الرئيسة قراءة في كتاب المكون اليهودي في الحضارة الغربية

 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

المكون اليهودي في الحضارة الغربية  

 الكتاب: المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية

المؤلف: سعد البازعي

الناشر: المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء، بيروت 2007

عدد الصفحات: 423 صفحة

يشير الكاتب "رافائيل باتاي" في دراسة أجراها حملت عنوان (العقل اليهودي) أن هناك ست قوى أثرت في تاريخ اليهود واصفاً معظمها بالمواجهات، أولاها: تبني لغة كنعانية هي العبرية التي جاءت بها التوراة بدلاً عن لغتهم الأصلية الآرامية. وثانياً: مواجهة الحضارة الهلينية. ثالثاً: مواجهة العرب. رابعاً: مواجهة عصر النهضة الإيطالية. خامساً: مواجهة الحركات المذهبية المسيحية في شرق أوروبا، وتطور الحسيدية واللغة اليديشية. وأخيراً: التأقلم مع الثقافة الغربية الحديثة، وما نتج عنها من خلاص اليهود من حياة الغيتو، ودخولهم فترة تنويرية. هذه المواجهات كما يشير "باتاي" تبين اختلافاً بين اليهود وغيرهم، فلم تكن هناك يوماً- حسب تعبيره- جماعة يتألف تاريخها من سلسلة من المؤثرات الخارجية. وكان من نتائج ذلك تفرق اليهود وتعدد مشاربهم، وما تمخض عن ذلك التعدد. فالثقافة التي نتجت عن ذلك التاريخ بما فيه من تعدد وعوامل خارجية هي ثقافة تعرف بمؤثراتها، بحيث يمكن الحديث عن ثقافة يهودية هلينية، وأخرى عربية إسلامية، وغيرها ألمانية أو أمريكية....

وفي كتاب (المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية) يؤكد المؤلف (سعد البازعي) على هذه التعددية، فيشير إلى أن المفكرين اليهود الذين ظهروا خلال مراحل تاريخية متعددة، كانوا جزءاً من التشكيل الثقافي أو الحضاري للبيئات التي ظهروا فيها، وإذا كان هذا سمة لكثير من الثقافات القديمة والحديثة، فإن الوضع اليهودي يختلف في حدة تماهيه مع السياقات الثقافية المختلفة، إذ لا يوجد من يماثلهم في معدل ذلك التماهي عبر التاريخ!!.

 

أبعاد تاريخية ونظرية

يستعرض المؤلف الأبعاد التاريخية للحضور اليهودي في العالم بدءاً من تنصر الدولة الرومانية مع دخول الإمبراطور قسطنطين الدين المسيحي، وحتى نهاية العصور الوسطى مشيراً إلى أن أهم ما قام به اليهود في تلك الفترة، هو نقل الكثير من المعرفة اليونانية والعربية إلى اللغات الأوروبية في مختلف المجالات كالفلسفة والعلوم والأدب والطب، وأحد أهم الأسماء اليهودية في تلك الفترة هو (موسى بن ميمون) الذي تمثل التراث الفلسفي اليوناني، الأرسطي على وجه التحديد، ونجح في التوفيق بينه وبين الموروث الديني.

وظلَّ الحضور الفكري اليهودي في عصر النهضة، متمثلاً بابن ميمون وغيره من مفكري اليهود وعلمائهم. وأبرز السمات الثقافية التي يعود تطورها إلى تلك المرحلة، وتتضح فيها صعوبة التحدث عن تاريخ يهودي متجانس، حيث أن المجموعتين (السيفارديين، والأشكيناز)، كانتا تعانيان من الشتات اللغوي، فهم يتحدثون لغات الدول التي يقطنونها، ويستعملون فيما بينهم لغاتهم الخاصة.[1]

وفي عصر التنوير تركت "الهاسكالاه"، وهي حركة علمانية، أثراً عميقاً على اليهودية يوازي تأثيرها على المسيحية. فقد أدت بوصفها نوعاً من الإصلاح الديني إلى شكل من اليهودية خال من سماته الخاصة، ويركز على المضمون السلوكي بدلاً من الالتزام بالتعاليم اليهودية التقليدية. واللافت في هذا السياق أن بعض مفكري أوروبا، رأوا في اليهود النموذج الأكثر تمثلاً للعلمانية، وهذا ما أدى إلى ضعف التمسك بالدين، الأمر الذي شجع اليهود على الاندماج في المجتمعات المحيطة، مما أنذر بخطر الذوبان الكلي في تلك المجتمعات، وانمحاء اليهود واليهودية.

هذا الاندماج سبب مأزقاً بالنسبة للحريصين على الحفاظ على الهوية اليهودية، ومأزقاً في جانب آخر، بالنسبة لبعض المجتمعات الغربية التي لم تكن راغبة في حصول ذلك الاندماج على النحو الذي جعل اليهود رغم العقلانية والتنوير والازدهار، فإن حضورهم غير مريح في كل الأحوال. وهذا ما عبر عنه المؤرخ اليهودي "كاتز" في كتابه (خارج الغيتو) بقوله:"انتقل اليهود على كل المحاور من أسلوب حياتهم اليهودي إلى المقاييس الشائعة في محيطهم غير اليهودي". غير أن اندماجهم لم يكن واحداً ومتساوياً في المجتمعات التي أقاموا فيها، ففي روسيا ظلّت القوانين متشددة إزائهم، فاضطر الآلاف من اليهود الروس للهجرة إلى الولايات المتحدة – البلاد التي قدر لهم أن يجدوا فيها الملاذ الأكثر أمناً في تاريخهم الحديث- وفي أمريكا لم يخل الوجود اليهودي من بعض المنغصات فمعاداة السامية سمة مسيحية لم يكن من السهل زوالها، وكانت من أوجه العداء المتصلة بين المجتمعين المسيحي واليهودي. لكن اليهود الأمريكيين حققوا ما لم يحققه نظرائهم ممن آثروا البقاء في أوروبا سواء على المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي أو السياسي. وهذا ما ساعدهم على ترسيخ أبرز الحركات الأيديولوجية السياسية في التاريخ اليهودي الحديث، وهي الحركة الصهيونية، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أنشأت دولة إسرائيل في فلسطين التي لها مكانة خاصة بالنسبة لليهود في العالم، فهم يعتبرونها أبرز إنجازات اليهود، وأكبر عوامل توحيدهم، وهذا ما عبر عنه الكاتب اليهودي "درشوتز" في كتابه (اليهودي الأمريكي المضمحل)، أنه في ظل تناقض العوامل التي تجمع اليهود وتوحدهم، لم يبقى سوى أمل وحيد: "سمتنا الوحيدة المستجدة كحضارة هي دولة وشعب إسرائيل". لكنه ما يلبث أن يذكر "معظمنا لا يعيشون في ذلك الشعب- الدولة"، التي قد تؤدي عملية السلام في الشرق الأوسط، كما يقول، إلى تناقص أهميتها على أية حال.

 

سؤال الهوية والمأزق اليهودي

ويبقى مأزق الانتماء اليهودي، وسؤال الهوية من الأسئلة التي أصابها الكثير من التعقيد في الفكر اليهودي، فوقف المفكرون والفلاسفة اليهود بين طرفين، الأول يدعو إلى الالتصاق بالشعائر والممارسات اليهودية كجزء من الهوية كما عند "بوبكن"، وهو موقف أكثر سكوناً وتصالحاً لا نجده لدى "شتاينر أو روث أو فنكلكروت"، الذين وصلوا إلى حد استصغار أنفسهم إزاء تلك الهوية، والثاني الذي تمثله "سيمون" نجده نموذجاً حاداً في شتاته الشخصي، إذ يتخذ هيئة التخلي التام عن اليهودية، والتبرم من مجرد الإشارة إليها.

من هنا يبدو أن اليهود أكثر شعوب الأرض تعدداً في الانتماءات، وانغماراً في مأزق الهوية. هذه الإشكالية كما يراها المؤلف تشكّلت بفعل عاملين، أولهما الشعور اليهودي بالاختلاف، وثانيهما، الموقف أو الفعل الاستراتيجي الثقافي والفكري تجاه ثقافة الآخر الغربي/ المسيحي، وهو موقف اختار له المؤلف عبارة المفكر الفرنسي جاك دريدا (التقويض)، بوصفه موقفاً أقلوياً يتواتر عنده عدد كبير من المفكرين والكتاب اليهود، قارناً إياه بالاختلاف. اختلاف اليهودي عن غيره من الغوشيم أو الأغيار، وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك الشعور حيادياً أو ديمقراطياً، فقد كان يصحبه في الغالب شعور بالتفوق أو التميز، وهذا الشعور لم يخل لفترات طويلة من شعور بالتأزم حيال الهوية، وهو شعور إن أفضى حيناً إلى الدونية، فإنه في أحيان كثيرة أدى إلى مزيد من الشعور بالتفوق!!.

وإذا كان استمرار الشعور بالاختلاف كشعور عام ومسيطر، مثلما كان استمرار الحاجة إلى استراتيجيات الهجوم والدفاع، لكن هذه جميعاً، اتخذت صوراً أكثر تطوراً وتعقيداً، لا سيما من الناحية النظرية المفاهيمية، وصارت جزءاً يصعب فصله أحياناً، عن السياق العام للثقافة الغربية، لأنه اعتمد على موروث تلك الثقافة مع الإفادة من الموروث اليهودي نفسه، فالاختلاف مثلاً، اتخذ صورة مطورة كمفهوم فلسفي واجتماعي وإبداعي أيضاً، ومثل ذلك استراتيجيات الهجوم والدفاع، التي يمكن جمعها بشيء من التجاوز، في أحدث صورها أو مصطلحاتها، وهو (التقويض).[2]

وهذا ما عبر عنه " كارل ماركس، و كارل بوبر، و جورج شتاينر"، في أفكارهم التي تأخذ بعداً اجتماعياً ثقافياً فئوياً، يلون الاهتمامات الفكرية أو الفلسفية بصبغة أيديولوجية تقلل من كونها محض هموم فكرية أو فلسفية.

 

اليهود من التنوير إلى الخلاص

يشير المؤلف إلى أربعة نماذج متباينة في الإسهام اليهودي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد تطور الفكر الأوروبي في شخص "سبينوزا"[3]، الذي يُنظر إليه بوصفه من كبار فلاسفة أوروبا، وكذلك "موسى مندلسون" الذي تفاعل مع معطيات التنوير، مؤسساً لنفسه مكاناً، ولمكوناته الثقافية في السياق الثقافي الأوروبي ذي البعدين المسيحي والكلاسيكي، لكن الشاعر "هاينرش هاينه" ترك بصمته الواضحة على الخارطة الشعرية الأوروبية في القرن التاسع عشر، بلغة وثقافة ألمانية، لكنها لم تغفل البعد اليهودي سواء في نسيجها، أو همومها، في حين لم نجد روائياً تبلور في شخصية الإنكليزي كالروائي "بنجامين دزرائيلي"، الذي أسفر في اندماجه في الثقافة الإنكليزية من ناحية، وعبّر عن هموم جماعته اليهودية من ناحية أخرى.

 ويبقى السؤال إزاء هذا الحضور اليهودي في الثقافة الأوروبية، هو كيف تلقت أوروبا، والغرب عموماً، ذلك الدفق المتوزع على مناحي الفكر والثقافة؟ وما هو موقفها من الحضور اليهودي في ثقافتها؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، استدعى الكاتب ثلاثة من كبار المثقفين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، الذين غطوا أقاليم الثقافة الغربية في تلك الفترة، هي ألمانيا، وفرنسا، وإنكلترا، فكان عليه أن يقراً غوته الألماني، ورينان الفرنسي، وماثيو آرنولد الإنكليزي. لينتهي إلى نظريتين مختلفتين للحضور اليهودي. فاليهود بوصفهم جماعة، كانوا عقبة في وجه التغير، أو التقدم، ونموذجاً للتزمت والنفاق، لكنهم في الوقت عينه، قادرين على إنتاج من يجسد النموذج الأعلى في الخلق والعقل "سيبنوزا". غير أن التفريق الذي وجدنا ما يشبهه لدى "آرنولد" حين يقول إن سيبنوزا انتمى إلى أوروبا في حين أن جماعته الذين طردوه، ظلوا من بني إسرائيل، ونكتشف أن في خطاب "رينان" تفريقاً لا يستفيد منه اليهود شيئاً، لأن الذين خرجوا من العباءة اليهودية، كانوا إما مصلوبين أو مطرودين!!. ولعل "رينان" في هذه الحالة- هو الأشد في تعامله مع الحضور أو المكون اليهودي، من "غوته وآرنولد" اللذين تفاوتت رؤيتهما لليهود ما بين التعاطف الواضح مع الجماعات اليهودية، وبعض الابتعاد عنها. وهذه الرؤية أقل تعاطفاً لدى "رينان". وباختصار فإن "غوته وآرنولد ورينان" ليسوا متفقين حول قيمة الأثر الذي تركه المكوّن اليهودي، وما يجمعهم، هو المؤثر التنويري الذي جعل أوروبا تنفتح على الأثر اليهودي بوصفه يهودياً، وتزيد من مدى تقبلها لليهود أنفسهم.

 

الأقلية الكاسحة

يضطر اليهودي لاتخاذ الترتيبات التي تمكنه من التعايش على نحو ما مع الظروف السياسية والاجتماعية التي يعيشها، والتي تترك أثرها ليس على السلوك أو الممارسات المهنية، وإنما على النتاج الفكري والإبداعي أيضاً، والظروف لا تعني بالضرورة تقديم التنازلات، وإنما قد تعني النقد بغرض التأثير على البنى الثقافية والسياسية والاجتماعية، بحيث يمكن لأفراد الجماعة أن يجدوا مكاناً في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها حتى حين يجابهون بالقمع، وهذا ما عبر عنه فرويد، في أن القمع لا يؤدي إلى إبادتهم، وإنما إلى أوضاع من خلالها "يتوصلون إلى فرض أنفسهم في المهن كافة ويرفدون الحضارة، حيثما أمكن لهم أن يتغلغلوا  بثمين العطاء" [4]. وهذا ما أدى إلى ظهور مدارس خاصة باليهود، وأشهرها على الإطلاق مدرسة فرانكفورت، لمؤسسها " أنطون نوبل"[5]، و تلقت المدرسة دعماً من ثري ألماني "فيلكس فايل"، وأشهر أعضاءها " ماكس هوركهايمر، روزنزفايغ، تيودور و. أدورنو، فالتر بنيامين، إريك فروم، هربرت ماركيوز"، من أصول يهودية (كلية أو جزئية)، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الانتماء العرقي الثقافي على المجموعة ونتاجها الفكري.

ويمكننا اختصار التأثير اليهودي في الفكر الأمريكي بإسهامات تمثلت في الفكر السياسي للحزب الديمقراطي وانتشار الليبرالية، والجوانب الإبداعية التي تمثلت في الإنتاج الموسيقي والمسرحي، والتحليل النفسي الفرويدي الذي انتشر من خلال حضور فرويد وغيره من المثقفين أمثال جاك دريدا و هارولد بلوم وغيرهم. وأخيراً الأثر الذي تركوه على الحياة الأكاديمية في الجامعات والكليات الأمريكية.

ومع ذلك، فإن ازدهار الوجود اليهودي في الغرب، له دوافعه، غالباً، ما تكون أيديولوجية ترعى مصالح معينة سواء من جانب اليهود أنفسهم، أو من جانب المجتمعات المحيطة بهم.

 

 



[1] - السيفارديون يتحدثون عبرية إسبانية تعرف بـ( جوديزمو) أو (لادينو)، والأشكيناز يتحدثون (اليديشية) أو (اليديه).

[2] - التقويض: الذي يعني التدمير أو التخريب وفقاً للترجمة عن الإنكليزية.

[3] - سبينوزا: هو باروخ دي سبينوزا، أو بينيديكت دي سبينوزا، وهذا ما يشير إلى هويتين مختلفتين، هوية يهودية، وهوية مسيحية.

[4] - فرويد، كتاب موسى والتوحيد.

[5] - أنطون نوبل( 1871-1922) الأب الروحي لمجموعة من الشباب المثقفين الألمان، الذين اجتمعوا في المدرسة اليهودية الحرة(فرانكفورت).

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المكون اليهودي في الحضارة الغربية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7