا المستوى يصعب تصوره بالنسبة للاستشراق، لأنه مرتبط بالأيديولوجيا ارتباطاً وثيقاً، ولذلك من الصعب تصور وجوده التقليدي حين فصله عن الأيديولوجية الموجهة له، وعلى الرغم من اعتقادنا باحتوائه على تحليلات علمية، ومواقف موضوعية نزيهة في جوانب كثيرة، إلا أنه يبقى مرتبطاً بأيديولوجية ووضع دولي محددين!؟. وإذا كان من الممكن تصور خروج الإنثروبولوجيا من شراك الإيديولوجية، فمن غير الممكن تصور خروج الاستشراق. وربما من المفيد هنا الإشارة إلى الاستعمار الذي ينساق مع الاستشراق، والأنثروبولوجيا ضمن مركب ذهني غربي، يتناقض في محتواه الفكري والقيمي مع الفكر الشرقي والإسلامي، تناقضاً، يفرضه واقع تضارب المبادئ الفكرية والعقائدية بين الطرفين. وهذا ما ساعد الإمبريالية الأمريكية المعاصرة، على اتخاذ الديمقراطية ذريعة واقعية، باعتبارها جزء من الفكر الاستشراقي الغربي، وإذا كان غيابها –أي الديمقراطية- وفق التحليل الغربي، سبباً في تفشي الإرهاب في العالم الإسلامي، فإن في العالم الإسلامي تعليل آخر لظاهرة الإرهاب، وهو الاستبداد الغربي الصهيوأمريكي تجاه العالم الإسلامي.

 

الاستشراق من الانفعال إلى التعقل

إن دعوى الموضوعية في الجدل الاستشراقي أحادية الطرف. ولذلك فهي لم تخرج من إطار المركزية الغربية، بل هي انبثاق عنها، وصياغة جديدة لمبدأ الانتقاص القيمي من الآخر. إنها نوع من الاحتكار ينقل من إطاره السلعي الضيق، ليوظف كعامل نفي واستبعاد، أو أداة قمعية لفكر الآخر، ولذلك فإن دعوى النزاهة العلمية والموضوعية لا تعني أكثر من الالتزام بتلك المنهجية والرؤية المنبثقة عنها. وقد مرت نظرة الغرب إلى الشرق الإسلامي بتطورات عديدة، ولم تعد المسيحية والتنصير العامل المركزي الذي يوجه البحث الاستشراقي، بعد أن اكتشف دهاقنة السياسة- بالاشتراك مع أصحاب رؤوس الأموال، والشركات العالمية، أن المسيحية دعوة لامردود مربح لها، بل هي مصدر فقر وانعزال عن العالم الثالث، الغني بموارده، وفي عالم براغماتي يلهث وراء الربح، ليس من المناسب تبني أي دعوة دينية، أو فلسفية، أو عقائدية، لذلك نراهم، وقد لجأوا إلى تبني سياسة اقتصادية، قائمة على وعود بالتحديث، والثراء للقوى السياسية المسيطرة، وقد نجح الغرب في تطبيق هذه الاستراتيجية، واستمال المسلمين للعمل وفق مصالحه، بل تمكّن من طرح إسلام، يؤمن أهدافه، ويعمل على تحقيقها، بذريعة المصلحة المشتركة. وفضلاً عن ذلك، فقد شهد الفكر الأوربي ثورة ضد المسيحية والفكر الديني عموماً، وحاولوا جاهدين، نقل هذه الثورة إلى الإسلام والمسلمين، بدعوتهم إلى تغيير فهمهم للدين الإسلامي، واستبداله بفهم الغربيين للمسيحية، بوصفها دعوة ذوقية لمحبة الله، تستند إلى رؤية صوفية حلولية فردية مستقلة، عن الواقع الاجتماعي، وعن الدولة ومؤسساتها. وقد حدد المفكر إدوارد سعيد العناصر التي ساعدت على ظهور الاستشراق الحديث، والتي تمثلت باتساع معنى الشرق جغرافياً، المجابهة التاريخية، التعاطف الوجداني مع الموضع المدروس، والتنميط أو التصنيف. وشكّلت هذه العناصر، انعطافة حادة في موقف الفكر الغربي من الشرق، والإسلام على وجه الخصوص، إذ تحرر الفكر الغربي من الأسلوب الديني- الكنسي. ومن هنا، فإن الاستشراق لا يُفهم، فقط، في ضوء الفكر الديني الكنسي المناهض للإسلام، وإنما يُفهم بوصفه مشتقاً من تلك العناصر المعلمنة الأوربية في القرن الثامن عشر، والتي كان من أهم نتائجها تغيّر المرجعيات المعتمدة لدى الباحث الأوربي في دراسته للشرق. وتدعيم القدرة على التعامل تاريخياً مع الثقافات غير الأوربية، وغير اليهو- مسيحية.

بناء الرؤية

اتخذت مسألة الموقف من القرآن- كواقعة تاريخية- لدى المستشرقين صوراً متعددة، بالرغم من توحدها حول قطب مركزي، يمنحها بُعداً تاريخياً خاصاً، يميزها عن الصورة التي ينظر من خلالها المسلمون إلى القرآن الكريم. تتمثل هذه المركزية بالتشديد على استقطاب الإمكانات العلمية (التاريخية واللغوية والأنثروبولوجية) لإثبات بشرية القرآن، وإلغاء مصدره الإلهي، وقد تفاوت المحاولات بين التصريح والتلميح. ومن خلال تتبع الموقف النقدي تاريخياً، وجدنا أن النقد تفاوت بين الإقصاء والبناء، أو السلب والإثبات، وقد مثل بيرون والسفسطائيون قديماً، و(هيوم) والمدارس المعاصرة حديثاً، الطرف الأول، في حين مثل كل من سقراط والغزالي قديماً، و(كانت) حديثاً، الطرف الثاني. وتمثل المدارس المعاصرة امتداداً للنقد السلبي القديم في موقفها من مسألة الوجود ولواحقه، لكن المدارس المعاصرة، في وضع أفضل بكثير من المدارس القديمة (السلبية)، ذلك لأنها وجدت في العلم بديلاً عن الميتافيزيقيا، وبالعقلانية المرتبطة بحدود التجربة والحس بديلاً منهجياً، في دراسة الوجود ولواحقه، عن المنهج العقلي المرتبط برؤية حدسية- منطقية، مستقلة عن التجربة الحسية. وانطلق المستشرقون في نظرتهم إلى الإسلام، من أن الإسلام ليس ديناً سماوياً، ولذلك يجب أن يكون تعبيراً عن إسهام عوامل مختلفة، دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، في إنضاج فكرة مركبة في ذهن إنسان معين، ثم وجدت تلك الفكرة طريقها إلى الواقع، فتحولت إلى نظام اجتماعي وسياسي شامل، احتل تلك المساحة الواسعة على الأرض، وفي الفكر الإنساني، فضلاً، عن أن الدين –حسب رأيهم- ينظر إلى الإنسان، نظرة سلبية، بوصفه عاجزاً عن المعرفة والإبداع، ولذلك فهو يعتمد على القوى الغيبية، ولا يؤمن بالعلم.

هذه الأفكار، بالإضافة، إلى الأحداث السياسية التاريخية، دفعت بعض المستشرقين إلى تعميم سلبيتها على التاريخ الإسلامي، يستوي في ذلك بداياته في عصر الرسول (ص)، وما بعدها من أحداث متتالية، والتي غلب عليها طابع الصراع على السلطة، وتحكمت فيها عوامل خارجة عن الإسلام.

 

الموقف النقدي

جاءت دعوة المستشرقين وتلامذتهم إلى تناول التراث الإسلامي بصورة تجرده من صفة القداسة غير واضحة، وقد فهم الكثير من المسلمين دعوة تجريد التراث من القداسة، بأنها إنكار الأصل الإلهي للقرآن. والمسلمون هنا مُحقُّون جزئياً، لأن التجريد من القداسة بمعنى الحياد العلمي الذي يتناول الموضوع خارج الاعتقاد المسبق والعاطفة شيء، والإنكار المطلق للأصل الإلهي، والأصول الإسلامية شيء آخر، لا علاقة له بمنهج البحث العلمي. والمستشرقون قصدوا المعنى الثاني، أي الإنكار، وهم كما يشير المؤلف، قد وقعوا بما يسمى- الخطأ التكويني، ومصدر ذلك، في أنهم تجاوزوا موضوع البحث العلمي، وبحثوا في الأصول، أي منابع الكشف، وهي بحسب الباحثين، عوامل نفسية، لا يمكن ضبطها عن طريق المنطق البشري المحدود.

إن ما فعله المستشرقون مع الفكر والعقيدة والتاريخ في الإسلام، هو أنهم تجاوزوا المنهج التاريخي، ليتناولوا بتقييماتهم موضوعات سيكولوجية، خارج إطار المنهج!؟. فلم تقتصر دعواهم إلى عزل الدين عن النظام والمؤسسات العامة، وإنما راحوا ينكرون الأصل الإلهي للقرآن، فتخبطوا بين محاولات التحليل الفيلولوجي[1] تارة، والتحليلات النفسية تارة أخرى، كما حدث في إنكار النبوة والوحي، والعناية بطبيعة الحياة العربية قبيل الإسلام تارة ثالثة. وكان الأجدى بهم الاستناد إلى الأسس الفلسفية الموضوعية، التي تحقق انسجام المنهج مع قوانين العقل الفلسفية المسوّغة لكل استدلال موضوعي، مثل مبدأ العلية[2]، ومبدأ الانسجام بين العلة والمعلول، ومبدأ عدم التناقض وغيرها.

 

نقد الموقف الاستشراقي من الرسالة الإسلامية

مرَّ الموقف الاستشراقي من القرآن الكريم، والرسالة الإسلامية بثلاث خطوات، حاول أن يدلّل- من خلالها- على بشرية القرآن، ووضعية الرسالة، واختلاق النبوة، وكانت أولى الخطوات، تمثل محاولات إثبات أن الرسول (ص) ليس أمياً، بل يعرف القراءة والكتابة. والخطوة الثانية مبنية على الخطوة الأولى، وهي بما أن الرسول (ص) يعرف القراءة والكتابة، فإنه استطاع الاستفادة من الأديان والثقافات السابقة لوضع القرآن. وأخيراً، إن إدعاء النبوة هو نوع من الأمراض النفسية الصرعية، التي لا تجعل الشخص يميز بوضوح بين وعيه الطبيعي، ووعيه الباطني. وفي التدليل على آراء المستشرقين، يشير المؤلف إلى أن المنهج الذي يقوم على العقل والوحي السماوي أمر واقع في تاريخ البشرية، وربما كان المنهج الوحيد الذي استطاع أن يمتد تأثيره من أبعد الحضارات قدماً إلى المرحلة الحالية التي تشهد تعثر المشروع الإسلامي الأول. وكان من حسن حظ المسلمين، أن يكون الوحي هو المحرك لتلك الحضارة، لأنه يترك أملاً حقيقياً بمعاودة الكرة الحضارية من جديد، إذا توافرت ظروفها، فالحضارة التي تُبنى على أساس المحاولة، والخطأ تخضع لفعل سنن التاريخ والحياة، التي تقودها من دور النشوء إلى دور الأوج والازدهار، ثم دور الذبول والانحطاط، أما الحضارة التي تستمد أساسها من سنن واقعية موضوعية (إلهية)، فلا يمكن تصور انهيارها، لأنها لا تخضع لمراحل الفناء، فهي التي توجه سنن التاريخ، والحياة توجهها وتنقلها من مرحلة إلى أخرى، وسيبقى الوحي ممثلاً بالقرآن الكريم، هو المحرك الأبدي لهذه الأمة، سواء رضي الغرب ومستشرقيه، أم لم يرضوا.

 



[1] - الفيلولوجي (اللغوي)

[2] - يلزم مبدأ العلية، أن النتيجة يجب ألا تتجاوز سببها، فالنتيجة إما مساوية لسببها، أو أقل منه.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الاسـتـشراق قراءة نقدية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7